الانتفاضة تواجه معادلة بائسة: الطغيان أو عودة الاحتلال!

الانتفاضة تواجه معادلة بائسة: الطغيان أو عودة الاحتلال!

طلال سلمان – السفير

فرضت أنظمة القمع على الشعوب العربية خياراً بين أمرين كلاهما مسيء إلى حاضرها ومدمر لمستقبلها: إما الاستسلام لحكم الرجل ـ الحزب ـ التنظيم الواحد والسكون والتخلي عن حقوقها البديهية في أوطانها، وإما الانتفاض على الظلم ورفض المهانة ومواجهة السلطة بأجهزتها البوليسية المتعددة والشرسة مما يتهدد «الدولة» في وجودها ويتهدد المجتمع في وحدته.

كانت التجربة القاسية الأولى في العراق حين تولى الغزو العسكري الأميركي، المسكوت عنه عربياً إلى حد التحريض، إسقاط صدام حسين في أوائل نيسان 2003، فكانت النتيجة اندثار تلك الدولة العربية الكبرى وذات القدرات الممتازة والتي كان الطغيان قد حوّلها إلى «دوقية» خاصة به وببعض عشيرته وبعض أعوانه الذين أنقذتهم المصادفات أو الغفلة من مصير سائر «رفاق النضال المجيد»!.

… وها هو العراق، الآن، مجموعة من الكانتونات، بعضها يتكامل نمواً تحت الحماية الأجنبية المباشرة، وبالشراكة شبه المعلنة مع إسرائيل، خارجاً من الدولة المركزية وعليها، وبعضها الآخر يجنح إلى الانفصال بذريعة حماية حقوق الأقليات، في حين يتمسك بعض ثالث بوحدة الدولة لأنه في موقع صاحب السلطة تاركاً خيار الانفصال قائماً كبديل جاهز لاستقلال كل طائفة بإقليمها (ونفطها)، تحت لافتة خادعة للدولة الاتحادية أو بالأحرى اتحاد الدويلات الطائفية والعرقية في أرض الرافدين.

أما التجربة القاسية الثانية فنعيش فصولها المأساوية الآن مع الشعب العربي في ليبيا، الذي يحاول إعادة تجميع «فتافيت» دولته التي جعلها «بطل ثورة الفاتح» جماهيرية لا سابقة لها في التاريخ الإنساني ووزّع السلطة والثروة والسلاح فيها على أبنائه، … وها قد أخذت «النخوة» الحلف الأطلسي إلى التدخل بنيران أساطيله الجوية والبحرية وبعض الأكفأ من رجال مخابراته لاستنقاذ النفط بآباره والأنابيب ومصافي التكرير وموانئ التصدير، مع مراعاة حصص القبائل والعناصر (حتى لا ننسى الأمازيغ) في الثروة والسلطة. بعد ذلك يمكن البحث في أمر «الدولة» وهل تكون مركزية أو تعود إلى صيغتها الملكية، ولايات يضمها اتحاد تحت التاج. خصوصاً أن أهل النفط العربي ـ وكلهم أصحاب سمو ـ كان لهم دور حاسم، على الأقل مالياً، في «تحرير ليبيا» من الطاغية الذي جمع في شخصه كل ما عرف الأباطرة والملوك والسلاطين من أسباب السلطة المطلقة، ثم أضاف إلى ذلك بعض ما اختص به الأنبياء والرسل وحَمَلة كلمة الله!

تمكن أيضاً الإشارة إلى ما أصاب الدولة المركزية الوليدة في اليمن من أعطاب وتصدعات وتشققات تنذر بتفككها وعودة القبائل إلى سابق «استقلال» كل منها بمنطقتها، لا سيما أن تجربة «الحكم الشيوعي» في الجنوب كانت بائسة بحيث يستحيل التفكير باستعادة نموذجها الدموي، كما أن مصالح المحيط الملكي المذهب تسعِّر الفتنة في اليمن كشرط لإدامة الاستقرار في جواره حتى لو اقتضى الأمر جعل «قوة دفاع الجزيرة» أقوى من الحلف الأطلسي بأسلحته وأساطيله جميعاً.

وبرغم اختلاف الأحوال في تونس عنها في ليبيا، سواء ما اتصل منها بالدولة أو ببنية المجتمع،

وبرغم رسوخ «الدولة المركزية» في مصر وتماسك النسيج الاجتماعي فيها.

وبرغم قوة النظام في سوريا وصموده في وجه معارضيه من دون أن ننسى ثقل الكلفة الدموية والاقتصادية التي تكبدتها هذه الدولة الفقيرة بمواردها.

