حقيقة ماو تسي تونغ والثورة الشيوعية في الصين

 

 

حقيقة ماو تسي تونغ والثورة الشيوعية في الصين

 

 

شادى الشماوي

 

 

حقيقة ماو تسي تونغ والثورة الشيوعية في الصين

 

——————————————————————————–

 

حقيقة ماو تسي تونغ والثورة الشيوعية في الصين

ترجمة الرفيق شادى الشماوي

 

مقدمة للرفيق شادي الشماوي:

 

بإعتباره مادي جدلي وليس مثالي ميتافيزيقي، إعترف ماو تسى تونغ بأن الحقيقة وليس الأوهام والخيالات تصبّ على الدوام فى خدمة الشعب ذلك أن الحقيقة مثلما قال لينين هي وحدها الثورية وأن تغيير الواقع الملموس يتطلب تفسيره تفسيرا صحيحا ماديا جدليا علميا وعندما أدرك ماو ان التحريفيين الخروتشوفيين – الطبقة البرجوازية الجديدة كما ستسمى لاحقا- قد إغتصبوا السلطة فى الإتحاد السوقياتي وحوّلوا دولة وحزب البروليتاريا اللذان قادهما لينين ثم ستالين إلى دولة وحزب برجوازيين وأعادوا تركيز الرأسمالية ودمروا الإشتراكية ، لم يتردّد كشيوعي صريح فى إقرار تلك الحقيقة المؤلمة للغاية ولم يهادن التحريفيين ولم يغضّ النظر عن سياساتهم الرجعية داخليا وخارجيا وبالتالي لم يسلك إزاءهم سلوكا إنتهازيا كما فعل بعض قادة الأحزاب الشيوعية الأخرى وإنما تحمّل بجسارة مسؤولية التصدّى لهم داخل الحركة الشيوعية العالمية ثمّ القطع معهم مهما كلفه و كلف الحزب و الدولة الصينيين و الحركة الثورية وفضحهم ودافع عن الماركسية-اللينينية ورموزها لينين و ستالين .وأكثر من ذلك عمل جاهدا لحثّ و قيادة الحركة الشيوعية العالمية فى إلحاق الهزيمة بالتحريفية المعاصرة من جهة و على البحث و التنقيب و الدراسة النقدية للتجربة السوفياتية لإستخلاص الدروس الإيجابية منها و السلبية خدمة للمستقبل وتشييد تجارب بروليتارية ثورية أرقى فأرقى.

وبفضل هذا الخط الماوي الثوري تمّت مقاومة التحريفية فى الصين و عالميا ونتيجة الجدال العظيم الذى قاده ماو تسى تونغ ضد التحريفية المعاصرة منذ الخمسينات و خاصة فى الستينات ولدت الحركة الماركسية-اللينينية وإن كانت القطيعة التى أجرتها تنظيمات و أحزاب شيوعية غير تامة أحيانا أومشوبة بإرث ثقيل من الإنتهازية و الدغمائية . وأبرز رموز الحركة الناشئة كان بلا منازع ماوتسى تونغ الذى زاد صيته وعلا أكثر نجمه مضيئا درب الثورة البروليتارية العالمية بتياريها الثورة الإشتراكية فى البلدان الرأسمالية الإمبريالية والديمقراطية الجديدة /الوطنية الديمقراطية بقيادة شيوعية فى المستعمرات وأشباه المستعمرات ، مع قيادته للثورة الثقافية البروليتارية الكبرى كمواصلة للثورة فى ظل دكتاتورية البروليتاريا .

 

وعربيا و قطريا يشهد التاريخ رغم تنكّر البعض و تعنّتهم أن المجموعات الماركسية-اللينينية التى تشكّلت خارج الأحزاب الشيوعية التقليدية-التحريفية وبعيدا عن التروتسكية المفضوحة تبنّت بدرجة أو أخرى أفكار الحركة الماركسية-اللينينية التى كان ماوتسى تونغ ألمع قادتها . بيد أنه إثر هزيمة البروليتاريا والثورة الصينيين وإستيلاء الطبقة البرجوازية الجديدة الصينية على الحزب و الدولة و إعادة تركيز الرأسمالية فى الصين ،عقب وفاة ماو تسى تونغ فى 1976 ، عوض أن ترفع الحركة الماركسية-اللينينية راية ماوتسى تونغ الحمراء الخفاقة الثورية،و فى الوقت الذى كانت فيه التحريفية الصينية- البرجوازية الجديدة و على رأسها دنك سياو بينغ تكيل التشويه و تبثّ الضبابحول الماوية نظريا و تقبرها عمليا، تقدّم أنور خوجا ،زعيم حزب العمل الألباني ليهاجم بضراوة وفجاجة ماوتسى تونغ وأفكاره الثورية بشتى الوسائل المنحطّة البعيدة البعد كلّه عن الحقيقة والنزاهة و المنهج المادي الجدلي،و القائمة على الكذب و التزوير وإختلاق التهم .وإستغل الإنتهازيون داخل الحركة الماركسية-اللينينية عربيا و فى القطر خصوصا البلبلة داخل الحركة الشيوعية العالمية الناجمة عن نشر كتاب أنور خوجا الذى كان قبل ذلك يرفع ماو إلى السماء (“الإمبريالية و الثورة” ) ليخرجوا من جحورهم وينفثوا سمومهم فى محاولة لإهالة التراب على الشيوعية الثورية بما ييسّر لهم فرض برامجهم وتنظيماتهم الإصلاحية .وبعد سنوات من بثّ الشك و المراوغات نظمت حملة شعواء ضد الماوية بداية بالترويج لكتاب أنور خوجا ثم بنشر… كتب و “بحوث” مناهضة للماوية وقد نجحت التحريفية و الدغماتحريفية عربيا و قطريا فى هذا الهجوم السافر لأسباب متعدّدة ومعقدة ليس هذا مجال تفصيلها ،فى عزل الماوية ومحاصرتها وفى بسط هيمنة الإصلاحية و النقابوية على الحركة الشيوعية.

 

ومحاولات الردود الأولى قطريا التى طالت أنور خوجا …لم تستمرّ كما ينبغى لتأخذ مداها و تتابع الكتب و “البحوث”…بالنقد التفصيلي و الصراع المبدئي لكشف تهافتهما بأسرع وقت ممكن لذلك تظل هذه المهمّة ، بعد عقود الآن ، قائمة الذات إذا ما رام الثوريون أن يعيدوا بناء حركة شيوعية ثورية حقا كجزء من الثورة البروليتارية العالمية خاصة و أن وقائع الصراع الطبقي عالميا أكّدت و لا تزال أن التيارات و المنظمات التى إنحرفت و نبذت الماوية كمرحلة ثالثة جديدة و أرقى فى علم الثورة البروليتارية العالمي إنتهت إلى التفسّخ و لم تعد ثورية بل أمست إصلاحية و نقابوية و ما إلى ذلك و أنّ الماويين المتمسّكين بالماركسية-اللينينية-الماوية قطعوا أشواطا فى تقييم الموجة/المرحلة الأولى من الثورة البروليتارية العالمية و فى خوض الصراع الطبقي من موقع متقدّم بغاية تحقيق الهدف الأسمى ،الشيوعية و الماويون اليوم على راس أهمّ الحركات الثورية فى العالم لا سيما فى آسيا . بقدر ماإستوعبوا الماوية و رفعوا رايتها و دافعوان عنها و طبقوها و طوروها بقدر ما تقدّموا بالحركة الثورية البروليتارية و العكس بالنسبة لأعداء الماوية بقدر ما إبتعدوا عنها بقدر ما نزلوا إلى حضيض التفسّخ و الإنتهازية و الدغمائية و حتى الخدمة الجلية لأعداء الثورة.

 

وفى إطار هذه المعركة الفكرية الضرورية لتقدّم الماوية ،و بمناسبة الذكرى 60 لإنتصار الثورة فى الصين – سنة 1949- نساهم مساهمة بسيطة بهذه الترجمة لمقال ماوي من الصحافة الماوية عبرالعالم فى دحض الترهات الخوجية و الدفاع عن الماوية ورفع رايتها من خلال عرض مقتضب لحقيقة ماوتسى تونغ و الثورة الماوية فى الصين ينفض بعض الغبارالتحريفي و الرجعي العامل على حجب الماوية عن المثقفين و الجماهير ويقدّم بعض التوضيحات لمن له فكرة غير تامة عن موضوع الحال أو يمثّل مدخلا للإبحار فى دراسة جدّية للتعرّف على حقيقة الماوية كمرحلة جديدة ثالثة و أرقى فى علم الثورة البروليتارية العالمية ،الماركسية-اللينينية-الماوية ،لا سيما بالنسبة للأجيال الجديدة.

 

ولأن التحريفين و الدغماتحريفيين الذين يروجون أباطيلا ملخّصها أن ماو ما كان يوما شيوعيا و أن الصين ما كانت يوما إشتراكية أقاموا صرح جانب كبير من نقدهم على عقد مقارنات دغمائية لاتصحّ بين ثورة أكتوبر والثورة الماوية فى الصين بمرحلتيها الديمقراطية و الإشتراكية رأينا قبل كلّ شيئ، فى ختام هذه المقدّمة ، أنه من الضروري أن ندع لينين و ماو يعطياننا فكرة عن الرابطة الحقيقية بين الثوريتين المختلفتين نوعيا و اللتين قامتا بقيادة البروليتاريا فى بلدين مختلفين : روسيا الإمبريالية و الصين المستعمرة وشبه المستعمرة شبه الإقطاعية .

 

ماو حول ثورة أكتوبر المجيدة و المسألة الوطنية :

 

” الحرب الإمبريالية العالمية الأولي و الثورة الإشتراكية الظافرة الأولي ، ثورة أكتوبر ، قد غيرتا إتجاه تاريخ العالم كله و إنتجتا عصرا جديدا .

ففى العصر الذى إنهارت فيه الجبهة الرأسمالية العالمية فى جزء من الكرة الأرضية (سدس مساحة الأرض) بينما ظهر للعيان تفسخ الرأسمالية فى أجزاءها الأخري ، العصر الذى أصبحت هذه الأجزاء الرأسمالية الباقية لا تستطيع أن تحيا فيه بدون مزيد من الإعتماد على المستعمرات و شبه المستعمرات ، العصر الذى قامت فيه دولة إشتراكية و أعلنت رغبتها فى خوض النضال من أجل دعم حركة التحرر فى جميع المستعمرات و شبه المستعمرات ، العصر الذى تتحرر فيه البروليتاريا فى البلدان الرأسمالية يوما فيوما من نفوذ الأحزاب الإشتراكية الديمقراطية –الأحزاب الإشتراكية الإمبريالية –

و تعلن تأييدها لحركة التحرر فى المستعمرات و شبه المستعمرات ، فى هذا العصر إذا نشبت فى أي بلد مستعمر أو شبه مستعمر ثورة موجهة ضد الإمبريالية ، أي ضد البرجوازية العالمية و الرأسمالية العالمية ، فهي لا تنتسب إلى الثورة الديمقراطية البرجوازية العالمية بمفهومها القديم ، بل تنتسب إلى مفهوم جديد ، و لا تعد جزءا من الثورة العالمية القديمة البرجوازية و الرأسمالية ،بل تعد جزءا من الثورة العالمية الجديدة ، أي جزءا من الثورة العالمية الإشتراكية البروليتارية ، و إن مثل هذه المستعمرات و شبه المستعمرات الثورية لم تعد تعتبر فى عداد حليفات الجبهة الرأسمالية العالمية المضادة للثورة ، بل أصبحت حليفات للجبهة الإشتراكية العالمية الثورية .

