الماركسية واليسار

الماركسية وتحرر المرأة

http://socialisthorizon.net/index.php?option=com_content&view=article&id=358:2009-11-20-00-42-37&catid=43:2009-06-15-08-51-40&Itemid=69

آنا مينوز وآلان وودز

الجمعة, 20 تشرين ثان 2009 00:35

« ليس من الممكن تغيير وضع المرأة تغييرا جذريا إلا إذا تم تغيير جميع الشروط الاجتماعية والعائلة والحياة المنزلية» (تروتسكي، النساء والعائلة، ص 45)

لقد وصلت الرأسمالية إلى الباب المسدود. وتنيخ أزمة الرأسمالية العالمية بثقلها، بحدة خاصة، على كاهل النساء والشباب. في القرن التاسع عشر أشار ماركس إلى ميل الرأسمالية إلى تحقيق أرباح فاحشة من خلال استغلال النساء والأطفال. وقد كتب في المجلد الأول لكتابه الرأسمال:

« شكل عمل النساء والأطفال، بالتالي، أول شيء بحث عنه الرأسماليون الذين استخدموا الآلات. هذه البدائل الجبارة للعمل والعمال تحولت فورا إلى وسائل من أجل زيادة عدد العمال الأجراء من خلال إدماج جميع أعضاء أسرة العامل، تحت السيطرة المباشرة للرأسمال، دون أي تمييز من حيث السن أو الجنس. لقد اغتصب العمل الإجباري لصالح الرأسمال المكان، ليس فقط من لعب الأطفال، بل أيضا من العمل الحر في المنزل ضمن حدود معتدلة لدعم الأسرة.» (كارل ماركس، الرأسمال، م 1، ص 394-395)

في البلدان الرأسمالية المتقدمة أدى تغير أنماط الإنتاج ومحاولة الرأسماليين الدائمة للرفع من معدل الربح، إلى التزايد المستمر لتشغيل النساء والشباب الذين يتعرضون لأسوء أنواع الاستغلال، ويعملون، مقابل أجور أقل، في ظل شروط سيئة بحقوق قليلة أو منعدمة. في أمريكا وحدها التحقت 40 مليون امرأة بالقوة العاملة خلال الخمسين سنة الماضية؛ أما في أوروبا فهناك 30 مليون امرأة أخرى. سنة 1950، كانت ثلث مجمل النساء الأمريكيات اللائي بلغن سن العمل فقط، يمارسن عملا مأجورا؛ أما في السنة الماضية [1999] فقد صارت النسبة ثلاثة أرباع تقريبا. وتقول الإحصائيات أن 99% من النساء الأمريكيات الآن سيشتغلن، في مرحلة معينة من حياتهن، مقابل أجرة. إن عمل النساء، في حد ذاته، تطور تقدمي. إنه الشرط المسبق لتحرر النساء من الحدود الضيقة للبيت والأسرة البورجوازية، ومن أجل تطورهن الكامل والحر ككائنات بشرية وعضوات في المجتمع.

لكن النظام الرأسمالي ينظر إلى النساء كمجرد مصدر سهل للعمل الرخيص وكجزء من “الجيش الاحتياطي للعمل” يتم سحبه متى كان هناك نقص في اليد العاملة في بعض قطاعات الإنتاج ونبذه مرة أخرى متى انتهت الحاجة إليه. رأينا هذا خلال كلتا الحربين العالميتين، عندما تم جر النساء إلى المصانع من أجل تعويض الرجال الذين تم استدعائهم إلى الجيش وبعد ذلك أعدن إلى منازلهن عندما انتهت الحرب. وقد تم تشجيع النساء مرة أخرى على الدخول إلى أماكن العمل خلال مرحلة الازدهار الرأسمالي، سنوات الخمسينات والستينات، عندما كان دورهن مشابها لدور العمال المهاجرين: خزان لليد العاملة الرخيصة. مؤخرا ارتفع عدد النساء العاملات من أجل ملء الثغرات في المسلسل الإنتاجي. لكن وبالرغم من كل الخطابات حول “عالم المرأة” و”سلطة الفتاة”، وبالرغم من جميع القوانين التي يزعمون أنها تضمن المساواة، تبقى النساء العاملات القسم الأكثر استغلالا واضطهادا داخل الطبقة العاملة.

في الماضي، كيّف المجتمع الطبقي النساء لكي تبقين غير مباليات سياسيا، وغير منظمات، وفوق كل شيء، سلبيات، وبذلك يوفرن قاعدة اجتماعية للرجعية. لقد ارتكزت البورجوازية على هذه الشريحة من أجل البقاء في السلطة، وذلك باستعمال خدمات المؤسسة الدينية والصحافة (المجلات “النسائية”، الخ.). لكن هذه الوضعية تتغير مع تغير دور المرأة في المجتمع. لم تعد النساء تقبلن، على الأقل في البلدان الرأسمالية المتقدمة، بأن تبقين غارقات في الجهل وتخضعن بسلبية للدور التقليدي للمؤسسة الدينية والمطبخ والأطفال (“Kirche, Kücher, Kinder”). إن هذه ظاهرة تقدمية جدا، حبلى بالنتائج المستقبلية. بنفس الطريقة التي فقدت بها الرأسمالية الاحتياطي الاجتماعي للردة الرجعية التي كانت تمتلكها بين الفلاحين في الولايات المتحدة، واليابان وأوروبا الغربية، فإن النساء لم تبقين بعد احتياطيا للتخلف والرجعية كما كن في الماضي. سوف تؤدي أزمة الرأسمالية، مع هجماتها المتواصلة على النساء والعائلة، إلى المزيد من تجذر شرائح متوسعة باستمرار من النساء وستدفع بهن في الاتجاه الثوري. من المهم أن يفهم الماركسيون الإمكانيات الثورية العظيمة التي تختزنها النساء وأن يتخذوا الخطوات الضرورية للوصول إليهن.

الإمكانيات الثورية لذا النساء أكثر مما هي لذا الرجال لأنهن مفعمات بالنشاط وغير ملوثات بسنوات الروتين المحافظ التي تميز غالبا الحياة النقابية “العادية”. كل من سبق له أن شهد إضرابا للنساء يمكنه أن يحكي عن تصميمهن الصلب وشجاعتهن وحماستهن. إنها مهمة الماركسيين أن يدعموا كل الإجراءات الرامية إلى تشجيع النساء على الالتحاق بالنقابات والمشاركة فيها بحقوق متساوية ومسئوليات متساوية.

الأممية الأولى

لقد احتلت المسألة النسائية دائما مكانة مركزية في النظرية والممارسة الماركسيتين. لقد تبنت الأممية الأولى النضال من أجل الإصلاحات بمنتهى الجدية. سنورد فيما يلي استمارة لاستبيان ظروف العمل كتبها ماركس خلال نهاية شهر غشت 1866، وبعثها المجلس العام إلى جميع الفروع:

« 1) – القطاع الصناعي، الاسم.

2) – سن وجنس العامل(ة).

3) – عدد العمال.

4) – الرواتب والأجور؛ (أ) المتعلمين؛ (ب) الأجور باليوم أو العمل بالقطعة؛ المبلغ المدفوع من طرف الوسطاء. المتوسط الأسبوعي، السنوي.

5) – (أ) ساعات العمل في المصانع. (ب) ساعات العمل مع صغار المشغلين وفي الأعمال المنزلية، إذا كان العمل يتم في هذه الأنماط المختلفة. (د) العمل الليلي والعمل النهاري.

6) – أوقات الأكل والمعالجة.

7) – نوع الورشة والاكتظاظ أثناء العمل، عيوب التهوية، الحاجة إلى أشعة الشمس، استعمال ضوء الغاز، النظافة، الخ.

8) – نوعية العمل.

9) – تأثير العمل على الصحة.

10) – الظروف الأخلاقية. التعليم.

11) – حالة المهنة: ما إذا كانت مهنة موسمية أو إلى حد ما موزعة بشكل منتظم على طول السنة، ما إذا كانت كثيرة التقلب، ما إذا كانت معرضة للمنافسة الخارجية، ما إذا كانت موجهة أساسا إلى الداخل أو الخارج، الخ.

3) – تحديد طول يوم العمل.

إن الشرط الأولي، الذي بدونه ستبقى جميع المحاولات لتحسين الظروف والتحرر عقيمة، هو تحديد طول يوم العمل.

هناك حاجة إلى تعويض الطاقة الصحية والجسدية للطبقة العاملة، أي الجسد العظيم لكل أمة، وكذلك لتمكينهم من فرصة التطور الثقافي والعلاقات الاجتماعية والنشاط الاجتماعي والسياسي.» (Minutes of the General Council of the First International 1864-1866, pp. 342-3)

لقد اقترحوا ثمانية ساعات كحد قانوني ليوم العمل. ألا يسمح بالعمل الليلي إلا في بعض المهن الاستثنائية أو فروع من مهن محددة في القانون. يجب أن يكون الاتجاه العام هو إلغاء كل أنواع العمل الليلي. وتواصل الوثيقة في القول: « تشير هذه الفقرة فقط إلى الأشخاص البالغين، رجالا ونساء، إلا أن هؤلاء الأخيرات يجب أن تستثنين بشكل تام من ممارسة جميع أشكال العمل الليلي أيا كان، وجميع أنواع العمل المضرة بجنسهن، أو تعريض أجسادهن للسموم وغيرها من الأعمال المؤذية. نعني بالأشخاص البالغين جميع الأشخاص الذين بلغوا أو تجاوزوا سن الثامنة عشرة. » (Ibid., p. 343.)

من المعروف أن ابنة ماركس إلينور لعبت دورا نشيطا في العمل بين صفوف النساء العاملات في “المهن المتعرقة” (“sweated trades”) في الطرف الشرقي للندن. وقد اقترحت في مقالة صحفية حول “التعرق في مكاتب الطباعة” أن تتشكل وحدة بين كل من هؤلاء اللائي يطبعن في بيوتهن وبين اللائي يطبعن في الورشات حيث، كما كتبت، « إذا كنت تريد أن تعيش بعملك يتوجب عليك أن تعمل في ظل ضغط عال وطيلة عدد كبير جدا من الساعات، تفوق ثمانية ساعات يوميا» (Yvonne Kapp, Eleanor Marx, The Crowded Years, 1884-98, p. 364.) كم تبدو هذه الأسطر آنية بالرغم من مرور مائة عام على كتابتها!

لقد كان إضراب صانعات أعواد الثقاب في لندن، سنة 1888، نقطة انعطاف هامة، عندما ثارت هذه الشريحة الأكثر استغلالا وانسحاقا من الطبقة العاملة ضد مضطهديهن. كانت قوة العمل في مصنع بو (Bow) في الطرف الشرقي الفقير، مشكلة كلها من النساء، من فتيات في 13 سنة من عمرهن إلى أمهات ربات أسر كثيرة العدد. كانت الظروف البربرية للعمل هناك مشابهة لتلك التي يعانيها العمال في العالم الثالث الآن. كان استعمال الفسفور الأبيض في صنع أعواد الثقاب يسبب المرض الرهيب الذي يأكل عظام الفك، بسبب إجبارهن على أخذ طعامهن في الجو الملوث لمكان العمل. الأجور السيئة صارت أكثر سوءا بسبب نظام الاقتطاعات الجائر، التي كانت تفرض غالبا على أبسط الأخطاء، التي يتسبب الإرهاق في حدوثها. ونتيجة لتلك الاقتطاعات كان حاملو الأسهم يحصلون على إيرادات أرباح تزيد بـ 22%.

قامت 672 امرأة، بعد تغلبهن على مخاوفهن، بتنظيم إضراب خلال شهر يوليوز 1888. بعد أسبوعين من ذلك وبفضل دعم النقابات وتنظيم حملة جمعت مبلغا كبيرا يساوي 400 دولار، حصلت تلك النساء على تنازلات كبيرة. ونتيجة لذلك، نظمت تلك النساء الغير ماهرات نقابة صناع أعواد الثقاب، التي هي أكبر نقابة مشكلة من النساء والفتيات في إنجلترا. لقد كانت تلك خطوة عظيمة إلى الأمام لاندلاع حركة النقابية الجديدة (“New Unionism”) في بريطانيا عندما، صار العمال الغير مهرة، لأول مرة، منظمين داخل النقابات. يقدم هذا دروسا هامة لمرحلتنا الحالية، حيث، وكما كان الحال قبل 100 سنة، صار عدد كبير من العمال الغير مهرة والنصف مهرة منظمين، ونسبة عالية منهم نساء.

البلاشفة والمسألة النسائية

لقد تعامل البلاشفة دائما بجدية كبيرة مع مسألة العمل الثوري بين النساء العاملات. ولقد أعطى لينين، خصوصا، أهمية عظيمة لهذه المسألة، خاصة خلال مرحلة النهوض الثوري ما بين سنة 1912 و1914، وطيلة الحرب العالمية الأولى. كانت تلك هي الفترة التي بدأ فيها تخليد اليوم الأممي للمرأة (8 مارس) بمظاهرات حاشدة للنساء العاملات. ليس من المصادفة أن ثورة فبراير (مارس حسب التقويم الجديد) اندلعت نتيجة اضطرابات صاحبت يوم المرأة، عندما تظاهرت النساء ضد الحرب وارتفاع كلفة المعيشة.

بدأ الاشتراكيون الديمقراطيون عملا دءوبا بين النساء العاملات طيلة فترة النهوض الثوري مابين 1912 و1914. نظم البلاشفة أول اجتماع لتخليد اليوم الأممي للمرأة سنة 1913 وأصدروا جريدة نسائية، رابوتنيتسا (المرأة العاملة)، سنة 1914، وقد ظهر العدد الأول منها بتزامن مع اليوم الأممي للمرأة، عندما نظم الحزب مرة أخرى مظاهرات. تعرضت تلك الجريدة، وباقي الجرائد العمالية الأخرى، للمنع شهر يوليوز. لقد كانت الجريدة البلشفية تلقى الدعم المالي من جانب عاملات المصانع وكانت توزع من طرفهن في أماكن العمل. كانت تتحدث عن ظروف عمل النساء العاملات ونضالاتهن في روسيا وفي الخارج، وكانت تشجع النساء على الالتحاق بنضال العمال الذكور. حثتهن على نبذ الحركة النسوانية التي شكلتها النساء البورجوازيات في أعقاب ثورة 1905.

كان العمل الثوري الذي كان الاشتراكيون الديمقراطيون في روسيا يقومون به خلال الحرب العالمية الأولى يواجه مصاعب هائلة. كان الحزب والنقابات محظورين. ومع مطلع سنة 1915 بدأت الحركة تتعافى من الضربات التي تلقتها خلال الأشهر الأولى للحرب. ومن بين القطاعات التي بدأت تتحقق فيها مكاسب هامة نجد العمل بين النساء اللائي تم إدماجهن في قوة العمل الصناعية بأعداد كبيرة. مع اندلاع الحرب، صارت النساء تشكلن ثلث عدد العمال الصناعيين ونسبة أعلى من هذه في قطاع صناعة النسيج. وقد تزايدت هذه النسبة أكثر فأكثر خلال الحرب مع إرسال الرجال لأداء الخدمة العسكرية. لقد ساءت أوضاع النساء خلال الحرب مع تحول العديد منهن إلى المعيل الوحيد لأسرهن وصارت المواد الأساسية أكثر ندرة وأبهظ ثمنا. شاركت النساء العاملات في العديد من الإضرابات والمظاهرات ضد الصعوبات الاقتصادية التي سببتها مشاركة روسيا في الحرب.

بينما ضل العنصر الذكوري مهيمنا بشكل كبير على تشكيلة الحزب البلشفي (شكلت النساء خلال المؤتمر السادس للحزب البلشفي، شهر غشت 1917، حوالي 6 % من المندوبين)، فقد بدأ العمل على كسب النساء العاملات بأعداد هائلة إلى الحزب مع اندلاع انتفاضة 1912- 1914. نقتطف في ما يلي استشهادا من منشور تحت عنوان: “إلى النساء العاملات في كييف”، الذي وزعه البلاشفة في كييف، أوكرانيا، خلال يوم المرأة الأممي 08 مارس 1915. ويعطينا المنشور فكرة عن كيف طرح البلاشفة المسألة النسائية في منشوراتهم التحريضية العمومية. لقد ربط ندائهم اضطهاد المرأة بمعانات العمال الرجال، وببرنامج لتحرر الشعب العامل كله:

« إن وضع المرأة يرثى له، مثله مثل وضع أغلبية العمال، لكنه أكثر سوءا. إنها تشتغل في المعمل وفي الورشة لصالح رب العمل الرأسمالي، وتشتغل في البيت لصالح العائلة.

« آلاف العاملات تبعن قوة عملهن للرأسمال؛ تكدح الآلاف منهن في العمل المأجور؛ وتعاني الآلاف ومئات الآلاف منهن تحت نير الاضطهاد الأسري والاجتماعي. ويبدو الحال للأغلبية الساحقة من النساء العاملات وكأنه يجب أن يكون على هذا الشكل. لكن هل حقا لا تستطيع المرأة العاملة أن تأمل في مستقبل أفضل، وأن هذا المصير رهنها لحياة كاملة من العمل والعمل فقط، دون توقف ليلا ونهارا؟

« أيتها الرفيقات، أيتها النساء العاملات! إن رفاقنا الرجال يكدحون معنا. مصيرهم ومصيرنا واحد. إلا أنهم تمكنوا منذ وقت بعيد من إيجاد الطريق الوحيد الذي يقود إلى حياة أفضل: إنه طريق النضال العمالي المنظم ضد الرأسمال، طريق النضال ضد جميع أنواع الاضطهاد والشرور والعنف. أيتها النساء العاملات، ليس هناك من طريق آخر أمامنا. إن مصالح العمال والعاملات متشابهة، إنها نفس المصالح. فقط في خضم نضال موحد إلى جانب العمال الرجال، فقط من خلال الالتحاق بالمنظمات العمالية، أي الحزب الاشتراكي الديمقراطي والنقابات والأندية العمالية والتعاونيات العمالية، سنتمكن من الحصول على حقوقنا وتحقيق حياة أفضل.» (Lenin s Struggle for a Revolutionary International, p. 268)

وضع النساء بعد ثورة أكتوبر

كانت نساء روسيا القيصرية، من وجهة نظر القانون، مجرد إماء لأزواجهن. وحسب القانون القيصري: « يجب على المرأة أن تطيع زوجها، باعتباره رأس العائلة، وأن تعامله بحب واحترام وطاعة مطلقة، وأن تقدم له كل الخدمات، وتعبر له عن كل امتنان، باعتبارها زوجة.» وقد أكد برنامج الحزب الشيوعي، سنة 1919، أن: « مهمة الحزب في الوقت الحالي هي في المقام الأول العمل في حقل الأفكار والتعليم من أجل أن ندمر، بكل ما في الكلمة من معنى، جميع مخلفات اللامساواة والإجحاف، خاصة بين صفوف الشريحة المتخلفة من البروليتاريا والفلاحين. ودون أن يحصر نفسه في مجرد المساواة الشكلية للنساء، يكافح الحزب من أجل تحررهن من الأعباء المادية للعمل البيتي القديم عبر تعويضه بالمساكن الشعبية والمطاعم العمومية ومؤسسات غسل الملابس ودور الحضانة، الخ.»

