الانتفاضة تواجه معادلة بائسة: الطغيان أو عودة الاحتلال!

الانتفاضة تواجه معادلة بائسة: الطغيان أو عودة الاحتلال!

طلال سلمان – السفير

فرضت أنظمة القمع على الشعوب العربية خياراً بين أمرين كلاهما مسيء إلى حاضرها ومدمر لمستقبلها: إما الاستسلام لحكم الرجل ـ الحزب ـ التنظيم الواحد والسكون والتخلي عن حقوقها البديهية في أوطانها، وإما الانتفاض على الظلم ورفض المهانة ومواجهة السلطة بأجهزتها البوليسية المتعددة والشرسة مما يتهدد «الدولة» في وجودها ويتهدد المجتمع في وحدته.

كانت التجربة القاسية الأولى في العراق حين تولى الغزو العسكري الأميركي، المسكوت عنه عربياً إلى حد التحريض، إسقاط صدام حسين في أوائل نيسان 2003، فكانت النتيجة اندثار تلك الدولة العربية الكبرى وذات القدرات الممتازة والتي كان الطغيان قد حوّلها إلى «دوقية» خاصة به وببعض عشيرته وبعض أعوانه الذين أنقذتهم المصادفات أو الغفلة من مصير سائر «رفاق النضال المجيد»!.

… وها هو العراق، الآن، مجموعة من الكانتونات، بعضها يتكامل نمواً تحت الحماية الأجنبية المباشرة، وبالشراكة شبه المعلنة مع إسرائيل، خارجاً من الدولة المركزية وعليها، وبعضها الآخر يجنح إلى الانفصال بذريعة حماية حقوق الأقليات، في حين يتمسك بعض ثالث بوحدة الدولة لأنه في موقع صاحب السلطة تاركاً خيار الانفصال قائماً كبديل جاهز لاستقلال كل طائفة بإقليمها (ونفطها)، تحت لافتة خادعة للدولة الاتحادية أو بالأحرى اتحاد الدويلات الطائفية والعرقية في أرض الرافدين.

أما التجربة القاسية الثانية فنعيش فصولها المأساوية الآن مع الشعب العربي في ليبيا، الذي يحاول إعادة تجميع «فتافيت» دولته التي جعلها «بطل ثورة الفاتح» جماهيرية لا سابقة لها في التاريخ الإنساني ووزّع السلطة والثروة والسلاح فيها على أبنائه، … وها قد أخذت «النخوة» الحلف الأطلسي إلى التدخل بنيران أساطيله الجوية والبحرية وبعض الأكفأ من رجال مخابراته لاستنقاذ النفط بآباره والأنابيب ومصافي التكرير وموانئ التصدير، مع مراعاة حصص القبائل والعناصر (حتى لا ننسى الأمازيغ) في الثروة والسلطة. بعد ذلك يمكن البحث في أمر «الدولة» وهل تكون مركزية أو تعود إلى صيغتها الملكية، ولايات يضمها اتحاد تحت التاج. خصوصاً أن أهل النفط العربي ـ وكلهم أصحاب سمو ـ كان لهم دور حاسم، على الأقل مالياً، في «تحرير ليبيا» من الطاغية الذي جمع في شخصه كل ما عرف الأباطرة والملوك والسلاطين من أسباب السلطة المطلقة، ثم أضاف إلى ذلك بعض ما اختص به الأنبياء والرسل وحَمَلة كلمة الله!

تمكن أيضاً الإشارة إلى ما أصاب الدولة المركزية الوليدة في اليمن من أعطاب وتصدعات وتشققات تنذر بتفككها وعودة القبائل إلى سابق «استقلال» كل منها بمنطقتها، لا سيما أن تجربة «الحكم الشيوعي» في الجنوب كانت بائسة بحيث يستحيل التفكير باستعادة نموذجها الدموي، كما أن مصالح المحيط الملكي المذهب تسعِّر الفتنة في اليمن كشرط لإدامة الاستقرار في جواره حتى لو اقتضى الأمر جعل «قوة دفاع الجزيرة» أقوى من الحلف الأطلسي بأسلحته وأساطيله جميعاً.

وبرغم اختلاف الأحوال في تونس عنها في ليبيا، سواء ما اتصل منها بالدولة أو ببنية المجتمع،

وبرغم رسوخ «الدولة المركزية» في مصر وتماسك النسيج الاجتماعي فيها.

وبرغم قوة النظام في سوريا وصموده في وجه معارضيه من دون أن ننسى ثقل الكلفة الدموية والاقتصادية التي تكبدتها هذه الدولة الفقيرة بمواردها.

برغم ذلك فإن تصدعات خطيرة قد ضربت هذه المجتمعات نتيجة الثورات والانتفاضات الشعبية مهددة تماسكها وأهليتها لتحقيق أهدافها في بناء الدولة الحديثة، أقله بالسرعة التي كان الأمل معقوداً عليها.

وإذا كان لا خطر ـ مبدئياً ـ على الدولة المركزية في مصر، ولا مخاطر داهمة تتهدد وحدة المجتمع في تونس، وذلك لأسباب تاريخية، فإن شعوب معظم أقطار المشرق العربي تعيش حالة من القلق على «دولها» بعدما صيّرت الأنظمة الحاكمة فيها ذاتها بديلة عن «الدولة»، فصار الخطر على النظام خطراً على تماسك المجتمع وخطراً على وحدة الدولة.

ومن المكابرة إنكار التخوف على عودة المجتمعات التي كانت قد عرفت طريقها إلى العصر من الغرق في جاهلية سياسية جديدة إذا ما سقطت «الدولة» برصاص الأنظمة الحاكمة فيها، قبل معارضيها.

وهناك ملاحظة لافتة ومؤسفة في آن، في هذا المجال، خلاصتها أن مجتمعات ما قبل الدولة المركزية، تلك التي يحكمها السيف معززاً بالذهب الأسود، والتراث المقدس، أحياناً، تبدو وكأنها خارج دائرة الصراع المحتدم الآن في مختلف أرجاء الوطن العربي بين القوى الجديدة المطالبة بالتغيير وبين الأنظمة التي توحدت مع الدولة حيث تحكم وتتحكم بحيث يكاد يتوحد شعار إسقاط النظام مع العمل لإسقاط الدولة.

إن ثمة ظاهرة عربية لا يمكن إنكارها في العديد من الأقطار: لقد توحدت الدولة والنظام والمجتمع، وإلى حد كبير، في «شخص» يساعده بضعة من المعاونين، فإذا ما سقط هذا الشخص أو أسقط بانتفاضة شعبية (بعد اندثار عهد الانقلابات العسكرية) تهددت الدولة بالتفكك وانهار النظام وتبعثر المجتمع عائداً إلى مكوناته الأولى، أي الأديان والطوائف والمذاهب والعناصر القومية أو الإثنية، بما يفرض على العاملين للتغيير مهمة صعبة إلى حد الاستحالة.

[ [ [

ما من شك في ان المجتمعات العربية تعيش حالة من النشوة وهي ترى الجماهير تحتشد في «الميدان» مطالبة بإسقاط الأنظمة الدكتاتورية التي تحكمها منذ دهور، فتحجر على آمالها وقدراتها كما على حركتها وأنشطتها المعبرة عن طموحها إلى غد أفضل.

لكن هذه المجتمعات تخاف من ذاتها، وبالتحديد من ضعف قدراتها ومن نقص استعدادها لصنع المستقبل الأفضل. فهي بلا قيادات مؤهلة، أو انها لا تعرف هذه القيادات التي كانت مطاردة بالقمع بحيث تخفي كفاءاتها أو تنفي نفسها إلى الخارج، وبالتالي فهي كانت غائبة أو مغيبة، قد يحفظ لها الناس بعض التقدير ولكنهم لا يسلمون ـ آلياً ـ بأنها هي هي قيادتهم إلى الغد الأفضل.

وإذا كانت مصر تختزن في ملايينها الكثيرة مئات الآلاف من الكفاءات وأصحاب الخبرات والتجارب الغنية في العمل السياسي «المضبوط» ضمن حدود ما لا يقلق الشعب أو يثير مخاوفه..

وإذا كانت تونس غنية بتجاربها الحزبية والنقابية في عهد ما قبل الطاغية زين العابدين بن علي..

فالمؤكد ان القيادات الجديدة التي أطلقتها الميادين وتعرّف إليها «الشعب» في سياق الحركة لإسقاط الطغيان، تحتاج إلى مزيد من الزمن وإلى كثير من المعرفة بمجتمعها ومن الخبرة بأسباب إعادة بناء الدولة، قبل ان تتقدم لتتصدر الجموع هاتفة بحزم: اتبعوني!

لقد كان بديل الطغيان في حالات محددة أولها عراق صدام حسين وآخرها جماهيرية القذافي، الاحتلال الأجنبي، أميركياً أو أطلسياً، أي الاستعمار مجدداً.

ومن نافلة القول التأكيد ان الاستعمار هو نقيض مطالب الشعوب في التحرر وفي استعادة الكرامة المفقودة وفي بناء الدولة الواحدة الموحدة المؤهلة والقادرة على تحقيق مطامح شعبها.

إن الأزمة التي تعيشها الأمة أخطر من أن تحسمها الانتفاضات الشعبية، وإن كان هذا الحراك الجماهيري هو المدخل الطبيعي إلى المستقبل.

والمسافة طويلة بين النزول إلى الشارع وبناء الدولة.

وأخطر المخاطر: الاستعجال وارتجال الحلول، أو استسهال طلب المساعدة ممن استولدوا لنا دولاً لا تملك القدرة على الحياة، فكيف بالاستقلال والسيادة والعزة والكرامة؟!

… خصوصاً أن أهل الثروة العربية يقفون في الجبهة المناهضة لقيام دول عربية قوية ومؤهلة لصنع الغد الأفضل، ويفضلون الحلف الأطلسي على الثورة، ولا يخفون كراهيتهم للجمهوريات فكيف بالتحرر والعدالة الاجتماعية والتقدم وبناء مجتمعات الكفاية والعدل، قبل الوصول إلى تحرير فلسطين؟!

إن معركة التغيير في الوطن العربي ثورة عالمية… وصعوبتها تماثل خطورة إنجازاتها التي من شأنها ـ إذا ما تحققت ـ أن تصنع غداً جديداً للإنسان في الأرض جميعاً.

فهل نحن جاهزون لمعركة بهذا المجد؟!

ذلك هو السؤال.

Advertisements
نُشِرت في فن/أدب/وجهة نظر | أضف تعليق

أزمة اقتصادية عميقة تهدد العالم

أزمة اقتصادية عميقة تهدد العالم

منير الحمارنة

الحوار المتمدن

2011 / 8 / 29

تؤكد مختلف المؤشرات أن العالم الرأسمالي، وخاصة المراكز الرأسمالية الرئيسية لم تبرأ من الأزمة المالية العالمية التي انفجرت عام 2008، حيث بقي النظام الرأسمالي يتخبط في متاهات الأزمة، ولكنه دخل في هذا العام أزمة جديدة حادة من خلال أزمة الديون الأمريكية بالدرجة الأولى ثم الديون الأوروبية في الدرجة الثانية. وتكشف الأزمة الجديدة بوضوح، أنه ليس بمقدور الرأسمالية العالمية القضاء على أزماتها الكثيرة والمتتالية، ولكنها تدير هذه الأزمات بوسائل مختلفة، تؤدي في المحصلة الى تصديرها لمختلف دول العالم، وخاصة الدول النامية والتابعة من جهة والى تحميل الطبقة العاملة والفئات الفقيرة والمتوسطة أعباء جديدة، وذلك من خلال تقليص الانفاق العام وتقليص فرص العمل في الدول الرأسمالية ذاتها من جهة ثانية.