برغم ذلك فإن تصدعات خطيرة قد ضربت هذه المجتمعات نتيجة الثورات والانتفاضات الشعبية مهددة تماسكها وأهليتها لتحقيق أهدافها في بناء الدولة الحديثة، أقله بالسرعة التي كان الأمل معقوداً عليها.

وإذا كان لا خطر ـ مبدئياً ـ على الدولة المركزية في مصر، ولا مخاطر داهمة تتهدد وحدة المجتمع في تونس، وذلك لأسباب تاريخية، فإن شعوب معظم أقطار المشرق العربي تعيش حالة من القلق على «دولها» بعدما صيّرت الأنظمة الحاكمة فيها ذاتها بديلة عن «الدولة»، فصار الخطر على النظام خطراً على تماسك المجتمع وخطراً على وحدة الدولة.

ومن المكابرة إنكار التخوف على عودة المجتمعات التي كانت قد عرفت طريقها إلى العصر من الغرق في جاهلية سياسية جديدة إذا ما سقطت «الدولة» برصاص الأنظمة الحاكمة فيها، قبل معارضيها.

وهناك ملاحظة لافتة ومؤسفة في آن، في هذا المجال، خلاصتها أن مجتمعات ما قبل الدولة المركزية، تلك التي يحكمها السيف معززاً بالذهب الأسود، والتراث المقدس، أحياناً، تبدو وكأنها خارج دائرة الصراع المحتدم الآن في مختلف أرجاء الوطن العربي بين القوى الجديدة المطالبة بالتغيير وبين الأنظمة التي توحدت مع الدولة حيث تحكم وتتحكم بحيث يكاد يتوحد شعار إسقاط النظام مع العمل لإسقاط الدولة.

إن ثمة ظاهرة عربية لا يمكن إنكارها في العديد من الأقطار: لقد توحدت الدولة والنظام والمجتمع، وإلى حد كبير، في «شخص» يساعده بضعة من المعاونين، فإذا ما سقط هذا الشخص أو أسقط بانتفاضة شعبية (بعد اندثار عهد الانقلابات العسكرية) تهددت الدولة بالتفكك وانهار النظام وتبعثر المجتمع عائداً إلى مكوناته الأولى، أي الأديان والطوائف والمذاهب والعناصر القومية أو الإثنية، بما يفرض على العاملين للتغيير مهمة صعبة إلى حد الاستحالة.

[ [ [

ما من شك في ان المجتمعات العربية تعيش حالة من النشوة وهي ترى الجماهير تحتشد في «الميدان» مطالبة بإسقاط الأنظمة الدكتاتورية التي تحكمها منذ دهور، فتحجر على آمالها وقدراتها كما على حركتها وأنشطتها المعبرة عن طموحها إلى غد أفضل.

لكن هذه المجتمعات تخاف من ذاتها، وبالتحديد من ضعف قدراتها ومن نقص استعدادها لصنع المستقبل الأفضل. فهي بلا قيادات مؤهلة، أو انها لا تعرف هذه القيادات التي كانت مطاردة بالقمع بحيث تخفي كفاءاتها أو تنفي نفسها إلى الخارج، وبالتالي فهي كانت غائبة أو مغيبة، قد يحفظ لها الناس بعض التقدير ولكنهم لا يسلمون ـ آلياً ـ بأنها هي هي قيادتهم إلى الغد الأفضل.

وإذا كانت مصر تختزن في ملايينها الكثيرة مئات الآلاف من الكفاءات وأصحاب الخبرات والتجارب الغنية في العمل السياسي «المضبوط» ضمن حدود ما لا يقلق الشعب أو يثير مخاوفه..

وإذا كانت تونس غنية بتجاربها الحزبية والنقابية في عهد ما قبل الطاغية زين العابدين بن علي..

فالمؤكد ان القيادات الجديدة التي أطلقتها الميادين وتعرّف إليها «الشعب» في سياق الحركة لإسقاط الطغيان، تحتاج إلى مزيد من الزمن وإلى كثير من المعرفة بمجتمعها ومن الخبرة بأسباب إعادة بناء الدولة، قبل ان تتقدم لتتصدر الجموع هاتفة بحزم: اتبعوني!

لقد كان بديل الطغيان في حالات محددة أولها عراق صدام حسين وآخرها جماهيرية القذافي، الاحتلال الأجنبي، أميركياً أو أطلسياً، أي الاستعمار مجدداً.