 

و على الرغم من أن مثل هذه الثورة فى البلد المستعمر و شبه المستعمر لا تبرح خلال مرحلتها الأولى ثورة ديمقراطية برجوازية بصورة أساسية من حيث طبيعتها الإجتماعية ، وعلى الرغم من أن رسالتها الموضوعية هي تمهيد الطريق لتطور الرأسمالية ، إلا أنها ليست ثورة من النمط القديم تقودها البرجوازية و تهدف إلى إقامة مجتمع رأسمالي بل هي ثورة جديدة تقودها البروليتاريا و تهدف ، فى مرحلتها الأولى ، إلى إقامة مجتمع للديمقراطية الجديدة و دولة خاضعة للدكتاتورية المشتركة التى تمارسها جميع الطبقات الثورية . و هكذا فإن هذه الثورة من ناحية أخرى تقوم ، على وجه التحديد ، بتمهيد طريق أوسع و أرحب من أجل تطور الإشتراكية…

إن هذا التعريف الصحيح الذى طرحه الشيوعيون الصينيون يستند إلى نظرية ستالين .

 

فقد قال ستالن فى مقال كتبه فى عام 1918 إحياء للذكرى الأولى لثورة أكتوبر : ” إن المغزى العالمي العظيم لثورة أكتوبر يتمثل بصورة رئيسية فى أنها :

1) وسعت إطار المسألة القومية إذ حولتها من مسألة جزئية خاصة بالنضال ضد الإضطهاد القومي فى أوروبا إلى مسألة عامة متعلقة بتحرر الأمم المضطهدة و المستعمرات و شبه المستعمرات من نير الإمبريالية ،

2) أتاحت إمكانية عريضة و شقت طرقا واقعية نحو تحقيق هذا التحرر ، وهي بذلك دفعت كثيرا قضية تحرر الأمم المضطهدة فى الغرب و الشرق و إجتذبت هذه الأمم إلى التيار العارم للنضال الظافر ضد الإمبريالية ،

3) أنشأت بذلك جسرا بين الغرب الإشتراكي و الشرق المستعبد ، إذ خلقت جبهة جديدة من الثورات ضد الأمبريالية العالمية تمتد من البروليتاريا فى الغرب ، عبر الثورة الروسية ، إلى الأمم المضطهدة فى الشرق .”

( ماو تسي تونغ –حول الديمقراطية الجديدة / م 2، ص 479-481 ، يناير –كانون الثانى 1940)

 

لينين حول مهمة إحداث طرق جديدة للثورة :

 

فى تقرير فى المؤتمر الثاني لعامة روسيا للمنظمات الشيوعية لشعوب الشرق فى 22 نوفمبر 1919 ، ورد على لسان لينين :” أنتم تمثلون منظمات شيوعية و أحزابا شيوعية تنتسب لمختلف شعوب الشرق . و ينبغى لى أن أقول إنه إذا كان قد تيسر للبلاشفة الروس إحداث صدع فى الإمبريالية القديمة ، إذا كان قد تيسر لهم القيام بمهمة فى منتهى العسر وإن تكن فى منتهى النبل هي مهمة إحداث طرق جديدة للثورة ، ففى إنتظاركم أنتم ممثلى جماهير الكادحين فى الشرق مهمة أعظم و أكثر جدة …

و فى هذا الحقل تواجهكم مهمة لم تواجه الشيوعيين فى العالم كله من قبل : ينبغى لكم أن تسندوا فى الميدانين النظري و العملي إلى التعاليم الشيوعية العامة و أن تأخذوا بعين الإعتبار الظروف الخاصة غير الموجودة فى البلدان الأوروبية كي يصبح بإمكانكم تطبيق هذه التعاليم فى الميدانين النظري و العملي فى ظروف يؤلف فيها الفلاحون الجمهور الرئيسي و تطرح فيها مهمة النضال لا ضد رأس المال ، بل ضد بقايا القرون الوسطى . وهذه مهمة عسيرة ذات طابع خاص ، غير أنها مهمة تعطى أطيب الثمرات ، إذ تجذب إلى النضال تلك الجماهير التى لم يسبق لها أن إشتركت فى النضال ، و تتيح لكم من الجهة الأخرى الإرتباط أوثق إرتباط بالأممية الثالثة بفضل تنظيم الخلايا الشيوعية فى الشرق … هذه هي القضايا التى لا تجدون حلولا لها فى أي كتاب من كتب الشيوعية ، و لكنكم تجدون حلولها فى النضال العام الذى بدأته روسيا . لا بد لكم من وضع هذه القضية و من حلها بخبرتكم الخاصة …”

 

و جاءت تجربة الثورة الديمقراطية الجديدة الصينية بقيادة الشيوعيين و على رأسهم ماو تسي تونغ لتخط بدماء الشعب الثوري طرقا جديدة للثورة ثم جاءت الثورة الثقافية البروليتارية الكبري طريقة و وسيلة لمواصلة الثورة فى ظل دكتاتورية البروليتاريا .

 

نص لى أونستو من جريدة ” الثورة” لسان الحزب الشيوعى الثوري للولايات المتحد الأمريكية :

القصّة الحقيقية لماو تسى تونغ و الثورة الشيوعية فى الصين.

 

فى الستينات و السبعينات ، كان ماوتسى تونغ من أشهر الناس عالميا. فقد قاد الشعب الصيني فى إنجاز الثورة رغم العقبات المتنوعة . وبالنسبة لملايين الذين كافحوا بحماس من أجل العدالة والتحرّر فى تلك الأيام ، مثلت الثورة الصينية منارة .وماو نفسه كان معروف للغاية لكونه رفض بصرامة إيقاف الثورة فى نصف الطريق إذ ما إنفك وما توقف عن الكفاح فى سبيل عالم خال من الإنقسامات إلى طبقات وإلى أمم و إلى ممضطهِد ومضطهَد. والكثير من الناس من أساتذة و عمال وأطباء وعلماء وطلبة وثوريون من شتى البلدان زاروا الصين لمشاهدة المجتمع الإشتراكي الذى كان يبنى بقيادة ماو. وعاد الكثير منهم إلى ديارهم وقد ألهمهم ما رأوه وملأهم بالتفاؤل بإمكانية تحرير المجتمع حقا.

وفى الصين ذاتها ،وقّرت الجماهير ماو كقائد للطليعة الثورية فى الصين ،الحزب الشيوعي الصيني فهو قد قاد إلى النصر فى حرب التحرير التى دامت 22 سنة ضد كلّ من المحتلين الأجانب و الرجعيين المحليين.و بعد ذلك الكفاح الملحمي ، قاد الشعب فى بناء مجتمع جديد وحياة جديدة فى الصين الإشتراكية ،وفى المضي قدما فى الدفاع عن الثورة وتغيير المجتمع أثناء الثورة الثقافية البروليتارية الكبرى.

لكن كان هنالك أيضا أولئك الذين عارضوا ماو ،بالضبط ضمن قيادة الحزب الشيوعي الصيني. مثل ماو ، ساهموا فى ثورة التحرير بيد انه على خلاف ماو لم تكن عيونهم مركزة على الطريق إلى الشيوعية. فى الحقيقة ، لم تتجاوز أهدافهم حقا بناء الصين لجعلها أمة قوية. وبإسم بناء صين قوية حديثة تبنوا برامجا وسياسات تعزّز جوهريا العلاقات والأفكار الرأسمالية.

وإثر وفاة ماو فى 1976 ،إفتكّ هؤلاء ” أتباع الطريق الرأسمالي ” فى الحزب الشيوعي الصيني السلطة وأطاحوا بالإشتراكية وأعادوا تركيز الرأسمالية وإعتقلوا مئات الآلاف وقتلوا الآلاف إبان الإنقلاب. وبالرغم من أن الحكومة الصينية واصلت دعوة نفسها إشتراكية وشيوعية، صارت الصين مذاك دولة رأسمالية. ودُمّرت مبادئ ماو التى ناضل من أجلها ،و حوّل حكام الصين الجدد ماوتسى تونغ إلى أيقونة قومية.

 

واليوم نشأت أجيال جديدة لاتعرف عن ماو والصين سوى الروايات الرسمية للطبقات الحاكمة…وللإعلام السائد.وما يعرفونه فى جزء كبير منه خاطئ تماما. يقال للناس إن ماو كان قاسيا “دكتاتورا مهووسا بالسلطة ” إرتكب جرائم كبرى ضد الشعب. لكن الحقيقة هي أن ماو تسى تونغ كان شيوعيا ثوريا عظيما قاد ربع سكان الأرض لتحرير الصين من ربقة المضطهِدِين الإمبرياليين ثم إنتقل إلى بناء مجتمع تحرري إشتراكي لمدّة 25 سنة. ألا إن فهم حقيقة ماو مهمّة لكلّ شخص ذلك أن الثورة التى قادها مثّلت معلما رئيسيا من معالم التاريخ الإنساني وعلى كلّ شخص أن يعرف الحقيقة بشأن مثل هذه الثورة ومثل هذه الشخصية. وبالنسبة للذين يتطلعون حقا لتغيير العالم ، يكتسى الأمر درجة أكبر من الأهمية فتفكير ماو وممارسته الثوريين يشكلان جزءا حاسما فى أساس ونقطة إنطلاق إعادة بناء الحركة الشيوعية اليوم.

 

و إليكم القصّة الحقيقية لماوتسى تونغ و الثورة ذات البعد التاريخي العالمي التى قادها فى الصين.

 

 

—————————————–

 

 

نشأ فى بلاد أطلق عليها وصف “رجل آسيا المريض”

 

ولد ماو فى 26 ديسمبر 1893 ونشأ فى صين غزتها وقسمتها بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة وروسيا وألمانيا و اليابان. وقد سيطرت هذه القوى الإستعمارية على إقتصاد الصين وسياستها وعاملت الشعب الصيني معاملة الكلاب وإستغلته فى “الأشغال الشاقة” فى المزارع وفى المناجم فى جميع أنحاء العالم.

كانت القوى الأجنبية موجودة فى كل مدينة كبيرة وكانت القوارب المسلحة البريطانية والأمريكية تقوم بدوريات فى المياه الإقليمية الصينية وكانت البلدان الأجنبية تسيطر على الموانى والنظام البريدي و الشحن والسكك الحديدية. و كان يُقرأ على لافتة معلّقة بمدينة شنغاي الكبيرة “ممنوع على الكلاب و الصينيين”. كانت الصين مضطهَدَة إلى درجة أنه أطلق عليها وصف “رجل آسيا المريض”.

وكان غالبية سكان الصين أين نشأ ماو من الفلاحين الفقراء الذين يعانون من النظام الإقطاعي. وكان الإقطاعيون الكبار يملكون جلّ الأراضي و أجبروا الفلاحون بلا أرض على العمل عندهم والحصول بالكاد على ما يسدّ رمقهم و الديون لم تكن تفارقهم وهم عرضة لإستبداد الإقطاعيين . وتميّزت ظروف عيشهم بالفقر و الجوع و المرض.وباعت عائلات أطفالها لأنها لم تكن قادرة على إطعامهم. كما تسببت المجاعات فى موت الآلاف.