كيف نشات هذه الأزمة؟

لمعرفة اسباب نشوء الأزمة لا بد من القاء نظرة سريعة على الاقتصاد الامريكي وتطوراته حتى ايامنا هذه.

يعتبر الاقتصاد الامريكي أكبر اقتصاد في العالم ويشكل الناتج المحلي الاجمالي الامريكي 21.21بالمئة من الناتج العالمي عام 2010 أي حوالي 14.634 تريليون دولار وكان الاقتصاد الامريكي في مقدمة الاقتصاد العالمي على مدى ما يقرب من المائة عام الماضية. وخرجت الولايات المتحدة من الحرب العالمية الثانية أقوى اقتصادياً وأكثر ازدهاراً، وساهمت في اعادة بناء ما دمرته الحرب في العديد من دول العالم مما عمق امكاناتها المادية وسيطرتها الصناعية ونفوذها التجاري وعزّز مكانتها في قيادة العالم الرأسمالي.

ولكن الولايات المتحدة تواجه حالياً أكبر تحد منذ الحرب العالمية الثانية وذلك لأسباب محلية وأخرى دولية.

فعلى الصعيد المحلي فشل الاقتصاد الامريكي في الخروج من الأزمة المالية العالمية التي انفجرت عام 2008 والتي تعتبر الاسوأ من أزمة الكساد الكبير في ثلاثينيات القرن الماضي، وعالمياً تفقد الولايات المتحدة مكانتها العالمية الاقتصادية بالدرجة الأولى أمام نهوض وتعمق دور الدول الناشئة. ويتوقع صندوق النقد الدولي ان الصين ستلحق بالولايات المتحدة عام 2016 بدلاً من تقديرات سابقة كانت تقدر ذلك حوالي عام 2025.

ويعاني الاقتصاد الامريكي حالياً من المشاكل التالية :-

1- سقف المديونية العامة المرتفع

2- تباطؤ النمو

3- ارتفاع معدل البطالة

4- ارتفاع عجز الموازنة.

وتفجرت الأزمة عندما واجهت الادارة الامريكية مشاكل وصعوبات بعضها اقتصادي ولكن بعضها الآخر سياسي يتعلق بالتناقض بين الحزبين، عندما حاولت رفع سقف الدين العام. فمن المعروف ان سقف الدين العام الامريكي محدد بموجب القانون ويبلغ 14.3 تريليون دولار وهو يشكل 69 بالمئة من الدخل القومي. ووصل هذا الدين في اواخر شهر آيار الماضي الى السقف المحدد، الأمر الذي اصبح يتطلب رفع السقف، إذ بدون ذلك لا توجد أية اموال للانفاق، وبالتالي الدخول في حالة العجز عن الدفع، أي عدم دفع معاشات التقاعد والديون المستحقة على الخزينة وتغطية نفقات الادارة المختلفة وغيرها.

ويذكر ان الرئيس أوباما واجه صعوبات في التوصل الى رفع سقف المديونية من جانب الجمهوريين، الذين اشترطوا تخفيض الانفاق العام ولا سيما في المجال الاجتماعي لقاء موافقتهم على زيادة السقف.

بينما طالب الديمقراطيون بزيادة الضرائب على الاغنياء والشركات الكبيرة والابقاء عليها منخفضة على الطبقات الوسطى واصحاب المداخيل القليلة والابقاء على الانفاق الاجتماعي. وهنا اشتد السجال بين الجانبين وحمي وطيس المعركة التي كانت سياسية في جوهرها. رغم ذلك كان من المتوقع ان يتوصل الطرفان الى كومبرومايز “توافق” يحمي سمعة الولايات المتحدة ومكانتها في العالم!!!

ومن الجدير بالذكر انه جرى رفع سقف الدين العام الامريكي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى الآن سبعين مرة منها سبع مرات في عهد الرئيس السابق جورج بوش الأبن. ولكن عجز الموازنة الذي اسهم بشكل كبير في تطوير وزيادة المديونية، نجم عن المبالغة في الانفاق العام..ان هذا العجز هو السبب الأهم للازمة الحالية، والذي تطور بشكل كبير منذ عهد رونالد ريجان حتى الوقت الحاضر. ويبلغ العجز السنوي للموازنة حالياً حوالي تريليون دولار وينجم هذا عن الانفاق المبالغ فيه خاصة على الحروب في افغانستان والعراق التي يقدر البعض انها كانت حتى الآن حوالي 3.7 تريليون دولار، ويشكل الانفاق على الدفاع واحدة من اهم المشكلات للاقتصاد الامريكي. إذ تبلغ ميزانية الدفاع حوالي 700 مليار دولار سنوياً وهي تساوي انفاق اعلى عشرين دولة مجتمعة في العالم على التسليح. وفي العام الماضي زاد الانفاق العسكري الامريكي 50بالمئة عما كان عليه معدل الانفاق في الحرب الباردة، وارتفعت نسبة الانفاق العسكري 67 بالمئة في آخر عشر سنوات.

وامام تداعي عجز الموازنة وزيادة الانفاق، فإن الولايات المتحدة ذهبت بعيداً في الاستدانة. وتقول المعطيات ان كل دولار تنفقه الولايات المتحدة يأتي 60 سنتاً منه من عائدات الموازنة و40 سنتاً تأتي من المديونية، أي ان المديونية اصبحت جزءاً ضرورياً ومكملاً لسياسة الانفاق الامريكية. ومن الجدير بالذكر ان البنك المركزي الامريكي يدخل السوق كمقترض فرد، وبالتالي يتصرف كأي مؤسسة في القطاع الخاص في الاقتراض والسداد على السواء.

ومع ارتفاع عجز الموازنة ومستوى المديونية فان الاقتصاد الامريكي يعاني من عدم القدرة على التعافي الاقتصادي بمايسمح بمواجهة المستحقات الجديدة.فالادارة الحالية ورثت عجزاً متراكماً للموازنة، وأضافت اليه ما يقرب من أربعة تريليونات دولار لانتشال الشركات الكبيرة التي افلست في أعقاب الأزمة المالية عام 2008. وأمام معضلة حالة العجز عن الدفع، فإن تباطؤ النمو يساهم في زيادة معدل البطالة حيث يوجد في الولايات المتحدة حالياً 14 مليون عاطل عن العمل أي حوالي 9 بالمئة.

اعلنت الخزانة الامريكية ان مجموع الدين العام تجاوزت عقبة 100 بالمئة من الناتج المحلي لعام 2010 بعد اقرار رفع سقف الدين العام.

وارتفع سقف الدين في يوم واحد 238 مليار دولار لمواجهة المدفوعات المتراكمة، يبلغ بذلك 14.580 تريليون دولار متخطياً بذلك الناتج الاجمالي لعام 2010 والذي بلغ 14.526 تريليون دولار ، ولكنه سيكون دون ناتج عام 2011 والذي يقدر ان يبلغ 15.008 تريليون دولار .وبذلك تنضم الولايات المتحدة الى الدول التي يتخطى دينها ناتجها المحلي الاجمالي، ومنها بحسب بيانات صندوق النقد الدولي اليابان 229 بالمئة واليونان 152 بالمئة وجامايكا 137 بالمئة ولبنان 134 بالمئة وايطاليا 120 بالمئة وارلنده 114 بالمئة واسلنده 103 بالمئة. وسبق ان تخطى الدين العام الامريكي الناتج المحلي عام 1947 بعد الحرب العالمية الثانية وكانت النسبة متدنية جداً وبلغت 32.5 بالمئة عام 1981 بينما بلغت مستوى 64.4 بالمئة عام 2007 تحت وطأة الانكماش والأزمة المالية العالمية.

ورفع الكونغرس سقف الدين الجديد بـ 2.100 تريليون دولار، ويقدر تخفيض النفقات بمقدار 2500 مليار على مرحلتين. الأولى قيمتها تريليون دولار على مدى عشر سنوات تبدأ فوراً وتشمل قطاع الدفاع وقطاعات أخرى.

والمرحلة الثانية قيمتها 1500 مليار دولار على مدى عشر سنوات ايضاً تتولاها لجنة خاصة في الكونغرس مؤلفة من عدد متساو من الديمقراطيين والجمهوريين تكون مهمتها تحديد أوجه الاستقطاعات الاضافية.

واعلن الرئيس أوباما ان الاتفاق على تحديد النفقات الفيدرالية سيعيدها الى ادنى مستوى لها منذ ستين عاماً مما سيلحق ضرراً بالاقتصاد الامريكي الذي يعاني من معدل بطالة مرتفع 9.2 بالمئة ومعدل نمو منخفض 1.3 بالمئة.

وقابلت الصحافة الامريكية قضية رفع سقف المديونية بانتقادات واضحة وقالت نيويورك تايمز انه اتفاق مفزع!! وأبدت شيكاغو تريبيون مخاوف من تداعيات هذه الخطوة.

ولا شك ان تعليق رئيس وزراء روسيا يلخص بدقة آثار ارتفاع مديونية الولايات المتحدة وتخفيض تصنيفها على الاقتصاد العالمي حيث قال “الولايات المتحدة تتطفل على الاقتصاد العالمي من خلال تجميع الديون الهائلة التي تهدد النظام المالي العالمي.

واهتز الاقتصاد العالمي جراء أزمة الديون الأمريكية، وظهر ذلك جلياً في اضطراب البورصات من جهة وتعمق احتمالات الكساد من جهة ثانية.

فالذي يحدث في الاقتصاد العالمي هو ردود فعل متتالية نتيجة السياسات والاجراءات التي تتخذها واشنطن من جانب واحد، من خلال محاولاتها الحثيثة لنقل أزمتها الى الخارج بعد دخول اقتصادها في أزمة جديدة نجمت عن تراكم الديون مما أدى الى تخفيض تصنيفها الائتماني ، الأمر الذي أثار شكوك واسعة في قدرة هذا البلد على تسديد ديونه وفي ذات الوقت بدء شبح الأزمة في دول الاتحاد الأوروبي بعد تزايد الديون السيادية، مما أدى الى اشاعة الذعر بين المستثمرين وزعزعة الثقة في النمو الاقتصادي. وجاءت توصيات المؤسسات المالية الدولية، صندوق النقد والبنك الدوليين، المطالبة بتنفيذ سياسات انكماشية من خلال تخفيض الانفاق العام والغاء الدعم وغيرها من السياسات لتزيد من تعمق الأزمة. وكان من أهم نتائج تلك السياسات اتساع دور القطاع الخاص في مختلف قطاعات الاقتصاد وخاصة توسعه في مجالات حيوية تمس حياة المواطنين وأمنهم بشكل مباشر من خلال الخصخصة الواسعة للخدمات العامة. ونمت كذلك أسواق المضاربة بشكل غير مسبوق وغير مراقب. وفي ظل كل هذه الاوضاع الصعبة، تلعب سيطرة الدولار على الاقتصاد العالمي دوراً شديد التأثير، لأنه عملة الاحتياط الدولي الرئيسية، حيث يشكل حوالي 70 بالمائة من الاحتياطي العالمي.