ومن نافلة القول التأكيد ان الاستعمار هو نقيض مطالب الشعوب في التحرر وفي استعادة الكرامة المفقودة وفي بناء الدولة الواحدة الموحدة المؤهلة والقادرة على تحقيق مطامح شعبها.

إن الأزمة التي تعيشها الأمة أخطر من أن تحسمها الانتفاضات الشعبية، وإن كان هذا الحراك الجماهيري هو المدخل الطبيعي إلى المستقبل.

والمسافة طويلة بين النزول إلى الشارع وبناء الدولة.

وأخطر المخاطر: الاستعجال وارتجال الحلول، أو استسهال طلب المساعدة ممن استولدوا لنا دولاً لا تملك القدرة على الحياة، فكيف بالاستقلال والسيادة والعزة والكرامة؟!

… خصوصاً أن أهل الثروة العربية يقفون في الجبهة المناهضة لقيام دول عربية قوية ومؤهلة لصنع الغد الأفضل، ويفضلون الحلف الأطلسي على الثورة، ولا يخفون كراهيتهم للجمهوريات فكيف بالتحرر والعدالة الاجتماعية والتقدم وبناء مجتمعات الكفاية والعدل، قبل الوصول إلى تحرير فلسطين؟!

إن معركة التغيير في الوطن العربي ثورة عالمية… وصعوبتها تماثل خطورة إنجازاتها التي من شأنها ـ إذا ما تحققت ـ أن تصنع غداً جديداً للإنسان في الأرض جميعاً.

فهل نحن جاهزون لمعركة بهذا المجد؟!

ذلك هو السؤال.

نُشِرت في فن/أدب/وجهة نظر | أضف تعليق

أزمة اقتصادية عميقة تهدد العالم

أزمة اقتصادية عميقة تهدد العالم

منير الحمارنة

الحوار المتمدن

2011 / 8 / 29

تؤكد مختلف المؤشرات أن العالم الرأسمالي، وخاصة المراكز الرأسمالية الرئيسية لم تبرأ من الأزمة المالية العالمية التي انفجرت عام 2008، حيث بقي النظام الرأسمالي يتخبط في متاهات الأزمة، ولكنه دخل في هذا العام أزمة جديدة حادة من خلال أزمة الديون الأمريكية بالدرجة الأولى ثم الديون الأوروبية في الدرجة الثانية. وتكشف الأزمة الجديدة بوضوح، أنه ليس بمقدور الرأسمالية العالمية القضاء على أزماتها الكثيرة والمتتالية، ولكنها تدير هذه الأزمات بوسائل مختلفة، تؤدي في المحصلة الى تصديرها لمختلف دول العالم، وخاصة الدول النامية والتابعة من جهة والى تحميل الطبقة العاملة والفئات الفقيرة والمتوسطة أعباء جديدة، وذلك من خلال تقليص الانفاق العام وتقليص فرص العمل في الدول الرأسمالية ذاتها من جهة ثانية.

كيف نشات هذه الأزمة؟

لمعرفة اسباب نشوء الأزمة لا بد من القاء نظرة سريعة على الاقتصاد الامريكي وتطوراته حتى ايامنا هذه.

يعتبر الاقتصاد الامريكي أكبر اقتصاد في العالم ويشكل الناتج المحلي الاجمالي الامريكي 21.21بالمئة من الناتج العالمي عام 2010 أي حوالي 14.634 تريليون دولار وكان الاقتصاد الامريكي في مقدمة الاقتصاد العالمي على مدى ما يقرب من المائة عام الماضية. وخرجت الولايات المتحدة من الحرب العالمية الثانية أقوى اقتصادياً وأكثر ازدهاراً، وساهمت في اعادة بناء ما دمرته الحرب في العديد من دول العالم مما عمق امكاناتها المادية وسيطرتها الصناعية ونفوذها التجاري وعزّز مكانتها في قيادة العالم الرأسمالي.

ولكن الولايات المتحدة تواجه حالياً أكبر تحد منذ الحرب العالمية الثانية وذلك لأسباب محلية وأخرى دولية.

فعلى الصعيد المحلي فشل الاقتصاد الامريكي في الخروج من الأزمة المالية العالمية التي انفجرت عام 2008 والتي تعتبر الاسوأ من أزمة الكساد الكبير في ثلاثينيات القرن الماضي، وعالمياً تفقد الولايات المتحدة مكانتها العالمية الاقتصادية بالدرجة الأولى أمام نهوض وتعمق دور الدول الناشئة. ويتوقع صندوق النقد الدولي ان الصين ستلحق بالولايات المتحدة عام 2016 بدلاً من تقديرات سابقة كانت تقدر ذلك حوالي عام 2025.