لكن القدرة على تطبيق هذا البرنامج كانت رهينة بالمستوى العام للمعيشة والثقافة في المجتمع، كما سبق لتروتسكي أن شرح في مقاله: “من العائلة القديمة إلى العائلة الجديدة”، الذي صدر في جريدة البرافدا، يوم 13 يوليوز 1923، حيث قال: « مرة أخرى لا يمكن الفصل من حيث الجوهر بين التحضير المادي لشروط حياة جديدة وعائلة جديدة، وبين العمل العام من أجل البناء الاشتراكي. يجب على الدولة العمالية أن تصبح أغنى لكي يصير من الممكن بشكل جدي معالجة مسألة التعليم العمومي للأطفال وتخليص الأسرة من أعباء المطبخ والغسيل. من المستحيل تشريك العمل البيتي الأسري وتعميم التعليم العمومي على الأطفال دون تحسن واضح لاقتصادنا ككل. نحن في حاجة إلى المزيد من الإجراءات الاقتصادية الاشتراكية. لن يمكننا، إلا في ظل تلك الشروط، أن نحرر الأسرة من الأعمال والاهتمامات التي تسحقها الآن وتفككها. يجب أن تنجز مهمة غسل الملابس في مؤسسات غسل ملابس عمومية، وأن تنجز مهمة تحضير الطعام من طرف مطاعم عمومية وأن تنجز مهمة الخياطة من طرف ورشات عمومية. يجب أن يتعلم الأطفال على يد معلمين عموميين جيدين يتمتعون بالكفاءة للقيام بهذا العمل. عندها ستصبح العلاقة بين الزوج والزوجة متحررة من كل العوامل الخارجية والعرضية، وسيتوقف أحدهما عن امتصاص حياة الآخر.

عندها أخيرا سيتم تشييد صرح المساواة الحقيقية. ستكون العلاقة مبنية على قاعدة الحب المتبادل. وستكسب، لهذا السبب خصوصا، استقرارا داخليا، لن يكون نفسه لدى الجميع، بطبيعة الحال، بل غير إلزامي لأي كان.»

وضعت الثورة البلشفية الأساس من أجل التحرر الاجتماعي للنساء، وبالرغم من أن السياسة الستالينية الرجعية شكلت تراجعا جزئيا، فإنه لا يمكن إنكار حقيقة أن النساء في الاتحاد السوفييتي حققن خطوات جبارة إلى الأمام في النضال من أجل المساواة. لم تبقى النساء مجبرات على العيش مع أزواجهن أو مرافقتهم إذا ما أدى تغيير العمل إلى تغيير البيت. لقد أعطين حقوقا متساوية ليكن ربات البيت وحصلن على أجر متساو. لقد أعطي اهتمام كبير للدور الإنجابي الذي تقوم به النساء وتم إصدار قوانين حضانة خاصة تمنع ساعات العمل الطويلة والعمل الليلي وسنت إجازة ولادة مدفوعة الأجر ومراكز العناية بالأسرة ورعاية الأطفال. تم الاعتراف قانونا بالحق في الإجهاض سنة 1920، وتم تسهيل إجراءات الطلاق وتشريع الزواج المدني. وقد تم أيضا إلغاء مفهوم الأطفال الغير شرعيين. وبتعبير لينين: « إننا لم نبقي، بالمعنى الحرفي للكلمة، أي حجر على حجر من القوانين الحقيرة التي وضعت النساء في حالة أدنى بالمقارنة مع الرجل.»

تم تحقيق تقدم مادي في طريق تسهيل الانخراط الكلي للنساء في جميع مجالات المجتمع، والحياة الاقتصادية والسياسية: توفير وجبات غذائية مجانية في المدارس، الحليب للأطفال ومعونات خاصة في ما يتعلق بالطعام والملبس للأطفال المحتاجين، ومراكز الاستشارة الطبية أثناء الحمل ومستشفيات الولادة ودور الحضانة وغيرها من الخدمات.

كتب تروتسكي في الثورة المغدورة ما يلي: « لقد برت ثورة أكتوبر بوعودها المتعلقة بالمرأة. لم تكتف السلطة الجديدة بمنح المرأة جميع الحقوق السياسية والقانونية على قدم المساواة مع الرجل، بل الشيء الأكثر أهمية هو أنها قامت بكل ما بوسعها، وفي جميع الحالات، أكثر بما لا يقاس مما قام به أي نظام آخر على الإطلاق، من أجل أن تضمن لها الدخول إلى كل أشكال العمل الاقتصادي والثقافي. لكن حتى أقوى الثورات عاجزة، مثلها مثل البرلمان البريطاني الـ “كلي القدرة”، عن جعل المرأة كائنا مشابها للرجل. أو بمعنى آخر عاجزة عن أن توزع بينها وبين رفيقها متاعب الحمل والولادة والرضاعة وتربية الأطفال. لقد بذلت الثورة جهدا بطوليا من أجل تدمير ما يسمى بـ “البيت العائلي” اﻵمن. تلك المؤسسة القديمة الفاسدة والراكدة التي حكم فيها على نساء الطبقات الكادحة بالأشغال الشاقة منذ الطفولة حتى الموت. كان من المفترض استبدال الأسرة، من حيث هي مؤسسة صغيرة مغلقة، بنظام مكتمل للخدمات والتجهيزات الاجتماعية: مراكز أمومة، حضانات، حدائق للأطفال، مطاعم، مؤسسات تنظيف الثياب، مستوصفات، مستشفيات، مراكز للنقاهة، منظمات رياضية، دور سينما ومسارح، الخ. إن الامتصاص الكامل لمهام تدبير الشؤون المنزلية التي تقوم به الأسرة من طرف مؤسسات المجتمع الاشتراكي، بغية توحيد كل الأجيال برابطة التضامن والتعاون المتبادل، كان سيحقق للمرأة، وبالتالي للزوجين المتحابين، تحررا حقيقيا من القيود الأبدية.» (تروتسكي، الثورة المغدورة [فصل: الأسرة، الشبيبة، الثقافة، الترميدور في الأسرة])

الأممية الشيوعية

سيرا على خطى الحزب البلشفي، أعطت الأممية الشيوعية أهمية عظيمة للعمل بين النساء وأعطت تعليماتها للأحزاب الشيوعية بأن « توسع نفوذها إلى أوسع شرائح الجماهير النسائية من خلال تنظيم أجهزة خاصة داخل الحزب وانتهاج طرق خاصة للتواصل مع النساء، بهدف تحريرهن من تأثير التصور البورجوازي للعالم أو تأثير الأحزاب التوفيقية وتعليمهن لكي يصبحن مكافحات حازمات من أجل الشيوعية وبالتالي من أجل تحرر النساء الكامل.»

لم تكن دعوة الأممية الشيوعية إلى إقامة “أجهزة خاصة” لغرض العمل بين النساء، تعني إطلاقا الرغبة في خلق منظمات نسائية مستقلة. كانت مثل هذه الفكرة ستكون أكثر فظاعة من فكرة خلق منظمات ثورية مستقلة للقوميات المضطهدة كاليهود والسود، الخ، وهو الشيء الذي ناضل ضده دائما كل من لينين وتروتسكي. في الحقيقة نصت الموضوعة بشكل واضح على أن « المؤتمر الثالث للأممية الشيوعية يعارض بشكل حازم جميع أنواع الجمعيات النسائية المستقلة داخل الأحزاب والنقابات أو المنظمات النسائية الخاصة» (Theses, Resolutions and Manifestos of the First Four Congresses of the Third International, p. 217)

المعنى الذي كانوا يرمون إليه كان هو الحاجة إلى مجموعات خاصة من الرفاق/ الرفيقات المتخصصين/المتخصصات والماهرين/الماهرات في القيام بهذا النوع من العمل، من أجل القيام بالمهام التقنية حول نشر الدعاية والمنشورات، الخ. وعموما تنظيم هذا العمل. وقد تم التأكيد أيضا على أنه يجب على مثل هذه المجموعات أن لا تشتغل باستقلالية عن الأجهزة الحزبية المنتخبة، بل يجب عليها العمل تحت رقابتها. وقد تم تحديد الأهداف الرئيسية لهذا العمل على الشكل التالي:

« 1) – تعليم النساء الأفكار الشيوعية وكسبهن إلى صفوف الحزب؛

2) – النضال ضد التحيز الممارس ضد النساء من طرف جماهير البروليتاريين الرجال، والرفع من وعي العمال الرجال والنساء بأن لهم مصالح مشتركة؛

3) – تقوية عزيمة النساء العاملات باستقطابهن إلى المشاركة في جميع أنواع الصراع الاجتماعي وتشجيع نساء البلدان البورجوازية على المشاركة في النضال ضد الاستغلال الرأسمالي، وفي النضالات الجماهيرية ضد غلاء المعيشة وضد أزمة السكن والبطالة وغيرها من المشاكل الاجتماعية، وتشجيع نساء جمهوريات الاتحاد السوفييتي على أن يشاركن في بناء الشخصية الشيوعية والطريقة الشيوعية في الحياة؛

4) – من أجل أن يوضع على جدول أعمال الحزب ويتضمن في المقترحات التشريعية المسائل التي تهم مباشرة تحرر النساء، والتأكيد على تحررهن والدفاع عن مصالحهن كمنجبات للأطفال؛

5) – شن نضال مخطط له بشكل جيد ضد سلطة التقاليد، والعادات البورجوازية والأفكار الدينية، وتنظيف الطريق أمام ظهور علاقات سليمة وأكثر تناغما بين الأجناس، وضمان الحيوية الجسدية والأخلاقية للشعب العامل.» (Ibid., p. 218)

لم تكن الأممية الشيوعية في ظل لينين وتروتسكي لتقبل أبدا باتخاذ موقف لا مبالي أو رافض اتجاه هذا الحقل الحيوي من حقول العمل الثوري. لقد أكد المؤتمر الثالث للأممية الشيوعية على أنه « بدون المشاركة النشيطة لأوسع جماهير البروليتاريات والنصف بروليتاريات، لا يمكن للبروليتاريا لا أن تحسم السلطة ولا أن تحقق الشيوعية.

وفي نفس الآن لفت المؤتمر مرة أخرى انتباه جميع النساء إلى واقع أنه لا يمكن تحقيق الاعتراف بحقوق المرأة باعتبارها إنسان وتحقيق تحررها الحقيقي بدون دعم الحزب الشيوعي لجميع المشاريع التي تقود إلى تحرر النساء.» (Ibid., pp. 213-4.)

وهكذا أكدت الأممية الشيوعية في ظل لينين وتروتسكي، منذ البداية، على الدور المركزي للمسألة النسائية، لكنها: أ) قاربت المسألة بشكل حازم من وجهة نظر ثورية وطبقية وب) شرحت أنه لا يمكن تحقيق التحرر الحقيقي للنساء إلا في ظل الاشتراكية. لقد أكدت الأممية الشيوعية على ضرورة إدماج العمل النسائي في العمل الحزبي العام، وليس عزله كشيء منفصل:

« من أجل تقوية الروح الرفاقية بين العاملات والعمال، من المستحب عدم تشكيل فصول دراسية أو مدارس خاصة للنساء الشيوعيات، بل يجب على جميع مدارس الحزب العامة أن تتضمن بكل تأكيد فصلا عن طرق العمل بين النساء.» (Ibid., p. 227.)

خلال المؤتمر الرابع، المؤتمر اللينيني الأخير للأممية الشيوعية، تم القيام بتقييم مختصر، أشار إلى الأهمية العظيمة التي يكتسيها هذا العمل بالنسبة إلى أممية ثورية (وقام بإشارة خاصة إلى مشكلة النساء في بلدان الشرق المتخلفة والمستعمرة) لكنه أوضح أيضا أن هذا العمل لم ينجز بما يكفي من الحيوية من طرف بعض الفروع:

« أعطى نشاط سكرتارية النساء في الشرق أيضا الدليل على ضرورة وقيمة وجود منظمات خاصة من أجل العمل الشيوعي بين صفوف النساء. لقد قامت سكرتارية النساء في الشرق بعمل هام وناجح في ظل ظروف جديدة وغير معتادة. لكن مع الأسف، على المؤتمر الرابع للأممية الشيوعية أن يعترف بأن بعض الفروع إما فشلت كليا أو أنها قامت بشكل جزئي بمسئوليتها في إعطاء دعم ثابت للعمل الشيوعي بين النساء. إن تلك الفروع، وإلى يومنا هذا، إما أنها فشلت في اتخاذ إجراءات لتنظيم النساء الشيوعيات داخل الحزب، أو أنها فشلت في خلق منظمات حزبية قادرة على انجاز العمل بين جماهير النساء وبناء الصلات معهن.

« يؤكد المؤتمر الرابع بإلحاح على الأحزاب المعنية أن تصحح تلك الأخطاء بأسرع وقت ممكن. إنه يدعو كل فروع الأممية الشيوعية على القيام بكل ما تستطيعه لتشجيع العمل الشيوعي بين النساء، بالنظر إلى الأهمية العظيمة لهذا العمل. لا يمكن تحقيق الجبهة البروليتارية الموحدة بدون المشاركة النشيطة والواعية للنساء. وفي ظل ظروف معينة، إذا ما توفرت علاقات صحيحة ووطيدة بين الأحزاب الشيوعية والنساء العاملات، يمكن للنساء أن يصبحن رائدات للجبهة البروليتارية الموحدة وللحركات الثورية الجماهيرية.» (Ibid., p. 326)

دور الستالينية

قال الاشتراكي الطوباوي الفرنسي العظيم، فورييه، بحكمة أن وضع المرأة هو التعبير الأوضح عن الطبيعة الحقيقية لنظام اجتماعي ما. وبينما عملت الثورة البلشفية على تحرير النساء، أدت الردة الرجعية الستالينية إلى انقلاب عنيف في السياسة اتجاه النساء والعائلة. تم القضاء على العديد من المكتسبات التي حققتها الثورة. تم منع الحق في الإجهاض وجعل الطلاق أكثر فأكثر صعوبة إلى أن أصبح إجراءا قضائيا باهظ التكاليف. بدأ يتم اعتقال العاهرات، في حين أن السياسة البلشفية كانت تتمثل فقط في اعتقال مالكي بيوت الدعارة وحدهم وفضح الرجال الذين يستأجرون العاهرات، وتوفير تكوين مهني طوعي للعاهرات. تم تقليص ساعات عمل مراكز دور الحضانة لكي تتساوى مع ساعات يوم العمل. وتم الشروع في تعليم الفتيات في المدارس دروسا خاصة لتحضيرهن للقيام بأدوارهن كأمهات وربات بيوت.

سنة 1938، حدد تروتسكي الوضع السائد بالعبارات التالية: « وضع المرأة هو المؤشر الأكثر وضوحا وتعبيرا لتقييم نظام اجتماعي ما وسياسة دولة ما. لقد كتبت ثورة أكتوبر على رايتها تحرر جنس النساء وسنت التشريع الأكثر تقدمية في تاريخ الزواج والأسرة. هذا لا يعني، بطبيعة الحال، أنه تحققت فورا ’حياة سعيدة‘ للمرأة السوفييتية. ليس من الممكن تحقيق التحرر الحقيقي للنساء بدون تحقيق ارتفاع عام في الاقتصاد والثقافة، بدون تدمير الاقتصاد العائلي البورجوازي الصغير، بدون توفير مؤسسات اشتراكية لتحضير الطعام والتعليم. إلا أن البيروقراطية، الموجهة بغريزتها المحافظة، بدأت تدق جرس الإنذار بخصوص ’تفكك الأسرة‘. لقد بدأت تكيل المديح للعشاء العائلي وللغسيل العائلي، أي للاستعباد المنزلي للنساء. ولتتويج كل هذا، أعادت البيروقراطية تطبيق العقاب الإجرامي ضد الإجهاض، الشيء الذي يعني رسميا إعادة النساء إلى حالة حيوانات للحمل. وهكذا أعادت الطغمة الحاكمة، في تناقض كلي مع أبجدية الشيوعية، نواة المجتمع الطبقي الأكثر رجعية وظلامية، أي الأسرة البرجوازية.» (Trotsky, Writings (1937-38), p. 170)

بالرغم من أنه بعد موت ستالين، سنة 1953، تمت إعادة بعض الإصلاحات، من قبيل تشريع الإجهاض، فإن وضع النساء في الاتحاد السوفييتي لم يستعد أبدا المكانة التي كان عليها في ظل لينين وتروتسكي. إلا أنهن بقين يتمتعن بالعديد من الامتيازات مقارنة مع النساء في الغرب. النمو الاقتصادي لمرحلة ما بعد الحرب العالمية، والذي يعود الفضل فيه للاقتصاد المخطط، سمح بحصول تحسن عام ثابت: تحديد سن التقاعد في 55 سنة، لا تمييز فيما يتعلق بالأجور والتشغيل، حق النساء الحاملات في التحول إلى عمل أخف مع إجازة أمومة مدفوعة الأجر تصل إلى 56 يوما قبل الوضع و56 يوما بعد الوضع. وقد ألغى تشريع جديد، صدر سنة 1970، العمل الليلي والعمل تحت الأرض بالنسبة للنساء. وارتفع عدد النساء في التعليم العالي من 28 % سنة 1927، إلى 43 % سنة 1960، إلى 49 % سنة 1970. البلدان الأخرى الوحيدة في العالم حيث شكلت النساء نسبة أكثر من 40 % في التعليم العالي هي فنلندا وفرنسا والولايات المتحدة.