الأزمة عميقة داخل الولايات المتحدة وفي دول الاتحاد الاوروبي. فالاقتصاد الامريكي ينمو بمعدل ضعيف جداً دون 2 بالمائة ومعدل البطالة يزيد عن 9.2 بالمائة وتتوالى عمليات التسريح الجماعي للعمال والمدرسين. وهناك حالة من الركود الاقتصادي ويستمر ركود الرواتب والاجور على مدى ثلاثة عقود مما أدى الى انهيار سوق العقار نتيجة الانهيار الاقتصادي، وهناك الملايين من الأسر الامريكية التي اصبحت مهددة بالطرد من مساكنها. ويتصاعد العجز في الميزان التجاري مع تراجع الاستثمار في البنية الاساسية.

وفي ضوء هذه الاوضاع يشتد النضال الطبقي والاجتماعي في الولايات المتحدة وتتسع دوائر المناهضين للأوضاع الماثلة. وعبر عن هذه الحالة الاتحاد الفيدرالي للعمال الامريكيين عندما اعلن “ليس هناك من طريقة لسد العجز في تمويل ما نريد وما نحتاج اليه سوى عودة القوات الامريكية من الخارج لوطنها سواء من العراق او افغانستان، فقد ثبت أن عسكرة وتسليح السياسة الخارجية الامريكية أكبر خطأ ارتكب. علينا ان نستثمر في بلادنا”.

ويقول الاتحاد الفيدرالي للعمال الامريكيين “لكن لا نستطيع ان نغفل في المقابل أن نظامنا الضريبي غير عادل ولا يتسم بالشفافية، وهذا هو الخطأ الرئيس في الاقتصاد الامريكي. لأن الحكومة تعطي الحوافز الضريبية للمليونيريين الأمريكيين والشركات الكبرى في حين ان البنية الاساسية تعاني الاهمال الشديد ، بل ويقطع زيت التدفئة عن الفقراء الامريكين وقد تم تصفية اكثر من 50 الف وحدة صناعية خلال العشر سنوات الماضية بينما يصل العجز التجاري السنوي الى نصف تريليون دولار”. هذه الاوضاع تتطلب سياسات جديدة في الاستثمار ستوجه الى الداخل كما يقول اتحادالعمال.

وفي ذات الوقت يشهد الاتحاد الأوروبي تباطؤاً حاداً، فقد شهدت المانيا، اهم اقتصاد أوروبي، تباطؤاً حاداً في نموها الاقتصادي بلغ 0.1 بالمائة في ربع العام الثاني، رغم انها تعتبر القوة المحركة للتعافي الاقتصادي في منطقة اليورو وكذلك تباطأ الاقتصاد الاسباني الى 0.2 بالمائة من 0.3 بالمائة في الربع الأول بينما تشير الاحصاءات أن النمو الاقتصادي الفرنسي قد توقف خلال الفترة بين نيسان وحزيران. وبجانب ذلك تعاني دول أوروبية كذلك من ضائقة حادة كاليونان وايطاليا. وتشكل أزمة الديون اضافة مقلقة لأوروبا وللاقتصاد العالمي.

وهكذا يتضح ان شبح أزمة اقتصادية عميقة يحوم حول العالم، الأمر الذي يفرض، في ظل النهوض الطبقي المعادي للقوى الامبريالية داخل بلدانها وعلى الصعيد العالمي،يفرض اجراء تعديلات كبرى في بنية الاقتصاد العالمي، وفي مقدمتها اعادة النظر في النظام النقدي العالمي وإيقاف التلاعب بأسعار صرف العملات .واخراج دول العالم من قبضة قوى العولمة الرأسمالية الشرسة.

نُشِرت في حول العالم | أضف تعليق

موقع “المجلس العام” في حياة الحزب

رجا سعد الدين

 مجلة النداء

موقع “المجلس العام” في حياة الحزب 

الوضع اللبناني: وهو الحلقة الأساسية في خلاصات اللجنة المركزية، وكي لا نعيد ما تطرقت اليه هذه “الخلاصات” نكتفي بالقضايا التي نرى ضرورة ايرادها، كي تأخذ مكانها في مشروع التقرير، وكي يتسنى للرفاق أعضاء المجلس العام مناقشتها. وهذه القضايا كالتالي:

أولاً: في موضوع الجبهات وأطر العمل المشترك، والاستعدادات المتبادلة للقوى السياسية للعمل معاً، من أجل برنامج يعود تحقيقه أو النضال من أجل تحقيقه بالفائدة على كافة الأطراف المنضوية في عملية التحالف ومنها حزبنا. هذا الأمر لم يتحقق رغم المحاولات التي قام بها الحزب لأسباب ذاتية وموضوعية متعددة. يبقى علينا، ومن موقعنا الطبقي والسياسي وانسجاماً مع المهمة التاريخية القديمة- الجديدة الملفاة على عاتقنا، أي بناء “الحكم الوطني الديمقراطي”، أن نعمل كي يستعيد الحزب حيويته الداخلية ويحد من حالات الانكفاء لدى أعضائه وأحياناً لدى بعض المنظمات (والوسائل في هذا المجال متاحة وكثيرة..) كي يتمكن من بناء الاطار اليساري العلماني – الديمقراطي الذي يعتبر الرافعة الأساسية لنجاح مسيرة البديل الديمقراطي للنظام الطائفي.

لقد أكدت “الخلاصات السياسية والتنظيمية” على هذا الأمر، و”بالطبع” على استمرار فعالية الحضور السياسي على ساحة التقاطعات والتناقضات التي تحكم العلاقة مع القوى السياسية المختلفة على أساس قضايا معينة ومحددة.

أما قضايا التنظيم ففضلت أن أناقشها مع الرفاق أعضاء الكونفرنس في جلسات “المجلس العام” لسببين اثنين:

الأول: لم أتعود ولا أشجع على نقاش القضايا التنظيمية للحزب خارج الأطر التنظيمية المنصوص عليها في النظام الداخلي، وهذا أمر أشجع الرفاق الالتزام به.

الثاني: يمكن – بل هذا أمر أكيد – أن أستفيد من مداخلات الرفاق في شؤون التنظيم وقضاياه كي تكون مداخلاتي أكثر فائدة لي وللرفاق المؤتمرين..

من خارج النص المكتوب، وكي تستكمل الصورة وتكون أكثر وضوحاً أمام أعضاء المجلس العام، وكي تتحقق الفائدة القصوى من انعقاده، أرى من الضروري البحث التقييمي لقضايا أكد عليها المؤتمر العاشر تحت عنوان “القضايا والتحديات”، وتؤكد عليها حاجاتنا الحزبية الفكرية والسياسية، وظروف استمرارنا كحزب يعمل بحق من أجل السيادة والاستقلال والديمقراطية. هذه القضايا هي كالتالي:

أولاً: النظام السياسي وضرورة التغيير وراهنيته.

ثانياً: ما بعد الطائف.

ثالثاً: الأزمة الاقتصادية.

رابعاً: العلاقات اللبنانية العربية.

خامساً: العلاقات السياسية الداخلية.

سادساً: العمل في المنظمات الجماهيرية.

سابعاً: قطاعات الشباب والنساء..

ثامناً: الاعلام.

تاسعاً: التثقيف.

عاشراً: الثقافة والفنون.

احدى عشر: العلاقات الخارجية.

واذا كانت خلاصات اللجنة المركزية السياسية والتنظيمية قد قيّمت معظم القضايا وإن بنسب متفاوتة من حيث التوسع في عملية التقييم منذ المؤتمر وحتى أبحاث اللجنة المركزية فإننا نلاحظ بأن قضايا الاعلام والتثقيف والثقافة.. لم ترد ضمن هذه الخلاصات مع انها كانت على جدول أعمال المكتب السياسي أكثر من مرة، والى حد كبير البعض منها كان على جدول أعمال اجتماعات اللجنة المركزية. ونظراً لأهمية هذه القضايا في حياة الحزب، نرى ضرورة البحث فيها كي يطلع عليها المجلس العام على صيرورتها، والصعوبات التنظيمية والاجرائية التي تعاني منها اللجان المكلفة بمتابعتها، أو الرفاق المكلفين والمعنيين بالاشراف عليها في المكتب السياسي. ومساهمة مني في الحديث عن هذه القضايا أود أن أتوقف أولاً أمام قضية التثقيف الحزبي الذي “قيّم المؤتمر ايجاباً المبادرات الخاصة التي قامت بها لجنة التثقيف المركزية، على الرغم من ضآلة الامكانيات الموضوعة في تصرفها لناحية إعداد برامج التثقيف وتنفيذ عدة مدارس حزبية مهمة طالت مئات الرفاق والرفيقات. ولذلك قرر المؤتمر متابعة المدارس الحزبية وعلى مستويات أعلى وأوسع…” وتنفيذاً لقرار المؤتمر، تقدمت لجنة التثقيف المركزية بمشروع التثقيف المركزي بمشروع التثقيف للمكتب السياسي بتاريخ 28-29 آذار 2009 ووزع على جميع أعضائه للاطلاع وقد تضمن المشروع اقتراحاً باقامة “مدرسة حزبية دائمة” ذات طابع أكاديمي- حزبي تتضمن الأقسام التالية:

1- تاريخ الحزب منذ التأسيس حتى المؤتمر العاشر.

2- الاقتصاد السياسي.

3- علم الاجتماع.

4- علم النفس الاجتماعي.

5- الفلسفة بالعام والفلسفة الماركسية بشكل خاص.

6- الحركة الثورية وتتضمن:

أ‌- حركات التحرر الوطني عالمياً وعربياً.

ب‌- الحركة الوطنية اللبنانية.

ت‌- المقاومة الوطنية اللبنانية والدور التاريخي للحزب فيها.

ث‌- النظام الاشتراكي العالمي وأسباب انهياره.

ج‌- الأحزاب الشيوعية والحركات العمالية في البلدان الرأسمالية ماضيها وحاضرها.

ح‌- الخيارات والأنظمة ذات التوجه الاشتراكي والديمقراطي الثوري في أميركا اللاتينية.

تعثر اقامة المدرسة الحزبية الدائمة لأكثر كم سبب وانكبت لجنة التثقيف المركزية على تعميق النقاش في الموضوعات المقترحة للمدرسة ولجأت الى أشكال أخرى لمعالجة الموضوع وهذا ما سنناقشه في جلسات المجلس العام – لعلاقته المباشرة بموضوع التنظيم – كجزء من عملية التقييم وفي سبيل تقويم ما يمكن تقويمه.

هذا وقد ساهمنا من خلال مجلة “النداء” في نشر ثمانية عشر حلقة تثقيفية تناولت برنامج التثقيف الذي يطال برنامج الحزب وقضاياه النظرية.

أما الاعلام الذي يتضمن في حزبنا “المجلة” والصفحة الالكترونية و “صوت الشعب” والذي اتخذ المؤتمر قراراً بتطويره نرى من الضروري تقييم ما أنجز من أعمال في هذا المجال من قبل اللجنة المركزية وهي بتقديري كثيرة ومتنوعة كتركيز تغطية “صوت الشعب” وتوسيعها ونشاطات لجنة أصدقائها على طريق دعمها واستمرارها والجهود المبذولة من قبل الرفاق العاملين في “النداء” وهي أيضاً متعددة ومتنوعة. كل هذه القضايا بحاجة الى تقييم موضوعي من قبل “الكونفرنس” لم تتطرق اليه اللجنة المركزية في مشروع خلاصاتها. لذلك نؤكد على أهمية اثارة هذا الموضوع الى جانب قضية الثقافة والفنون الذي يعتبرها الحزب جزءاً اساسياً من مكونات المجتمع كونها تشكل انعكاساً غير مباشر لحياة المجتمع العام، ولذلك قرر المؤتمر تشكيل لجنة متابعة، لاعادة ما انقطع تنظيمياً، وتفعيل التواصل مع الفنانين والمثقفين [1] (هذا القرار لم يحرك باتجاه التنفيذ) ولم يقيم نشاط الحزب الكبير بتقديري في الذكرى الـ 85 لتأسيسه.