و ما كانت الحياة بالنسبة لعامة الشعب من سكان المدن بأفضل بكثير من تلك بالريف. ففى شنغاي ،كلّ سنة ،كان يتمّ إلتقاط حوالي 25 ألف جثّة من الشوارع. وأغرق البريطانيون الصين فى الأفيون محوّلين ما يفوق ال60 مليون صيني إلى مدمنين بينما درّت تجارة المخدرات المال الوفير على الرأسماليين البريطانيين والأمريكان.

لنتوقف لحظة ونفكّر فى الناس وراء تلك الأعداد ودرجة البؤس الإنساني والمعاناة التى يمثلها ذلك ،عاما بعد عام.

ونشأ ماو أيضا زمن إنتفاضات الفلاحين .فمن 1901 إلى 1910، سجّل تقريبا ألف نضال من النضالات العفوية التى شارك فيها عشرات ملايين الناس. وكطالب ، درس ماو تمرّد تيبينغ حيث حمل الفلاحون السلاح وركزوا حكومة ثورية ( من 1850إلى 1864). وهكذا عرف ماو كيف أن 20 مليون شخص قتل حين أرسلت الحكومة الصينية ،سوية مع الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا قواتا لقمع التمرّد.

مجدّدا لنقف ولنفكّر فى الناس وراء ذلك العدد من القتلى.

فى 1906 ، لماّ كان ماو بعمر 12 سنة، ضربت الحرب و المجاعة و الفيضان الصين .وعندما حدثت “إنتفاضة هونان” ، قال ماو إنها أثرت على حياته كلّها .زحف الآلاف من عمال المناجم والفلاحين على العاصمة الإقليمية وهاجموا مخازن حبوب الإقطاعيين. وقمع الجنود التمرّد وعلقت رؤوس الثوّار المذبوحين على باب المدينة تحذيرا للناس. قال ماو:” نوقشت هذه الحادثة فى مدرستي لعدّة أيام .وولدت إنطباعا عميقا لديّ. وتعاطف أغلب الطلبة الآخرين مع “المتمردين” ولكن فقط من وجهة نظر المتفرّج. لم يفهموا علاقة ذلك بحياتهم الخاصة. إهتموا بها مجرّد إهتمام بحادثة مثيرة. أما أنا فلم أنساها.شعرت بأن الثوار كانوا أناسا عاديين مثل عائلتى الخاصة وإستأت عميق الإستياء من معاملتهم بظلم.”

لكن على الرغم من بطولتها وتضحياتها ،أثبتت هذه الإنتفاضات عجزها حقا عن حلّ المشكلة و تغيير المجتمع جوهريا. وماو شأنه شأن الكثيرين من جيله ، صمّم على إيجاد طريق التقدّم. وفى 1909، فى عمر 16 سنة ، ترك ماو المنزل العائلي للإلتحاق بالمعهد ليصبح معلّما. قال:” للمرّة الأولى رأيت ودرست بإهتمام كبير خريطة العالم”.ودرس ماو تاريخ فلاسفة الأمم الأخرى من مختلف البلدان. وإطلع على الصحف الصادرة فى جميع أنحاء الصين. ولأول مرّة قرأ “بيان الحزب الشيوعي” لماركس وإنجلز.وفى 1917 ، أسّس ماو “رابطة دراسة الشعب الجديد” . وعارضت هذه المجموعة من النشطاء و الشبان تدخين الأفيون و القمار وشرب الخمر والدعارة و الفساد وعارضت إضطهاد النساء أيضا. وجادل ماو بأن النساء يجب أن يكنّ ” مستقلات” و لا يمكن أن يكون الرجال أحرارا طالما لم يتمّ تحرير النساء أيضا. وأخذت المجموعة تنظم دروسا مسائية للعمال حيث درّس ماوالتاريخ و ناقش ” الشؤون العامة الراهنة ” وقرأ الصحف للعماّل. ورد فى مصلق يعلن دروسه :” تعالى وإستمع إلى خطاب صريح وبإمكانك إرتداء أي ملابس تريد”.

 

طلقات المدافع من روسيا:

 

فى 1917 ، إفتكّ البلاشفة السلطة فى روسيا وأرسوا دولة جديدة إشتراكية. فأرسلت هذه الثورة التى قادها لينين موجات زلزلت العالم و نشرت الشيوعية إلى بلدان أخرى وربطت مع النضالات المناهضة للإستعمار القائمة حينها. ولعديد الأجيال ، قاومت جماهير الشعب الصيني دون أن تملك لا نظرية و لا قيادة و لا خطّة لبلوغ التحرير. لكن الآن كما وضع ذلك ماو : ” جلبت طلقات مدافع أكتوبر الماركسية-اللينينية إلى الصين”.

وعقب الحرب العالمية الأولى ،حوّلت القوى التى كسبت الحرب الحقوق والإمتيازات الإستعمارية الألمانية فى الصين إلى اليابان.وفى 4 ماي 1919 ، تظاهر 3 آلاف طالب فى العاصمة بيكين ضد هذا القرار. فأعلن الحكم العرفي / حالة الطوارئ وشرعت الشرطة و الجيش فى إعتقال الناس . دعا الطلبة لإضراب عام فى المعاهد.ومباشرة بعد هذا الإضراب الذى تركز فى شنغاي بمشاركة 90 ألف عامل،أغلق أكثر من مائة شركة و مصنع. وحينما بلغ الأمر سمع ماو والأعضاء الآخرين لرابطة دراسة الشعب الجديد حول “حركة 4 ماي ” ، دعوا إلى إضراب وشكلوا إتحاد طلبة فى هونان. وطوال 1919 تلقت هذه الحركة المناهضة للإمبريالية دعما واسعا عبر الصين وسيّست الملايين.

ومبكّرا تحدّث ماو ضد الطريقة التى كانت تضطهد النساء إعتمادا على التقاليد الإقطاعية. وفى 14 نوفمبر 1919 ، ذبحت إمرأة نفسها عند نقلها على كرسي حمال ضمن زواج مرتّب. ولماّ بلغ ماو الأمر نشر سلسلة من 10 مقالات تنحى باللوم على الظروف الإجتماعية القائمة على هذه المأساة. قال إن النساء “قوّة كامنة كبيرة ” لأن ” النساء تتعرّض لإضطهاد أكبر من إضطهاد الرجال ،إذ بينما يوجد على ظهر الرجال جبال ثلاثة ،على ظهر المرأة أربع لأن الرجل هو الآخر يستغلّها”. وظلّ هذا الموقف الأساسي لماو ورغبته الحارقة فى التخلّص من كلّ السلسلة المكبلة للإنسانية مصاحبين له طوال حياته.

وفى 1921 ، إنضمّ ماو إلى مجموعة صغيرة من الماركسيين وسوية شكّلوا الحزب الشيوعي الصيني. وبتبنى الإيديولوجيا الماركسية –اللينينية أمكن لهم أن يشرعوا فى معالجة القضايا النظرية والعملية لإنجاز الثورة فى بلاد مثل الصين.

وفى 1921 أيضا ، تزوج ماو يانغ كيهيو التى إلتحقت بالحزب الشوعي وظلت ثورية حتى 1927 عندما أسرها الكيومنتانغ وقتلها لماّ رفضت ترك زوجها ماو وأفكارها السياسية الثورية.لاحقا ، فى 1961، كتب ماو قصيدة إحياء ذكراها وهي من قصائده الأشهر وعنوانها

” قصيدة لزهرة الإجاص” .

 

بداية الثورة :

 

خلال هذه الفترة ، كان الفلاحون يتمرّدون عفويا ، كانوا يصادرون الأرض ويهاجمون الإقطاعيين و المسؤولين الفاسدين. وفى 1925 تنقّل ماو بين قرى محافظة خونان/يانان. وبقي بين الفلاحين وعمل معهم مقابل وجبات طعامه وسكنه. وجلس وإستمع إليهم وقام ببحث مباشر عن نمط حياتهم. وساعد فى بعث إتحادات الفلاحين وجعل العديد منهم ينخرطون فى الحزب.

وأراد بعض قادة الحزب الشيوعي الصيني أن يشطبوا الفلاحين معتبرينهم “متخلفين ومحافظين جدّا” . لكن ماو ناضل ضد هذه النظرة وجادل أنه “دون الفلاحين الفقراء لن تكون هناك ثورة”. ومتحدّثا عن إنتفاضات الفلاحين قال:

” …أما الأحزاب الثورية و الرفاق الثوريون فإنهم سيجدون أنفسهم جميعا أمام إختبار الفلاحين الذين سيقررون قبولهم أو رفضهم.أتسير على رأس الفلاحين وتقودهم ؟ أم تقف وراء ظهورهم معيبا لهم؟ أوتقف فى وجوههم تناهضهم؟ “

الكيومنتانغ حزب صيني كان فى الأصل تنظيما قوميا يكافح من أجل صين مستقلّة وضد الهيمنة الأجنبية. لكن فى العشرينات ، سيطر عليه تشانكاي تشاك وحوّله إلى أداة بيد الإمبرياليين و البرجوازية الكبرى والإقطاعيين فى الصين. وكان يتمتع بتأييد خاص من الولايات المتحدة وبريطانيا اللذان أرادا إبقاء الصين فى موقع شبه المستعمرة. وفى 1927 أطلق الكيومنتانغ العديد من الحملات التى إستهدفت تحطيم الحزب الشيوعي و الحركة الثورية .فى المدن ضيّق الكيومنتانغ على الإجتماعات السياسية و على الصحافة وعلى المنظمات العمالية وحقّ الإضراب. وقتل آلاف العمال ،وجُمّع الشيوعيون والمتعاطفون معهم وأعدموا علنيا. حينها لم توجد حكومة وطنية مستقرة ومتحدة فى الصين إذ فى بعض مناطق البلاد، كان أمراء الحرب ( جماعات عسكرية إقطاعية) يتحكمون فى الأمور وفى أماكن أخرى كان الكيومنتانغ يسيطر (والكيومنتانغ نفسه كان منقسما إلى عدّة كتل).

ونتيجة كافة إراقة الدماء هذه أقام تشانكاي تشاك حكومة الكيومنتانغ فى مدينة ننكينغ و على الفور إعترفت به القوى الإمبريالية الغربية كحكومة الصين الشرعية الوحيدة.

فى هذه ألثناء ،فى الريف، كان الإقطاعيون يذبحون الفلاحين. وجرى طرد النساء المتمرّدات من قطع أرضهن وتقطيعهن قطعا وحرقهن أحياء. فى منطقة واحدة، فى خمسة أشهر فقط 4،700 ألف فلاح منهم 500 إمرأة قتلوا ،وقطعت رؤوسهم ودفنوا أحياء،وخنقوا وأحرقوا وقطعوا إربا إربا. والأرض التى صادرها الفلاحون أعيدت للإقطاعيين. وجُمع زعماء الفلاحين والعمال وأعدموا رميا بالرصاص. فى محافظة خونان وحدها ، فى سنة واحدة، قُتل أكثر من 100ألف فلاح وعامل.وخسر الحزب 15 ألف عضو من أعضائه.

 

الثورة فى الريف :

 

فى 1928، أُبيدت أربعة أخماس الحزب وأجبر الحزب على العمل السرّي فى المدن. وتطلّبت الهزيمة الكبرى تحليلا أعمق وإختراقا فى النظرية الثورية.