ويعاني الاقتصاد الامريكي حالياً من المشاكل التالية :-

1- سقف المديونية العامة المرتفع

2- تباطؤ النمو

3- ارتفاع معدل البطالة

4- ارتفاع عجز الموازنة.

وتفجرت الأزمة عندما واجهت الادارة الامريكية مشاكل وصعوبات بعضها اقتصادي ولكن بعضها الآخر سياسي يتعلق بالتناقض بين الحزبين، عندما حاولت رفع سقف الدين العام. فمن المعروف ان سقف الدين العام الامريكي محدد بموجب القانون ويبلغ 14.3 تريليون دولار وهو يشكل 69 بالمئة من الدخل القومي. ووصل هذا الدين في اواخر شهر آيار الماضي الى السقف المحدد، الأمر الذي اصبح يتطلب رفع السقف، إذ بدون ذلك لا توجد أية اموال للانفاق، وبالتالي الدخول في حالة العجز عن الدفع، أي عدم دفع معاشات التقاعد والديون المستحقة على الخزينة وتغطية نفقات الادارة المختلفة وغيرها.

ويذكر ان الرئيس أوباما واجه صعوبات في التوصل الى رفع سقف المديونية من جانب الجمهوريين، الذين اشترطوا تخفيض الانفاق العام ولا سيما في المجال الاجتماعي لقاء موافقتهم على زيادة السقف.

بينما طالب الديمقراطيون بزيادة الضرائب على الاغنياء والشركات الكبيرة والابقاء عليها منخفضة على الطبقات الوسطى واصحاب المداخيل القليلة والابقاء على الانفاق الاجتماعي. وهنا اشتد السجال بين الجانبين وحمي وطيس المعركة التي كانت سياسية في جوهرها. رغم ذلك كان من المتوقع ان يتوصل الطرفان الى كومبرومايز “توافق” يحمي سمعة الولايات المتحدة ومكانتها في العالم!!!

ومن الجدير بالذكر انه جرى رفع سقف الدين العام الامريكي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى الآن سبعين مرة منها سبع مرات في عهد الرئيس السابق جورج بوش الأبن. ولكن عجز الموازنة الذي اسهم بشكل كبير في تطوير وزيادة المديونية، نجم عن المبالغة في الانفاق العام..ان هذا العجز هو السبب الأهم للازمة الحالية، والذي تطور بشكل كبير منذ عهد رونالد ريجان حتى الوقت الحاضر. ويبلغ العجز السنوي للموازنة حالياً حوالي تريليون دولار وينجم هذا عن الانفاق المبالغ فيه خاصة على الحروب في افغانستان والعراق التي يقدر البعض انها كانت حتى الآن حوالي 3.7 تريليون دولار، ويشكل الانفاق على الدفاع واحدة من اهم المشكلات للاقتصاد الامريكي. إذ تبلغ ميزانية الدفاع حوالي 700 مليار دولار سنوياً وهي تساوي انفاق اعلى عشرين دولة مجتمعة في العالم على التسليح. وفي العام الماضي زاد الانفاق العسكري الامريكي 50بالمئة عما كان عليه معدل الانفاق في الحرب الباردة، وارتفعت نسبة الانفاق العسكري 67 بالمئة في آخر عشر سنوات.

وامام تداعي عجز الموازنة وزيادة الانفاق، فإن الولايات المتحدة ذهبت بعيداً في الاستدانة. وتقول المعطيات ان كل دولار تنفقه الولايات المتحدة يأتي 60 سنتاً منه من عائدات الموازنة و40 سنتاً تأتي من المديونية، أي ان المديونية اصبحت جزءاً ضرورياً ومكملاً لسياسة الانفاق الامريكية. ومن الجدير بالذكر ان البنك المركزي الامريكي يدخل السوق كمقترض فرد، وبالتالي يتصرف كأي مؤسسة في القطاع الخاص في الاقتراض والسداد على السواء.