كان هناك تحسن في ميدان رعاية الأطفال قبل سن التمدرس: حيث استفاد500,000 طفل، سنة 1960، لكن هذا الرقم ارتفع سنة 1970 إلى أكثر من خمسة ملايين. انعكست النجاحات العظيمة التي حققها الاقتصاد المخطط، والآثار الإيجابية على تحسين ظروف الرعاية الصحية، في تضاعف معدل أمل الحياة بالنسبة للنساء ليصل إلى 74 سنة وتقليص معدل وفيات الأطفال بـ 90 %. وقد ارتفعت نسبة النساء العاملات في مجال التعليم، سنة 1975، بـ 73 %. سنة 1959 كانت ثلث النساء تشتغلن في وظائف حيث 70 % من قوة العمل كن نساء، لكن مع حلول سنة 1970 ارتفع هذا الرقم إلى 55 %. خلال تلك الفترة 98 % من هيئة التمريض كن نساء، وكذلك 75 % من هيئة التعليم و95 % من القيمين على المكتبات و75 % من الدكاترة. سنة 1950، كانت هناك 600 دكتورة في مجال العلوم، لكن مع سنة 1984 ارتفع الرقم إلى 5,600!

الثورة المضادة الرأسمالية

لقد ضربت الردة الرأسمالية مكاسب الماضي هذه بسرعة، ورمت النساء إلى وضع من العبودية المنحطة تحت اسم العائلة المنافق. وقد سقط الجزء الأكبر من ثقل الأزمة على كاهل النساء.إن النساء هن أول من يتعرضن للتسريح، من أجل تلافي أداء الإعانات الاجتماعية، من قبيل تعويضات الأطفال والأمومة. إذا أخذنا بعين الاعتبار أن النساء كن يشكلن 51 % من قوة العمل الروسية قبل سنوات قليلة، وأن 90 % من النساء كن يعملن، فإن ارتفاع البطالة كان يعني أن أكثر من 70 % من العمال العاطلين في روسيا الآن نساء. ويصل الرقم في بعض المناطق إلى 90 %.

انهيار الخدمات الاجتماعية وارتفاع البطالة يعني أن جميع المنافع التي حققها الاقتصاد المخطط للنساء صارت تتعرض للتدمير بشكل ممنهج. وسيحكم ارتفاع معدل البطالة على المزيد من الناس بالفقر في روسيا أكثر مما في الغرب، لأن العديد من الخدمات تقدم مباشرة في أماكن العمل: « لا تزال البطالة تشكل وصمة عار في روسيا. لقد توقفت البطالة، سنة 1991 فقط، عن أن تكون جريمة. إن هؤلاء الذين لا يملكون عملا مهددون بالفقر المطلق. خدمات التعويض عن البطالة مرتبطة بالحد الأدنى للأجور، 14،620 روبل في الشهر، أي ما يعادل ثلث حد الكفاف الرسمي وحوالي سبع (7/1) متوسط الأجور. العاطلون في الغالب أسوء حالا مما تعكسه هذه الأرقام، إذ أن أغلبية الخدمات الاجتماعية الأساسية من قبيل: الصحة والتمدرس والنقل، توفرها الشركات بدل الحكومة المحلية، وهكذا فإنها متوفرة فقط للناس العاملين» (تقرير The Economist -93/ 12/ 11-).

في ظل النظام السابق، كانت النساء تحصلن على 70 % من أجر الرجال. وقد صار الرقم الآن 40 %. في ظل الاتحاد السوفييتي السابق كان التكفل بالعائلة اعتمادا على أجرة واحدة مسألة صعبة للغاية، أما الآن، ومع الارتفاع المهول للفقر، فقد صارت مسألة مستحيلة عمليا. وهكذا فإن النساء شكلن الضحايا الرئيسيات لهذا النظام الرجعي. لقد ارتفع معدل الدعارة بشكل رهيب، مثل تلك النساء اللائي يحاولن الحفاظ على بقائهن من خلال بيع أجسادهن للقادرين على شرائهن – الأغنياء الجدد الأنذال والأجانب على وجه الخصوص-. وحتى هنا فإنهن يقعن فريسة للمافيا التي تطالبهن بـ 20 % على الأقل من مجموع مداخيلهن. وتعرض المجلات الغربية النساء الروسيات، إلى جانب نساء من بلدان العالم الثالث، كزوجات متوقعات للأجانب. يتغلف في هذا الإذلال العبودي للنساء، اللائي تم تحويلهن إلى بضائع، إذلال بلد صار يرغم على الخضوع لنير الاستغلال في أكثر مظاهره سفورا ووقاحة.

خلال العاشر من فبراير 1993، أعلن وزير العمل الروسي آنذاك، ج مليكيان، عن الحل الذي تقترحه الحكومة لمشكلة البطالة. وقد قال بعبارات تشرف أي سياسي بورجوازي يميني في الغرب، أنه لا يرى أية حاجة لبرامج خاصة لمساعدة النساء من أجل العودة إلى العمل. وتساءل: « لماذا علينا أن نحاول إيجاد عمل للنساء بينما الرجال عاطلون ويعيشون على تعويضات البطالة؟». وأضاف: « دعوا الرجال يعملون والنساء يقمن برعاية منازلهن وأطفالهن». إن مثل هذه اللغة، التي كان من المستحيل سماعها في الماضي، صارت الآن بوضوح تعتبر شيئا عاديا ومقبولا. نرى هنا، بشكل أكثر وضوحا مما في أي مكان آخر، الوجه الحقيقي للردة الرأسمالية الرجعية: الفظاظة والوحشية والجهل، ردة بشعة نحو أيام العبودية القيصرية حينما كان مسموحا لجميع العبيد بأن يكونوا أسيادا على زوجاتهم وأطفالهم كتعويض عن ظروفهم المنحطة.

لا يتعلق الأمر بروسيا وحدها. ففي ألمانيا الشرقية السابقة، كان لدى تسعة أعشار النساء منصب عمل قار. كان عمل النساء يعتبر حقا. ولتمكينهن من المزاوجة بين العمل ورعاية الأسرة، وفرت الدولة مؤسسات رعاية طفولة شاملة، وإجازة سنة على كل رضيع. والآن تم تدمير جميع مكتسبات الاقتصاد المؤمم المخطط هذه. بعد توحيد ألمانيا، تم القضاء على ثلث مناصب شغل النساء من خلال البطالة المكثفة في القطاع العام، والنسيج والزراعة. وتشير صحيفة الإيكونوميست في أحد تقاريرها (18/7/98) إلى أنه: « خلال السنوات القليلة الماضية تأرجح معدل بطالة نساء ألمانيا الشرقية حول رقم 20 %، حوالي 5 نقاط مئوية أعلى من معدل الرجال، ومرتين أكثر من معدل بطالة كل من الرجال والنساء في ألمانيا الغربية. لقد بدأت نساء ألمانيا الشرقية، المحرومات من مداخيلهن (وكذالك من نظام رعاية الطفولة) في الاقتصاد فورا في عدد الأطفال. نزل معدل الولادات في ألمانيا الشرقية إلى نصف المعدل الضعيف أصلا والذي كان يساوي 1,56 طفل لكل امرأة سنة 1989. وبقي أقل من طفل واحد لكل امرأة. لكن نساء ألمانيا الشرقية لا يتخلين عن وظائف الشغل.»

“العالم الثالث”

عرف وضع النساء في البلدان الرأسمالية المتقدمة، خلال النصف قرن الماضي، تحسنا ملحوظا. صار لديهن، من الناحية الرسمية على الأقل، نفس الحقوق التي للرجل. لديهن نفس إمكانية الالتحاق بالتعليم وارتفعت، إلى حد ما، إمكانية استفادتهن من مناصب الشغل. إلا أن هذا الوضع لا يصدق على العالم المستعمر سابقا، الذي يحتوي ثلثي الجنس البشري. عبودية المرأة صارت اليوم أسوء مما كانت عليه في أي وقت آخر في التاريخ. كل سنة تموت 500,000 امرأة من تعقيدات مرتبطة بالولادة، وربما تموت 200,000 امرأة أخرى بسبب الإجهاض. لا تنفق بلدان العالم المستعمر سابقا إلا 4 % من دخلها القومي الخام على الصحة، مما يساوي 41 دولار للشخص، مقارنة مع 1900 دولار في البلدان الرأسمالية المتقدمة. وحوالي 100 مليون طفل، ما بين 6 ستة سنوات و11 سنة محرومون من الدراسة. ثلثاهم إناث. السبب الرئيسي للفقر الطاحن المستشري في العالم الثالث هو النهب المضاعف الذي تتعرض له الثروات من خلال شروط التبادل التجاري، والتريليوني (2 تريليون) دولار من الديون التي يدين بها العالم الثالث للأبناك الغربية الكبرى.

تضمن السيطرة المطلقة التي تمارسها الإمبريالية والشركات المتعددة الجنسيات العملاقة أن يتم الاعتصار العديم الرحمة لفائض القيمة حتى آخر قطرة، من دماء الرجال والنساء والأطفال بدون تمييز. في الواقع لا تزال عمالة الأطفال موجودة حتى في البلدان الرأسمالية المتقدمة، لكنها في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية تعتبر قاعدة. لا يجد الآباء الذين يعيشون على حافة الفاقة أي مخرج سوى بيع أطفالهم لعبودية فعلية، بما في ذلك أكثر أشكال العبودية قذارة، أي الدعارة. تنز القيمة المضافة التي يمتصها ممثلو الحضارة الغربية المسيحية الإنسانية بدماء وعرق ودموع ملايين النساء المستغلات والأطفال المستغلين، بالضبط كما كان الحال عليه أيام ماركس. يدعي البورجوازيون أن تلك المعانات تصيبهم بالأسى، لكنهم على أية حال يواصلون ملء جيوبهم.

تمتص الاحتكارات الكبرى، من قبيل ديزني ونايكي، أرباحها من العمل العبودي في بلدان من قبيل هايتي. دخول الرأسمال الكبير حطم بلا رحمة العلاقات البطريركية القديمة التي وجدت في الماضي، كما شرح ماركس وإنجلز على صفحات البيان الشيوعي. لقد أضفى هذا الواقع ميزة أكثر قسوة على الاستغلال الرأسمالي في العالم الثالث. الحماية التي كانت متوفرة للنساء والأطفال في الماضي من طرف الأسرة الممتدة وقوانين المجتمع القبلي- العشائري، تم تدميرها ولم يتم تعويضها بأي شيء. وهكذا فإن النساء في شبه القارة الهندية لا يزلن يعانين من العذابات القديمة التي تنضاف إلى الاستغلال الاقتصادي الوحشي الذي يمارسه النظام الرأسمالي. لم تتمكن البورجوازية الهندية، بعد مرور نصف قرن عن ما سمي بالاستقلال، من القضاء على نظام الطوائف. ولا تزال موجودة تلك الممارسة الهمجية المسماة “سوتي” والتي تجبر النساء خلالها على رمي أنفسهن في المحرقة الجنائزية لأزواجهن المتوفين. هناك مئات الحالات كل عام. وتعامل تلك الأرامل اللائي ينجحن في الفرار من هذا المصير كصعلوكات وكمنبوذات اجتماعيا ليس لديهن أي حق في الحياة. يتعرضن للضرب والتجويع والإذلال من طرف أقاربهن حتى يدفعن إلى الانتحار.

في كل أنحاء القارة الآسيوية ينظر إلى ولادة الأنثى كدليل على سوء الحظ في المجتمعات الزراعية. وأد الإناث فعل شائع. ملاجئ الأطفال في الصين ملئ بالإناث على وجه الخصوص واللائي يعانين من التجويع والإهمال. السبب الكامن وراء هذا هو أن الفلاحين الآسيويين الفقراء يحتاجون إلى أسر واسعة لتقوم برعايتهم عندما يصلون سن الشيخوخة في مجتمعات لا يوجد فيها أي نظام معاشات أو ضمان اجتماعي. الأطفال الذكور أقوياء ويمكنهم القيام بعدد أكبر من الأعمال، بينما تحتاج الأطفال الإناث إلى المهر لكي يتم تزويجهن. في الهند، إذا ما تم اعتبار المهر غير كاف فإن العروس يمكن أن تتعرض للقتل على يد أسرة العريس. هذا وضع الهند في مطلع القرن الواحد والعشرين. وليست الأوضاع أفضل كثيرا في باكستان، حيث الشريعة الإسلامية هي القانون. ليس للنساء عمليا أي حق ويمكن أن يتعرضن لما يراه آبائهن وأزواجهن مناسبا. لكن يمكن اعتبار باكستان جنة للحرية إذا ما قورنت بأفغانستان في ظل حكم طالبان. قبل ثورة 1979 كان النشاط الاقتصادي الرئيسي في أفغانستان هو بيع النساء كعرائس. وقد سن الستالينيون الأفغان قوانين تعطي الحقوق للنساء. لكن الآن كل ذلك تحطم. النساء محرومات من جميع الحقوق ومسجونات في البيت. وبما أنهن محرومات من العمل، فإنهن معرضات للجوع. هذا القانون الهمجي مطبق بشكل صارم حتى بالرغم من واقع وجود نقص جدي في اليد العاملة نتيجة للعدد الكبير من الرجال الذين قتلوا خلال الحرب. ولا يهم ما إذا كانت العديد من تلك النساء يمتلكن مهارات هناك حاجة إليها كالمعلمات والممرضات. يجب عليهن ألا يشتغلن. هذا هو الوجه الهمجي الحقيقي للردة الإسلامية. لكن المسئولين الحقيقيين عن ذلك هم الإمبرياليون في واشنطن وعملائهم في باكستان الذين عملوا على تسليح وتمويل هؤلاء الوحوش في صراعهم ضد “الشيوعية”.

إن النضال في أفغانستان من أجل حقوق النساء مرتبط بشكل لا ينفصم بالنضال الثوري من أجل التغيير الاشتراكي للمجتمع وإسقاط نظام الردة الدينية الهمجي هذا. تشكل النساء في أفغانستان احتياطيا هائلا للثورة. هذا الواقع تؤكده خبرة إيران. فبعد عشرين سنة من سيطرة النظام الإسلامي الرجعي، سئمت الجماهير من حكم الملالي. يثقل عبئ الأصولية، على وجه الخصوص، كاهل النساء اللائي بدأن يعبرن عن تحديهن له، كما شاهدنا ذلك عندما هزمت إيران الولايات المتحدة في مقابلة كرة القدم، حيث خرجت النساء بتحد إلى الشوارع لينشدن ويرقصن مع الرجال بدون “شادور”، ووقف الملالي عاجزين عن منع ذلك. هنا أيضا، سوف تلعب النساء دورا حاسما في الثورة الإيرانية القادمة.

سبق للينين مرة أن قال أن: “الرأسمالية هي الرعب بدون نهاية”. ويصيب هذا الرعب النساء قبل أي كان، والنساء في العالم الثالث بشكل أكثر وحشية. فشل جبهة التحرير الوطني “الاشتراكية” في الجزائر في انجاز الثورة حتى النهاية، هو الذي أدى إلى هذا المأزق الدموي الحالي. المجازر الرهيبة ضد الرجال والنساء والأطفال، حيث تمزقت، بالمعنى الدقيق للكلمة، قرى بأسرها بالسكاكين والفؤوس، ويحدث هذا في ظل تواطؤ صامت من الغرب. من الواضح أن هذه الأعمال الوحشية ليست من تنفيذ الإرهابيين الإسلاميين وحدهم، بل هي أيضا، وربما أساسا، من تنفيذ النظام العسكري وفرق الموت التابعة له. بالإضافة إلى معاناتهن جميع مظاهر الرعب الأخرى، اعتبرت النساء هدفا للاختطاف والاغتصاب. وقد أقدم عدد كبير من هؤلاء النساء لاحقا على الانتحار. وقد شهدنا مرة أخرى استعمال الاغتصاب كسلاح في يد الرجعية في إندونيسيا، حيث نظم نظام سوهارتو المذابح ضد الصينيين، بنفس الطريقة التي كان بها النظام القيصري ضد اليهود. تبين لنا هذه الفظائع الحدود التي يمكن للطبقة الحاكمة أن تصلها. نفس المصير ينتظر البلدان المتقدمة في المستقبل إذا لم تقم الطبقة العاملة بأخذ السلطة في المرحلة المقبلة.

تتحمل النساء المنحدرات من الشرائح الأفقر في المجتمع العبء الرئيسي للاضطهاد. إلا أن هناك، في العالم الثالث خصوصا، العديد من حالات المعاملة الهمجية واللاإنسانية ضد نساء الطبقات الأخرى. يجب على الماركسيين أن يناضلوا ضد جميع أشكال الظلم في المجتمع، مع وقوفنا على أرضية الطبقة العاملة التي هي الطبقة الوحيدة التي في إمكانها قيادة المجتمع وإخراجه من هذا الطريق المسدود. يجب علينا أن نشجب كل شكل من أشكال الظلم ضد النساء.