إستراتيجيا الثورة البروليتارية فى الإتحاد السوفياتي قامت على الإنتفاضة فى المدن تتلوها حربا أهلية. وحاجج البعض بأنه على الثورة فى الصين أن تتبع هذا النموذج. إلا أنه بحكم الهزائم التى منيوا بها فى المدن عند محاولة الإنتفاضة ، رأى ماو أن ذلك لن ينجح فى بلد مضطهَد مثل الصين.وإعترف بأن الثورة المضادة كانت قوية جدا فى المدن ومهما كانت محاولات العمال بطولية لإفتكاك السلطة ومسك المدن فإنها تنحو إلى الفشل.

وجادل ماو أن الثورة لا بدّ أن تبدأ فى الريف وتبنى وتوسّع مناطق إرتكاز حيث الثورة يمكن أن ترسي سلطة سياسية وعلى الكفاح المسلّح ضد العدوّ أن يرتبط بسيرورة إنجاز إصلاح زراعي وإيجاد بذور المجتمع المحرّر الجديد. وهذا عنى أن على الشيوعيين أن يعبّؤوا سياسيا وأن يقودوا الجماهير من أجل تحقيق إصلاح زراعي وتركيز أشكال محلّية جديدة من سلطة الشعب و الكفاح ضد إضطهاد الأقليات القومية و النساء وإرساء ثقافة ثورية جديدة ضمن صفوف الشعب. بهذه الطريقة ، يمكن أن تفعل مناطق الإرتكاز فعل المغناطيس وتشكّل مراكزا لنموّ الدعم فى صفوف الشعب. ويمكن للثورة أن تطوّق فى النهاية المدن وتستولى عليها وتركز سلطة عبر البلاد بأسرها . بهذه الإستراتيجيا وبهذا الهدف ، قال ماو ما معناه : ” بدون جيش شعبي لن يكون هناك شيئ للشعب”.و تشكّل جيش أحمر جديد.

وطوّر ماو مبادئ بناء جيش واعي سياسيا و منضبط تنظيميا. عندما كان الجيش الأحمر يزحف على البلدة ،كان ماو يدعو فورا إلى تجمّع السكاّن. غير أن ذلك لم يكن جدّ سهل دائما. ففى بلدة ، هرب الناس وإختفوا فى الغابات.وكان هذا روتينيا. فالجميع يهربون حين تأتى الجيوش لأنهم عانوا من طرق النهب والإغتصاب التى تدرّب عليها الجنود العاديون فى جيوش أمراء الحرب والإمبرياليين. بيد أن ماو أمر جنوده بألا يدخلوا أبدا بيتا أو يأخذوا شيئا وكافح بشدّة ضد أي تفكير فى الجيش الأحمر يردّد عقلية النهب والإغتصاب لدى الجيوش البرجوازية والإقطاعية أو جماعات قطاع الطرق. لذلك كان السلوك المهذّب لجنود الجيش الأحمر مغاير تماما! مع اليوم الثالث رجع السكان المحليون والذين كانوا يراقبون من مخابئهم على المنحدرات ،إلى البلدة. تحدّث معهم ماو وحثّهم على العودة. ووزّع مالا ولباسا كانا قد أخذا من الإقطاعيين. وأخبر الناس أن هذا الجيش بعلمه الأحمر جيشهم وهو مكرّس لمصالحهم وتحريرهم. فأطعم الفلاحون وأسكنوا جنود الجيش الأحمر وإنضمّ بعضهم إلى هذا الجيش الثوري.وتكرّر هذا المشهد مرارا مع زحف الجيش الأحمر بقيادة ماو على الأرياف.

طوال كلّ هذا الوقت ،كان ماو يدرس النظرية العسكرية وتاريخ الحرب الثورية فى الإتحاد السوفياتي وغيرها من الحروب بما فيها الحروب فى الصين. وفى نهاية الثلاثينات ، بات ماو أوّل من طوّر خطا عسكريا ماركسيا شاملا ونظام تفكير فى الشؤون العسكرية. وكان هذا المذهب متجذّرا فى فهم أن الحرب الثورية تعتمد على الجماهير ولا يمكنها أن تنجح إلا على قاعدة التمتّع بدعمها ومشاركتها النشيطة فى الكفاح.

كان تفكير ماو العسكري غاية فى العلمية. جادل بأنه بما أن الجيش الأحمر بدأ أضعف بكثير من القوات الحكومية ، فإن إنتصارا سريعا غير ممكن. وخوض معارك عسكرية شاملة لن يؤدى إلا إلى سحق القوى الثورية. لكن بتجنب المعارك الحاسمة وخوض حرب الأنصار /العصابات بإمكان القوى الثورية فى الصين أن تهزم العدو وتضعفه فى المعارك الأصغر وعبر سيرورة طويلة الأمد، تكسب الدعم الشعبي وتعزّز من قوتها وأعدادها وتوسّع من نفوذها. قال ماو إنه من الضروري متابعة سياسة إستراتيجية من الحرب طويلة الأمد فى الريف لإحداث تغيير تدريجي فى ميزان القوى غير المتناسب. ولتجسيد هذا ، طوّر ماو العديد من مبادئ حرب الأنصار/ العصابات مثل “عندما يتقدّم العدوّ ،نتراجع،وعندما يتوقف العدوّ ،نضايقه وعندما يتعب ،نهاجمه وعندما يتراجع نتابعه”.

 

المسيرة الكبرى :

 

فى 1932 ،غزت اليابان الصين وشنّ اليابانيون حملة ” قتل الكلّ ،حرق الكلّ ” خلالها ،على مرّ السنين، قتل 30 مليون صيني. فى ديسمبر 1937 ، دخلت قوات يابانية نانكين وسُمح ل 150 ألف جندي ياباني بإطلاق العنان للعربدة من إغتصاب وقتل ونهب. فى أسابيع أربعة ، قُتل 300 ألف شخص. وقطع الجنود اليابانيون رؤوس الأطفال الرضع وإغتصبوا آلاف الإيناث ومنهن البنات الشابات و النساء العجائز. وجرى إيقاف آلاف الرجال ورميهم بالرصاص. وإستعملت مجموعات من الصينيين لممارسة الحربة. وآخرون غطسوا فى النفط الأبيض وأحرقوا أحياء. تلك كانت حربا وحشية مجنونة إستهدفت إخضاع الشعب الصيني كليا وكسر إرادته المقاومة.

قاد الشيوعيون الشعب فى محاربة اليابان بينما رفض تشانكاي تشاك تعبئة قواته إلا لمهاجمة الشيوعيين. وشنّت قواته المسنودة من قبل الإمبريالية هجمات هائلة ضد الجيش الأحمر. وفى 1933 جرت تعبئة مليون من جنود الكيومنتانغ ودبابات وطائرات ضد الجيش الأحمر.وفى 16 أكتوبر 1934 ، أجبر ماو والجيش الأحمر على القيام بتراجع إستراتيجي من كيانغسى و الشروع فى المسيرة الكبرى المدهشة.

قطع الجيش الأحمر بقيادة ماو أكثر من 6 آلاف ميل عبر بعض التضاريس الأكثر وعورة على الأرض. مروا ب 12 محافظة كان يعيش بها 200 مليون شخص. وعبروا 18 سلسلة جبلية و24 نهرا وإحتلوا 62 مدينة وبلدة. قاتلوا وتصارعوا مع مليون جندي من الكيومنتانغ بتقريبا متوسّط معركة واحدة يوميا وقاموا ب 235 نهارا و18 ليلة من السير على الأقدام. لقد إعتبر ماو المسيرة الكبرى بيانا عاما ، قوّة دعاية وآلة بذر . قال:

” بذرت العديد من البذور التى ستبزغ وتورق وتزهر وتثمر وستنتج حصادا فى المستقبل”.

إثر ثلاثة أشهر من المسيرة الكبرى ، فى جانفى 1935 ،بلغ الجيش الأحمر تسونيي ، فى محافظة كويشو. هناك ،عقد قادة الحزب الشيوعي الصيني ندوة هامة للغاية غدت نقطة تحوّل حاسمة ذلك أنه للمرّة الأولى ، يتوحّد الحزب حول خطّ ماوتسى تونغ فى الإستراتيجيا السياسية والعسكرية وقيادته العامة. حين غادرالجيش الأحمر تسونيي ، إنضمّ إليه تقريبا 4 آلاف فلاح من المنطقة.

فى أكتوبر 1935 ،سنة بعد مغادرة كيانغسى، إنتهت المسيرة الكبرى إلى منطقة شمال شنسي. وبدأت المسيرة الكبرى بحوالي 100 ألف وإنتهت بفقط 20 ألف.ولئن مثّلت المسيرة الكبرى تراجعا إستراتيجيا ، فإنها لم تكن هزيمة. فالجيش الأحمر وصل منطقته الأساسية الجديدة وقيادته سليمة وإرادته السياسية أصلب من أي وقت مضى.

وأثبت الشيوعيون أنهم كانوا أفضل المقاتلين ضد المحتلين اليابانيين. وفى سنة 1936 ، جادل ماو بأنه يجب على الكيومنتانغ والشيوعيين أن يشكلوا جبهة متحدة ضد المحتلين اليابانيين.لكن فى حين كان تشانكاي تشاك ،رئيس الكيومنتانغ، يوفّر أسلحته وجنوده لمحاربة الشيوعيين ،خاض الجيش الأحمر75 بالمائة من المعارك ضد اليابان بين 1937 و1945 . كما خاض الجيش الأحمر 92 ألف معركة وقتل مليونا من جنود قوات العدوّ وأسر 150 ألف منهم.

 

تطوير النظرية الشيوعية :

 

ولم يكن شيئا من هذا ليجدّ عفويا. فماو طوّر نظرية معالجة قضايا الثورة وتوجيه مسارها. خلال كلّ هذا ، قام بمساهمات جديدة ضرورية هامة فى علم الشيوعية. ففى هذه الفترة عالج ماو قضايا الإستراتيجيا لإنجاز ثورة فى أمة تضطهدها الإمبريالية وكذلك القضايا العسكرية و الفلسفية. أعمال مثل “فى التناقض” و ” فى الممارسة العملية ” و “حول الديمقراطية الجديدة “وغيرها كثير قدّمت مساهمات مهمّة فى فهم الثوريين عبر العالم قاطبة وإلى يومنا هذا لا زالت صالحة. علاوة على ذلك، من الأهمية بمكان هما منهج ماو ومقاربته فى معالجة هذه القضايا وينبغى التعلّم منها . فى كافة هذه المجالات لم يشيّد ماو صرحه كليا على النظرية الماركسية فحسب وإنما إستجاب لضرورة القطع مع المألوف فى نواحي ذات بال.

فى نهاية 1939 ، كتب ماو ما يعدّ إختراقا ” حول الديمقراطية الجديدة ” متناولا بالبحث المسألة الخاصة بالصين ، بيّن أنه نظرا للسيطرة عليها من قبل القوى الإمبريالية لعقود ، لم يسبق أن إستطاعت الصين أن تتطوّر كأمة مستقلّة وكان إقتصادها مشوّها وغير مستقلّ. و ادى التطوّر الإمبريالي إلى تحويل جزء من علاقات الإنتاج الأكثر تخلفا فى الصين .لكن العلاقات الإقتصادية الإقطاعية وشبه الإقطاعية –مثل إمتلاك الإقطاعيين للأرض وإضطهادهم للفلاحين- وجدت جنبا إلى جنب وأدمجت فى العلاقات الرأسمالية.والمؤسسات السياسية والأفكار المتخلفة التى ترافقها لا تزال سارية المفعول بينما الأمة الصينية عموما تقع تحت سيطرة القوى الإمبريالية.