ومع ارتفاع عجز الموازنة ومستوى المديونية فان الاقتصاد الامريكي يعاني من عدم القدرة على التعافي الاقتصادي بمايسمح بمواجهة المستحقات الجديدة.فالادارة الحالية ورثت عجزاً متراكماً للموازنة، وأضافت اليه ما يقرب من أربعة تريليونات دولار لانتشال الشركات الكبيرة التي افلست في أعقاب الأزمة المالية عام 2008. وأمام معضلة حالة العجز عن الدفع، فإن تباطؤ النمو يساهم في زيادة معدل البطالة حيث يوجد في الولايات المتحدة حالياً 14 مليون عاطل عن العمل أي حوالي 9 بالمئة.

اعلنت الخزانة الامريكية ان مجموع الدين العام تجاوزت عقبة 100 بالمئة من الناتج المحلي لعام 2010 بعد اقرار رفع سقف الدين العام.

وارتفع سقف الدين في يوم واحد 238 مليار دولار لمواجهة المدفوعات المتراكمة، يبلغ بذلك 14.580 تريليون دولار متخطياً بذلك الناتج الاجمالي لعام 2010 والذي بلغ 14.526 تريليون دولار ، ولكنه سيكون دون ناتج عام 2011 والذي يقدر ان يبلغ 15.008 تريليون دولار .وبذلك تنضم الولايات المتحدة الى الدول التي يتخطى دينها ناتجها المحلي الاجمالي، ومنها بحسب بيانات صندوق النقد الدولي اليابان 229 بالمئة واليونان 152 بالمئة وجامايكا 137 بالمئة ولبنان 134 بالمئة وايطاليا 120 بالمئة وارلنده 114 بالمئة واسلنده 103 بالمئة. وسبق ان تخطى الدين العام الامريكي الناتج المحلي عام 1947 بعد الحرب العالمية الثانية وكانت النسبة متدنية جداً وبلغت 32.5 بالمئة عام 1981 بينما بلغت مستوى 64.4 بالمئة عام 2007 تحت وطأة الانكماش والأزمة المالية العالمية.

ورفع الكونغرس سقف الدين الجديد بـ 2.100 تريليون دولار، ويقدر تخفيض النفقات بمقدار 2500 مليار على مرحلتين. الأولى قيمتها تريليون دولار على مدى عشر سنوات تبدأ فوراً وتشمل قطاع الدفاع وقطاعات أخرى.

والمرحلة الثانية قيمتها 1500 مليار دولار على مدى عشر سنوات ايضاً تتولاها لجنة خاصة في الكونغرس مؤلفة من عدد متساو من الديمقراطيين والجمهوريين تكون مهمتها تحديد أوجه الاستقطاعات الاضافية.

واعلن الرئيس أوباما ان الاتفاق على تحديد النفقات الفيدرالية سيعيدها الى ادنى مستوى لها منذ ستين عاماً مما سيلحق ضرراً بالاقتصاد الامريكي الذي يعاني من معدل بطالة مرتفع 9.2 بالمئة ومعدل نمو منخفض 1.3 بالمئة.

وقابلت الصحافة الامريكية قضية رفع سقف المديونية بانتقادات واضحة وقالت نيويورك تايمز انه اتفاق مفزع!! وأبدت شيكاغو تريبيون مخاوف من تداعيات هذه الخطوة.

ولا شك ان تعليق رئيس وزراء روسيا يلخص بدقة آثار ارتفاع مديونية الولايات المتحدة وتخفيض تصنيفها على الاقتصاد العالمي حيث قال “الولايات المتحدة تتطفل على الاقتصاد العالمي من خلال تجميع الديون الهائلة التي تهدد النظام المالي العالمي.

واهتز الاقتصاد العالمي جراء أزمة الديون الأمريكية، وظهر ذلك جلياً في اضطراب البورصات من جهة وتعمق احتمالات الكساد من جهة ثانية.

فالذي يحدث في الاقتصاد العالمي هو ردود فعل متتالية نتيجة السياسات والاجراءات التي تتخذها واشنطن من جانب واحد، من خلال محاولاتها الحثيثة لنقل أزمتها الى الخارج بعد دخول اقتصادها في أزمة جديدة نجمت عن تراكم الديون مما أدى الى تخفيض تصنيفها الائتماني ، الأمر الذي أثار شكوك واسعة في قدرة هذا البلد على تسديد ديونه وفي ذات الوقت بدء شبح الأزمة في دول الاتحاد الأوروبي بعد تزايد الديون السيادية، مما أدى الى اشاعة الذعر بين المستثمرين وزعزعة الثقة في النمو الاقتصادي. وجاءت توصيات المؤسسات المالية الدولية، صندوق النقد والبنك الدوليين، المطالبة بتنفيذ سياسات انكماشية من خلال تخفيض الانفاق العام والغاء الدعم وغيرها من السياسات لتزيد من تعمق الأزمة. وكان من أهم نتائج تلك السياسات اتساع دور القطاع الخاص في مختلف قطاعات الاقتصاد وخاصة توسعه في مجالات حيوية تمس حياة المواطنين وأمنهم بشكل مباشر من خلال الخصخصة الواسعة للخدمات العامة. ونمت كذلك أسواق المضاربة بشكل غير مسبوق وغير مراقب. وفي ظل كل هذه الاوضاع الصعبة، تلعب سيطرة الدولار على الاقتصاد العالمي دوراً شديد التأثير، لأنه عملة الاحتياط الدولي الرئيسية، حيث يشكل حوالي 70 بالمائة من الاحتياطي العالمي.