أكتفي بهذا القدر من طرحي للقضايا.. علّ التداول المسؤول فيها عشية الكونفرنس وأثناء انعقاده يؤسس لانطلاقة جديدة في مجال الاعلام والثقافة والتثقيف الى جانب القضايا التي شكلت بالأساس الخلاصات

نُشِرت في فن/أدب/وجهة نظر, الحزب الشيوعي اللبناني | أضف تعليق

ما هي السلطة؟ – باكونين

ما هي السلطة؟

ميخائيل باكونين

تعريب: جوزف أيوب

ما هي السلطة؟ هل هي قوة حتمية للقوانين الطبيعية التي تعبر عن نفسها في روابط ضرورية وتعاقب للظواهر في العالمين المادي والاجتماعي؟ في الواقع، الثورة على هذه القوانين ليست فقط محرمة – بل حتى مستحيلة. قد نسيء فهمها أو حتى لا يمكننا معرفتها على الإطلاق، ولكننا لا نستطيع أن نعصيها؛ لأنها تشكل الأساس، وهي الشروط الأساسية لوجودنا – هي تحيطنا، تتغلغل فينا، تنظم جميع تحركاتنا، أفكارنا وأعمالنا، حتى عندما نعتقد أننا نعصيها، لا نظهر سوى سلطتها المطلقة.

نعم، نحن وعلى نحو جازم عبيد لهذه القوانين. لكن في مثل هذه العبودية لا وجود للذل، أو بالأحرى، إنها ليست عبودية على الإطلاق. في العبودية يُفترض سيد خارجي، وهو مشرّع من الخارج- يصدر الأوامر، في حين أن هذه القوانين ليست خارجه عنا، فهي متأصلة فينا، بل تشكل وجودنا، وجودنا كله، جسديا، فكريا، وأخلاقيا، نعيش، نتنفس، نفعل، نفكر، ونرغب فقط من خلال هذه القوانين. بدونها نحن لا شيء، لا نكون. من أين يمكن إذن، أن نستمد القوة والرغبة للتمرد عليها؟

في علاقته مع القوانين الطبيعية – حيث تبقى حرية الإنسان ممكنة، وذلك بالإقرار وتطبيق هذه القوانين على أوسع نطاق – انسجاماً مع التحرر (الفردي والجماعي) من الأنسنة التي يسعى إليها الانسان. بمجرد ادراك هذه القوانين، تمارَس سلطة لن يتنازع فئة من الناس عليها. على المرء، مثلاً، أن يكون الإنسان إما أحمقاً أو لاهوتي او على الاقل ماورائي، قانوني أو برجوازي اقتصادي لكي يتمرد على القانون. عليه أن يمتلك ايمان لكي يتصور أن النار لن تحرق والمياه لن تغرق، فيما عدا، يمكن اللجوء إلى بعض الحيل التي تأسست بدورها على بعض القوانين الطبيعية الأخرى. غير أن هذا التمرد، أو بالأحرى، هذه المحاولات والاهواء الحمقاء للتمرد هي أمر مستحيل، هو بالتأكيد استثناء لما هو بشكلٍ عام، اعتراف لفئة من الناس بالحكومة في حياتهم اليومية – وهذا هو، مجموع القوانين العامة المعترف بها عموما – بطريقة شبه مطلقة.

لسوء الحظ أن عددا كبيرا من القوانين الطبيعية، التي تأسست من قبل العلم، لا تزال غير معروفة لدى الجماهير، وذلك بفضل سهر حكومات الوصاية تلك التي وجدت، كما نعلم، فقط من أجل خير الشعب. هناك صعوبة أخرى – هي أن جزءاً كبيراً من القوانين الطبيعية مرتبطة مع تطور المجتمع البشري، التي هي إلى حد بعيد ضرورية، ثابتة، مهلكة، كالقوانين التي تحكم العالم المادي، لم تنشئ ويعترف بها من قبل العلم نفسه على نحو واجب.

إن أُدركت هذه القوانين – لمرة واحدة – من قبل العلم، وبواسطة العلم تحولت إلى وعي لدى كل انسان (من خلال نظام واسع في التعليم والارشاد الشعبي) وسيتم حل مسألة الحرية تماما. حينئذ يجب على السلطات الأكثر عناداً أن تعترف بأن لا حاجة إلى تنظيم سياسي أو لوضع تشريعات. ثلاثة أشياء مرتبطة بهذه السلطة: سواء انبثقت من إرادة سيادية أو من تصويت لبرلمان (انتخب بالاقتراع العام)، أو حتى مطابقتها لنظام قوانين الطبيعة – التي لم تكن يوما كذلك ولن تكون أبداً – هي دائماً قاتلة ومعادية لحرية الجماهير حيث أنها في الحقيقة تفرض نظاماً خارجياً، وبالتالي قوانين مستبدة.

إن حرية الإنسان تستند فقط على: أن يطيع قوانين الطبيعة، لأنه هو نفسه يعترف بها على هذا النحو، وليس لأنها تفرض نفسها عليه بأي ارادة خارجية، الهية أو بشرية كانت، جماعية أو فردية.

لنفترض أكاديمية تتألف من معظم ممثلي العلوم؛ وأن هذه الأكاديمية مكلّفة بتشريع وتنظيم المجتمع، في حين هذه التشريعات ليست مستوحاة إلا من محبة الحقيقة، ستكون هذه التشريعات في انسجام مطلق مع أحدث الاكتشافات العلمية. حسناً، من جهتي، هذا التنظيم والتشريعات ستكون كالمسخ، وذلك لسببين: أولاً، أن العلوم الإنسانية هي دائماً وبالضرورة ناقصة، وذلك مقارنة لما اكتشف مع ما تبقى ليُكتشف، حيث يمكن القول انها لا تزال في مهدها. وهكذا لكي تتبدل حياة الانسان العملية، جماعة أم فردًا، إلى التزام دقيق وحصري يترافق مع أحدث البيانات العلمية، علينا أن ندين المجتمع كما الأفراد لكي يعانوا الاستشهاد على سرير بروكرستس ، التي ستنتهي قريباً مؤلمة وخانقة لهم، حيث تبقى الحياة أعظم من العلم في أي وقت مضى.

السبب الثاني: المجتمع الذي يجب أن يطيع التشريعات المنبثقة من أكاديمية علمية، ليس لأنه مدرك هذا الطابع العقلاني لهذا التشريع (في هذه الحالة وجود الأكاديمية تصبح عديمة الفائدة) ولكن لأن هذا التشريع المنبثق من الأكاديمية، كان المفروض باسم العلم أن يقدّس دون فهمه. مثل هذا المجتمع سيكون مجتمعا، ليس للإنسان، بل للبهائم. ستكون حالة أخرى من تلك البعثات اليسوعية التي أرسلت إلى حكومة الباراغواي لوقت طويل . وبالتأكيد فإنها ستنحدر بسرعة إلى أدنى مراحل البلاهة.

يبقى هناك سبب ثالث وهو ما يجعل من المستحيل تشكيل مثل هذه الحكومة، بمعنى تلك الأكاديمية العلمية الممولة سيادياً،إذا جاز التعبير، بشكلٍ مطلق، وحتى لو كانت تتألف من ألمع الأشخاص، بحيث انها بالتأكيد سوف تنتهي من تلقاء نفسها في الفساد الأخلاقي والفكري.وحتى اليوم، هذا هو حال كل الأكاديميات مع بعض المزايا قليلة الممنوحة لها. بشكل حتمي، أعظم العباقرة العلميين منذ لحظة أن يصبح أكاديمياً يسقط في هفوات الخمول. ويفقد تلقائيته وعفويته، صلابته الثورية، وطاقته الوحشية لتحقيق عبقريته، وقدرته على تدمير العالم القديم وإرساء أسس جديدة. بدون شكأن كل ما يكتسبه من كياسة وحنكة نفعية وعملية هو ما يخسره من قوة فكره. في كلمة واحدة، سيصبح فاسداً.

هذا هي سمة الامتياز وكل مكانة ذات امتياز هي قاتلة لعقل وقلب الانسان. الانسان ذو امتياز، سواء كان اقتصاديا أو عمليا، هو رجل فسد في العقل والقلب. هذا هو القانون الاجتماعي الذي لا يقبل أي استثناء، كما على الطبقات ينطبق على كل الدول، متعاونين أومنفردين. ذلك هو قانون المساواة، الشرط الأعلى للحرية والإنسانية. المبدأ الاساسي لهذه الدراسة هو بالضبط شرح هذه الحقيقة في جميع مظاهر الحياة الاجتماعية.

هذا الجسم العلمي الموثوق من قبل الحكومة سوف ينتهي قريبا من خلال تكريس نفسه ليس للعلم، بل من أجل شأنا آخر تماما: هو أن القضية ، كما هو الحال بالنسبة لجميع السلطات المتأسسة، ستبحث عن الدوام الأبدي من خلال تقديم مجتمع يتعهد أكثر من أي وقت مضى لرعاية الغباء وبالتالي في حاجة إلى المزيد من بسط حكومته واتجاها.

ولكن ما هو يصدق على الأكاديميات العلمية يصدق أيضا على جميع المجالس التأسيسية والتشريعية، وحتى على الذين وقع عليهم الاختيار عن طريق الاقتراع العام. في الحالة الأخيرة قد يجددوا مناصبهم، هذا صحيح، ولكن هذا لا يمنع في غضون سنوات قليلة من تشكيل مجموعة من السياسيين والسياديين في الواقع وإن لم يكن في القانون، مكرسين انفسهم للشؤون العامة للبلد حصراً، في النهاية يشكلوا نوعا من الارستقراطية السياسية أو الأوليغارشية. وهذا ما تشهده الولايات المتحدة الأمريكية وسويسرا.

وبالتالي في هذه المسألة لا يمكن فصل أي تشريع خارجي عن أي سلطة، وكلاهما يميل إلى عبودية المجتمع، وتدهور المشرعين أنفسهم.

هل نستنتج من ذلك أنني أرفض كل أنواع السلطة؟ انها بعيدة عن تفكيري. فيما خص الأحذية، أفضل سلطة صانع الأحذية – المنازل، القنوات، أو السكك الحديدية ، أستشير كل من المهندس المعماري أو المهندس. لكل معرفة خاصة اناسها. ولكن لا أسمح لصانع أحذية أو لمهندس موهوب من أن يفرض سلطته علي. أستمع لهم بحرية وبكل احترام وذلك بسبب ذكائهم، طابعهم، معرفتهم، محتفظا دائما على حق النقاش، النقد، واللوم. أنا لا أكتفي باستشارة سلطة واحدة في أي فرع خاص، اقوم باستشارة عدد من المختصين؛ أقارن آرائهم، واختار تلك التي تبدو الأصح. لكنني على يقين بلا وجود سلطة معصومة، حتى في المسائل الخاصة، وبالتالي، مهما اكن احتراماً لنزاهة وصدق هكذا افراد ، لا يوجد لدي ثقة مطلقة في أي انسان. هكذا إيمان هو قاتل للمنطق والعقل، للحرية، وحتى بالنسبة لنجاح المستقبل، بل سيحولني فورا إلى عبد غبي، واتحول أداة لإرادة ومصالح الآخرين.