إرتأى ماو الثورة فى الصين وأمم مضطَهَدة أخرى كسيرورة من مرحلتين. المرحلة الأولى هي الثورة الديمقراطية الجديدة التى توحّد كل من يمكن توحيده لطرد الإمبريالية والإطاحة بالإقطاعية وشبه الإقطاعية وطبقة الرأسماليين البيروقراطيين/الكمبرادوريين ونظام الدولة المعتمد على الإمبريالية وخادمها. وثمة مهام ديمقراطية هامة يجب إنجازها فى هذه المرحلة الأولى ، لاسيما الإصلاح الزراعي القائم على “الأرض لمن يفلحها ” بالإضافة إلى مطالب ديمقراطية أخرى كإنهاء إضطهاد الأقليات القومية و النساء. وبينما تتنزل هذه المطالب ضمن سياق الثورة الديمقراطية البرجوازية ويمكن أن تفتح الباب على التطوّر الرأسمالي ،جادل ماو بأنه إذا كانت الدولة التى تنشئها الثورة شكلا من السلطة السياسية الثورية بقيادة البروليتاريا وفى وحدة مع الفلاحين بأفق وبرنامج إنتقال سريع نسبيا إلى الإشتراكية فبالتالي يمكن للثورة ويجب أن تتحد فى مرحلتها الأولى مع أقسام من الرأسماليين وكذلك مع الشرائح المستنيرة التى تعارض الهيمنة الإمبريالية.

فى تناقض مع البعض فى الحزب الشيوعي الصيني ،تمسّك ماو بحزم بأن السيرورة الثورية كلّها ينبغى أن تكون بقيادة البروليتاريا وتنفّذ منذ البداية بأفق إستراتيجي واضح إشتراكي شيوعي.

لذا بينما تمرّ الثورة بمراحل مختلفة ،يجب رؤيتها وقيادتها كسيرورة موحدة بشبكة خيط أحمر تقوده وجهة نظر البروليتاريا وإيديولوجيتها وسياستها وهدفها عالم شيوعي.

 

الحرب و النصر:

 

إثر المسيرة الكبرى ، أرسى ماو و قواته منطقة إرتكاز يانان حيث أعادوا بناء الجيش الأحمر و الحزب بهدف ليس طرد اليابانيين فقط وإنما أيضا إلحاق الهزيمة بالكيومنتانغ وإفتكاك السلطة عبر البلاد قاطبة.وإلتحق آلاف الفلاحين والعمال و المثقفين بيانان أين كانت تزرع بذور المجتمع الإشتراكي الجديد وأين تشكلت مجموعات ثورية حول جميع نواحى الحياة. وأنشأت هناك جمعيات نسوية وشبابية وجمعيات فلاحين وعمال وتلامذة و مسنين. ووجدت حتى جمعية ” المتسكعين” التى إجتمع أعضاؤها ليناقشوا كيفية التحوّل إلى أعضاء منتجين فى مجتمع جديد.

ووقع إستنهاض الجماهير لإجتثاث الوحشية و الفقر الإقطاعيين. ووقع إلغاء الزواج المرتّب وتدخين الأفيون وقتل الأطفال وإستعبادهم والدعارة.واخذ يجرى إستبدال الدين و الخرافة بالمعرفة العلمية و الثورية. وما عاد يسمح للإقطاعيين المتوحشين بالإستغلال الوحشي للشعب ومع إلحاق الهزيمة باليابان فى 1945 ومع بداية الحرب الأهلية ، تمت إعادة توزيع الأرض بشكل واسع على الفلاحين الذين كانوا يعملون بها.

ضمن الفنانين و المثقفين من المدن الكبرى الذين إلتحقوا بيانان كانت تشيانغ تشنغ التى إنضمت إلى الحزب فى 1933 وجاءت إلى يانان فى 1937 .أخذت تدرس الفنّ المسرحي فى آكاديمية الفنون التى كانت أسست فى يانان وإنضمت إلى فرقة الدعاية التى بعثت إلى الريف لتعرض مسرحيات للفلاحين. وكان ماو مهتماّ جدّا بالكتّب والشعراء و الفنانين وقدّر الثقافة أعلى تقدير فى تشكيل رأي عام فى المجتمع. وحضر المسرحيات و الحفلات الموسيقية و الرقص فى الأكاديمية. قابل تشيانغ ووقعا فى الحب وتزوجا فى 1939.

إندهش الصحفيون الغربيون على غرار إدغار سنو و آن لويس سترونغ الذين زاروا يانان بعلاقة ماو مع الشعب وطاقته وقدراته الفلسفية. كتب مؤرخ : ” هنالك العديد من صور ماو ، فى البنطلونات المرقعة ،و الستر البالية و المتهدّلة شوهتها على الدوام الكتب و الصحف.هناك أيضا الكثير من ذكريات لمقابلات صحفية طويلة معه كانت أحيانا تدوم طوال الليل وصبر ماو لا ينفذ وهويشرح و يدخل فى التفاصيل كان يشارك فى حفلات المرح و يضحك من الأدوار المسرحية ، وفى الصور كان ماو عادة ما يتجنب إحتلال المركز .وتركت لنا آنا لويس سترونغ صورة لفظية ساحرة عن ماو وهو يرقص لوحده – ليس راقصا جيدا- وعن أطفال يركضون جيئة وذهابا فى كهفه بينما كان يعمل.هناك نوع من المرح الطفولي لدي ماو لكنه يمكن أن يتغيّر إلى منتهى الجدّية فى ثانية … فى حديثه ، لديه طريقة عرض أكثر المواضيع المعقدة على نحو يمكن أن يفهمه حتى الأُمّيّ لا يحدّث جمهوره بفوقية أبدا و أبدا لا يحدّثهم بدونية. ثمّة تدفق حقيقي من الألفة بينه و بين الشعب. يبدو دائما على إتصال معه.” ( هان سويين فى “طوفان الصباح”).

وغدت يانان مركزا منفتحا لتوسيع المناطق المحررة عبر الصين. و بحلول 1945 ، كان هناك 19 قاعدة حمراء فى 9 محافظات وكان عدد السكان فى ظلّ إدارة الشيوعيين حوالي مائة مليون شخص.

وفى 1945، هُزم أخيرا المحتلّ الياباني .حينها غيّرت الولايات المتحدة التى لم تهاجم الشيوعيين لما كانوا يحاربون اليابان تكتيكها على الفور. فبذلت أقصى جهودها لمساعدة الكيومنتانغ لإلحاق الهزيمة بالشيوعيين. بعثت ب90 ألف جندي من المارينز لإحتلال المدن الرئيسية وحماية المواني و المطارات ومراكز الإتصالات ومناجم الفحم و السكك الحديدية خدمة للكيومنتانغ. ودرّب المستشارون الأمريكان ضباط الكيومنتانغ كما أعطت الولايات المتحدة تشانكاي تشاك أسلحة ودبابات حديثة.وحصل تشانكاي تشاك فى السنتين التاليتين على 1.5 بليون دولار من التجهيزات و القروض من الولايات المتحدة (بما يساوى اليوم تقريبا 13 بليون دولار).لكن جيش التحرير الشعبي إنتصر فى النصف الأول من 1949 ومُني نصف مليون من قوات الكيومنتانغ بالهزيمة . وسقطت حكومة تشانكاي تشاك فى أفريل وحرّر جيش التحرير الشعبي المدن الكبرى فى الأشهر التالية.

وفى غرّة أكتوبر 1949 ،وقف ماو فى ساحة تيان آن مان فى العاصمة بيكين ليعلن تأسيس جمهورية الصين الشعبية. خطب فى حشد ضمّ الملايين وأعلن “نهض الشعب الصيني!”.

قاد ماو الشعب الصيني طوال 20 سنة من الكفاح المسلّح للإطاحة بمضطهِدِيه وطرد الإمبرياليين الأجانب. والآن يمسك الشعب سلطة بناء الإشتراكية كمجتمع إنتقالي غايته عالم شيوعي خال من الطبقات وكافة العلاقات والأفكار الإضطهادية التى ترافق المجتمع الطبقي.

فى ذلك اليوم التاريخي ،شارك ماو الشعب البهجة والإحتفال لكنه أدرك أيضا ،مثلما أشار إلى ذلك أن “الثورة الصينية ثورة عظيمة إلا أن الطريق بعدها سيكون أطول و العمل أعظم وأصعب…”.

 

صين جديدة إشتراكية :

 

كانت جماهير الصين ،لاسيما فى الريف ، خضعت لعدد من الأشياء الرهيبة ، من فقر وجوع لا ينتهيان إلى إستبداد الإقطاعيين ودونية النساء وإضطهادهن فى جميع مجالات الحياة وإدمان على المخدرات وأمّية وقلّة الرعاية الصحية. وما كانت لدي جماهير الشعب وسيلة لتغيير هذا الواقع. كانت ترزح تحت رحمة نظام إقتصادي إجتماعي مستبدّ وإضطهادي .والطبقات الحاكمة فرضت هذا كلّه.

 

وهكذا ورثت الصين الجديدة الإشتراكية جراحات المجتمع القديم لكن الآن صارت سلطة الدولة بأيدى الجماهير. الآن ،يستدعى جهاز الدولة و الحزب جهود الشعب للتخلص من جميع بقايا المجتمع الإضطهادي .والآن بإستطاعة الشعب مقاربة المشاكل على نحو مغاير تماما.

 

على الفور إتخذت الحكومة الجديدة إجراءات فورية لمصادرة الأعمال التجارية و السيطرة عليها ، تلك الأعمال التى كان يمتلكها الإمبرياليون الأجانب والرأسماليون الصينيون الكبار وصادرت ملكية الإقطاعيين الكبار ووزعتها على الفلاحين.

وإستصدرت قوانينا جديدة لمنع الزواج المرتّب وإعطاء النساء و الرجال حق الطلاق. وجرى منع بيع الأطفال الذى كان تقليدا شائعا جراء الفقر كما منع عملهم. وخفضت ساعات يوم العمل من 12-16 ساعة إلى 8 ساعات.

 

أنجزت أشياء كثيرة لتحسين فوري وبشكل مثير لحياة الشعب. وفى نفس الوقت ، إستُنهض الشعب ليشارك فى كامل سيرورة معالجة المشاكل الإجتماعية . فمثلا ، كانت المخدرات و القمار و الدعارة مشكلة ضخمة. فتمّ إعتقال أفراد العصابات الكبرى وباعة المخدرات المتجولون والقوادون الذين إرتبط العديد منهم بالشرطة السرية للحكومة الرجعية القديمة. كما جرت تربية وإسكان وتقديم رعاية صحية وشغل للمدمنين سابقا على المخدرات والمومسات سابقا و المجرمون الصغار و مُكّنوا بالخصوص من فرصة المشاركة فى العملية الشاملة لإعادة تشكيل المجتمع.