الأزمة عميقة داخل الولايات المتحدة وفي دول الاتحاد الاوروبي. فالاقتصاد الامريكي ينمو بمعدل ضعيف جداً دون 2 بالمائة ومعدل البطالة يزيد عن 9.2 بالمائة وتتوالى عمليات التسريح الجماعي للعمال والمدرسين. وهناك حالة من الركود الاقتصادي ويستمر ركود الرواتب والاجور على مدى ثلاثة عقود مما أدى الى انهيار سوق العقار نتيجة الانهيار الاقتصادي، وهناك الملايين من الأسر الامريكية التي اصبحت مهددة بالطرد من مساكنها. ويتصاعد العجز في الميزان التجاري مع تراجع الاستثمار في البنية الاساسية.

وفي ضوء هذه الاوضاع يشتد النضال الطبقي والاجتماعي في الولايات المتحدة وتتسع دوائر المناهضين للأوضاع الماثلة. وعبر عن هذه الحالة الاتحاد الفيدرالي للعمال الامريكيين عندما اعلن “ليس هناك من طريقة لسد العجز في تمويل ما نريد وما نحتاج اليه سوى عودة القوات الامريكية من الخارج لوطنها سواء من العراق او افغانستان، فقد ثبت أن عسكرة وتسليح السياسة الخارجية الامريكية أكبر خطأ ارتكب. علينا ان نستثمر في بلادنا”.

ويقول الاتحاد الفيدرالي للعمال الامريكيين “لكن لا نستطيع ان نغفل في المقابل أن نظامنا الضريبي غير عادل ولا يتسم بالشفافية، وهذا هو الخطأ الرئيس في الاقتصاد الامريكي. لأن الحكومة تعطي الحوافز الضريبية للمليونيريين الأمريكيين والشركات الكبرى في حين ان البنية الاساسية تعاني الاهمال الشديد ، بل ويقطع زيت التدفئة عن الفقراء الامريكين وقد تم تصفية اكثر من 50 الف وحدة صناعية خلال العشر سنوات الماضية بينما يصل العجز التجاري السنوي الى نصف تريليون دولار”. هذه الاوضاع تتطلب سياسات جديدة في الاستثمار ستوجه الى الداخل كما يقول اتحادالعمال.

وفي ذات الوقت يشهد الاتحاد الأوروبي تباطؤاً حاداً، فقد شهدت المانيا، اهم اقتصاد أوروبي، تباطؤاً حاداً في نموها الاقتصادي بلغ 0.1 بالمائة في ربع العام الثاني، رغم انها تعتبر القوة المحركة للتعافي الاقتصادي في منطقة اليورو وكذلك تباطأ الاقتصاد الاسباني الى 0.2 بالمائة من 0.3 بالمائة في الربع الأول بينما تشير الاحصاءات أن النمو الاقتصادي الفرنسي قد توقف خلال الفترة بين نيسان وحزيران. وبجانب ذلك تعاني دول أوروبية كذلك من ضائقة حادة كاليونان وايطاليا. وتشكل أزمة الديون اضافة مقلقة لأوروبا وللاقتصاد العالمي.

وهكذا يتضح ان شبح أزمة اقتصادية عميقة يحوم حول العالم، الأمر الذي يفرض، في ظل النهوض الطبقي المعادي للقوى الامبريالية داخل بلدانها وعلى الصعيد العالمي،يفرض اجراء تعديلات كبرى في بنية الاقتصاد العالمي، وفي مقدمتها اعادة النظر في النظام النقدي العالمي وإيقاف التلاعب بأسعار صرف العملات .واخراج دول العالم من قبضة قوى العولمة الرأسمالية الشرسة.