دون أن نجرح المشاعر الدينية، وباستعمال لغة ذكية، يجب علينا أن نفضح الدور الذي يلعبه الدين. يتطلب النضال من أجل الثورة في آسيا والشرق الأوسط نضالا مستميتا ضد جميع أنواع الظلامية الدينية والأصولية، التي وبغض النظر عن ديماغوجيتها “المعادية للإمبريالية” تلعب دائما أكثر الأدوار رجعية في المجتمع. سوف يبقى تحرر النساء سرابا ما لم يسر يد في يد مع النضال ضد كل الأديان، التي تدعم حتما وتديم استعباد النساء.

المرأة والبطالة

تعبر أزمة الرأسمالية عن نفسها من خلال وجود معدلات عالية من البطالة حتى خلال مراحل الازدهار. ويؤثر هذا الواقع على النساء والشباب بشكل أكثر حدة مما هو على باقي أعضاء المجتمع. معدلات البطالة بين صفوف النساء أكثر ارتفاعا من المتوسط. ولا تعكس هذه الأرقام الوضع الحقيقي بما أنها تقصي عددا كبيرا من النساء اللائي فقدن كل أمل في إيجاد منصب شغل ولم يعدن يكلفن أنفسهن بالتسجيل في مراكز التشغيل. الميل العام نحو فرض نظام العمل الغير رسمي (تحت غطاء المرونة) لديه أشد الآثار تدميرا على النساء. وحتى بدون هذا النظام فإن أغلب النساء محكوم عليهن بالعمل في ظل أشد الظروف فظاعة ومقابل أدنى الأجور. والآن صارت ظروفهن تتحول من سيء إلى أسوء. الانتشار الجامح للعمل المؤقت الجزئي، الذي يزعمون أنه أكثر ملائمة للنساء هو مبرر مثالي لفرض مثل هذه الظروف على الفئة الأشد اضطهادا في المجتمع، وتعترف الإيكونوميست قائلة:

« تشكل النساء في الولايات المتحدة، باقتصادها المزدهر وسوق العمل الضيق فيها، نعمة من عند الله بالنسبة لأرباب العمل. تشغيلهن عادة ما يكلفهم أقل مما يكلفهم تشغيل الرجال، وهن أكثر استعدادا للقبول بالمرونة وأقل ميلا إلى الاعتراض إذا ما كانت ظروف العمل سيئة. وعدد جد قليل منهن عضوات في النقابات. والشيء الوحيد المثير للدهشة إذن هو أن معدلات بطالة النساء الأمريكيات ليست أقل من معدلات بطالة الرجال. (The Economist, 18/7/98)

وتضيف الصحيفة: « العديد منهن يمارسن ما يسميه اقتصاديو سوق العمل بـ “العمل الشاذ”، أي ذلك النوع من العمل الذي يناسب أكثر قطاع الخدمات: العمل الجزئي، المؤقت، المتضمن لساعات العمل الغير منتظمة أو الاستثنائية أو المنجز على أساس العقدة. بعضهن لا يتمتعن بالضمان الاجتماعي وأغلبيتهن يتلقين أجورا هزيلة. لقد أبانت النساء المتلهفات لإيجاد طريقة للمزاوجة بين العمل وبين الأسرة عن كونهن أكثر مرونة وقدرة على التكيف مع هذه الطريقة الجديدة في العمل من الرجال» (The Economist, 18/7/98.)

يتزايد العمل الجزئي في كل مكان. يشكل هذا النوع من العمل الوظيفة الوحيدة التي في إمكانهن شغلها لأنها تسمح لهن بالمزاوجة بين العمل والأسرة. هذا الأمر يلاءم أرباب العمل إلى حد كبير لأنه يمكنهم من معاملة عمالهم بالطريقة التي تحلو لهم، يضغطون عليهم للقيام بمهام أضخم ويدفعون لهم أجورا زهيدة. هناك تنويعات جديدة من هذا النوع من العمل تظهر إلى الوجود طوال الوقت. آخرها هو العامل “العرضي”: الذي هو في الحقيقة عامل ليس من المفترض أن يكون عمله متواصلا. يشتغل مثل هؤلاء العمال في تشكيلة واسعة من القطاعات، يقومون بعمل مؤقت أو عمل على أساس العقدة أو تحت الطلب. في أمريكا، تحدد التقديرات الأخيرة لإدارة التشغيل عددهم بحوالي 5.5 مليون شخص، وأكثر من نصفهم نساء ويؤدون عملا نصف جزئي تقريبا. إنهم يتقاضون أجورا أقل من زملائهم الغير عرضيين، وعادة ما يكونون محرومين من التأمين الصحي أو غيره من الامتيازات الأخرى من طرف مشغليهم.

يطلق على النسخة الألمانية لهذا العمل اسم “العمل البسيط”، ويقدر العديد من الاقتصاديين أنه يتزايد بسرعة فائقة. إن هذا النظام يعتمد على مكسب قانوني يعفي الناس الذين يتقاضون مبلغا أقل من 620 مارك (340 دولار) شهريا من المساهمة في نظام الضمان الاجتماعي الألماني الشامل (والجد باهظ)، لكنه يقصيهم أيضا من الحصول على الحق في التقاعد والتعويض عن البطالة. وتقدر بعض التخمينات عدد الأشخاص الذين يشتغلون في هذه الأعمال “البسيطة” بأكثر من أربعة ملايين، حوالي نصفهم نساء.

تقول الإيكونوميست بخجل: « بسبب مسئولياتهن الأسرية، تقضي النساء عددا أقل من الساعات في ممارسة عملهن المأجور مما هو الحال لدى الرجال. ومن ثم فإن أجرهن الأسبوعي أو السنوي يتخلف أكثر عن أجر الرجال. ثلث جميع النساء العاملات في الإتحاد الأوروبي بمجمله يشتغلن ساعات أقل من المتوسط الأسبوعي البالغ 35 – 40 ساعة، (رغم أن المتوسط يخفي وجود اختلافات هائلة)؛ نسبة العاملين بشكل جزئي بين الرجال ليس سوى حوالي 5 %، وأغلب هؤلاء إما طلبة أو عمال مسنون يتجهون نحو التقاعد. هناك في الولايات المتحدة نسبة أقل من النساء اللائي يعملن بشكل جزئي مما هو الحال في أوروبا، لكن هناك نسبة أكبر من الرجال. الأرقام المسجلة في اليابان تبدو مشابهة للأرقام الأوروبية، إلا أن العديد من النساء اللائي يعملن بشكل جزئي هناك يشتغلن ساعات كاملة تقريبا؛ لكنهن تتقاضين أجورا أقل من العمال الرسميين. لا يزال “العمل الجزئي” يعني غالبا في كل مكان “درجة ثانية”.» (The Economist, 18/7/98.)

العمل الإضافي والأسرة

نشرت الإيكونوميست مؤخرا مسحا لوضعية النساء في العمل يقدم صورة رهيبة للإرهاق الذي يصيب الأمريكيين في وقتنا الحالي، ليس فقط العمال أصحاب الياقات الزرقاء بل حتى العمال أصحاب الياقات البيضاء، والتي تخلف بالتأكيد أكثر الآثار تدميرا على الحياة الأسرية والعلاقات الشخصية:

« يبدأ اليوم العادي لدى الأسر التي يشتغل فيها كلا الأبوان (وهي القاعدة التي تسود بين جميع العاملين، ما عدا كبار المدراء التنفيذيين للشركات)، قبل الفجر من أجل تحضير الأطفال لإرسالهم إلى دور الحضانة التابعة للشركة (المدعومة بشكل جيد). بعدها يقضي الأبوان يوم طويلا في العمل قبل أن يأخذوا أطفالهم من دار الحضانة، ويقومان ببعض المشتريات في طريقهما إلى البيت، يعملان على إطعام جميع أفراد الأسرة، يضعان الملابس المتسخة في آلة الغسيل وينظفان الفوضى، يقرآن للأطفال قصة قبل النوم ويتجهان هما أيضا إلى سريرهما، وهما منهكان بالمعنى الدقيق للكلمة. تكون هذه هي الحالة أثناء الأيام التي لم يحدث فيها أي مكروه.»

« وجدت الآنسة هوشايلد أن هؤلاء العمال لا يأخذون إجازة أبوية إلا نادرا، ولا يستفيدون من مرونة ساعات العمل ولا من جميع السياسات الموجهة لخدمة الأسرة. وعوض ذلك يقضون في العمل ساعات أطول، ويغرقون أنفسهم غالبا في كمية كبيرة من العمل الإضافي فوق متوسط ساعات عملهم. أحيانا يكونون في حاجة حقيقية لمداخيل العمل الإضافي، لكنهم في الغالب عندما يواجهون الخيار بين الإجهاد في العمل والإجهاد داخل البيت، يختار كل من الرجال والنساء العمل، حيث يستفيدون على الأقل من العلاقات التي ينسجونها مع زملائهم وحيث يتم التعامل معهم بجدية ويتلقون أجرا مقابل معاناتهم، بينما يشعرون في المنزل بكونهم معزولين ويتم التعامل معهم بلا مبالاة وتسحقهم المطالب التي لا تنتهي. لقد صار العمل هو البيت وصار البيت عملا شاقا!»

وتضيف الصحيفة: « بالتأكيد تحيى أغلبية الأسر الأمريكية التي لديها أطفال في عمر الدراسة الآن نوعا من الحياة مشابهة لهذه التي يصفها الكتاب» The Economist (18/7/98).

بالرغم من ذلك فإن هؤلاء العمال غير راضين عن مصيرهم. أكثر من نصفهم اعتبروا أن مشكلتهم الكبرى هي “قلة الوقت”. هذه واحدة من أكثر تناقضات الرأسمالية الحديثة إثارة. ففي الوقت الذي وفرت فيه التطورات التي عرفتها العلوم والتكنولوجيا القاعدة الضرورية لتثوير حياة الناس وتوفير بيئة عمل ملائمة وأسبوع عمل أقصر، فإن ملايين البشر محكوم عليهم بالبؤس والعيش حياة العطالة الإجبارية على الصدقات، بينما يحكم على ملايين الناس الآخرين، “المحظوظين” لأنهم وجدوا عملا، بالأعمال الشاقة والعمل ساعات طويلة ومعانات ضغوط قاسية في أماكن العمل. إنهم محكومون بالتضحية بصحتهم وراحتهم وكذا بحياتهم الأسرية وبالتواصل مع أبنائهم.

تستعمل التطورات التكنولوجية من أجل زيادة عبودية العامل لرب العمل، وتجعل حتى من العاملين بشكل جزئي في المنازل عبيدا ليوم عمل طويل لا ينتهي. لقد مكنت الاختراعات من قبيل الهواتف المحمولة والحواسيب المحمولة وأجهزة الاستدعاء، من ممارسة مستوى غير مسبوق من السيطرة على العامل، حتى عندما ينعدم الإشراف المباشر. ويتوقف الفرق بين مكان العمل وبين المنزل، بين ساعات العمل وبين وقت الراحة، عن أن يكون له أي معنى. لقد صارت دكتاتورية الرأسمال وسيطرته التامة على العمال وعائلاتهم مطلقة. إن السؤال الذي يجب علينا بالتالي أن نطرحه على أنفسنا مع مطلع القرن الواحد والعشرين ليس هو: “هل هناك حياة بعد الموت؟”، بل بالأحرى: “هل هناك حياة قبل الموت؟”

“التحول الثاني”

من أجل أن يذهبن إلى العمل، يتوجب على النساء اللائي لديهن أطفال أن تجدن طريقة ما للعناية بهم. في مجتمع سليم يتوجب نشر التعليم العمومي على الأطفال منذ سن مبكرة، إضافة إلى توفير شروط سخية للإجازة الأبوية خلال سنوات الوضع الأولى. لكن عوض ذلك تجد الأمهات العاملات أنفسهن مجبرات على ترك أطفالهن في “دور حضانة” غير ملائمة وبين أيدي أشخاص غير خبراء وغير مؤهلين. وقد أدت هذه الأوضاع إلى حدوث العديد من المآسي. تعمل صحافة الإثارة كل ما في وسعها لتوظيف هذه الحوادث من أجل تسليط سوط الكراهية ضد هؤلاء النساء التعيسات، لكنها تحرص على ألا تشير بإصبع الاتهام إلى المجتمع الذي يخلق الشروط لهذه الفظاعة.

حسب دراسة نشرها مؤخرا المعهد الوطني لصحة الطفل والتنمية البشرية، فإن حوالي 80 % من الرضع الأمريكيين تتم رعايتهم بشكل منتظم من طرف أشخاص آخرين غير أمهاتهم خلال الاثنتي عشرة شهرا الأولى من حياتهم؛ أغلبهم يلتحقون بدور الحضانة قبل بلوغهم سن الأربعة أشهر؛ ويبقون عادة في دور الحضانة حوالي 30 ساعة أسبوعيا. لكن الدراسة تضيف أن: « أغلب تلك الدور مفتقرة لكل ما يمكن أن يجعل أيا منا يعتبرها جيدة. مصطلح “بالكاد مناسبة” صار هو الصيغة التي توصف بها دور الحضانة النموذجية في هذا البلد. حوالي 15 % إلى 20 % من تلك الدور هي في الحقيقة كئيبة بل حتى خطرة» (الإيكونوميست، 18/ 07/ 98، التشديد من عندنا)

حتى هذه الظروف البدائية تعتبر جد مكلفة بالنسبة للعديد من النساء اللائي يجدن أنفسهن مجبرات على التخلي تماما عن كل محاولة لإيجاد عمل. بالرغم من كل الكلام عن النساء المتحررات والنساء الموظفات وما إلى ذلك، فإن العديد من النساء لا يزلن محصورات بين أربعة جدران في المنازل. حسب هيئة الاتحاد الأوروبي للشئون المعيشية، فإن حوالي ثلث النساء اللائي هن في سن العمل في أوروبا ككل تعتبرن أنفسهن “ربات بيت”، بالرغم من أن بعضهن يشتغلن جزئيا. وكلما كان لديهن أطفال أكثر كلما صار من الأرجح أن يكن ربات بيت. تقول الإيكونوميست: « ليس هذا بالضرورة وصفة للسعادة، ففي كل البلدان الأوروبية تقريبا تبدو النساء اللائي يخرجن للعمل أكثر صحة وأكثر رضا عن الحياة من النساء اللائي لا يعملن. لكنهن معفيات على الأقل من “التحول الثاني” أي من: يوم عمل في البيت بعد يوم عمل لصالح رب عملهم.» (The Economist, 18/7/98.)

نقرأ في برنامج إيرفورت للحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني، الذي صيغ قبل مائة سنة، ما يلي: « تعني مشاركة المرأة في الإنتاج الصناعي التدمير الكلي للحياة الأسرية للطبقة العاملة دون تعويضها بشكل أرقى من العلاقات الأسرية. نظام الإنتاج الرأسمالي لا يحطم في أغلب الحالات الحياة الأسرية للعمال فقط، بل يسرق منها كل شيء ما عدا ميزاتها السيئة. نشاط المرأة اليوم في الإنتاج الصناعي لا يعني بالنسبة إليها التحرر من أعباء البيت؛ بل يعني زيادة أعباء جديدة على أعبائها السابقة. لكن لا يمكن لعبد أن يخدم سيدين. تعاني أسرة العامل عندما يكون على زوجته أن تساعد في كسب الخبز اليومي. لا يوفر المجتمع الحالي، في مقابل الأسرة الفردية التي يدمرها، سوى بدائل بائسة؛ مراكز توزيع الحساء ودور حضانة، حيث يقدم الأغنياء فتات المساعدات المادية والمعنوية للطبقات الدنيا.» (K. Kautsky, The Class Struggle, p. 26)

لا يزال هذا صحيحا حتى يومنا هذا. تعاني النساء من عبودية مزدوجة: من العبودية في أماكن العمل و”التحول الثاني” في المنزل. في اليابان على سبيل المثال تقضي الزوجات العاملات حوالي ثلاثة ساعات ونصف الساعة يوميا في إنجاز المهام المنزلية، إضافة إلى ساعات العمل المأجور. نفس الوضع نجده في ما يسمى بالمجتمعات الغربية المتحضرة الأخرى.

النساء والنقابات

التغيير الاشتراكي للمجتمع مسألة مستحيلة بدون النضال اليومي من أجل الإصلاحات في ظل الرأسمالية. ومن ثم فإننا لا نتجاهل إطلاقا النضال من أجل الإصلاحات. لكن الشيء الأكثر أهمية، بالنسبة للماركسيين، هو واقع أن العمال يتعلمون من خلال النضال. إن مهمتنا الرئيسية هي أن نشرح بصبر، بدءا بالنساء الأكثر وعيا ونشاطا في النقابات والأحزاب العمالية، ضرورة التغيير الاشتراكي للمجتمع، ليس فقط على الصعيد الوطني بل على الصعيد الأممي. يجب علينا أن نكافح من أجل رفع مستواهن، جعلهن يهتممن بالقضايا الأعم، بالنظرية والأفكار، وكسبهن إلى الماركسية. يجب علينا أن نحذر من السقوط في نفس الفخ الذي سقط فيه العديد من الإصلاحيين والعصب التي لا تعد ولا تحصى، وبالتأكيد العديد من النسوانيات البرجوازيات، أي في الاعتقاد بأن النساء مهتمات فقط بما يسمى قضايا النساء. وبالرغم من أن العديد من تلك القضايا هامة فإنه سيكون من الخطأ الجسيم الاستخفاف باهتمام النساء بالقضايا الأعم والمسائل الجوهرية. على العكس من ذلك سنتمكن من اكتساب أفضل المناضلات وإلهابهن بالحماس من خلال النظريات الثورية والبرنامج الماركسي.

يجب أن يبدأ النضال من أجل مصالح النساء في أماكن العمل. يشكل النضال من أجل تنظيم النساء العاملات في النقابات والنضال في سبيل أجور وظروف عمل لائقة، وكذا من أجل المساواة التامة مع العمال الرجال، أول مهمة على عاتق الماركسيين. تقدم العاملات إمكانيات ثورية عظيمة للحركة العمالية، وهي الإمكانيات التي تقف البيروقراطية النقابية الضيقة الأفق والمحافظة عاجزة عن تطويرها. ظروف الإنتاج الجديدة والانتشار الهائل لما يسمى بالصناعة الخدماتية يعني ارتفاعا هائلا في عدد النساء العاملات في ظروف مرهقة، واللائي أغلبيتهن غير منتظمات في النقابات. يجب على الماركسيين داخل النقابات أن يأخذوا المبادرة كلما كان ذلك ممكنا في المطالبة بتنظيم حملة لتنظيم الفئات الغير منظمة، وخاصة النساء والشباب في تلك “المهن”.