 

وتغيّرت حياة الشعب الإجتماعية والسياسية وإلتحق ملايين الفلاحين بالجمعيات وإتحادات العمال و التنظيمات النسوية و الرابطات الشبابية والثقافية و العلمية و الجمعيات التربوية والحرفية وجمعيات المثقفين. ووفرت هكذا منظمات للشعب طريق إتخاذ وتنفيذ قرارات مهمة ساعدت على تغيير مختلف أوجه المجتمع. فى المدن ،على سبيل المثال ، ساعدت لجان الأحياء ممثلة لمئات العائلات على حلّ النزاعات داخل العائلات و بين الجيران ،وتعاملت مع النشاطات الإجرامية وإعتنت بتصريف المجاري العامة و الحماية من الحرائق وإغاثة العائلات المحتاجة وببرامج الحيّ الثقافية والترفيهية. ونظّمت حملات محو الأمّمية فى القرى و المصانع والأحياء الفقيرة.

 

وتكفلت المنظمات المعتمدة على الفلاحين الفقراء والذين لا يملكون أرضا بمسؤولية تنفيذ الإصلاح الزراعي .و كرّس هذا تغييرا إقتصاديا وإجتماعيا راديكاليا وحصلت النساء لأول مرّة فى تاريخ الصين على أرض. و بحلول 1952 ،وُزعت تقريبا نصف الأرض الصالحة للزراعة وحصل 300 مليون فلاح فقير أولا يملك أرضا على قطعة أرض.

 

إختراقات فى الإقتصاد الإشتراكي :

 

عندما بلغت الثورة السلطة ،واجهت فورا قضية كيفية تحويل المجتمع. بعض الزعماء الذين ساروا إلى جانب ماو فى الثورة ضد الإقطاعيين و البرجوازية الكمبرادورية و الهيمنة الإمبريالية ، أصروا على أنه يجب تشجيع الرأسمالية دون قيود. جادلوا بأنه ليس بإستطاعة الفلاحة التقدّم إلى أن تتطوّر الصناعة الثقيلة. سايروا وجهة النظر المهيمنة بشأن التطوّر الإقتصادي الإشتراكي فى الحركة الشيوعية العالمية ،خاصة فى ما يتعلق بالبلدان المستعمرة سابقا والمتخلفة ،والقائلة بأنه لابدّ أن تنشأ أولا قوى إنتاج عصرية ، مصانع كبرى وآلات ثقيلة وتقنية جديدة إلخ ، وفقط عندها يمكن أن تحوّل العلاقات بين الناس .

لكن ماو جادل بأنه ينبغى التركيز على تثوير أشكال الملكية و التوزيع و جميع طرق عمل الناس معا للإنتاج وعلى هذه القاعدة يتمّ تحفيز تطوّر قوى إنتاج متقدّمة أكثر.على هذا النحو إنجاز التغييرات والتحويلات الثورية فى صفوف الشعب بالشروع بإعادة توزيع الأرض وكذلك جهود تشجيع طرق جماعية للعمل ،إضافة إلى القضاء على الأفكار المتخلفة بفعل قرون من الإقطاعية ، يمكن أن يحفّز أشياء مثل تقنيات الزراعة العلمية وإستصلاح أراضى جديدة وتحسين حفظ الماء. هذا مثال عن فهم ماو المتطوّر بأن تثوير كيفية تفكير الناس حاسم فى كافة سيرورة تغيير المجتمع.

وضع تطوير الصناعة العصرية قبل تحويل العلاقات الإقتصادية والإجتماعية بين الناس يؤدى إلى لامساواة أعظم لأنه يعنى التركيز على تطوير المصانع التى هي بعدُ أكثر تقدّما وتطوير المصانع فى المدن الكبرى. وهذا من شأنه أن يعمق الإختلافات و التفاوتات بين الريف و المدن وبين المناطق الفقيرة والأفضل حالا ،بدلا من تقليصها.عوض ذلك ، دافع ماو عن ديناميكية أكبر فى جدلية القفزات فى الوعي و القفزات فى الإنتاج وهو ما صاغه بصورة مركزة لاحقا فى شعاره الشهير “القيام بالثورة مع دفع الإنتاج”. وبشكل حاسم ،كان ماو قادرا على كسب الصراع داخل الحزب فى ذلك الوقت حول الخطّ والمقاربة بصدد هذه القضايا الجوهرية.

 

قيادة ماو :

 

إن الطريقة الشاملة لمعالجة ماو وحلّه للقضية تعطى صورة عن ما كان عليه وعن كيفية قيادته. وهذه المقاربة الثاقبة لبناء إقتصاد إشتراكي جديد تعود إلى دراسة شاملة وتقييم للتجربة الإيجابية والسلبية فى بناء الإشتراكية فى الإتحاد السوفياتي إلى ذلك الوقت، وللتحقيق والمناقشة العميقين مع جماهير الشعب ،و لتطبيق المبادئ والمنهج الشيوعيين على الواقع الملموس للصين ،و على ذلك الأساس ، نشأ فهم جديد لكيفية التقدّم.

فى 1951 ، تجوّل ماو فى الريف وتحدّث مع الفلاحين وحصل على نظرة أولية عن ما كان يحدث. صادرت الثورة الأرض التى كانت على ملك الإقطاعيين الكبار ووزعتها على أفقرالفلاحين الذين كانوا لايملكون أو يملكون قطعة صغيرة من الأرض .غير أنه فقط بواسطة تطوير الأشكال الجماعية لفلاحة الأرض يمكن للفلاحين ليس أن ينمو الإنتاج فحسب وإنما سيغيّر راديكاليا علاقات الناس بعضهم ببعض.

تشكلت فرق التعاون المتبادل حيث إشترك الفلاحون بحيواناتهم وأدواتهم وساعدوا بعضهم البعض فى العمل فى قطع الأرض الخاصّة. وبحلول 1952 ، كان أكثر من 40 بالمائة من الفلاحين فى مثل تلك الفرق. لكنها لم تكن واسعة بما فيه الكفاية لتتعاطى مع الجفاف أو الفياضانات إذ لم تكن تستطيع أن تدخل تحسينات تقنية كبرى وكان الكثير من هذه الفرق تحت هيمنة الفلاحين الأغنياء.

كان الفلاحون يجرّبون ويبدعون طرقا جديدة لتثوير الإنتاج. وعنى هذا ثورة فى الأفكار وتغييرات حقيقية من صفوف الشعب ومواجهة الأفكار الكنفشيوسية حول الدور الدوني للنساء وتعويض “فكر أنا أولا” بموقف “خدمة الشعب”.

لوحدهم ، طفق بعض الفلاحين يشكّلون تعاونيات أكبر وتابع ذلك ماو بحماس وشجعهم وقاد الحزب فى تعبئة جنود جيش التحرير الشعبي للمساعدة على قيادة هذه الحركة. وأواسط 1956، كانت 90 بالمائة من عائلات الفلاحين منخرطة فى مثل هذه التعاونيات.

هذا هو ماو يقود ويخوض الصراع الطبقي لتطوير إقتصاد إشتراكي جديد. هذه هي الديناميكية بين الطاقة الخلاقة للشعب فى ظل الإشتراكية ودور القيادة الشيوعية.

 

القفزة الكبرى إلى الأمام :

 

تخطت رؤى ماوتسى تونغ للإشتراكية مجرد توفير الغذاء واللباس والحقوق الأساسية. كان هدفه هو ثورة يتخلّص بموجبها من العلاقات الإقتصادية والإجتماعية الإضطهادية القديمة، ثورة تتحدّى الأفكار و القيم المتخلفة التى عليها تستند وهي تحافظ على العلاقات الإضطهادية الباقية، ثورة فى طريقة تفكير الناس وممارساتهم.

فى 1958 ، رسم ماو خطّة جديدة جريئة للتنمية الإقتصادية الإشتراكية إنطلاقا من هذه الأهداف ألا وهي القفزة الكبرى إلى الأمام وعنصرها الأساسي هو إطلاق العنان فى عموم البلاد لحركة تشكيل كمونات الفلاحين بما هي تعاونيات كبيرة لسكان الريف تجمع بين النشاطات الإقتصادية والإجتماعية و الثقافية والمقاومة الشعبية والتسيير الإداري.

واليوم يقع التهجّم على القفزة الكبرى إلى الأمام على أنها تجربة طوباوية لاعقلانية. بيد أن الحقيقة هي أنها مثّلت تقدّما فعليا فى ما يتصل بتطوير علاقات إقتصادية وإجتماعية تحرّرية أكثر.

 

مكّنت الكمونات التى ضمت من 15 ألف إلى 25 ألف شخص من السيطرة على الفيضانات الهائلة و رسم وتنفيذ مشاريع إعادة تشجير الغابات وبناء الطرقات ما بين المقاطعات أو محطات الكهرباء على النطاق الضيق وبعث معاهد عليا إلخ. وأنشأت مراكز بحوث لتطوير بذور جديدة من الحنطة والأرز و محاصيل أخرى ذات مردود أوفر. وسُوّيت سفوح الجبال لتوفّر مزيدا من الأراضي الفلاحية الجديدة.

بات الناس فى الكمونات يعيشون حياة جديدة وتحررية سياسيا وإجتماعيا وثقافيا. كما وفرت الكمونات الحلول الجماعية تلبية للحاجيات الإجتماعية ولم تترك كلّ عائلة تعيل نفسها ،ومكّنت النساء من المشاركة بصورة أكمل فى القضية المشتركة ونقصد تشييد مجتمع جديد. ونظّمت الكمونات عمليات إصلاح المنازل و بعثت مطاعما جماعية ودور حضانة ورياض أطفال وفرق مسرحية هاوية.

فى خضم هذه التغييرات الإقتصادية والإجتماعية الكبرى ، جرى تحدّى العادات و القيم القديمة والخرافة والأفكار المسبّقة و التقاليد الإقطاعية.و قُلّصت الفجوات بين المدن و الريف وبين العمال و الفلاحين.

ونسمع اليوم أن القفزة الكبرى إلى الأمام كانت كارثة وأن الناس عرفوا المجاعة بسبب سياسات ماو وأن الكمونات كانت حقا شكلا من أشكال العمل العبودي . إلا أن هذا أيضا كذب.

 

حصلت مجاعة فى تلك السنوات ومات العديد من الناس . بيد أن صعوبات تلك السنوات ظاهرة معقدة مركبة : ففى 1959 شهدت الصين ظروفا مناخية قاسية جدا من الجفاف و الفيضان من أسوأ ما عرفته فى القرن العشرين.وكان لهذا تأثيرا هائلا على إنتاج الغذاء. والإتحاد السوفياتي الذى أعاد تركيز الرأسمالية فى منتصف الخمسينات ،سحب المستشارين الفنيين ومساعدته للصين.

فضلا عن ذلك ، إرتكبت القيادة أخطاء فعلى سبيل المثال ،صرف وقت أكثر من اللازم فى المناطق الريفية فى مشاريع غير زراعية بما أضرّ بإنتاج الأغذية. وبالغ المسؤولون المحليون فى التقارير عن الإنتاج جاعلين من العسير معرفة كمية الحبوب المتوفرة فعلا و التخطيط بدقة. لكن ماو سوية مع القيادة الثورية للحزب حاولا معالجة هذه المشاكل بسياسات جديدة فمثلا خفّضت كمية الحبوب المسلمة للدولة وأجّلت مشاريع غير زراعية لصالح إنتاج مزيد من الغذاء وحصّصت الحبوب وأرسلت كميات من الحبوب بصفة طارئة إلى المناطق المنكوبة.