نُشِرت في حول العالم | أضف تعليق

موقع “المجلس العام” في حياة الحزب

رجا سعد الدين

 مجلة النداء

موقع “المجلس العام” في حياة الحزب 

الوضع اللبناني: وهو الحلقة الأساسية في خلاصات اللجنة المركزية، وكي لا نعيد ما تطرقت اليه هذه “الخلاصات” نكتفي بالقضايا التي نرى ضرورة ايرادها، كي تأخذ مكانها في مشروع التقرير، وكي يتسنى للرفاق أعضاء المجلس العام مناقشتها. وهذه القضايا كالتالي:

أولاً: في موضوع الجبهات وأطر العمل المشترك، والاستعدادات المتبادلة للقوى السياسية للعمل معاً، من أجل برنامج يعود تحقيقه أو النضال من أجل تحقيقه بالفائدة على كافة الأطراف المنضوية في عملية التحالف ومنها حزبنا. هذا الأمر لم يتحقق رغم المحاولات التي قام بها الحزب لأسباب ذاتية وموضوعية متعددة. يبقى علينا، ومن موقعنا الطبقي والسياسي وانسجاماً مع المهمة التاريخية القديمة- الجديدة الملفاة على عاتقنا، أي بناء “الحكم الوطني الديمقراطي”، أن نعمل كي يستعيد الحزب حيويته الداخلية ويحد من حالات الانكفاء لدى أعضائه وأحياناً لدى بعض المنظمات (والوسائل في هذا المجال متاحة وكثيرة..) كي يتمكن من بناء الاطار اليساري العلماني – الديمقراطي الذي يعتبر الرافعة الأساسية لنجاح مسيرة البديل الديمقراطي للنظام الطائفي.

لقد أكدت “الخلاصات السياسية والتنظيمية” على هذا الأمر، و”بالطبع” على استمرار فعالية الحضور السياسي على ساحة التقاطعات والتناقضات التي تحكم العلاقة مع القوى السياسية المختلفة على أساس قضايا معينة ومحددة.

أما قضايا التنظيم ففضلت أن أناقشها مع الرفاق أعضاء الكونفرنس في جلسات “المجلس العام” لسببين اثنين:

الأول: لم أتعود ولا أشجع على نقاش القضايا التنظيمية للحزب خارج الأطر التنظيمية المنصوص عليها في النظام الداخلي، وهذا أمر أشجع الرفاق الالتزام به.

الثاني: يمكن – بل هذا أمر أكيد – أن أستفيد من مداخلات الرفاق في شؤون التنظيم وقضاياه كي تكون مداخلاتي أكثر فائدة لي وللرفاق المؤتمرين..

من خارج النص المكتوب، وكي تستكمل الصورة وتكون أكثر وضوحاً أمام أعضاء المجلس العام، وكي تتحقق الفائدة القصوى من انعقاده، أرى من الضروري البحث التقييمي لقضايا أكد عليها المؤتمر العاشر تحت عنوان “القضايا والتحديات”، وتؤكد عليها حاجاتنا الحزبية الفكرية والسياسية، وظروف استمرارنا كحزب يعمل بحق من أجل السيادة والاستقلال والديمقراطية. هذه القضايا هي كالتالي:

أولاً: النظام السياسي وضرورة التغيير وراهنيته.

ثانياً: ما بعد الطائف.

ثالثاً: الأزمة الاقتصادية.

رابعاً: العلاقات اللبنانية العربية.

خامساً: العلاقات السياسية الداخلية.

سادساً: العمل في المنظمات الجماهيرية.

سابعاً: قطاعات الشباب والنساء..

ثامناً: الاعلام.

تاسعاً: التثقيف.

عاشراً: الثقافة والفنون.

احدى عشر: العلاقات الخارجية.