القضية المركزية هي التمييز الصارخ ضد النساء في أماكن العمل. تتقاضى النساء في العالم بأسره، في المتوسط، أجرا أقل من أجر الرجال –عادة ما تكون النسبة أقل بـ 20 % إلى 30 % – مقابل نفس العمل. أجر أقل يعني عادة استفادة أقل، أو عدم الاستفادة، من المعاش بعد التقاعد. ليس هذا الواقع مضرا بالنساء العاملات فقط، بل بالعمال أيضا. إن القبول بأجور متدنية لأي مجموعة من العمال يؤدي إلى الضغط على الأجور وعلى ظروف العمل عموما. إن القبول بأن يتقاضى النساء والشباب أجورا أقل من بقية القوة العاملة مسألة رجعية ومثير للفرقة. إنها تفسر أيضا لا مبالاة العديد من النساء اتجاه النقابات التي لا تقوم بأي شيء لهن. إن مهمة تنظيم الغير منظمين مهمة أساسية للنقابات، خاصة في مرحلتنا الحالية. يكتسي النضال من أجل مطلب “نفس الأجر مقابل عمل بنفس القيمة” أهمية خاصة. يمكن بسهولة تحريف مبدأ “نفس الأجر مقابل نفس العمل” والتملص منه من طرف الرأسماليين، على اعتبار أنه يكون من الصعب في غالب الأحيان أو من المستحيل مقارنة أنواع مختلفة من الأعمال التي يقوم بها الرجال والنساء في مختلف قطاعات الإنتاج.

ويصف مسح قامت به صحيفة الإيكونوميست الوضع قائلا: « في هذا الوقت، وجدوا العمل في انتظارهم. ومع قيام الاقتصادات المتطورة بإعادة الهيكلة، تم خلق الكثير من مناصب الشغل في قطاع الخدمات الجديدة والتي تختلف بشكل كبير عن مناصب الشغل في الوظائف التقليدية المضمونة والدائمة التي يحتلها الرجال أساسا. العديد من هذه المناصب الجديدة لوقت جزئي أو تفترض ساعات إضافية، وتقدم وتتطلب درجة من المرونة التي غالبا ما تلائم النساء. العديد من تلك الوظائف هي في قطاعات ذات مستوى منخفض ومتدنية الأجور من قبيل قطاع التسويق وإعداد الطعام والنظافة، التي لا تستميل كثيرا العمال الرجال.» (The Economist, 18/7/98.)

في الأشغال التي تعمل فيها الكثير من النساء ولا يوجد فيها سوى عدد أقل من الرجال، تميل مستويات الأجور إلى الانخفاض. هذا صحيح بوجه خاص في قطاع التسويق والنظافة وإعداد الطعام وبمستويات أقل في أعمال من قبيل التمريض والتعليم، التي يكون المشغل فيها غالبا هو القطاع العام. مع كل هذا العدد الكبير من النساء المكدسات في الوظائف ذات الأجور المتدنية، ليس من المفاجئ أن نجد، بالرغم من توفر الكثير من تشريعات المساواة في الأجور، هوة كبيرة في جميع البلدان بين أجور الرجال وأجور النساء. وقد بدأت هذه الهوة تتناقص نتيجة للضغط من طرف النساء العاملات والنقابات: ففي الولايات المتحدة، على سبيل المثال، ارتفع أجر ساعة العمل لدى النساء، خلال العشرين سنة الأخيرة، من 64 % من أجر ساعة العمل لدى الرجال إلى أكثر من 80 %. لكن التفاوت لا يزال موجودا، وكلما نزلنا أسفل في سلم الأجور كلما ارتفع التفاوت. في حين أن العمال الشباب المحترفون والذين ليس لديهم أطفال من كلا الجنسين والذين يشتغلون بدوام دائم في الولايات المتحدة يحصلون في غالب الأحيان على أجر متساوي، فإن النساء العاملات ذوات الأجور المتدنية اللائي يشتغلن في الأعمال المرهقة يتقاضين أقل من متوسط أجر الرجل العامل في الصناعة.

تتعرض النساء للتمييز ضدهن بسبب مهمتهن الطبيعية المتمثلة في إنجاب الأطفال. في المجتمع الحالي، صار إنجاب طفل، الذي من المفترض أن يكون حدثا سعيدا، كارثة خاصة بالنسبة للأمهات. إنه يعني غالبا خسارة منصب الشغل والتحول إلى الفقر المدقع والاعتماد المذل على المساعدات العمومية الهزيلة. بكلبية مطلقة تعامل الصحافة البرجوازية، في بريطانيا وأمريكا على وجه الخصوص، النساء العازبات كطفيليات “يعشن على حساب الدولة”، دون أن تشرح كيف صارت تلك النساء محرومات من الالتحاق بسوق العمل وتم تهميشهن من طرف المجتمع بأكثر الطرق وحشية وقسوة. لكن حتى إن تمكنت من الاحتفاظ بمنصب شغلها، فإن ذلك سيعني المزيد من انخفاض المداخيل. « بمجرد ما تبدأ النساء في إنجاب الأطفال، ينخفض أجرهن النسبي وكلما زاد عدد أطفالهن كلما انخفض أجرهن.» (The Economist, 18/7/98، التشديد من عندنا)

الماركسية أم الحركة النسوانية؟

يجب على الماركسيين أن يدافعوا بحيوية عن قضية النساء، عليهم أن يناضلوا ضد اللامساواة وجميع مظاهر القهر والتمييز والظلم. لكن يجب علينا دائما أن نقوم بذلك انطلاقا من وجهة نظر طبقية. ففي الوقت الذي نناضل فيه بحزم من أجل جميع أشكال التحسينات التي تمثل تطورا حقيقيا للنساء، يجب علينا أن نشرح أن الطريق الوحيد لتحقيق التحرر الحقيقي للنساء –وجميع فئات المجتمع المضطهدة الأخرى- يمر عبر القضاء على النظام الرأسمالي. يتطلب هذا الوحدة المطلقة بين رجال ونساء الطبقة العاملة في النضال ضد الرأسمالية. إن أية محاولة لدفع النساء ضد الرجال أو تقسيم النساء وعزلهن عن بقية الحركة العمالية تحت مسمى “حرية النساء” أو أي شيء آخر، هي محاولة رجعية بالمطلق ويجب النضال ضدها بحزم.

نحن نناضل من أجل الوحدة التامة للبروليتاريا، بغض النظر عن الجنس أو العرق أو اللون أو الدين أو القومية. وهكذا فإن نضالنا من أجل قضية النساء تفترض بالضرورة خوض نضال حازم ضد جميع أنواع الحركات النسوانية البرجوازية والبرجوازية الصغرى. تلك التيارات، والتي تخدم بشكل ثابت العناصر الأشد رجعية، عندما تتمكن من كسب بعض التأثير داخل الحركة العمالية تلعب دورا زرع الشقاق واللبس بين صفوف النساء اللائي يتطورن في اتجاه الاشتراكية. يجب علينا أن نتخذ في هذه المسألة، كما هو الحال في جميع المسائل الأخرى، موقفا طبقيا حازما. لقد كان كل من الحزب البلشفي والأممية الشيوعية يتحدثان في جميع توصياتهما، كما سبق لنا أن رأينا، عن “النساء العاملات” وليس عن النساء بشكل عام. من البديهي أن النضال من أجل حقوق النساء يشمل جميع النساء البروليتاريات، بمن فيهن ربات البيوت والعاطلات والطالبات، الخ. لكن العنصر الحاسم بينهن هو النساء العاملات اللائي يمثلن اليوم قطاعا واسعا ومتزايدا من الطبقة العاملة.

المكاسب المحققة من خلال “المساواة في الحقوق” بدون تغيير علاقات الإنتاج محدودة جدا وتترك الأسباب الجوهرية لاضطهاد النساء في المجتمع الرأسمالي سليمة. خلال المرحلة الأخيرة، لم تؤدي العديد مما كان مفترضا أنها “تحسينات” مرتبطة “بالتمييز الإيجابي”، في الواقع سوى إلى تحسين وضع شريحة من الوصوليات البرجوازيات الصغيرات. خلال العقد الأخير لم يعد صوت المناضلات النسوانيات البرجوازيات الصغيرات، الذي كان في الماضي جد قوي في مطالبتهن بالـ “المساواة” (الحق في أن تكون النساء كاهنات، أو مديرات وما إلى ذلك)، يجد سوى عدد متناقص باستمرار من المستمعين. لماذا؟ لأن نسوانيات الطبقة المتوسطة صرن يحصلن على ما يطلبنه.

لقد فتحت البرجوازية هامشا للنساء في تسيير الإدارة والقضاء والأبناك والبيروقراطية والكهنة. ارتفعت نسبة ترقية النساء في الوظائف المتوسطة من 4 % إلى 40 % تقريبا في المجمل خلال العشرين سنة الأخيرة في الولايات المتحدة. تتضمن 419 شركة من بين 500 أكبر الشركات في العالم (the Fortune 500) امرأة واحدة على الأقل في مجلسها الإداري، وثلثها تتضمن امرأتين أو ثلاثة. توفر الشركات الأكبر إمكانيات أفضل لترقية النساء من تلك التي توجد أسفل الترتيب. وهكذا فإن بعض النساء يحققن نجاحا طيبا. لقد كانت تلك الوصوليات البرجوازيات والبرجوازيات الصغيرات تدافعن دائما عن “تحرر النساء الواحدة بعد الأخرى بدء بنفسي”.

هذا هو السبب الذي يجعلنا دائما حازمين في معارضة الحركات النسائية البرجوازية والبرجوازية الصغيرة. ليست لديها أية علاقة مع النضال من أجل تحرر النساء الذي لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال إسقاط الرأسمالية. بمجرد ما تمكنت تلك النساء الوصوليات من حل “مشاكلهن” الشخصية داخل إطار النظام الرأسمالي، صرن مستعدات لنسيان مصير 99 % من النساء اللائي تعانين من أشد أشكال الاضطهاد والاستغلال وحشية، بينما التحقت “النسوانيات” السابقات بصفوف المستغِلين. نفس الظاهرة تحدث بين صفوف السود البرجوازيين الصغار الذين حققوا ثروة طائلة، خلال السنوات الأخيرة بفضل “صناعة العلاقات العرقية”. يمكن للطبقة السائدة دائما أن تقدم هذا النوع من “التنازلات” للحركة التي لا تهدد سيطرتها بأي شكل من الأشكال.

نحن لا نؤيد “التمييز الإيجابي”، لا سواء كان لصالح النساء أو السود أو أي فئة أخرى. إنه مطلب برجوازي صغير يحول الانتباه عن الأسباب الجوهرية للامساواة. إن نظام الكوطا التعسفي لصالح النساء أو السود الخ.، يخدم بطبيعته كوسيلة لرفع أقلية من الوصوليين مما يعطي الانطباع بأن “شيئا ما تحقق” في الوقت الذي تبقى فيه المشاكل الرئيسية قائمة. لا يقدم هذا الأسلوب إجابة حقيقية عن مشاكل التمييز، بل يؤدي إلى لفت الانتباه ويشكل تمرينا في التحسينات الرمزية. وهو إضافة إلى ذلك عادة ما يكون أسلوبا تستعمله البيروقراطية من أجل قطع الطريق أمام اليسار وملئ الهيئات القيادية والمجالس والبرلمانات بنساء أو سود وصوليين وعملاء. المثال الأكثر وضوحا عن هذا هو الولايات المتحدة، حيث استعمل هذا الأسلوب بمهارة من طرف البرجوازية من أجل نزع فتيل القضية العرقية عبر خلق شريحة جد كبيرة من الوصوليين السود. لقد استخدم السود البرجوازيون الصغار النضال ضد العنصرية من أجل تحسين وضعهم والحصول على مناصب شغل بأجور جيدة وبعد ذلك قرروا أنه سيكون من الأفضل بالنسبة إليهم أن يصيروا أكثر “اعتدالا” و”عقلانية”.

صحيح أنه في بعض الحالات يمكن لعاملات وشابات نزيهات أن يطلقن على أنفسهن اسم نسوانيات دون أن يفهمن بوضوح ما الذي يعنيه ذلك. يتوجب علينا أن نمتلك موقفا مرنا وإيجابيا اتجاههن، بنفس الطريقة التي نتعامل بها مع أعضاء القوميات المضطهدة. لكن وبالضبط كما نحن معارضون للحركات القومية، نحن معارضون للحركات النسائية. إن النضال ضد التمييز لا يؤثر على هذا الموقف على الإطلاق. نحن دائما نقارب مسألة اللامساواة انطلاقا من وجهة نظر الطبقة العاملة والاشتراكية وليس من أية وجهة نظر أخرى. هناك فرق شاسع جدا بين أن تعبر نساء الطبقة العاملة عن قلقهن بخصوص المشاكل التي يتعرض لها جنسهن (الأجور الغير متساوية، الأعباء المنزلية، مشاكل تربية الأطفال، التحرش الجنسي والعنف ضد النساء) وأن يردن النضال ضد هذه الأشياء، وبين أن تحاول التيارات البرجوازية والبرجوازية الصغرى أن تستغل مشاكل النساء من أجل حفر هوة بين الجنسين. إن الهموم الطبيعية لنساء الطبقة العاملة هي نوع من التعبير عن كونهن يرين وجود اللامساواة وأنهن يقفن ضدها. يمكن لهذا أن يكون نقطة البداية في المساهمة في النضال من أجل تغيير المجتمع تغييرا اشتراكيا، بينما تقارب النسوانيات البرجوازيات والبرجوازيات الصغيرات قضية النساء بمعزل عن باقي القضايا وتبحثن عن حل لها داخل إطار النظام الرأسمالي. إن هذا الموقف يؤدي حتما إلى خلاصات رجعية.

الخطر على الثقافة

لدى النساء مشاكل خاصة بهن يجب الانتباه إليها. ليست متعلقة فقط بمسألة التمييز في أماكن العمل، ومعدلات الأجور المنخفضة على أساس جنسي، وانعدام الحقوق، الخ. بل مرتبطة أيضا بالأمومة والحمل، الخ. إن الدور الذي تلعبه النساء كمنجبات للأطفال يقتضي ضرورة توفر حقوق خاصة لحماية النساء الحاملات والأمهات. إن المساواة القانونية، بالرغم من أنها بالتأكيد خطوة إلى الأمام، لا تحل المشكل الجوهري الذي تواجهه المرأة:

« لا تحل أكثر مطالب الحركة النسائية جذرية –تعميم الحق في الانتخاب على النساء في إطار البرلمانية البرجوازية – مشكلة المساواة الحقيقية للنساء، خاصة تلك النساء المنتميات إلى الطبقات الغير مالكة. وتوضح ذلك تجربة الطبقة العاملة في جميع تلك البلدان الرأسمالية حيث طبقت البرجوازية، في السنوات الأخيرة، المساواة الشكلية بين الجنسين. إن التصويت لا يدمر السبب الأول لاستعباد النساء في الأسرة والمجتمع. لقد استبدلت بعض الدول البرجوازية الزواج الكاثوليكي بالزواج المدني. لكن وطالما بقيت المرأة البروليتارية عالة من الناحية الاقتصادية على رب العمل الرأسمالي وعلى زوجها، معيلها، وفي ظل غياب إجراءات شاملة لحماية الأمومة والطفولة وتوفير دور حضانة عمومية وتعليم عمومي، فإن ذلك لن يؤدي إلى جعل النساء متساويات مع الرجال أثناء الزواج أو يحل مشكلة العلاقة بين الأجناس.» (Theses, Resolutions and Manifestos of the First Four Congresses of the Third International, p. 215)

لقد بين كل تاريخ الإصلاحات الاجتماعية بخصوص وضع المرأة خلال القرن الماضي أن هذا الكلام صحيح بشكل مطلق.

لا تتوقف مشاكل المرأة أمام باب المصنع أو المكتب، بل تتعداهما إلى المنزل والمجتمع. يجب علينا أن نناضل من أجل القضاء على جميع التشريعات التمييزية؛ من أجل المساواة التامة بين النساء والرجال أمام القانون؛ من أجل كامل الحق في الطلاق والإجهاض؛ من أجل الحق في الاستفادة المجانية من خدمات منع الحمل والمراقبة الصحية؛ من أجل توفير دور حضانة مجانية وذات جودة عالية للأطفال من كل الأعمار. يجب علينا أن نطرح برنامجا من المطالب الانتقالية، مشكّل من المطالب المباشرة والأكثر ملحاحية للنساء على جميع الأصعدة، ليس فقط في أماكن العمل، بل أيضا في المنزل ودور الحضانة والتعليم والسكن والنقل العمومي والمعاشات ووقت الراحة والحقوق القانونية، الخ. في الوقت الذي نناضل من أجل أي مطلب تقدمي يؤدي إلى تحسين وضع النساء، من الضروري أن نضمن تلك المطالب مضمونا طبقيا. يجب علينا، على سبيل المثال، أن نطالب بإقامة دور حضانة ذات جودة عالية ممولة من طرف الدولة. إلا أن النضال اليومي من أجل حقوق النساء العاملات ليس هدفا في حد ذاته، بل وسيلة لجعل النساء واعيات بوضعهن كجزء من طبقة مستغَلة، وبضرورة النضال من أجل نوع مختلف للمجتمع حيث ستضمن حقوقهن كإنسان.