إلى حد معين، وطالما يبدو ذلك ضرورياً، فإذا أنحنيت أمام سلطة متخصصين وابدي استعدادي لتبعية ارشاداتهم وكذلك توجهاتهم، وذلك لأن سلطتهم فرضت علي ليس من قبل أحد، لا من قبل انسان ولا من قبل الله. وإلا أرفضها برعب، وأدعو الشيطان للأخذ بنصيحتهم، توجهاتهم، كذلك خدماتهم ، حينئذٍ مؤكداً سأدفع الثمن، من جراء فقدان حريتي واحترامي لذاتي، من أجل قصاصات من الحقيقة، مغلفة في أكاذيب، قد تعطى لي.

أنحني أمام سلطة ناس مختصة لأنها فرضت من قبل عقلي. وأدرك عدم قدرتي على الفهم والتطور، في كل تفاصيل المعرفة الإنسانية. فالاكثر ذكاءاً لا يستطيع فهم الكل. لهذا السبب – كما للعلم كذلك بالنسبة للصناعة – هناك ضرورة لشراكة وتقسيم العمل. الأخذ والعطاء هي الحياة البشرية. الكل يوّجه ويتوجه بدوره. فليس هناك سلطة ثابتة ومستمرة، بل هناك تبادل مستمر للسلطة، وفوق كل شيء هذه السلطة هي طوعية وتبعية.

إذن، هذا السبب نفسه يمنعني أن أعترف بسلطة ثابتة، دائمة، وشاملة، لأنه لا يوجد انسان عالمي، أي انسان قادر على استيعاب كل التفاصيل، والتي بدونها يستحيل تطبيق العلم في الحياة، كل العلوم وجميع فروع الحياة الاجتماعية. وإذا تحققت مثل هذه العالمية في انسان واحد، لفرض سلطته علينا، سيكون من الضروري دفع هذا الانسان للخروج من المجتمع، لأن سلطته حتما من شأنها أن تضع الآخرين في العبودية والبلاهة. لا أعتقد على المجتمع أن يسيء معاملة اصحاب الفكر كما فعلت حتى الآن، ولكن أيضاً لا أعتقد أن يذهبوا بعيدا في ذلك، ناهيك عن منحهم أي امتيازات أو حقوق حصرية، وذلك لثلاثة أسباب: أولاً، لأنه في كثير من الأحيان الانسان الدجال لن يكون عبقرياً، ثانياً: لأنه من خلال مثل هذا النظام من الامتيازات، فإنه قد يتحول الانسان العبقري إلى دجال، ويهتز أركانه، وتفسد اخلاقه، وأخيراً: لأن من شأنه إقامة سيد فوق نفسه.

1871

نُشِرت في نظريات وحركات يسارية وثورية | الوسوم: , , , | أضف تعليق

الأنظمة “تعلّمنا” الحب؟! / بقلم روجيه عوطة

الأنظمة “تعلّمنا” الحب؟! / بقلم روجيه عوطة

 جريدة النهار اللبنانية–

السبت 30 تموز 2011 – السنة 78 – العدد 24463

 

تظن الأنظمة أنها تعلّمنا كيف نعيش، وأنها تمدّنا بأسرار الحياة كلها، من التربية والأخلاق، إلى التعاون والاحترام والتفاهم. ترفع ظنونها من مستوى قوتها وسيطرتها لتجد في كل صفة اجتماعية ركناً لها وحيّزاً تعمل على تغيير طبيعته وتفخيخه حتى يستمد صيرورته منها ومن مؤسساتها المتلاحمة في القمع والقبض على حياة الناس.

لا تتوقف الأنظمة عن تلقيننا دروساً في الحب، ذلك لأنها قادرة بمنظومة فكرية أساسها الدين والإيديولوجيا أن تتلاعب بجوهره لتفترض أنه يختفي مع اختفائها، وأن العلاقات العاطفية تندثر مع اندثارها، ومع سقوطها لن يعود هناك مجال لارتكاز الحب على أسس متينة. قلبها هو الوحيد في مقدوره محبة كل الناس، وهؤلاء ليس في استطاعتهم أن يتحابّوا إلا بالوقوع في حبّ الأنظمة أو من خلالها. الأنظمة تعلّمنا الحب وترثيه في الوقت نفسه.

كانت فيروز تُغنّي، فدعت مقدمة أحد البرامج الفنية، على التلفزيون السوري، المجتمع وأفراده إلى التحابّ بقولها: “تعالوا نحب بعضنا البعض، فالوطن يحبنا”، وتأكيداً لهذا التطلع العاطفي، هزّ ضيفها رأسه وتساءل: “لِمَ علينا أن نحقد على جيشنا، الجيش يحبّنا والأمن يسهر على راحتنا؟”. لكن، لماذا تتردد عبارة الحب في كل مرة يحاول الشارع التحرك في وجه طغاة الأنطمة؟! لم ننس بعد خطاب حسني مبارك ما قبل الأخير الذي دغدغ به عواطف المجتمع، ولا خطاب بن علي عن تفهمه حاجات الناس وتعاطفه معهم، ولا خطب القيادات السياسية في لبنان التي تذكّرنا بأننا أحباء دائماً، الأمر الذي سخر منه زياد رحباني، في مسرحية “بخصوص الكرامة والشعب العنيد”، حيث يظهر مواطنان، عيّنهما النظام الأمني، أمام الكاميرا، يتبادلان القبل والتحية كلما تطرق مراسل المحطة التلفزيونية الفرنسية في حديثه إلى موضوع الحرب. عن أيِّ حب تتحدث الأنظمة، وما مغزى هذا الحديث المتكرر في أجهزتها الدعائية والإعلامية؟

الحب المأسوي

يعطي النظام مضموناً كلياً للحب فيصل به الأمر إلى تأليهه، مستفيداً من أبعاده الإيديولوجية الدينية، التي تعينه على محو تناقضات الواقع وتذريره. يكرس الصراع بشكل تضليلي في المجتمع، أي أنه صراع بين أصحاب أهواء وأفكار متضاربة، موظّفاً هذا التضليل ليشدد على أهمية دور إيديولوجيته في التعويض عن تفكك المجتمع وانفصاله عن نفسه. فالناس، بالنسبة إليه، لا يعرفون كيف يحبّون ولا كيف يشبعون حاجاتهم، لذا لا بد من إرساء قوانين تسمح لهم بالتمييز بين الحب والكراهية، الصداقة والحقد. غير أن هذه القوانين تتناقض ذاتياً، لأنها تضع الإنسان بين خيارين، خيار الحب المأسوي الهارب من مقارعة الحياة الفعلية، والباحث عن نفسه في الفكر المثالي أو في مرايا الدين الإيديولوجية، وخيار الحب الذي في إمكانه مواجهة تناقضات الواقع الفعلية على رغم الصعاب التي تعوق ظهوره بشكل ملموس. بين هذين الخيارين، يقف الإنسان ككل شخصية تراجيدية تبحث عن حقيقتها، إما في الوهم وإما في العمل. دعوة النظام إلى الحب هي دعوة إلى مسرحية مأسوية.

يمر الحب المأسوي بماكينة النظم الشمولية ويتجرد من نفسه ليحصل على شكل موضوعي ومطلق. فنحن نحب كل الناس بواسطة فكرة الحب، التي يقف النظام الإيديولوجي وراءها. تالياً، لا مناص من الحب إلا من خلال هذه الإيديولوجيا. لكنه حب فقير وفارغ، لأن الشعور به وهمٌ أولاً، ولأنه ثانياً، لا يحقق أي هدف من أهداف الحب الحقيقية، ولأنه ثالثاً لا يستطيع تأمين التوازن بين الناس، بل يكتفي بطقوس الكلام والعاطفة البحتة، ويقتصر دوره على التأمل في ما يجري من دون تحمل أي مسؤولية. يعلّمنا النظام هذا الشكل من الحب الذي يطبّقه القادة دائماً، فهم يحبّون الناس، كما يقولون، لكنهم لا يحبّون حرياتهم ورغباتهم، وقد يُخرجون المعتقلين من السجون لكنهم لا يلغون السجون، لأنهم ببساطة يلغون أنفسهم بذلك.

حبّ في وسط الجحيم

مع تشوّه مضمونه، يدفع الحب ثمن كليته المأسوية، فإما يصير أداة من أدوات النزاع والمصالح والكراهية، وإما يبتعد عن السياسة ويتجاهل القمع والاستغلال في المجتمع. في الحالتين لا ينجو من المشاركة في العنف وشرعنة سياسة القمع. لا يعلن أصحاب الحب اللامبالي وقوفهم الواضح إلى جانب القامعين ولا في صف المقموعين، ويسعون إلى إنقاذ أنفسهم فقط. يقبلون ببناء الفردوس الشخصي في وسط الجحيم، وليس ذلك سوى ترجمة مباشرة لحبهم الأناني الملوّث إيديولوجياً.

نحن في حاجة الى أكثر من الكلام كي يكتمل الحب، فهل يمكننا أن نحب الغير من دون أن ندافع عن حقوقه ونقف إلى جانبه في وجه ما يهدد حياته؟ أثبت الحب المأسوي أنه لا يحل أي مشكلة، فهو عاجز عن تغيير الواقع ومنع العنف، حتى لو مد يد المساعدة للآخرين. فالإيديولوجيا، الدينية خصوصاً، تعجز عن التوفيق بين الحب الشخصي والحب الغيري، بين ثنائية العام والخاص. يتناقض حب الذات، بالنسبة إليها، مع حب الغير، وبذلك توجه ضربة أخرى لمفهوم الحب. في الواقع، لا شيء يهدد الحب سوى تقوقعه وعدم انفتاحه على الجميع. وحده التحرر من هذه الثنائية الإيديولوجية هو الذي يكفل توفير الشروط الاجتماعية والثقافية للحب الإنساني. فالحب الناتج من الحرية يزيل مأساته، ويتخطى التعارض بين المصالح الشخصية والمصالح الغيرية.

“منحبّك” أغفر لنا حريتنا

أغنية “منحبّك” التي يبثها التلفزيون الرسمي مع بعض الصور التي تجمع بشار الأسد مع شعبه، خير مثال على عظمة قادة الأنظمة في العالم العربي. عظمة تنبع من عظمة وسائل القمع الاجتماعي المتوافرة تحت يد كل قائد يملك سلطة تتجاوز حدود الأرض لتصل إلى حدود السماء وتأخذ طابعاً إلهياً بكل صفاتها المعبودة والموجودة في تفاصيل الحياة التي لا يحميها سوى حب القائد الخالد. بواسطة هذا الحب يكفِّر المجتمع عن ذبوبه، ويُغفَر له ويتوب، تالياً يدخل الجنة بعد التضحية بحريته.