واذا كانت خلاصات اللجنة المركزية السياسية والتنظيمية قد قيّمت معظم القضايا وإن بنسب متفاوتة من حيث التوسع في عملية التقييم منذ المؤتمر وحتى أبحاث اللجنة المركزية فإننا نلاحظ بأن قضايا الاعلام والتثقيف والثقافة.. لم ترد ضمن هذه الخلاصات مع انها كانت على جدول أعمال المكتب السياسي أكثر من مرة، والى حد كبير البعض منها كان على جدول أعمال اجتماعات اللجنة المركزية. ونظراً لأهمية هذه القضايا في حياة الحزب، نرى ضرورة البحث فيها كي يطلع عليها المجلس العام على صيرورتها، والصعوبات التنظيمية والاجرائية التي تعاني منها اللجان المكلفة بمتابعتها، أو الرفاق المكلفين والمعنيين بالاشراف عليها في المكتب السياسي. ومساهمة مني في الحديث عن هذه القضايا أود أن أتوقف أولاً أمام قضية التثقيف الحزبي الذي “قيّم المؤتمر ايجاباً المبادرات الخاصة التي قامت بها لجنة التثقيف المركزية، على الرغم من ضآلة الامكانيات الموضوعة في تصرفها لناحية إعداد برامج التثقيف وتنفيذ عدة مدارس حزبية مهمة طالت مئات الرفاق والرفيقات. ولذلك قرر المؤتمر متابعة المدارس الحزبية وعلى مستويات أعلى وأوسع…” وتنفيذاً لقرار المؤتمر، تقدمت لجنة التثقيف المركزية بمشروع التثقيف المركزي بمشروع التثقيف للمكتب السياسي بتاريخ 28-29 آذار 2009 ووزع على جميع أعضائه للاطلاع وقد تضمن المشروع اقتراحاً باقامة “مدرسة حزبية دائمة” ذات طابع أكاديمي- حزبي تتضمن الأقسام التالية:

1- تاريخ الحزب منذ التأسيس حتى المؤتمر العاشر.

2- الاقتصاد السياسي.

3- علم الاجتماع.

4- علم النفس الاجتماعي.

5- الفلسفة بالعام والفلسفة الماركسية بشكل خاص.

6- الحركة الثورية وتتضمن:

أ‌- حركات التحرر الوطني عالمياً وعربياً.

ب‌- الحركة الوطنية اللبنانية.

ت‌- المقاومة الوطنية اللبنانية والدور التاريخي للحزب فيها.

ث‌- النظام الاشتراكي العالمي وأسباب انهياره.

ج‌- الأحزاب الشيوعية والحركات العمالية في البلدان الرأسمالية ماضيها وحاضرها.

ح‌- الخيارات والأنظمة ذات التوجه الاشتراكي والديمقراطي الثوري في أميركا اللاتينية.

تعثر اقامة المدرسة الحزبية الدائمة لأكثر كم سبب وانكبت لجنة التثقيف المركزية على تعميق النقاش في الموضوعات المقترحة للمدرسة ولجأت الى أشكال أخرى لمعالجة الموضوع وهذا ما سنناقشه في جلسات المجلس العام – لعلاقته المباشرة بموضوع التنظيم – كجزء من عملية التقييم وفي سبيل تقويم ما يمكن تقويمه.

هذا وقد ساهمنا من خلال مجلة “النداء” في نشر ثمانية عشر حلقة تثقيفية تناولت برنامج التثقيف الذي يطال برنامج الحزب وقضاياه النظرية.

أما الاعلام الذي يتضمن في حزبنا “المجلة” والصفحة الالكترونية و “صوت الشعب” والذي اتخذ المؤتمر قراراً بتطويره نرى من الضروري تقييم ما أنجز من أعمال في هذا المجال من قبل اللجنة المركزية وهي بتقديري كثيرة ومتنوعة كتركيز تغطية “صوت الشعب” وتوسيعها ونشاطات لجنة أصدقائها على طريق دعمها واستمرارها والجهود المبذولة من قبل الرفاق العاملين في “النداء” وهي أيضاً متعددة ومتنوعة. كل هذه القضايا بحاجة الى تقييم موضوعي من قبل “الكونفرنس” لم تتطرق اليه اللجنة المركزية في مشروع خلاصاتها. لذلك نؤكد على أهمية اثارة هذا الموضوع الى جانب قضية الثقافة والفنون الذي يعتبرها الحزب جزءاً اساسياً من مكونات المجتمع كونها تشكل انعكاساً غير مباشر لحياة المجتمع العام، ولذلك قرر المؤتمر تشكيل لجنة متابعة، لاعادة ما انقطع تنظيمياً، وتفعيل التواصل مع الفنانين والمثقفين [1] (هذا القرار لم يحرك باتجاه التنفيذ) ولم يقيم نشاط الحزب الكبير بتقديري في الذكرى الـ 85 لتأسيسه.

أكتفي بهذا القدر من طرحي للقضايا.. علّ التداول المسؤول فيها عشية الكونفرنس وأثناء انعقاده يؤسس لانطلاقة جديدة في مجال الاعلام والثقافة والتثقيف الى جانب القضايا التي شكلت بالأساس الخلاصات

نُشِرت في فن/أدب/وجهة نظر, الحزب الشيوعي اللبناني | أضف تعليق