 

والحقيقة هي كما يثبت التاريخ أن التغييرات التحويلية الجذرية حقا للمجتمع يمكن أن تسبّب فى البداية تفكّكا وصعوبات لكن على المدى البعيد تجلّى أنه إختراق حقيقي.و ينطوى مثل هذا التغيير على القطع مع الطرق القديمة ويجرّب أخرى جديدة ويتحدّى العادات والمتعارف عليه. كان هذا هو حال القفزة الكبرى إلى الأمام. والحقيقة الفعلية هي أنه بحلول 1970 ، للمرّة الأولى فى تاريخها ، إستطاعت الصين أن توفّر لسكانها 600 مليون حمية دنيا وأمنا غذائيا وهو أمر وثيق الإرتباط بالمكاسب الإقتصادية والإجتماعية و السياسية المحققة خلال القفزة الكبرى إلى الأمام.

 

مزيد توضيح طبيعة الإشتراكية :

 

يعدّ الإنقلاب على الإشتراكية فى الإتحاد السوفياتي فى منتصف الخمسينات خسارة مفجعة لكل الذين حلموا بعالم أفضل . كانت تلك المنطقة الأولى التى أنشأ فيها مجتمع إشتراكي جديد و قد أنجزت تلك التجربة الإشتراكية الأولى أشياء عظيمة بمثابة الإختراقات (… ) لذا ماذا يعنى أن يمكن الإنقلاب على الثورة ويمكن أن يعاد تركيز الرأسمالية؟

أخذ ماوتسى تونغ على عاتقه إجراء دراسة عميقة جدّا للمجتمع السوفياتي متعلّما من المكاسب الإيجابية وأيضا مميّزا وناقدا بشدّة الأخطاء فى الفهم و الممارسة اللذان أبقيا وحتى عزّزا اللامساواة فى المجتمع وأبعداه عن هدف عالم شيوعي خال من الطبقات. وإتخذ ماو موقفا نقديا أيضا من التجربة الإشتراكية الصينية إلى حينها.

بوضوح، يعنى بناء الإشتراكية العمل على التخلّص من كافة “بقايا” المجتمع الإضطهادي القديم ، وهي سيرورة لا يمكن أن تحصل بين ليلة وضحاها. ويعنى بناء الإشتراكية الحفر المستمر وتغيير طرق العمل الإقتصادية والإجتماعية القديمة وكذلك الطرق القديمة والإضطهادية للتفكير التى ترافق كل ذلك.

وكان ماو يصارع و يتوصّل إلى ما هو أبعد من ذلك. إنه كان يصارع من أجل تحليل جديد وأعمق لطبيعة المجتمع الإشتراكي الإنتقالي إلى الشيوعية.وما زاد تعميق فهمه هو- وهذا إلى حينها لم تدركه حق الإدراك الحركة الشيوعية العالمية – أن إنتصار الثورة وبداية تطوّر الإشتراكية لا يعنى نهاية الطبقات والصراع الطبقي .وصاغ ذلك لاحقا قائلا :

” يمتدّ المجتمع الإشتراكي على فترة تاريخية طويلة إلى حدّ كبير. طوال المرحلة التاريخية للإشتراكية توجد طبقات وتناقضات طبقية وصراع طبقي ويوجد صراع بين الطريق الإشتراكي و الطريق الرأسمالي وهناك خطر إعادة تركيز الرأسمالية. علينا أن نقرّ بالطابع الطويل الأمد و المعقّد لهذا الصراع “.

أدرك ماو أن الذين نظّموا إنقلابا وأطاحوا بالإشتراكية فى الإتحاد السوفياتي جاؤوا بالضبط من داخل أعلى مراتب الحزب الشيوعي . وألقى نظرة حوله ورأى أصداء المشكلة عينها. رأى زعماء ضمن أعلى مراتب الحزب الشيوعي الصيني يريدون إعادة تركيز الرأسمالية، بالضبط كما حدث فى الإتحاد السوفياتي.

عندئذ بحث ماو بقلق عن وسيلة للتعامل مع هذه المشكلة. ومن النظر فى تجربة الإتحاد السوفياتي لمس أن مجرّد طرد مثل هؤلاء الزعماء من الحزب لا يحلّ المشكلة. حتى إذا لم يعُد بعض الأفراد فإن آخرين سيتقدّمون لتمثيل خطوط مماثلة، طالما أنه لم يقع تحديد المشاكل التى تقف وراء ذلك والنضال ضدّها. وبحث ماو عن وسائل تعبئة الجماهير الشعبية الواسعة لتنخرط أكثر فأكثر بعمق ووعي فى النضال حول التوجّه الشامل للمجتمع والتمييز بين الطريق الرأسمالي والطريق الإشتراكي ولنقد قادة الحزب أتباع الطريق الرأسمالي ومحاولة إعادتهم إلى الطريق الثوري. وجرّب العديد من الأمور ليطلق العنان للفكر النقدي للجماهير ولروحها التمرّدية لكن كما لخّص ذلك لاحقا ، إلى حينها لم يجد بعدُ هو و القيادة الثورية طريقة ووسيلة لإستنهاض الجماهير “لنقد جانبنا المظلم ،على نحو شامل ومن القاعدة”.

 

إحتداد الصراع الطبقي فى الصين:

 

أرادت القوى المحافظة فى الحزب أن يُقرّر الربح أولويات الإستثمار. وروّجت لنظام تعليمي يتخرّج منه المختصون ذوو الإمتيازات ونخب الحزب.وشجعت أعمالا ثقافية لا تزال تسيطر عليها المواضيع و الشخصيات الإقطاعية القديمة. نظرتها للعمال و الفلاحين كانت جوهريا “أبق أنفك على المسن وإنس نقاش المسائل الكبرى لكيفية تسيير وتغيير المجتمع بأسره و المساهمة فى الثورة عبر العالم”.

فى المجتمع الإشتراكي نحتاج لدكتاتورية البروليتاريا لخوض الصراع ضد القوى الطبقية البرجوازية وإلحاق الهزيمة بها. حتى والمجتمع الإشتراكي يجرى تثويره بإستمرار، ستواصل اللامساواة والإختلافات الإجتماعية الباقية توفير قاعدة للبرجوازية ، للعلاقات والتفكير الرأسماليين، قاعدة إعادة تركيز النظام الرأسمالي. وما توصّل ماو لفهمه هو أن الخطر الأعظم هنا ليس المستغِلِّين و المضطهِِِدين من المجتمع القديم وإنما طبقة برجوازية جديدة تفرزها تناقضات المجتمع الإشتراكي ذاته وهي موجودة بالأساس وبالضبط فى المستويات العليا للحزب.

 

نظرا لمواقعهم فى السلطة ، يسيطرزعماء الحزب على الموارد ويتخذون القرارات ويصوغون السياسات التى تحدّد إتجاه المجتمع. لذا كيف يمارسون السلطة وبأية أهداف يجعل الأمر مختلفا تماما فى ما يتصل بما إذا كان المجتمع ككلّ يتقدّم إلى الأمام نحو الشيوعية أو يتراجع نحوالرأسمالية. فمثلا ، هل كان قادة الحزب يدعمون السياسات التى ستقضى على اللامساواة أم التى ستوطدها؟ هل يعملون على إطلاق عنان المبادرة الواعية للشعب فى معركة تغيير المجتمع؟ هذا هو محور الصراع الطبقي فى ظلّ الإشتراكية. والبنية الفوقية للمجتمع الإشتراكي ،القوانين والفنّ والثقافة والرياضة و العلم و المؤسسات السياسية ،لا تعكس هذه التناقضات الطبقية فحسب بل يمكن أن تأثّر عليها تأثيرا كبيرا بطريقة أو أخرى.

لقد كان ماو بحاجة إلى إيجاد وسيلة لتغيير المجتمع بأسره ، وسيلة لتثوير الحزب وكافة مؤسسات المجتمع، وسيلة لتغيير تفكير الناس وفهمهم، وتشريك الجماهير الشعبية الواسعة فى الصراع الطبقي للإبقاء على الصين على الطريق الإشتراكي.

 

الكفاح من أجل البقاء على الطريق الإشتراكي :

 

فى صيف 1965 ، سافر ماو إلى جبال تشينكانغ أين فى 1927 كان قد قاد 800 جندي من الجيش الأحمر لبناء أوّل منطقة إرتكاز والشروع فى حرب الشعب . كان الوضع خطرا إذ كان أعداء الثورة الذين يريدون إعادة تركيز الرأسمالية يجمعون قوّتهم ويعدّون لمعركة شاملة للإستيلاء على السلطة. فى قصيدة “إعادة الصعود لتشينكانغ شان” كتب ماو :

” لطالما تطلعت نحو السحب

وأنا أصعد تشنكانغ شان من جديد

جئت من بعيد لرؤية مزارنا القديم

وجدت مشاهدا جديدة بدل القديمة …

يمكن أن نشبك القمر فى السماء التاسعة

نصطاد السلاحف فى أعماق المحيطات الخمس:

ونعود وسط غناء وضحك المنتصرين

ليس من شيئ صعب فى هذا العالم

لو تجرأنا على تسلّق الجبال”.

وفى ماي 1966، أطلق ماو الثورة الثقافية البروليتارية الكبرى، داعيا الشعب ل ” قصف مقرّ القيادة “. لقد دعا الشعب بمئات ملايينه للنهوض والإطاحة بأعلى مسؤولي الحزب و الحكومة الذين كانوا يحاولون إعادة تركيز الرأسمالية. كانت ” ثورة داخل الثورة ” .

لقد اطلق ماو عنان مئات الملايين ليصارعوا ويناقشوا إتجاه المجتمع و لتحمّل مسؤولية مصير المجتمع. كافح ماو وقيادة الحزب ليساعدوا الصفوف الواسعة للشعب على التمييز والنقد وعند اللزوم على الإطاحة بأتباع الطريق الرأسمالي وإستعادة أجزاء من سلطة الدولة حيث يطبّق أتباع الطريق الرأسمالي خطوطا وسياسات تحيد عن هدف الشيوعية. كانت تلك الثورة سيرورة لمزيد تثوير المجتمع ووضع السلطة بأيدى الجماهير.

 

إنّ الثورة الثقافية وقيادة ماو لها هي تقريبا الفترة من تاريخ الصين ” الأكثر والأوسع تشويها “. لعقود الآن ،روّج المدافعون عن الرأسمالية جملة من الأكاذيب التى تفترى على ماو وتصوّر الثورة الثقافية كابوسا. (لنقاش ودحض الأكاذيب السائدة حول الثورة الثقافية راجعوا نصّ : “حقيقة الثورة الثقافية”…).

 

” الأشياء الإشتراكية الجديدة” ومزيد تغيير المجتمع :

 

مثلما شرح ماو لاحقا ، هدف الثورة الثقافية كان ” أولئك فى السلطة أتباع الطريق الرأسمالي”. لكن الهدف الإستراتيجي من الصراع كان مساعدة الجماهير على تغيير نظرتها إلى العالم ومن خلال ذلك تغيير المجتمع حولها بإتجاه أصحّ نحو عالم شيوعي.