إن انحطاط النظام الحالي يهدد كل أسس الحياة المتحضرة. فإضافة إلى المشاكل الاجتماعية والاقتصادية التي يسببها الفقر والأجور المتدنية والبطالة، تواجه البروليتاريا بشكل متصاعد مشاكل المخدرات والجريمة وجميع أنواع التعسف التي تهدد على وجه الخصوص النساء والأطفال والشباب. ينوح الرجعيون ورجال الدين على مظاهر “الانحطاط الأخلاقي” لكنهم عاجزون عن ربطها بأزمة النظام الذي نعيش فيه. إنها مهمة الحركة العمالية أن تناضل من أجل الدفاع عن عناصر الثقافة والحضارة الموجودة والمهددة بسبب انحطاط الرأسمالية. إن شكل الأسرة القديم قد بدأ يتجه نحو الفناء، لكن لم يوضع أي شيء بدلا عنه. ونتيجة لذلك تواجه ملايين النساء، واللاتي العديد منهن شابات وضعيفات، حياة من البؤس المفسد كأمهات عازبات معتمدات على صدقات بيروقراطية الدولة. وكما لو أن معاناتهن ليست كافية، يشن البرجوازيون المنافقون حملة لا رحمة فيها من الشتائم والإهانات ضدهن ويعملون على تجريمهن ويصورنهن كمنبوذات اجتماعيا، “يعشن على حساب المجتمع” (وهي التهمة التي تصدق تماما على البرجوازيين).

في بريطانيا كانت أحد الإجراءات الأولى التي اتخذتها حكومة بلير هي الهجوم على المساعدات المقدمة للأمهات العازبات. قبل سنتين طالبت سياسية أسترالية، السيدة بولين هانسن، زعيمة الحزب المسمى بشكل هزلي حزب الوطن الواحد، بأن يتم منع المساعدات المالية عن الأمهات العازبات إذا ما هن أنجبن طفلا ثانيا. ونقل عنها قولها: « سوف أنهال فعلا على الأمهات العازبات اللائي يواصلن إنجاب الأطفال الواحد تلو الآخر مع آباء مختلفين، على حساب دافعي الضرائب». هناك في أستراليا 360.000 أم عازبة يتلقين ما مجموعه 2,9 مليار دولار من المساعدات سنويا من ميزانية اجتماعية تصل إلى 42 مليار دولار. متوسط سن تلك النساء هو 33 سنة، ويتقاضين، في المتوسط، المبلغ الضخم الذي يساوي 170 دولار أسترالي (107 دولار أمريكي) في الأسبوع والذي يجب عليهن به أن يعملن على إطعام أسرتهن وتوفير المأوى والملبس لها، ومن ثم يوفرن على الدولة مبلغا أكبر بكثير كانت ستنفقه لتربية هؤلاء الأطفال في الملاجئ. ويمكن إيراد أمثلة مشابهة من جميع البلدان عن هذه الهجمات ضد أكثر الشرائح ضعفا في المجتمع تحت مبرر محاربة ما يسمى بثقافة التواكل. إنها مثال رائع عن مميزات “الوعظ الأخلاقي المسيحي” المنافق في خدمة سياسة الاقتطاعات العديمة الرحمة. كما أنها تخبرنا بالشيء الكثير عن موقف المجتمع البرجوازي اتجاه المرأة والأطفال.

وضع المرأة المطلقة هو أيضا مسألة طبقية. تأثيرات الطلاق و”الأسرة الأحادية” مختلفة جدا ورهينة بالطبقة الاجتماعية التي تنتمي إليها المرأة. حكم قاض أمريكي بمنح مطلقة المليونير روبيرت، أ، غولدمان، رئيس شركة الكونغرس المالية، 50 % من ثروته البالغة 100 مليون دولار. كتبت مجلة BusinessWeek (5/8/98) قائلة: « مرحبا بكم في محكمة الطلاق الجديدة، لقد تكاثفت قوى ثقافية وقانونية واقتصادية جبارة من أجل جعل الطلاق في الولايات المتحدة باهظا أكثر من أي وقت مضى، خاصة بالنسبة لرجال الأعمال الأثرياء (!). وهذا، من جهته، يجعل من عملية الطلاق، التي ليست مسألة مفرحة أبدا، عملية أكثر قبحا. الأزواج يخبئون أموالهم في شركات كارايبية سرية، والزوجات تتهمن أزوجهن السابقين بالتعسف ويأخذ المحامون أتعابا مشكلة من سبعة أرقام.»

يقدم علماء الاجتماع البرجوازيون الأسرة الأحادية “الحديثة” باعتبارها المثال الأفضل عن التقدم الاجتماعي والتحرر. أعلن مكتب الإحصاء الأمريكي في تقرير له أنه خلال العشرين سنة الأخيرة تضاعف عدد النساء اللائي يعشن لوحدهن ليصل 15 مليون امرأة. ويقدم كتاب صدر مؤخرا، تحت عنوان: The Improvised Woman, Reinventing Women in a Single Life، صورة مثالية عن هذه النساء السعيدات، ويؤكد أن: « النساء العازبات تشترين السيارات، تنجبن أو تتبنين الأطفال، وترتفعن إلى مواقع مؤثرة». لكن الإحصائيات العامة تخفي الهاوية التي تعيش فيها الأغلبية الساحقة من الأمهات العازبات، العديد منهن من السود، اللائي يعشن في غيتوهات حضرية داخل مدن أكثر البلدان ثراء على الأرض، في ظل ظروف عالم ثالثية، خاضعات لكابوس الفقر والمخدرات والجريمة والعنف.

تعبر أزمة الرأسمالية عن نفسها من خلال الهجوم العالمي الهادف إلى وقف النفقات العمومية. يؤثر الهجوم على الشغل وظروف العيش والخدمات الصحية والتعليم على الطبقة العاملة عموما لكن لديه تأثير أكثر شؤما على النساء، اللائي يجدن أنفسهن في نهاية سلسلة الاستغلال، في أسوء مناصب الشغل وبأقل قدر من الحماية والأمن. علاوة على ذلك، النساء خاضعات لاضطهاد مزدوج. إنهن مضطهدات كجزء من الطبقة العاملة ومضطهدات كنساء. الحل الوحيد لمشاكل النساء يأتي عبر النضال من أجل إسقاط الرأسمالية واستبدالها بالاشتراكية، ذلك النظام الذي يمكنه أن يضمن الحرية الحقيقية لكل من الرجال والنساء، حرية تطوير أنفسهم شخصيا وذهنيا.

بينما نحن واعون بواقع أن المجتمع الاشتراكي وحده هو من بإمكانه أن يصفي أخيرا رموز العبودية التي تطبع كل من الرجال والنساء، يتوجب علينا أيضا أن نناضل بكل ما نستطيع ضد المواقف المتخلفة والرجعية، خاصة داخل الحركة العمالية، والتي تضر بوحدة العمال والعاملات وتعيق قضية تحرر الطبقة العاملة. يجب علينا أن نناضل من أجل مبادئ أخلاقية بروليتارية حقيقية، تعامل جميع العمال، الذكور والإناث، السود والبيض، كأناس متساويين وإخوة وأخوات، متحدين في قضية النضال ضد الرأسمال.

النساء في خضم النضال

من الضروري أن نصل إلى نساء الطبقة العاملة أينما كن. ليس فقط في أماكن العمل التي أقصيت منها العديد من النساء بالقوة. يمكن استقطاب العديد من النساء إلى النضال ضد الرأسمالية على قاعدة قضايا أخرى: سوء ظروف السكن، غلاء المعيشة، غلاء واجبات الكراء، الخ. تبين هذا خلال حملة النضال ضد الضرائب في بريطانيا. وقبل كل شيء عندما ينظم إضراب في مكان عمل يهيمن فيه عنصر الرجال يصير من الضروري أن تشارك زوجاتهم في الإضراب بطريقة نشيطة. يمكنهن أن يقدمن احتياطيات نضالية هائلة، لكن هذا كثيرا ما يتم إهماله من طرف العمال الرجال. وهكذا فإنه طيلة إضراب عمال المناجم البريطانيين سنة 1884 – 1985، عملت زوجات العمال المضربين، المنظمات في إطار “لجان للدعم”، على التنسيق بين النقابات ولجان الإضراب، ولعبن دورا شديد الأهمية في الإضراب، وفي نفس الوقت تعلمن بشكل سريع جدا. بمجرد ما تصبح النساء ناشطات نضاليا، تتغير كل نظرتهن بشكل سريع. حتى النساء اللائي كن يمتلكن سابقا وعيا سياسيا متخلفا وكن محافظات أو متدينات يمكنهن أن يطورن بسرعة كبيرة جدا وعيا ثوريا. خاصة عندما يكون التيار الماركسي موجودا للمساعدة على شرح الأمور لهن.

في ظل هكذا ظروف، يتوجب علينا دائما أن نكون مستعدين لأخذ المبادرة، والمساعدة على إشراك النساء. من الواضح أنه يتوجب القيام بهذا العمل في علاقة وثيقة مع النقابات ولجان الإضراب، وليس كشيء معارض للحركة الرسمية، كما يحاول دائما العصبويون والفوضويون أن يفعلوا. لا يمكن لهذه اللجان الخاصة أن تمتلك معنى مستقلا، وستبدأ في الاضمحلال بمجرد ما تنتهي الحركة. إن المحاولات التي تبذل من أجل الإبقاء عليها بشكل مصطنع يعني أنها ستتجه لكي تصبح أجهزة بيروقراطية ومحتكرة من طرف عناصر منتخبة، برجوازيين صغار، وعصبويين، الخ. لكي تتحول إلى عراقيل عندما تبدأ الحركة مجددا. ليس الغرض من وراء المشاركة في مثل تلك اللجان هو توجيهها ضد النقابات بل من أجل ضمان أن تنخرط النساء بنشاط داخل المنظمات العمالية من أجل تغييرها. مع تغير طبيعة الإنتاج وإفساح الصناعة الثقيلة القديمة المجال أمام طرق إنتاج حديثة مؤسسة على تكنولوجيا المعلوميات، صارت النساء بشكل متزايد جزءا حاسما داخل قوة العمل وبدأن يشكلن تدريجيا الأغلبية.

إلا أنه في النهاية لا يمكن تحقيق تحرر النساء إلا من خلال تحرر الطبقة العاملة بأسرها: « في نفس الوقت الذي يجعل فيه المؤتمر الثالث للأممية الشيوعية من تحسين العمل الحزبي بين النساء البروليتاريات مهمة عاجلة لدى كل من الأحزاب الشيوعية الغربية والشرقية، فإنه يعلن للنساء العاملات في العالم بأسره بأن تحررهن من قرون من العبودية وغياب الحقوق واللامساواة ممكن فقط عبر انتصار الشيوعية، وأن الحركة النسائية البرجوازية عاجزة كليا عن أن تحقق للنساء ما تقدمه لهن الشيوعية. طالما بقيت سلطة الرأسمال والملكية الخاصة موجودتان فإنه لا يمكن لتحرر المرأة من التبعية للزوج أن يسير أبعد من حقها في التصرف في ملكيتها الخاصة وأجرتها الخاصة وتقرر، على قدم المساواة مع زوجها، في مستقبل أطفالها.» (Theses, Resolutions and Manifestos of the First Four Congresses of the Third International, pp. 214-5)

الشيوعية والأسرة

منذ البدايات الأولى للماركسية، احتلت قضية تحرر النساء مكانة مركزية في تفكير الماركسيين. نقرأ في كتاب مبادئ الشيوعية، الذي كتبه إنجلز قبل البيان الشيوعي، ما يلي:

« سؤال 21: ماذا سيكون تأثير المجتمع الشيوعي على العائلة؟

جواب: سيُحوّل (المجتمع الشيوعي) العلاقات بين الجنسين إلى قضية شخصية صرفة لا تهم إلا الشخصين المعنيين، وسيدعو إلى عدم تدخل المجتمع فيها. سيتمكن (المجتمع الشيوعي) من تحقيق هذا لأنه تخلص من الملكية الخاصة وعلّم الأطفال على قاعدة مشتركة. بهذه الطريقة يحطم حجري الأساس اللتان يقف عليهما نظام الزواج السائد حتى اليوم: التبعية، المشروطة بالملكية الخاصة، للمرأة اتجاه زوجها وتبعية الأطفال اتجاه الآباء. هذا جواب على الاحتجاج العنيف الذي يبديه دعاة الأخلاق المنافقون ضد مشاعة النساء. إن مشاعة النساء علاقة تنتمي بأكملها إلى المجتمع البرجوازي والتي تجد اليوم تعبيرها الكامل في البغاء. لكن البغاء يجد جذوره في الملكية الخاصة وسيسقط بسقوطها. وهكذا، فإنه بدل أن يبني المجتمع الشيوعي مشاعة النساء، سوف يضع حدا لها.» (ماركس وإنجلز، مبادئ الشيوعية)

يجب البحث عن أصول استعباد النساء، كما شرح إنجلز لاحقا، في الملكية الخاصة، ولا يمكن القضاء عليها بشكل نهائي إلا بالقضاء الجذري على الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج وتقسيم العمل. كتب إنجلز في كتابه أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة، قائلا:

« رأينا أعلاه كيف أصبحت القوة البشرية العاملة قادرة، إلى حد ما في تلك المرحلة المبكرة من تطور الإنتاج، على إنتاج ما يزيد بشكل كبير عن ما هو ضروري لإطعام المنتج، وكيف أن هذه المرحلة تزامنت، وبصفة رئيسية، مع أول مظاهر تقسيم العمل والتبادل بين الأفراد. آنذاك، لم يمض وقت طويل قبل أن يتم اكتشاف “الحقيقة” العظيمة بأن الإنسان، أيضا، يمكنه أن يكون سلعة؛ وأن القوة الإنسانية يمكن تبادلها واستغلالها عن طريق تحويل الإنسان إلى عبد. كان الناس قد بدءوا بالكاد الانخراط في التبادل عندما صاروا هم أنفسهم عرضة للمبادلة. النشط أصبح سلبيا، سواء أراد الإنسان ذلك أم لم يرد.» (ف، إنجلز، أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة)

العلاقات بين الرجال والنساء في ظل الرأسمالية علاقات مشوهة ولا إنسانية لأن نظام المبادلات العالمي ينزل بالبشر إلى مستوى الأشياء. ليس فقط العلاقات بين الأجناس وحدها من تتجه لكي تفقد إنسانيتها وتستلب في ظل ما أطلق عليه ماركس وإنجلز “رابطة الدفع عدا ونقدا”، بل أيضا جميع العلاقات الاجتماعية الأخرى عموما. إن هذا المجتمع مجتمع غير طبيعي، محكوم بعلاقات غير طبيعية. فما العجب إذن في أن يتوقف الناس عن التصرف والتفكير ككائنات بشرية، بل يصبحوا حتى قادرين على التصرف مثل الوحوش في بعض الحالات؟ يبدأ الآباء في النظر إلى أبنائهم كملكية خاصة بهم، والزوج ينظر إلى زوجته على نفس المنوال. في ظل الضغوط القاسية للحياة في “اقتصاد السوق” حيث المال هو الإله، تتحور العلاقات وتتشوه وتصير عسيرة الفهم. وكما يقول إنجلز: « في يومنا هذا صار الإنتاج سيدا على المنتج؛ في يومنا هذا، صار الإنتاج الإجمالي للمجتمع منظما ليس بواسطة مخطط مصاغ بشكل جماعي، بل من طرف قوى عمياء، تشتغل بقوة داخلية، وفي آخر المطاف في عواصف الأزمات التجارية الدورية.» (م، س. ص، 331)

إذا أردنا التعامل بجدية مع مسألة استعباد النساء، فلن يكون كافيا التعامل فقط مع ابرز مظاهر هذا الاستعباد. من الضروري بطبيعة الحال، وكما سبق لنا أن قلنا، النضال ضد جميع أنواع التمييز وعدم المساواة. ولكن إذا لم يتم القضاء على السبب الجذري للاضطهاد النساء، والى أن يتم ذلك، فإنه لن يكون بالإمكان التغلب على جوهر المشكلة. لن تتحرر النساء إلا عندما يتحرر الرجال، أي عندما تبدأ الإنسانية في العيش حياة إنسانية حقا. ويفسر إنجلز قائلا:

« إلا أن ما سيختفي بالتأكيد من الزواج الأحادي هي كل الصفات التي طبعته كنتيجة لنشأته من علاقات الملكية. والتي هي، أولا، هيمنة الرجل، وثانيا، عدم قابلية الزواج للحل. إن غلبة الرجل داخل مؤسسة الزواج هي مجرد نتيجة للهيمنة الاقتصادية التي يتمتع بها، وسوف تختفي معها تلقائيا. عدم قابلية الزواج للحل تعود جزئيا إلى الظروف الاقتصادية التي نشأ الزواج الأحادي في ظلها، وهو جزئيا تقليد يعود إلى ذلك الوقت عندما كانت العلاقة بين هذه الظروف الاقتصادية وبين الزواج الأحادي غير مفهومة بعد بشكل صحيح وضخمت من طرف الدين. واليوم انتهك الزواج الأحادي إلى حد كبير. إذا كانت الزيجات الوحيدة الأخلاقية هي فقط الزيجات المبنية على الحب، فإنه، أيضا، الزيجات الوحيدة الأخلاقية هي تلك التي لا يزال الحب فيها مستمرا. إن استمرارية حافز الحب الجنسي الفردي تختلف كثيرا بين فرد وآخر، ولا سيما بين صفوف الرجال؛ إن توقف المودة بشكل نهائي، أو حلول حب جديد محله، يجعل الانفصال نعمة لكلا الطرفين وكذلك بالنسبة للمجتمع.» (المرجع السابق)

برنامج الأممية الشيوعية من أجل الانتقال إلى الاشتراكية المتوخاة هو: « المطاعم العمومية، والمغاسل وورشات الإصلاح العمومية، ومؤسسات الرعاية الاجتماعية ودور البلديات، الخ، التي تحول الحياة اليومية على أسس شيوعية جديدة ستعفي النساء من صعوبات المرحلة الانتقالية. هذه المؤسسات الاجتماعية التي تساعد على تحرير حياة النساء اليومية، وتحول إماء البيت والأسرة إلى عضو حر من أعضاء الطبقة العاملة، أي الطبقة التي هي سيدة نفسها ومبدعة من أشكال جديدة للحياة.» (Theses, Resolutions and Manifestos of the First Four Congresses of the Third International, p. 220) لكن في ظل ظروف التخلف والفقر التي كانت سائدة في روسيا بعد 1917، لم يكن من الممكن وضع هذه الأفكار بشكل ملائم موضع التنفيذ. وكما يفسر تروتسكي:

« لا يمكنك أن “تقضي” على الأسرة؛ بل يجب عليك أن تعوضها. إن التحرر الحقيقي للنساء مستحيل التحقيق على قاعدة “الفقر المدقع”» (تروتسكي، المرأة والأسرة)

لا يمكن إلغاء الأسرة مثلها في ذلك مثل الدولة. إن الاختفاء التدريجي لكليهما على السواء في سياق الانتقال إلى مجتمع لا طبقي يعتمد على تغيير الشروط المادية لوجود الجماهير، وبالتالي، في نفس الوقت، تغيير الطريقة التي يفكر بها الناس والتي تربطهم بعضهم البعض. في نهاية المطاف، ومع تحقيق الوفرة الفائقة ومستوى عال من الثقافة، ستتغير العادات القديمة ونفسية العبيد وسوف تتغير معها العلاقات بين الرجال والنساء. ولكن الشرط المسبق لهذا التغيير هو تغيير ظروف الحياة نفسها. تخفيض ساعات يوم العمل إلى الحد الأدنى الضروري هو الشرط الذي لا بد منه للتحرر الاجتماعي. ولكن فوق ذلك، ينبغي أن يجعل التقدم التكنولوجي من الممكن الإلغاء الفعلي للأعمال المنزلية: التي تعتبر أساس الاسترقاق المنزلي للنساء.