الإصلاح: حب مازوشي

“الإصلاح هو الحل”، يقول البعض مبرراً ذلك بعدم أهلية المجتمعات ديموقراطياً، التي لا تزال مقسومة عشائرياً وعائلياً وطائفياً ولا تعرف عن “المواطنية” أي شيء. لذا من المجدي أكثر الإنطلاق بمسيرة الإصلاحات بعد فصول من “الحوار” بين القادة والمعارضين. لكن، أليست الدعوة إلى الإصلاح احتفاظا بموضوع الحب المأسوي وتخلياً عن الحرية، في حين تستمر الأنظمة في توجيه ضرباتها للمجتمع ويسيل الدم في كل الاتجاهات؟ يكفي أن يكون النظام العنفي طرفاً في “الحوار” حتى يتحول التحاور فعلاً مأسوياً، يتخلى فيه المجتمع عن حقه في التحرر لصالح حب القيادات الكاريكاتورية. الإصلاح دعوة إلى الرضوخ مازوشياً للنظام الذي يمارس ساديته ويتحدث بلسان الغفران وإطلاق المعتقلين والكف عن كبت الحريات.

حب في الشارع

بو عزيزي الذي أشعل الثورة في تونس بحرق نفسه، الشباب الذين استشهدوا في سبيل تحرير المجتمع في مصر، التلامذة الذين خطّوا بداية الثورة في سوريا على جدار مدرستهم في درعا، الشاعرة التي سجنها النظام في البحرين بسبب قصيدة كتبتها ضده، الفتاة التي قادت سيارتها على الطريق في السعودية، بالإضافة إلى كل حر في العالم، كلهم أكدوا أن في إمكان المجتمعات أن تتحابّ من دون وساطة الأنظمة ومن دون النظر في مرآة الإيديولوجيا، وهم حصلوا على حبهم من جوهرهم الإنساني، وأعادوا الى الإنسان في المجتمع ما نُسب للقائد على عرشه. فلنتذكر جميعاً أن قلب الشارع لا يمكله أحد.

نُشِرت في فن/أدب/وجهة نظر | الوسوم: , , , , , | أضف تعليق

ماركس في “الأيديولوجيا الألمانية: الفلسفة رأساً على عقب

ماركس في “الأيديولوجيا الألمانية:

 

الفلسفة رأساً على عقب

 

بقلم:

سيمون أوللي

4 يوليو 2011

ترجمة:

أحمد نور

الناشر:

وحدة الترجمة – مركز الدراسات الاشتراكية

هذه المقالة كتبها الرفيق سيمون أوللي (عضو منظمة “البديل الاشتراكي” بأستراليا)، كمقدمة لطبعة جديدة من كتاب الأيديولوجيا الألمانية الذي كان قد كتبه ماركس وانجلز منذ ما يزيد عن قرن ونصف، والذي كان قد أنجزا فيه تصفية حساب شاملة للفلسفة المثالية.

 

(المترجم)

 

“لقد عمل الفلاسفة حتى الآن من أجل فهم العالم، لكن الأهم من ذلك تغييره”. هكذا تكلم ماركس فى خاتمة ” أطروحات حول فيورباخ”، تلك الوثيقة الهامة التي كتبها في العام 1845. و رغم أن هذه المقولة تعد الآن من المقولات الأساسية المأثورة فى الماركسية، إلا أن ماركس و رفيقه انجلز لم يبدءا فى تعرية المغزى الحقيقي لهذه المقولة إلا فى الأعوام اللاحقة لهذا التاريخ.

 

لقد خصص ماركس وانجلز جزء كبير من كتاب “الأيديولوجيا الألمانية” لتصفية حساب ناجزة مع “عصبة الشباب الهيجليين” والتى كان ماركس نفسه منخرطا فيها إبان سنتى دراسته فى برلين. تشكلت هذه العصبة أساسا من عدد من الطلبة والمثقفين الذين سعوا –مقتفين أثر فلسفة الفيلسوف الألمانى هيجل – من أجل تغيير المجتمع، و ذلك عن طريق النقد العقلى للأطر الأخلاقية و الفلسفية والسياسية القائمة فى هذا المجتمع.

 

عقب إتمامه للدكتوراة عام 1841 و معايشتة المبدأية للجوانب الأكثر واقعية للعصر، أصبح ماركس غير راضٍ عن النهج المثالى المجرد للشبيبة الهيجلية. وقد لعبت عدة عوامل دورا مهما فى هذه الانعطافة الفكرية فى حياة ماركس؛ أهمها انتقاله إلى باريس عام 1843 حيث كان على اتصال بالحركة العمالية الصاعدة هناك، ومن خلالها تعرف على انجلز.

 

ومن خلال معايشته المريرة لرجعية السلطات الألمانية خاصة إبان عمله كمحرر لجريدة “الرينانية الجديدة”، تطور وعيه تجاه إدراك أهمية “الابعاد المادية” فى تحديد الواقع الاجتماعى للعصر، الأمر الذى دفعه للتساؤل حول جدوى الجدالات الفلسفية المجردة فى تغيير الواقع. ومن جانب آخر فإن هذا الكشف قد ترسخ داخل عقل ماركس طوال فترة مكوثه فى باريس، ومن ثم استطاع ماركس أن يدرك التناقض الصارخ بين مبادئ الثورة الفرنسية (الحرية – العدالة – المساواة) وبين ما يعانيه الجتمع الفرنسى بشكل حقيقي.

 

ومن ثم أصبحت القضية، فى ذلك الوقت، ليست فى تبني شعارات الحرية والديموقراطية المجردة و الدفاع عنها، ولكن فى مجابهة الواقع المادى والاجتماعى الذى جعل من هذه الشعارات مجرد مادة للتسامر في القاعات المغلقة.

 

أما انجلز، الذى كان قد أمضى وقتا فى مانشستر –المركز الصناعى المتقدم فى بريطانيا– و الذى كان بصدد نشر كتابه “حال الطبقة العاملة فى إنجلترا”، فقد شجع ماركس بقوة فى هذا المضمار. وقبل أن يصدر “الأيدولوجيا الالمانية” لم يكن لدى ماركس وانجلز سوى السخط على ما اعتبراه مقولات جوفاء للقوى الراديكالية الألمانية فى ذلك الوقت.

 

لكنهما أيضاً استطاعا تلخيص رؤيتهما تلك فى المثال التالى:

“ذات مرة، قفزت إلى ذهن أحد المغامرين رؤية مفاداها: أن الناس يغرقون فى الماء فقط لأن فكرة الجاذبية تتملكهم كليا. لكن إذا استطاع أحد ما أن يطرد هذه الفكرة من رأسه بأن قال مثلا أنها فكرة سطحية أو وهم دينى فسيصبح حتما محصنا ضد مخاطر الغرق. وبهذا يقضى المغامر حياته كلها مناضلا ضد وهم الجاذبية الضار والذى من الناحية الأخرى تثبت كل النتائج التجريبية والاحصاءات صحته مع الاسف.. إن الفلاسفة الثوريين الألمان هم من نفس طينة هذا المغامر”.

 

كان الهيجليون الشبان يدافعون بقوة عن (أهمية الارتقاء بوعى الطبقة العاملة) هذا الوهم الذى مازال –للأسف– يطاردنا حتى اليوم. ووفقا لهم فإن كل شرور العالم تنبع من الفهم الخاطئ (وبالتحديد الفهم الدينى) للطبيعة والتاريخ و الأخلاق والسياسة، وبهذا ظنوا أنهم لو استطاعوا تغيير فهم العامة لهذه الأمور فإن العالم سيصبح جنة.

 

ولكن هذه الأحلام النبيلة لم تجدِ نفعا أكثر من –فلنأخذ مثالا– دعوات “الوعى البيئي” كحل للتدمير الشامل للبيئة الذى أدت إليه عولمة الرأسمالية فى عصرنا. هذا الحل الذى يرضى غرور أقلية من الطبقة الوسطى بأن تسمو أخلاقيا فوق (العامة)، أما إسقاط نظام الإنتاج الذى يهيمن عليه الربح من أجل الربح، فهو أبعد ما يمكن أن يفكر هؤلاء فيه.

 

فهم جديد للتاريخ والمجتمع

 

بالنسبة للشباب الهيجليين، فإن الانعطافات التاريخية الكبرى لا يحددها سوى تطور الأفكار. إن مناهجهم فى دراسة التاريخ والمجتمع –هى كما حددها ماركس وانجلز – نازلة “من السماء للأرض”، ومن تأملات “المفكرين الكبار” أو “السياسيين والمستنيرين” نزولا إلى الحياة اليومية للمجتمع والأفراد.

 

و كما ادرك الرفيقان؛ فهذا الفهم “يضع العربة أمام الحصان”، فقبل أن يوجد ثمة عالم نقى وخالص من النمو التاريخي للأفكار والدين والفلسفة والسياسة والقانون وغيرهم، كان حتما قبل هذا وفوقه العالم الأقل مثالية من إنتاج و تطور الظروف المعيشية الرئيسية لحياة البشر. باختصار وبشكل أكثر بساطة: لا يمكن لشخص أن يتفلسف قبل أن يضمن مأكله وملبسه وغطائه (ناهيك عن الاحتياجات الاجتماعية الأخرى).

 

و بالنسبة للرفيقين يرتفع كل تاريخ البشرية فى النهاية على أساس من عمليات الحياة الرئيسية التى يتعاون فيها البشر لإنتاج احتياجاتهم المعيشية. “إن القضايا التى ننطلق منها فى استنتاجاتنا ليست قضايا دوجمائية أو مفتعلة، إنما قضايا حقيقية يمكن تجريدها فقط باستخدام التصور الذهنى، إنها الاشخاص الحقيقيون، حياتهم، نشاطهم، وفى أى ظروف مادية موجودة مسبقا أو يصنعونها بأنفسهم خلال نشاطهم يمكن أن تخضع هذه القضايا للبحث العلمى التجريبي”.

 

وبعكس الهيجليين الشبان، فإن الرفيقين صعدا “من الأرض إلى السماء”، منطلقين من الوقائع التى يعايشها البشر فى كدحهم اليومى –وفقط من هذا المنطلق– مواصلين تحليل ما سمياه (أصداء الحياة الواقعية) فى الأفكار التى نعتنقها عن أنفسنا وعن العالم. هذه القضايا (قابلة للاختبار العلمى) بمعنى أن المسألة تتعلق وحسب بالخروج من البرج العاجى ومعالجة الواقع اليومى للمجتمع.

 

ماهى إذن العناصر الرئيسية لما يسميه الرفيقان (عملية العيش) و(الظروف المادية)؟ يمكننا ببساطة تعريفها بأنها كل ما يدخل فى عملية الإنتاج التى يوفر بها البشر احتياجاتهم المعيشية. هى بمعنى آخر: المواد الخام، أدوات ووسائل الإنتاج وأيضا الجانب الهام للأنواع المختلفة من العلاقات التى يدخل فيها البشر والتى هى ضرورية بالنسبة لهذا الإنتاج.

 

هذه العوامل مجتمعة يسميها الرفيقان (نمط الإنتاج). من هنا فإن نمط الإنتاج هذا هو الذى يحدد شكل المجتمع والأفكار السائدة فيه خلال أى مرحلة محددة من التاريخ: “الأخلاق، الدين، الميتافيزيقيا وكل الأيدولوجيات وأنماط الوعى المقابلة لها، ليس لها وجود مستقل بسيط. لا تاريخ و لا تطور لها دون بشر ينخرطون فى عملية الإنتاج المادى ودون علاقات إنتاج مادية و يصنعون خلال ذلك وجودهم الحقيقى، وأفكارهم، وكل نتاجهم الفكرى. الحياة. الوجود الاجتماعي هو الذي يحدد الوعي الاجتماعي، وليس الوعي الاجتماعي هو الذي يحدد الوجود الاجتماعي”.