لنضرب مثالا على ذلك بشأن الرعاية الصحية. فى 1949 ، كان بالصين فقط 12 ألف طبيب غربي التدريب لبلاد تعدّ 500 مليون ساكن. وبحلول 1965 ،كان هناك 200 ألف. بيد أن العناية الطبية ما زالت مركّزة فى المدن. وكان يتمّ تشجيع الأطباء الجدد على العمل فى مستشفيات المدن النخبوية وعلى التركيز على مهنهم خدمة لذواتهم. فى هذه الأثناء لم يكن يتوفر لغالبية الفلاحين وهم الأغلبية الساحقة للصين الشعبية أو كان يتوفر لهم القليل من الرعاية الطبية العصرية. ومثل هذه المقاربة لا يمكن إلا أن تساعد على تعمّق اللامساواة فى المجتمع وتعزّز تأثير الميول الرأسمالية.

بشدّة نقد ماو والذين إلتفوا حول خطّه الإتجاه الذى تتبعه وزارة الصحّة ودعوا إلى تغييرات جذرية. وفى ظلّ قيادته إنتقلت بؤرة الرعاية الصحية إلى الريف،حتى مع التحسّن الشامل للصحّة فى المدن. وإحدى أكثر التطورات المثيرة للثورة الثقافية كانت حركة ” الأطباء ذوى الأقدام الحافية” .الفلاحون الشبان والشباب الحضري أرسلا إلى الريف وتدربوا على الرعاية الصحية و الطب الأساسيين بغاية تلبية الحاجيات المحلّية ومعالجة الأمراض الأكثر شيوعا. وذهب الأطباء إلى المناطق الريفية وفى كلّ وقت معيّن ،وجد ثلث الأطباء فى الريف. وتضاعف أمل الحياة خلال حقبة قيادة ماو من 32 سنة فى 1949 إلى 65 سنة فى 1976.

فى التعليم ، كان أتباع الطريق الرأسمالي يجادلون بأن الصين كانت تحتاج إلى العناية أولا ب” أفضل” المدارس و ” ألمع” الطلبة لأجل بناء صين حديثة. ودافعوا عن وضع حدّ لممارسة من زمن القفزة الكبرى إلى الأمام حين كان يبعث بالطلبة ليصرفوا جزءا من وقتهم فى الزراعة فى المدارس أو فى المطاعم الجماعية أو فى العمل فى المصانع الصغيرة المرتبطة بالمدارس.

بصرامة نقد الثوريون هذا مشيرين إلى أنه من المستحيل الإستمرار بالتحرّك إلى الأمام نحو الشيوعية ما لم يتمّ القضاء بصورة تصاعدية على الإختلافات بين العمل الفكري و العمل اليدوي وبين الأخصائيين وعموم جماهير الشعب.

 

وواحدة من نتائج نداء ماو لتغيير التعليم أن خاض ملايين الطلبة نضالا ضد النخبوية فى التعليم العالي. قبل الثورة الثقافية ،كانت الجامعات مجالا لأبناء وبنات أعضاء الحزب و القوى الأخرى ذات الإمتيازات. وكان الأطفال يتنافسون فى إمتحانات للدخول لمجموعة من المدارس الإعدادية الإنتقائية جدا. ولقرون أوجد النظام التعليمي فى الصين الكنفشيوسية نخبة مميّزة صغيرة،منبتّة وبعيدة عن عامة الشعب و العمل المنتج فى المجتمع.

ألغت الثورة الثقافية هذا النظام الباحث عن النخب و المعتمد على الإمتحانات التنافسية. إثر إكمال الدراسة العليا، صار الطلبة يذهبون إلى الحياة و العمل فى المناطق الريفية البعيدة أو يضطلعون بالعمل فى المصانع. وبعد سنتين أو ثلاث سنوات يمكن للطلبة من أية خلفية إجتماعية التقدّم للإلتحاق بالكليات. ويتضمّن جزء من عملية دخول الكلية تقييمات زملاء العمل والأوساط التى يعيش فيها المتقدمون للإلتحاق بالكليات.

وولدت مثل هذه” الأشياء الإشتراكية الجديدة ” فى كلّ قطاع من قطاعات المجتمع مع إستجابة الشعب لنداء ماو بتثوير المجتمع وتثوير نفسه فى خضمّ العملية.

وكجزء حيوي من هذا ،بدأ الحزب عينه يشهد تثويرا. وافق قسم كامل من الحزب على هذا الخطّ الثوري ، معمّقا فهمه للهدف الشيوعي و المرحلة الإشتراكية الإنتقالية وقائدا تغييرات فى كلّ المجالات. ونشأ قادة ثوريون جدد من بين الجماهير أثناء هذه الثورة والكثير منهم إنضموا إلى الحزب. وعرفت العلاقات بين كوادر الحزب و الجماهير موجات من التعزيز و التغيير ،رافعة الوعي ومطلقة المبادرة الجماهيرية ومتبنية روح الإنفتاح على النقد و النقد الذاتي فى صفوف الكوادر.

 

خسارة الصين الإشتراكية والدروس المستخلصة من أجل المستقبل :

 

على الرغم من هذه التغييرات ،حذّر ماو من أن النصر النهائي لم يتحقّق بعدُ. وأشار إلى أنه “سيكون من السهل للغاية إعادة تركيز النظام الرأسمالي” بحكم الضغوطات الإمبريالية و “بقايا” الرأسمالية (مثلا ، الإختلافات بين المدن و الريف وبين العمل الفكري و العمل اليدوي إلخ) وبحكم أن بعض القوى الشديدة البأس لا تزال فى قيادة الحزب ولم تُكسب بالكامل إلى الخطّ الذى جسدته الثورة الثقافية وبالفعل فى مناسبات عدّة أظهرت معارضة عميقة له.

فى 1976 توفّي ماو ،عندئذ إغتنم أتباع الطريق الرأسمالي فى الحزب الشيوعي الصيني بقيادة دنك سياو بينغ الفرصة للقيام بإنقلاب. فجرى إعتقال مئات الآلاف بمن فيهم أقرب رفاق ماو الذين أطلق عليهم “عصابة الأربعة” وضمنهم زوجته كيانغ تشنغ. وقُتل آلاف آخرين.

وبينما دعا ماو ل”خدمة الشعب ” نعق دنك “من المجيد أن تصبح غنيا”. الإنقلاب و تدمير الإشتراكية جعلا الصين جحيما كما هي اليوم بالنسبة للغالبية الغالبة من الصينيين وهي مرّة أخرى تحت هيمنة الإمبريالية والإستغلال الرأسمالي والإضطهاد الإقطاعي المتخلف إضافة إلى ما رافق ذلك من إستقطاب إقتصادي وإجتماعي حاد للغاية.

 

الأسباب وراء نجاح أتباع الطريق الرأسمالي معقّدة وتشتمل على عوامل وتطورات عالمية كبيرة وكيفية تداخلها مع الصراع الطبقي فى الصين.وضمن هذا وجدت بعض الأخطاء التى وقع فيها ماو و الثوريون المجتمعون حوله أضعفت قدرتهم على صدّ هجمات أتباع الطريق الرأسمالي خاصة بعد وفاة ماو.

لكن والدرس الذى نستخلصه ليس أن الإشتراكية مستحيلة. الثورة لم تفشل إنما هُزمت. وحقيقة أن أتباع الطريق الرأسمالي إستولوا على السلطة ما كانت واضحة جدا فى ذلك الوقت وليس فقط لأنهم لبسوا لبوس الإشتراكية والماوية وإستعملوا مفرداتها. فى هذا الظرف التاريخي البالغ الأهمية ، بعمق لخّص [الشيوعيون الماويون] مساهمات ماوتسى تونغ فى علم وممارسة الثورة الشيوعية. وحلّلوا الطبيعة الطبقية للقيادة الجديدة فى الصين وبيّنوا بكثير من التفصيل أن ثورة مضادة ضد ماو والإشتراكية حصلت .وفى نفس الوقت ، أشاروا إلى مهام الشيوعيين الحقيقيين فى كافة أنحاء العالم و التحدّيات التى تواجههم فى تلخيص سليم للتجربة التاريخية-العالمية غير المسبوقة للثورة الصينية و النظرية التى طوّرها ماو فى خضمّ قيادته لها، لتعلّم أكبر قدر ممكن تعلّمه منها ولمزيد التقدّم فى سيرورة الثورة البروليتارية العالمية.

واليوم لا وجود لبلدان إشتراكية فى العالم. لقد أشّرت خسارة الصين الإشتراكية فى 1976 إلى نهاية مرحلة ، الموجة الأولى من الثورة البروليتارية العالمية.

 

كان ماو تسى تونغ شيوعيا ثوريا عظيما قاد ربع سكان الكوكب لتحرير الصين من نير المضطهِدين الإمبرياليين ، ثمّ إنتقلوا لبناء مجتمع إشتراكي تحرّري لأكثر من 25 سنة. وقاد ماو الشعب الصيني ” ليرتفع بالمجتمع إلى السماء ” ليغيّر راديكاليا ظروف حياته ويغيّر نفسه فى السيرورة.

وبلا هوادة بحث عن طريقة لمنع طبقة برجوازية جديدة من الإستيلاء على السلطة وإلى اواخر أنفاسه ، قاد الشعب للإطاحة بها. فى ظلّ قيادته أقيمت أكثر التجارب الثورية تقدّما فى تغيير المجتمع وتغيير الناس ، أبعد ما بلغته الإنسانية فى صنع عالم خال من الإستغلال والإضطهاد.

فهم حقيقة ماو مهمّ لكلّ شخص فالثورة التى قادها تمثّل معلما من المعالم الرئيسية فى التاريخ الإنساني وعلى كلّ شخص معرفة حقيقة هذه الثورة وهذه الشخصية. وبالنسبة للذين ينشدون حقا تغيير العالم ،هناك درجة أوفر من الأهمية لأن فكر وممارسة ماو الثوريين يشكلان جزءا حيويا من أسس ونقطة إنطلاق إعادة بناء الحركة الثورية اليوم./.

 

 

بعض المراجع الهامة بصدد الصين الماوية :

 

عديدة هي المؤلفات التى تناولت الثورة الماوية فى الصين وهي لا تحصى على الأنترنت و بمختلف اللغات غير أننا كي لا نطيل نقترح عليكم أهم المراجع المشهورة والمتداولة و المتوفرة بشكل عام منذ عقود.

- تاريخ الثورة الثقافية البروليتارية فى الصين ، جون دوبيه (بالعربية ،دار الطليعة 1971 وبالفرنسية مسبيرو/1971)

- La chine nouvelle a 25 ans. / Editions en langues étrangères, Pékin 1975

- Mao Tsé- toung et la construction du socialisme /Seuil, Paris 1975.

-Les communes populaires chinoises./ Patrick Tissier /10/18 Paris 1976.

- De la révolution culturelle au X congrès du parti communiste chinois / Gilbert Mury / 10/18, Paris 1973.

- Le parti communiste chinois au pouvoir. / Jacques Guillermaz, Petite Bibliothèque Payot, Paris 1979.

- Révolution culturelle et organisation industrielle en Chine. / Charles Bettelheim, Maspero, Paris 1973.

- La construction du socialisme en Chine. / Charles Bettelheim, Maspero, Paris 1973.

- Questions sur la Chine après la mort de Mao Tsé-toung. / Maspero, Paris 1978.

 

 

إنتهى / أوت 2009

About these ads

عن منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني

موقع منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني
This entry was posted in نظريات وحركات يسارية وثورية, شخصيات ثورية and tagged , , . Bookmark the permalink.

أضف تعليق

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. تسجيل الخروج / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. تسجيل الخروج / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. تسجيل الخروج / تغيير )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. تسجيل الخروج / تغيير )

Connecting to %s