يجب البحث عن السبب الجذري لكل أشكال الاضطهاد، سواء ضد النساء أو السود أو أي من المجموعات المضطهدة الأخرى، في نهاية المطاف، في الاستعباد والاستلاب الذي يجد جذوره في نمط الإنتاج السلعي. فقط عندما سيتم إلغاؤه، ويتم تغيير ظروف حياة المجتمع بأكمله سوف يمكن أخيرا لنظام الأسرة والدولة -بقايا الوحشية هاتين- أن يتوقفا عن الوجود. عندما ستذهب أخيرا النفسية القديمة البدائية، واللاإنسانية التي نشأت من البؤس، إلى الماضي، ستبنى الظروف المادية لنظام اجتماعي جديد ستلاشى فيه آخر معاقل الإكراه الخارجي والقسر، وسوف يصبح الرجال والنساء قادرين أخيرا على نسج علاقات حرة بين بعضهم البعض ككائنات إنسانية.

عنوان النص بالإنجليزية:

Marxism and the emancipation of women

الماركسية وتحرر النساء- آنا مينوز وآلان وودز

—————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————
عبادة الفرد نقيض الاشتراكية

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?t=4&aid=220479

حميد كشكولي

hamidkashkol@yahoo.se

2010 / 6 / 26

عبادة الشخصية قضية عايشتها بلدان ونظم و أحزاب شتى، وهي تختلف اختلافا جذريا عن الدور المميز للفرد في التاريخ الذي تحدده عوامل شتى لعل أهمها وجود قاعدة اجتماعية ناضجة ومؤهلة لحمل المشروع الجديد الذي يتماه وجود الزعيم الموهوب والصادق. ولا تنفك وسائل الإعلام البرجوازية عن ربط فكرة عبادة الفرد بالماركسية و الثورة البلشفية والاشتراكية التي تدين عبادة الفرد و تتناقض معها كليا ،إذ أن ماركس كان قد حذر مبكرا من هذه الظاهرة الظالمة و اللا إنسانية بعد أن حظي هو وانجلز بشهرة واسعة في منتصف القرن التاسع عشر حين ذاعت كتاباتهما ، ومواقفهما ، وكتب ماركس رسالة إلى الصحفي الاشتراكي ويلهم بلاس قال فيها : ( لا نعير لا أنا ولا انجلز أدنى أهمية للشهرة، وهذا دليل على ما أقول، فأنا لا أقبل أبدا بسبب الاشمئزاز الذي اشعر به إزاء كل عبادة للشخص أن تنشر ؟ عندما كانت الأممية قائمة- رسائل الإطراء العديدة التي يحرجني بها باعثوها من بلدان مختلفة ويقدرون فيها مؤهلاتي ، حتى أنني لم أجب عنها، وإذا فعلت فيكون ردي في شكل رسائل عتاب) ويضيف ماركس : ( لقد كان انخراطنا لأول مرة، إنجلز وأنا، في جمعية الشيوعيين السرية مشروطا بأن يحذف من أنظمتها الأساسية كل ما من شأنه أن يسهم في تقديس الزعامات).

وحين توالت أشكال التعازي والرثاء بالملايين لدى رحيل لينين عام 1924 وكانت الثورة الاشتراكية قد انتصرت واستقرت كدولة، قالت كروبسكايا رفيقته وزوجته، في رسالة منشورة للجميع.. ( لا تتركوا تمجيدكم لإليتشي يتخذ شكل عبادة لشخصه، لا تقيموا له النصب، لا تسموا قصرا باسمه ولا تنظموا من أجله حفلات لذكراه، فقد كان في حياته لا يعير اهتماما يذكر لمثل هذه الأشياء، فهي حسب نظره أمور زائفة للغاية، فإذا كنتم ترغبون في تكريم اسم لينين فشيدوا دورا للحضانة، وابنوا المدارس وروضات الأطفال، وأقيموا المكتبات والمراكز الصحية والمستشفيات ودور الإيواء للعجزة، وفوق هذا وذاك ضعوا مبادئه حيز التنفيذ).

و لكن ما أن توفى لينين عام 1924 حتى انفرد ستالين بالسلطة مستغلا مناصبه الخطيرة في الحزب والدولة، مفوضا للقوميات، و مفوضا لمفتشية العمال والفلاحين و عضوا في المكتب السياسي و أمينا للجنة المركزية ، ليقوم بتحنيط لينين وإقامة تماثيل ( أنصاب) له ما كان يعني قتل لينين و تجميد أفكاره بدل ابقائها حية مشعة تستهدي بها الجماهير العمالية ، و قام بتحويل الماركسية إلى إيديولوجية يكون هو بنفسه إمامها ، بل اله لها ، و راح يصفّي خصومه و منافسيه و يجهز على جميع أشكال المعارضة المنظمة و الغير منظمة بوحشيّة منقطعة النظير فقد قام بحملات تطهير واسعة راح ضحيّتها ملايين من خصومه و معارضيه و أيضاً من أتباعه و من الحزبيين و الموظفين و العمال و الجنود , كما جعل من أفكاره و معتقداته التي أسماها بـ ” الستالينية ” ديناً للحزب و الشعب و صارت أقواله و أفعاله معياراً للحقيقة و الوطنيّة و المرجع الأوحد للحكم على الأشياء . و في ضوء ذلك صارت الستالينية تعني عبادة الفرد ، والتي بنى عليها اشتراكيته ، ( اشتراكية القطاع العام الدولتية) التي أمست نموذجا يحتذي بها المستألهون من أمثال جمال عبد الناصر و صدام وأمثالهما.

إن البلدان التي تتعايش فيها قوميات وأمم مختلفة عديدة ، غالبا تضطر حكوماتها وقواها السياسية ( الممثلة للطبقات السائدة طبعا) إلى البحث عن زعيم كاريزماتيكي قوي لقيادة البلد ، والحفاظ على وحدته السياسية من التجزئة و التقسيم.

ففي العهد القديم كان الملوك والاباطرة ، يملكون حقوق ( الهية امبراطورية) ، وكان الرعية يعتقدون أن الحاكم يحكم بارادة الله.

وقد رأينا أحزابا أيضا لجأت إلى أسلوب عبادة الفرد للاحتفاظ على وحدتها ، مثل الحزب الشيوعي العمالي ، إذ نزلت التعليمات إلى جميع المنظمات الحزبية برفع صور القائد وهو في الحياة ، بزعم تحدي قادة البرجوازية و جعل منصور حكمت نقطة توازن ووحدة الحزب، لكن عبادة الفرد هذه أصبحت سببا اضافة إلى أسباب أخرى للانشقاقات و خروج عناصر عديدة من الحزب .. فكل انتقاد لفكر القائد كان يسبب انشقاق و خروجا عن الحزب .

حركات النهضة والتنوير و الثورات الديمقراطية وتطور العلوم و الاكتشافات العلمية و الفكرية ، حددت إلى أبعد الحدود من السلطات الشرعية الالهية التي كان يحظى بها الملوك والأمراء و طبقة النبلاء في الغرب ، وإلى حد ما في الشرق، إثر الاحتكاك بالغرب بطرق مختلفة.

لكن التطور القني من جهة أخرى ساعد كثيرا الزعماء و الدكتاتوريين ، مستفيدين من فن التصوير ، و التقنية الصوتية ، و انتاج الافلام ، أضافة إلى تقنية الاعلانات ، لكي يقدموا عن أنفسهم صورة ايجابية وملائكية أمام الشعب لم يسبق له مثيل في القرون التي سيقت… لهذا كانت القرن العشرون ، قرن الزعماء المغرورين ، والأفراد العبثيين…

في المجتمعات المغلقة، يجعل الزعيم من نفسه اسطورة ، و تفرغ الميديا من أي ّ مضمون إنساني شريف ، وتتحول الصحافة و ووسائل الاعلام المرئية والمسموعة الرسمية إلى نفاق و مديح فارغ… و ليس من الضروري أن يصل الزعيم إلى هذا المقام الالهي في حياته، فأحيانا ، الزعماء و الحكام الذين يستلمون الزمام بعده، و في سبيل استحكام سلطتهم يمارسون هذا العمل .. فعبادة الفرد ظاهرة تطبع الدكتاتوريين ، لكن الديمقراطيات لا تكون في مأمن منها…

عبادة الفرد تشبه عبادة البطل القومي، الذي غالبا يكون زعيما سياسيا في عصرنا.. عبد الناصر ، صدام حسين والملا مصطفى البارزاني ، وعبد الله أوجلان . وقد كانت عبادة الفرد قبل القرن العشرين تطلق على أبطال غير سياسيين ، لكن المحللين في العقود الأخيرة من القرن العشرين أخذوا يطلقونها على الزعماء السياسيين و القادة الوطنيين.

عبادة الفرد في القرن العشرين عند موسوليني ، وهتلر ، وستالين و ماو وكيم ايل سونج وصدام و عبد الناصر وخميني ، كلفت البشرية الكثير ، بعد أن جعلوا من أنفسهم ، و بمساعدة وسائل الاعلام التي كانوا يجيرونها لأنفسهم ، آلهة بلا منازع و كانت صورهم و تماثيلهم في كل مكان لاثبات حضورهم الكلي الدائمي عند المواطنين … و أصبحت مهمة الفنانين و الشعراء هي الثناء على ” الأخ الأكبر”، والمنقذ والمخلص .

وعلى البشرية اليوم أخذ الدروس والعبر من هذا التاريخ الدموي ، وأن على القوى الشيوعية التي تعمل لبناء الاشتراكية الحقيقية في ضوء أفكار ماركس وانجلز و لينين ، عدم التراخي عن كشف الحقائق المرّة للجماهير ، والتطهر من كل الأفكار الغريبة عن الماركسية و الاشتراكية العلمية.

مجلة الآداب » ٤-٥/ ٢٠١٠ » موت الماركسيّة المبتذلة أو ورطة النصر (التجربة العراقيّة)

موت الماركسيّة المبتذلة أو ورطة النصر (التجربة العراقيّة)

عدد ٤-٥ /٢٠١٠ سلام عبّود اليسار العربي: الأزمة والاقتراحات

موت الاشتراكيّة المبتذلة

أوقع تغييرُ الخطاب الإيديولوجيّ العالميّ أطرافًا “يساريّة” في مآزق سياسيّةٍ ونظريّةٍ خاطئة، تبريريّةٍ ومحافظة، مناقضةٍ تمامًا لجوهر مبادئ الاشتراكيّة، المعلنة في دعايتهم السياسيّة التي تؤكّد، بحسب ما تقول طريق الشعب، الصحيفةُ المركزيّةُ للحزب الشيوعيّ العراقيّ، ما يأتي:

“لقد ظلّت قضيّةُ المثال الذي يقدّمه الشيوعيون من بين القضايا ذات الأهميّة الفائقة… [وهي] تتسم، اليوم، بأهميّة استثنائيّة. فهذا المثال الذي يفترض أن يجسّده الشيوعيون عمومًا، وقادةُ وكوادرُ الحزب خصوصًا، في مختلف الأطر السياسيّة والفكريّة والتنظيميّة والأخلاقيّة والمعرفيّة، وعلى النحو الذي يعكس الروحَ الثوريّة المرتبطة بالتغيير والأمل والتمسّك بالقيم الرفيعة التي ميّزت الشيوعيين عبر تاريخهم الملهم، هذا المثال هو حجرُ الزاوية في ما يمكن وينبغي أن يفعلَه الشيوعيُّ من أجل التحويل الثوريّ للمجتمع. ولعلّ من بين عناصر هذا المثال، كما لا ريب تعلمون، أن يتّسم الشيوعيُّ بالتكوين المعرفيّ والروحيّ العميق. فالشيوعي هو المتطلّع، دومًا، إلى المثال الذي تقدّمه الماركسيّةُ في الفكر والسلوك” (التشديد منّي). 1

فبعضُ أطراف الحركة الشيوعيّة اعتقد أنّ شعارات العداء للإسلام، تحت واجهة “العداء للإرهاب،” تخفِّف عنه ضغطَ العدوّ التقليديّ التاريخيّ، “الإمبرياليّة العالميّة” و”النظام الرأسماليّ،” بحسب تسميته. أما القوى اليساريّة المهووسة بالعَلمانيّة فقد أفادت من هذا المناخ سلبيّاً أيضًا بالانغمار في ثقافةٍ هامشيّةٍ، تسلويّةٍ، مثل الاهتمام والانشغال باكتشافاتٍ دينيّةٍ، ظنّتها عظيمةً.2 هذا الانغمار الشكليّ من قِبل الطرفين يشير إلى أنّ القوّة الدوليّة المنتصرة تدوِّن بأقلامٍ “يساريّةٍ” تقريرَها النهائيَّ عن هزيمة الشيوعيّة كتيّارٍ سياسيّ. ذلك أنّ أبرزَ مظاهر الهزيمة التاريخيّة لا تنحصر في سقوط النظم الشيوعيّة القائمة فحسب، بل تتعدّاها إلى عدم قدرة جزءٍ كبيرٍ ممّا تبقّى منها على تفهّم واقع الهزيمة وتقديرِ نتائجها، لأنّ الجثّة المتفسّخة لا تعي فسادَ كيانها. فعلى الرغم من تلك الهزيمة القاسية لم تراجِعِ الحركةُ الشيوعيّة تجربة سقوط المنظومة الاشتراكيّة مراجعةً نقديّةً معمّقة، واكتفى عددٌ كبيرٌ من أجنحتها بالهروب إلى الأمام، من طريق الإيحاء إلى مريديه بأنّ سقوطها التاريخيّ كان قدرًا جاءها من خارجها، وهم معفيّون من تحمّل أسبابه ونتائجه. ولكنّ هذه الهزيمة السياسيّة قد تجيبنا عن الأسئلة الجوهريّة التي نريد الوصولَ إليها: هل استنفدت الماديّةُ الجدليّةُ نفسَها ولم تعد قادرةً على العطاء كتيّارٍ فكريّ، وما يرافقه من منظومة أفكارٍ سياسيّة؟ هل تعني هزيمةُ التيّارات الاشتراكيّة الحاكمة وتابعيهم هزيمةً للماديّة التاريخيّة في أسسها الجوهريّة، الفلسفيّة خاصّةً؟

قد يكون من المحزن الاعترافُ بأنّ مرحلتنا الراهنة تَشْهد تطابقًا عالميّاً بين فوضى الفكر، التي هي جوهرُ النفعيّة الفلسفيّة الرأسماليّة، وفوضى الممارسة السياسيّة، التي هي جوهرُ التطوّر السياسيّ والعسكريّ الناشئ من انتصار الولايات المتحدة وتحوّلها إلى قوةٍ وحيدةٍ في عالمٍ خالٍ من الأقطاب القويّة. وربما لا يكون مبهجًا القولُ إنّ السلوكَ السياسيّ والموقفَ النظريّ لبعض الأطراف “الشيوعيّة” المنهارة، ومنهم شيوعيّو العراق ـ جناح بريمر، يجسِّد لحظةَ التطابق التاريخيّة القاسية هذه تجسيدًا مثاليّاً، وذلك من خلال جمعهم بين الاسم “الشيوعيّ” والدعوة إلى تأييد الاحتلال والعنف الحكوميّ والدوليّ ونشرِ نظريّة “الحتميّة الأميركيّة” وغيرها من الحلول السياسيّة الغريبة عن الفكر الجدليّ، معبّرين بهذا عن تطابقٍ تامٍّ بين فوضى المفاهيم والقيم كمنهج ثقافيّ، وفوضى المشروع السياسيّ كعمليّةٍ إجرائيّة. لقد أنتجت التجربةُ الشيوعيّةُ العراقيّة جيلاً من القادة على درجةٍ عاليةٍ من فقدان السويّة السياسيّة: فمنهم مََن توجّه نحو المشروع العرقيّ ككريم أحمد؛ ومنهم مَن ذهب نحو حلولٍ تحالفيّةٍ شديدة الغموض كمهدي الحافظ؛ ومنهم مَن عمل في خدمة الاحتلال بشكلٍ مباشرٍ من خلال قيادته لتيّارٍ “شيوعيّ” وتولّى شخصيّاً دورَ تقديم المعلومات الدوريّة إلى ضبّاط استخبارات الجيش الأميركيّ، فشكّلتْ هذه المعلوماتُ قاعدةً للإحداثيّات العسكريّة في بعض مناطق الصراع الحادّة، كما زوّدهم بتقارير منتظمةٍ عن حركة الكتل في مجلس النوّاب ومسارات الصراع الداخليّ! ولقد ازدادت صورةُ القائد الشيوعيّ تلوّثًا حين وَجدت القواعدُ الحزبيّةُ أمينَ عامٍّ سابقًا كـ […]، قاد الحزبَ عقودًا، يقدّم أوراقَ اعتماده إلى حاكمٍ محتلّ؛ وحين وَجدتْ آخرَ انقلب من قيادة منظماتٍ وهميّةٍ عالميّةٍ (كمنظّمات السلْم والتضامن والتحرير) إلى تأييد مشروع الاحتلال المتعدّد الجنسيّات كنوري عبد الرزّاق؛ ومنهم مَن انقلب من اليساريّة الثوريّة إلى خادمٍ لمشروع الديكتاتوريّة، ثم إلى متطوّعٍ صغيرٍ في فيلق الاحتلال، كـ […]. هذا الانقلابُ القياديُّ الكبير أفضى إلى طغيان خطابٍ سياسيّ اغترابيّ، مستنسخٍ، مفرَغٍ من الخصوصيّة الوطنيّة، يجْمع بين السطحيّة السياسيّة وبين التأمرك اليمينيّ والنزعة العرقيّة والصهيونيّة والتحلّل الأخلاقيّ. وهو خطابٌ انتقاميٌّ يرمي إلى تدنيس الإرث الوطنيّ عامّةً، والاشتراكيّ خاصّةً، بهدف الحصول على براءة ذمّةٍ من ماضٍ لم يعد يطابق نهجَ مسايرة مشاريع الاحتلال ورغبات القوى العِرقيّة والطائفيّة الحاكمة.