 

كيف تتغير الأفكار

 

النضال ضد النظام الاجتماعى ليس إذن كما رآه الهيجليين الشبان هجوما على الأيدولوجيات المهيمنة أو (الارتقاء بالوعى)، ولكن النضال الحقيقى هو الذى يسعى إلى إحداث التغيير على مستوى نمط الإنتاج الذى ترتكز عليه هذه الأيدولوجيات. إن الأفكار المهيمنة والمنسجمة مع نمط الإنتاج الاجتماعى الحالى ليس لديها جديد فى “منطق” الجدالات التى تبررها . لكن هذه الهيمنة الأيدولوجية تفرضها سيطرة الطبقة الرأسمالية الحاكمة على القوة المادية للمجتمع.

 

يقول ماركس و انجلز :

“إن افكار الطبقة الحاكمة هى الأفكار المسيطرة فى كل العصور، أى أن الطبقة المتحكمة ماديا فى المجتمع هى نفسها الطبقة المتحكمة فكريا فيه. الطبقة التى لديها وسائل الإنتاج المادى ووسائل تصريفه، لديها فى نفس الوقت السيطرة على وسائل الإنتاج العقلى. باختصار: أفكار الذين لا يمتلكون وسائل الإنتاج الفكرى تظل منحصرة فيهم وحدهم. الأفكار المسيطرة ليست أكثر من انعكاس لعلاقات السيطرة المادية فى المجتمع، ليست أكثر من هذه العلاقات متمثلة ذهنيا “.

 

من هنا يطرح السؤال التالى نفسه: هل يمكن إذن إحداث تغيير حقيقى فى هذا المجتمع على الإطلاق؟ اذا كانت الهيمنة الفكرية لرأس المال على المجتمع ترتكن على كل الوضع الحقيقى لعلاقات القوى والتى تطرح خلالها الطبقة المسيطرة أفكارا تسعى بقوة لترسيخها؛ كالملكية الخاصة، التنافسية، الدولة القومية (كأمر واقع) . أين تقع إذن نقطة الهروب التى يمكن من خلالها أن نجد رؤية أخرى؟

 

من هذه النقطة خطا الرفيقان خطوة واسعة تجاوزت منهج التحليل المادى المباشر للفيلسوف المادي الألماني لودفيج فيورباخ. والذى أسهمت أعماله فى ابتعاد ماركس عن الهيجليين الشباب من قبل.

 

رأى الرفيقان أن الطريق الوحيد الذى لا يرتد بهم إلى المثالية ثانية يبدأ من محاولة تتبع إمكانات التغيير فى المجتمع انطلاقا من دراسة الآليات الداخلية التى تحكم الإنتاج الاجتماعى نفسه. بدلا من الرجوع إلى وهم “التأثير المستقل” للأفكار على هذا المجتمع. و هنا جاء وقت الاستفادة من إسهامات هيجل التى تتلمذ عليها ماركس. فى النهج الهيغلي: تتطور الأفكار نتيجة تعارض الرؤى المتقابلة للعالم (وهكذا الأمر بالنسبة للمجتمع ككل).

 

و بالنسبة للرفيقين مثلت هذه النظرة صورة معكوسة للحقيقة. فحركة التاريخ يحكمها الصراع. لكن هذا الصراع يقع أولا وفى الأساس على جانب القوى المادية وعلاقات الإنتاج. بينما صراع الأفكار والرؤى ليس فى الحقيقة إلا انعكاسا لهذا الصراع المادى.

 

وكلما تطورت وسائل الإنتاج من آلات ووسائل وتقنية بمرور الوقت، كلما أدى ذلك إلى تغيرات فى شروط المعيشة بالنسبة للطبقات والمجموعات الاجتماعية المعينة فى نفس المجتمع. وعند مرحلة معينة تؤدى هذه الظروف الاجتماعية الجديدة إلى صراع تسعى من خلاله هذه المجموعات والطبقات إلى تغيير علاقات الإنتاج لصالح دورها الجديد فى دورات الإنتاج.

 

هكذا يشرح ماركس و انجلز المسألة:

“هذا التناقض بين تطور قوى الإنتاج من ناحية، وعلاقات الإنتاج القائمة من ناحية أخرى -و الذى كما رأينا تكرر مرات عديدية عبر التاريخ- هذا التناقض يعبر عن نفسه فى شكل انفجار ثورى، و هذا الأخير له العديد من الظواهر المصاحبة، على سبيل المثال: الصراعات الأيدولوجية، الصراعات الطبقية المختلفة، تناقضات الوعى الاجتماعى، صراع الأفكار، ناهيك عن الصراع السياسى. وهكذا فكل الصراعات فى التاريخ لها بشكل أو بآخر جذور فى هذا الصراع الأصلى بين قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج الاجتماعى”.

 

و قد أوضح ماركس وانجلز هذا الأمر فى كتاب “الأيدولوجيا الألمانية” آخذين فى اعتبارهما كيف نمت الطبقة البرجوازية خلال قرون فى ظل النظام الإقطاعى. وأوضحا كيف أن تطور تقنيات الصناعة من تقدم ووسائل الاتصالات وطرق النقل وغيرهما (بمعنى آخر تقدم مستوى وسائل الإنتاج) كيف كرس كل هذا الأساس لزيادة ثروات وقوة البرجوازية، وكيف أدى كل هذا إلى ثورات مثل الثورتين الانجليزية والفرنسية، حيث استطاعت البرجوازية أن تتحرر من القيود التى فرضها النظام الإقطاعى عليها (عن طريق علاقات الإنتاج التي كانت قائمة فى ذلك الوقت).

 

دور الطبقة العاملة و ضرورة الثورة

 

قبل كتابة “الأيدولوجيا الألمانية” عام 1845، كانت البرجوازية قد رسخت وجودها باعتبارها الطبقة المسيطرة سياسيا فى أوروبا. وأصبحت شعارات الحرية والمساواة و الإخاء -وهى الشعارات التى استغلتها البرجوازية لتحشد الجماهير الشعبية ورائها فى معركتها ضد الإقطاع- أصبحت طى النسيان فى خضم اللهاث وراء زيادة معدلات الربح، و (اللعبة الكبيرة) للاستعمار وخلافه.

 

من ناحية أخرى تحدث ماركس وانجلز عن نفس هذا الوقت الذى يشهد “شبح يجتاح أوروبا” على حد قولهما فى البيان الشيوعى. إن نفس التطورات التى أدت إلى صعود البرجوازية، أدت فى الجانب الآخر إلى تكوين طبقة جديدة “البروليتاريا” أو الطبقة العاملة، و هى بحق مصدر كل الثروات والقوى التى اعتمد عليها الرأسماليين والتى افتتحت بحكم ظروف وجودها عصرا جديدا من التغييرات الجذرية.

 

كما مهد بزوع البرجوازية من داخل النظام الإقطاعى للصعود العالمى لاأسلوب الإنتاج الرأسمالي، كذلك فإن بزوغ الطبقة العاملة يتيح إمكانات الانتقال إلى نظام شيوعى مغاير تماما لسابقه.

 

المهم أن نفهم أن الشيوعية ليست حلما مثاليا بمجتمع جديد. و قد أوضح ماركس وانجلز هذا جيدا: “الشيوعية التى نعنيها ليست دولة الأمانى التى علينا أن نؤسسها. ليست نموذجا على الواقع أن يكيف نفسه على مقاسه. وإنما نعنى بالشيوعية الحركة الحقيقية التى تقضى على نظام الأشياء الآنى، وشروط هذه الحركة تأتى من ممهدات مسبقة هى موجودة الآن بالفعل”.

 

ماذا كانت إذن هذه “الممهدات” للشيوعية التى استطاع الرفيقان أن يتبيناها فى واقع القرن التاسع عشر في أوروبا؟ وعلى أى أساس توصلا إلى أن نضالات العمال، التى عايشاها -وليس المستقبلية منها- فى مواجهة ظروفهم المعيشية فى ظل نمط الإنتاج الرأسمالى قادرة على “إسقاط نظام الأشياء القائم”؟

 

مرة أخرى , أدرك ماركس وانجلز أن مستويات تطور قوى الإنتاج تتطور بشكل هائل. أولا: مع التقدم الرهيب في الصناعة والتجارة التى صاحبت ظهور الرأسمالية، أصبح فى الإمكان –لأول مرة فى تاريخ البشرية– تحقيق مساواة مادية حقيقية فى المجتمع دون الوصول إلى حالة الفقر المنتشرة. ثانيا: أن التراكم السريع للثروات فى ظل النظام الرأسمالى بنى بفضل عمل العمال، الذين يستبعدهم دورهم فى هذا النظام من جني أرباحه. تماما كما حاربت البرجوازية من قبل لتحطيم القيود الإقطاعية المفروضة عليها، كذلك الطبقة العاملة تستطيع أن تجني ثمار عملها فقط إذا تضامنت للنضال ضد ظروف معيشتها فى النظام الرأسمالى.

 

و بسبب طبيعة دورها (أى الطبقة العاملة) العضوى فى النظام. يستطيع هذا النضال أن ينضج فقط من خلال نوع من التنظيم الجماعى الذى سيصبح الجنين للأشكال الجديدة التى سيدار بها المجتمع. قوة العمال تكمن فى قدرتهم على تعطيل عملهم ومن ثم وقف تدفق الأرباح للرأسماليين من مصادرها الأولية. ولكى يتحقق هذا عليهم أن يوحدوا أنفسهم بطريقة تجعلهم يتحركون كوحدة واحدة. ومنها نرى أن مع تطور الرأسمالية العمال ينظمون أنفسهم في نقابات وفى أشكال أخرى من المنظمات العمالية، التي تكون معنية بالأساس بهذا التعطيل المنظم للعمل، والتى فى ظروف ثورية يمكن لها أن تتطور إلى منظمات تدير الإنتاج لصالح العمال. هذا بالضبط ما حدث فعلا فى الثورة الروسية 1917 مع السوفيتات، ومع لجان العمال و الأشكال الشبيهة التى ظهرت فى ثورات: ألمانيا (1918 – 1923) – اسبانيا (1936) – المجر (1956) – إيران (1979) وفي الكثير من الحالات الأخرى.

 

و إذا لم تكن قوة الحركة العمالية عام 1845 كافية لتقضى على الرأسماليين فى العالم، فقد ركزا على أن الثورة هى التتويج الوحيد لهذا النضال الاجتماعي. فالتحول الشيوعي برأيهما ليس بالشئ الذى يحدث تلقائيا خلال التطور التدريجى.

 

“الثورة ضرورة.. ليس فقط لأنها الطريقة الوحيدة لإزاحة الطبقات المسيطرة، وإنما أيضا لأن الطبقة التى تقوم بها تستطيع فقط من خلالها وحدها أن تطرح عن كاهلها أثقال العصور السابقة، ومن ثم تصبح قادرة على خلق مجتمع جديد”.

 

الرأسماليون يمارسون سلطتهم بطرق عدة: أكثرها مباشرة هى أجهزة القمع المباشر للدولة (القوات المسلحة، الشرطة والمحاكم، وغيرها). أيضا يعتمدون على ثقل البناء الفوقى للمجتمع متمثلا فى: بيروقراطية الدولة، نظام التعليم و الإعلام، إلخ.. هذه الوسائل جميعا تمارس ضغطا كافيا لاقناع العمال أن الرأسمالية هى “الطريقة الوحيدة التى يمكن ان تسير بها الأمور”. الثورة إذن هى الطريق الوحيد التى يمكن للعمال خلالها تحطيم الأسس المادية والايدولوجية للطبقات المسيطرة, و فى نفس الوقت تكتسب الطبقة العاملة الثقة والخبرة اللازمتين لتمارس دورها القيادى فى التأسيس لنمط إنتاج اشتراكى جديد. فهم جديد للتاريخ و المجتمع وأفول الأفكار والبنى وإمكانات إشراق جديد لمجتمع اشتراكى يشق –عن طريق الثورة– ظلمات الرأسمالية.

 

يحمل كتاب “الأبدبولوجيا الألمانية” قدرا كبيرا من التشويق يضاهى أعمال (دان براون). بالطبع مع فارق أن الأخيرة ليست سوى شطحات مفارقة للواقع. والأهم، يعرض الكتاب المبادئ والوسائل الرئيسية للتحليل الماركسى مبرزا الأطر العامة للماركسية التى نجحت فى اختبار الزمن. الحركة الشيوعية واقعا ممكنا نراه فى كل الثورات العمالية التى اندلعت خلال القرن والنصف قرن الماضى من الرأسمالية، كما نراه فى “كل جذوة تحت الرماد” تشتعل يوميا فى نضالات العمال فى اماكن العمل و المصانع عبر العالم.

 

لم ينشر كتاب “الأيدولوجيا الألمانية” أبدا فى حياة ماركس وانجلز، وبعد أن رفضه العديد من الناشرين الألمان مرتعدين من تحريضه الصريح على الثورة، أبدى ماركس ارتياحه لصرف النظر عن الكتاب عارضا إياه “للنقد القارض من قبل الفئران”، على حد تعبيره. وبرغم أن الكثير من كتابات ماركس في الفلسفة لم تُنشر في حياته، إلا أن كتاب “الأيديولوجيا الألمانية” يستحق عناء الدراسة بشكل خاص.

 

* تم نشر المقالة لأول مرة في مجلة “البديل الاشتراكي” الأسترالية، العدد 116 – مايو 2011

نُشِرت في ماركس وانجلز | الوسوم: , , , | أضف تعليق

الثورة العربية والوعي الطبقي للصراع

الثورة العربية والوعي الطبقي للصراع

مع الحقيقة / النداء 164: سمير دياب

يكاد قدر الفرح الآن، يوازي قدر القلق، على مجرى الثورات الشعبية العربية، رغم الميل الثابت عندنا على قدرة وإرادة الشعب العربي على تحقيق خطوات نوعية تقدمية، بعد اجتياز البعض في ( تونس ومصر) القفزة الإنعطافية – النوعية الأولى لهما. كون هذه الأيقونات الشبابية والشعبية في حراكها اليومي بالشوارع والساحات، والمسلحة بشعاراتها الجذرية للإصلاح، وأصواتها الهادرة للتغيير، والأهم من ذلك إرادتها الصلبة التي تكبر يوماً بعد يوم في الميادين المتنقلة من بلد الى بلد عربي آخر، تطرح الواقع العربي المرير كما هو، في زمانه ومكانه، وكأنه- وهذا صحيح- نسخة طبق الأصل، غير مقلدة، أو مزورة في صدقها ومصداقيتها، والممهورة بخاتم ” الشعب يريد إسقاط النظام”.

الفرح، الأمل، الذي ارتسم على وجوهنا، والنابع من أعماق أعماقنا، كياننا، وجودنا، كبشر، كمواطنين متساوين في الظلم في دنيا العرب، صنعه صناع الثورات دائما، الشعب. وهو أمل للمستقبل رسمه الملايين في الشوارع متحدين أنظمة البؤس القابضة لعقود على لحظة الفرح هذه، التي تم الإفراج عنها بقوة الإرادة الشعبية، كمدخل للتغيير الديمقراطي الجذري. أي للتحرر السياسي- الاجتماعي.

اما مصدر- مصادر القلق المشروع عندنا، فيعود واقعاً إلى عدة إعتبارات:

أول وأخطر هذه الاعتبارات دون نقاش فيها، من وجهة نظرنا الفكرية والسياسية، هو الجديد في ألاعيب مشروع الشرق الأوسط الجديد، وأساليبه، وأقنعته المعلنة والمخفية لتقويض روح الثورة، وتنفيس أسسها ومنطلقاتها. بسبب أن المصلحة الحقيقية للإمبريالية الأميركية لا تكمن في إنتصار أي ثورة عربية، لأنها نقيض مشروعها الأوسطي المشغول عليه في المنطقة منذ عقود طويلة. هذا المشروع بقوته وعظمة قيادته وتخطيطه ٌأربك قبل بدء الثورة، بمقاومة في لبنان والعراق وفلسطين لم يكن يتوقعها أبدا، وبمناخ شعبي عربي ضده بالمطلق. ثم ٌ صعق أصحاب هذا المشروع من سرعة وقدرة الشعب العربي على التوالد كالفطر في الشوارع وإسقاط عامودين أساسيين من عواميد أنظمة المشروع الأميركي- الصهيوني في المنطقة، رغم كل القدرات التقنية والمادية، وكل الوسائل المخابراتية التقليدية من كتاب تقارير، وعيون، ولصوص، ودبلوماسية مقنعة، ومؤسسات دولية أو وطنية مموهة، لم تكن ترسل ولو إشارة من إشارات حواس الإنسان الخمس التي تنذر بقدوم هذه الثورة المفخرة.

لذلك فإن موقع الإمبريالية الطبيعي أن يكون معاديا لثوراتنا، بهدف ثرواتنا. وكل تمويه على خلاف ذلك مثل دعم ثورة هنا، أو التأكيد على الحقوق الديمقراطية هناك، عليه أن يجعلنا ، ويجعل شعبنا العربي في موقع المستنفر والمتيقظ أكثر لسيرورة الثورة ولأهدافها التحررية.

إما ثاني هذه الاعتبارات، هو طبيعة وبنية أنظمة الحكم الاستبدادية – الإشكالية القائمة، التي ابتعدت تباعاً عن أهدافها المعلنة التي كانت وسيلتها إلى كسب تأييد الجماهير أو قسم منهم، بحيث بدا التعارض بين الشعارات التي تحملها والممارسات التي تقوم بها، الأمر الذي جعلها انطلاقا من مصالحها الطبقية، أن تنظم الدستور- الدولة – المجتمع بكامله، وفق أهواء مصالحها أو مصالح حزبها الحاكم. دون أن ننسى للحظة أنها وقفت تاريخياً، وما تزال، ضد مصالح الطبقة العاملة والفئات الكادحة، ومشكلتها الرئيسية هي موقفها من الديمقراطية أو الحريات الديمقراطية، رغم زعمها خلال عقود أنها تسعى الى تكريسها، لكن ما حمله الجانب السياسي، في الظاهر، من التفرد والاستقلال هو، في الواقع، تبعي للجانب الاقتصادي الذي يحدد مجمل المنظومة الاجتماعية ، وإن تحرير الإنسان ، بالقياس الى هذا البعد الاقتصادي، من وجهة نظرها، سيسمح باستعادة جوهره السياسي. هذه المعادلة – الكذبة سقطت بالبرهان. وتبين أن حقيقة هذا “اللغو” في منظومة هذه الطبقة الحاكمة، هو عجزها عن تأمين الحريات السياسية والاجتماعية، لأنها عجزت بالأساس عن تأمين مجتمع الكرامة والكفاية، ولو بالحدود الدنيا، ما وسّع الفجوة- الوادي السحيق بين كثرة كثيرة شعبية منتجة لكنها تعيش دون خط الفقر، وبين قلة – ندرة تظلل هيمنتها السياسية والاقتصادية والأمنية على العباد باسم الشعب، مع ما رافق ذلك، من ضرورة، لجشع وفساد وقمع وتخوين.. وأمام إعتماد هذه الانظمة سياسة ربط حل مشكلات تداول السلطة، والحزب الواحد، والحريات العامة والخاصة من خلال حل المشكلات الاقتصادية، فقد أوصلتنا الى معادلة رياضية مؤشراتها واضحة في مستوى التخلف والفقر، وفي عدم قدرتها على توفير الحاجات المادية، كما الحاجات المعنوية ومنها الحاجة الى الحريات السياسية أو الديمقراطية. وبقيت كل تعهداتها تجاه شعبها تعادل صفراً مكعباً، ما جعل العلاقة بينها وبين الطبقة العاملة والفئات الكادحة متوترة وقلقة وغير مستقرة، رغم أن هذه العلاقة تخضع لمبدأ التحالف والصراع، لكن مع انتفاء شروط وجود الحريات السياسية والديمقراطية، فلا مناص عندها ووفقاً لقوانين الصراع الطبقي من أن يصبح الصراع الطبقي القائم صراعاً متنافياً.

وما تعبر عنه ثورات شعبنا العربي اليوم، هو في جوهر هذا الصراع مهما حاول البعض تبسيطه، أو القفز فوقه. وكما حاولت أنظمة الحكم القائمة التكاذب ، أو التأجيل في دفع المستحقات المتوجبة عليها بحق شعوبها – مواطنيها في الحرية والكرامة والديمقراطية . ستحاول مجدداً بواسطة أدواتها المحلية، أو بواسطة الخارج، أن تدافع عن مصالحها الطبقية ضد الثورة، وضد أهدافها التغييرية الجذرية، ولو بأشكال وأطر تقليدية وجديدة. أو بتقديم وعود إصلاحية جديدة هي بالأساس مؤجلة منذ عقود زمنية عمرها من عمر قيام هذه الأنظمة المأزومة على كافة المستويات.

أما ثالث هذه الاعتبارات، وهو ما يحاول البعض إدعاء البديل للنظم السياسية القائمة، من خلال السيطرة على الشارع بقوة الأميركي وشريكه حلف النيتو، أو بدرع الجزيرة العربية، أو بقوة الدعم الإمبريالي الخارجي المادي والسياسي ومن ضمنه السلاح ، متقدمة على الحراك الشعبي الديمقراطي السلمي بافتعال أحداث إرهابية تضعف لحمة الشعب الوطنية، وتفضي الى القضاء على أهداف الثورة، وتفسح في المجال أمام صراعات من نوع آخر، هي صراعات إثنية وطائفية ومذهبية وقبلية وحتى عرقية، مقصودة أو غير مقصودة لا فرق، طالما، تقدم خدماتها المطلوبة مباشرة للمشروع الإمبريالي الأوسطي – التفتيتي، كما تقدم خدماتها ربما، المباشرة وغير المباشرة لأنظمة الاستبداد القائمة ذرائع قد تستفيد منها الى حدود التملص من ضغط الشارع وحراكه ومطالبه الاصلاحية وهي العارفة من صميم قلبها أنها إصلاحات محقة وضرورية وملحة، ولا مفر منها، ولو بعد حين.

*****

هي اعتبارات مقلقة دون شك، وعامل الوقت ليس محايداً، وعلى الثورة العربية، بقواها الشعبية، ومكوناتها السياسية والاهلية الديمقراطية والتقدمية، حفر هذا الوعي لمضمون صراع “الثورة” الطبقي في سيرورتها، من أجل اكتمال فرحة صيرورتها في التحرر الوطني والاجتماعي.

نُشِرت في فن/أدب/وجهة نظر | الوسوم: , , , , , | أضف تعليق