لقد نشأت انحرافاتٌ، وتقلّباتٌ، بل خياناتٌ مشينةٌ، في تاريخ الحزب الشيوعيّ العراقيّ من قبل، ولكنْ لم يحْدثْ تحوّلٌ معادٍ لجوهر توجّهات الحركة الوطنيّة العراقيّة ومفاهيمِ الاشتراكيّة بهذه السعة والعمق في الصفوف القياديّة العليا والحلقاتِ القريبةِ منها، كما حدث خلال السنوات المنصرمة. هل ما يحْدث مجرّدُ مصادفاتٍ قدَريّة، أمْ أنّه نتيجةٌ من نتائج التربية التاريخيّة؟ أهو نزوةٌ طارئة، أمْ نهجٌ ثابت؟ أنْ تولَدَ، في هذه الحقبة المحدّدة، تشكيلةٌ قياديّةٌ متعدّدةُ المسارات والتطلّعات، موحّدةُ المنشإ، لا تقيم وزنًا لتاريخ الحركة التي أنجبتْها وتربّتْ في أحضانها، فذلك دليلٌ على فساد الأرض التي سارت عليها التجربةُ الشيوعيّةُ في العراق لحقبةٍ مديدةٍ سابقة، ودليلٌ على أنّ الحركة مقبلةٌ على صراعٍ قاسٍ، عنيفٍ، لن يُحسمَ إلاّ بعودة الحركة إلى مجراها الحقيقيّ، أو بالتحوّل إلى كيانٍ آخر، بهويّةٍ مغايرة.

لقد أخطأ كثيرون في تفسير حديث بول بريمرعن مقابلة “كشف الكفاءة” التي أجرها لزعيمَي الحزب الشيوعيّ عزيز محمد وحميد مجيد، والمفاضلةِ بين أهليّتيْهما في كتابه عامي في العراق؛ فقد ظنّ كثيرون أنّ بريمر كان يهدف إلى فضح بعض مستخدَميه وتوسيخِهم. لكنّ بريمر أذكى من أن يكتفي بذلك: إنه، كممثّلٍ لقوّةٍ عالميّةٍ منتصرة، يهدف إلى تسجيل شهادةٍ علنيّةٍ، وباسمه الشخصيّ، لوفاة الشيوعيّة، ممهورةً بتوقيع زعيميْن من قادتها الرسميّين. فهل كان هذا الحدثُ قدرًا جاء من خارج مسار تطوّر الحزب تاريخيّاً؟ كيف تجيب “ماركسيّةُ المنطقة الخضراء” عن هذا السؤال؟ عن هذا السؤال لا يجيب أحد لأنّ القيادات الراهنة لا صلةَ لها بالاشتراكيّة نهجًا للنضال الطبقيّ والوطنيّ والأمميّ، لكونها منشغلةً بأمور أكثر أهميّةً من سمعتها الشخصيّة ومن واقع الحركة ومصيرها. إنّ بريمر ومجيد، اللذين التقيا على قاعدة شراكةٍ سياسيّةٍ تقوم على نظريّة انتصار “القدَر الأميركيّ” الحتميّ بديلاً تاريخيّاً يلغي قوانينَ النضال التقدميّ، يؤكّدان عمليّاً موتَ الماركسيّة المبتذلة، ماركسيّةِ السوق. وهما يؤكّدان موتَ مشروعيّهما كحلٍّ محليّ ـ أجنبيّ مقترحٍ قائمٍ على فوضى القيم والمفاهيم، وفوضى التجربة اليوميّة المختلّة المناهضةِ لأسس التفكير والممارسة الجدليّة. والحقّ أنّ هذا الاتحاد المريب، وما يرافقه من خطابٍ دعائيّ، ليس جديدًا على تاريخ الفكر الجدليّ (إذ كان الخلافُ العنيفُ بين التيّارات المتناحرة مادةً أساسيّة تقع في صلب الصراع النظريّ المتعلق بنقاوة النهج السياسيّ وصحّته)؛ بيْد أنه تحوّل في السنوات الأخيرة إلى مادةٍ توكَلُ في الغالب إلى عناصرَ متدنّيةِ المعارفِ والمواقفِ والمسؤوليّةِ الأخلاقيّة، تتولّى مهامَّ الدفاع عن قادةٍ عاطلين عن التفكير، وعن سياساتٍ معاديةٍ للمصالح الوطنيّة: فلم يقم أحدٌ بزيارة إسرائيل إلاّ بادروا إلى تمجيده منذ اللحظة الأولى؛ ولم يُفتتحْ سجنٌ إلاّ مَجّدوا سجّانيه؛ ولم يُطْلقْ مرتزِقٌ النارَ على مواطن إلاّ دافعوا عن القتلة؛ ولم تتمدّدْ ميليشيا عرْقيّة على حساب وحدة الوطن إلاّ باركوا فعلتَها؛ ولم تُدَكّ مدينةٌ بالقنابل إلاّ هلّلوا لقاصفها.

إنها عقدةُ الانتقام من كلّ ما هو وطنيّ وإنسانيّ وحيّ. وإنها ثقافة مَرَضيّة، أضحت خادمًا وفيّاً لكلّ ما هو دمويّ ولاإنسانيّ، وتتخصّص في واجبٍ واحد: حراسة مملكة الشرّ. فأيّ شيوعيّة هي هذه؟! وفي أيّ صفيحةٍ من صفائح التاريخ وَجدوا هذا المثالَ “الشيوعيّ” القبيح؟ إنّ تلك الأمثلة ليست سوى شواهدَ تاريخيّةٍ على موتَ جيلٍ من أجيال التفكير الشيوعيّ، لكنها تؤكّد في الوقت عينه استمرارَ الظاهرة التاريخيّة: صراع المتناقضات. فهذه القيادات تَعرف، انطلاقًا من قوانين الجدل نفسها، أنها لا تستطيع أن تلغي ظهورَ أجيالٍ مخْلصةٍ لثوابتها التاريخيّة، وبروزَ أصواتٍ تسعى إلى ديمومة النظريّة الماركسيّة وتجديدِها، ووجودَ ضمائر لا تخشى الاعترافَ بإخفاقاتها.

إنّ فهمَ الصراعات المحليّة خارج سياق الظاهرة العالميّة، وفصْلَ الوطنيّ عن العالميّ، نهجٌ غريبٌ لم تعرفه الحركةُ الشيوعيّة من قبل، وقد بدأ يسيطر على القيادات الشيوعيّة الراهنة في العراق كنوعٍ من قصور النظر، مصحوبًا بميْلٍ شرهٍ إلى التكسّب السياسيّ النفعيّ، من دون الاهتمام بعواقب هذا السلوك على مستقبل الحركة وتاريخها. إنّ استنفار نوازع الربح السريع والحصول على الغنائم بديلاً للسلوك التحريضيّ ليس دليلَ طاعةٍ للحاكم فحسب، بل هو أيضًا تنكّرٌ علنيّ لقواعد السلوك الوطنيّ المبدئيّة، ساهم مساهمةً مباشرة في توسيع جبهة الإرهاب والارتزاق السياسيّ على حساب النضال الوطنيّ الحقيقيّ الهادف إلى تحرير المجتمع من بقايا النهج الديكتاتوريّ ومستجدّات مرحلة الاحتلال. إنّ الثمن الذي قدّمته القياداتُ المتحالفةُ مع المحتلّين والطائفيين كان باهظًا، وسيترك آثارَه القاتلة على حقبٍ عديدةٍ قادمة؛ فقد كان هذا النهجُ عاملاً أساسيّاً من عوامل تفريغ الصراع السياسيّ من أيّ بديلٍ تاريخيّ يقف في مواجهة مشروع العنف: عنفِ المحتلّ وأعوانه من جهة، والعنفِ التكفيريّ والطائفيّ والعرقيّ والبعثيّ من جهة أخرى. إنّ أعظم هديّةٍ قدّمها التيارُ “اليساريّ” التابعُ هو إلغاءُ وجود التيّار الديموقراطيّ المستقلّ، باعتباره قوةً اجتماعيّةً تقف في تعارضٍ تامٍّ مع وجهَيْ معادلة العنف السابقيْن، والاحتفاظُ من ذلك التيّار بالاسم فقط وببعض التحالفات الآنيّة الدعائيّة أو النفعيّة.

لقد أثبتتْ أحداثُ السنوات المنصرمة أنّ الضربات المسلّحة الأميركيّة الكبيرة لم تزل تحتفظ بقوّتها، إلا أنها أخذتْ تفقد بعضًا من زخمها السياسيّ، وجزءًا كبيرًا من زخمها الدعائيّ والأخلاقيّ، وكاملَ مثالها الإنسانيّ. بيْد أنّ الأزمة العالميّة الراهنة، التي ولدّها تسيّدُ القطب الأميركيّ الوحيد، لم تجد منافذَ واضحةً للحلّ، نتيجةً لعدم ظهور المنافس التاريخيّ حتى الآن. لذلك فإنّ مهمّة التعجيل في استنفاد زخم الهجوم الأميركيّ الشامل على المصالح التاريخيّة للبشريّة لن يتمّ من دون تنشيط عناصر مواجهة الاستبداد الدوليّ والمحليّ معًا، وإيجادِ البدائل التاريخيّة المشتركة وطنيّاً وعالميّاً. فإذا كان البديلُ الدوليّ لم يظهرْ بعد، إلا أنّ جبهة واسعة أخذتْ تنْشط في مواجهة المشروع الأميركيّ، هي جبهةُ أميركا الجنوبيّة، التي فُعّلت تاريخيًّا خارج شعارات محاربة “الإرهاب الاسلاميّ.” أما القوى الوطنيّة في آسيا وأفريقيا فلم تزل، في جلّها، عاجزةً ومشتّتةً، تئنّ تحت وطأة شعارات محاربة “الإرهاب الدوليّ” و”الإسلام السياسيّ” الانتقائيّة المنافقة. وعدا التيّارات العرقيّة والفئويّة والمناطقيّة، لم تظهرْ في منطقتنا قوًى فاعلةٌ سوى القوى الإسلاميّة بصنوفها المتنوّعة: المتحالفة مع المشروع الأجنبيّ، والمقاومة له، والإرهابيّة التكفيريّة. وقد احتلّ الصنفُ الأخيرُ الواجهةَ الإعلاميّة لما تمثّله نتائجُ أعماله من عنصر إدامةٍ لزخم الهجوم الأميركيّ، وعنصرِ تجديدٍ لإيديولوجيّته وسياسته الميدانيّة العسكريّة. كما جرى إعلاءُ شأن الجماعات المسلّحة المحترفة التي تتنقل من جهةٍ إلى جهة، بحسب الطلب، وجرى رفعُها إلى مستوى القوة السياسيّة، كشكلٍ من أشكال خلخلة الأمان الاجتماعيّ وزرعِ الألغام التاريخيّة المميتة تحت واجهاتٍ طائفيّةٍ ومناطقيّة. وفي الوقت ذاته يجري الهجومُ على القوى الإسلاميّة التي تبدي ميْلاً معاديًا للاحتلال على قاعدةٍ وطنيّةٍ خاليةٍ من نزعة التكفير والإرهاب الطائفيّ؛ وكذلك الحالُ مع قوى الاعتدال الإسلاميّ ذات النزوع الوطنيّ، مثل النموذج الماليزيّ، الذي لم يزل يعاني التهميشَ خشيةً من قوة تأثيره في الآخرين كبديلٍ سلميّ محتمل.

إنّ إعادة الجدل الى نصابه الصحيح مسؤوليّة القوى الحيّة التي تتّسم بالاخلاص المطلق لمبادئ الحقيقة. إنّ موت الماركسيّة السريريّ، الذي يحاول القادةُ الحاليّون ومشايعوهم إثباتَه، ليس سوى وهمٍ يخفي موتَ التيّارات الانتهازيّة التي تتخذ من الخطاب الدعائيّ مادّةً للجدل لتبرير عجزها عن فهم الواقع في مواجهة خصومها؛ ولا شكّ أنه يثبت أيضًا أنّ النظرية الجدليّة قادرةٌ على تأكيد حيويّتها أداةً للتفسير والتغيير.

2 – البيان الشيوعيّ لمرحلة الاحتلال: من الأمميّة الاشتراكيّة إلى الاشتراكيّة المحليّة

في النصف الثاني من ثمانينيّات القرن الماضي بدأت الأرضُ التي تسير عليها الشيوعيّةُ بالاهتزاز. ولم يكن هذا الاهتزازُ محصورًا في الاتحاد السوفييتيّ، بل أخذ يشمل مجملَ النظام الاشتراكي، وخاصّةً النظم المبنيّة على النمط السوفييتيّ. وتعدّت الهزّات ذلك الحدّ ومسّت تأثيراتُها المباشرة توابعَ هذا النظام في العالم الثالث، وفي المجتمعات “الضعيفة التطوّر” كاليمن الديموقراطيّة وأفغانستان وأثيوبيا وألبانيا ومنغوليا. وسرى أثرُها على التنظيمات الشيوعيّة في البلدان الرأسماليّة أو بلدان “العالم الثالث.” بل تأثّر المنافسُ التاريخيُّ الأولُ للنظام الاشتراكيّ، أيْ تيّارُ “الاشتراكيّة الدوليّة،” الذي مُني بخسائرَ متتاليةٍ جرّاء غياب قادته التاريخيين عن المسرح السياسيّ في وقتٍ متقارب: المستشار النمساويّ برونو كرايسكي الذي استقال من رئاسة الحكومة والحزب الاشتراكيّ النمساويّ عام 1983، والمستشار الألمانيّ ويلي برانت الذي ترأّس قيادة الحزب الاشتراكيّ الألمانيّ بين عاميْ 1964 و1987، والقائد السويديّ أولوف بالمه الذي اغتيل في مارس 1986 وكان أبرز وجوه الاشتراكيّة الدوليّة وأكثرهم تأثيرًا في السياسة العالميّة.

التقطت القوى المناهضةُ للشيوعيّة إشاراتِ شيخوخة النظام الشيوعيّ من ملاحظاتٍ كثيرة، منها توالي قيادات سوفييتيّة شائخة عمريّاً وحزبيّاً، وسرعةُ مغادرتها للمسرح السياسيّ. فبعد فترة احتضارٍ طويلةٍ ومملّةٍ قضاها بريجنيف في رئاسةٍ اسميّة، حلّ في السلطة حيّان عابران، أقربُ إلى الموتى، هما شيرننكو وأندروبوف، أعقبهما ظهورٌ مفاجئٌ لقياداتٍ جديدةٍ تتّسم بالصخب اللفظيّ والنزق السياسيّ والاضطراب الشخصيّ، ومنها: غورباتشوف (صاحبُ نظريّة البيريسترويكا والغلاسنوست) ويلتسن (“مكتشف” الفيديو والجينز). أما الإشارات السياسيّة والعسكريّة الحاسمة فقد ظهرتْ تتويجاتٍ لذلك الاهتزاز، وتمّت على ضوئها إعادةُ ترتيب البيت العالميّ بشكلٍ سريعٍ ومؤقت؛ وأبرزُ هذه الإشارات ما يأتي:

تطوّرُ حركة معارضة الشيوعيّة في بولندا؛ وانقلابُ 13/5/1986 في اليمن الديمقراطيّة وقيامُ الحرب الأهليّة التي تُوّجتْ بسقوط القيادتين المتصارعتين؛ وانسحابُ القوات السوفييتيّة المذلّ من أفغانستان عام 1989؛ والاضطراباتُ الشعبيّة في منغوليا التي قادت عام 1990 إلى تخلّي الحزب الشيوعيّ عن احتكار السلطة؛ وإخفاقُ الحليف الروسيّ في إنقاذ الجيش العراقيّ الذي غزا الكويتَ عامَ 1990 من كارثةٍ إنسانيّةٍ وعسكريّةٍ وسياسيّة، إذ تمّ تدميرُ الجيش العراقيّ المنسحب من الكويت عام 1991 على الرغم من توسّط غورباتشوف وبريماكوف في مفاوضات الانسحاب؛ وسقوطُ سلطة منغستو هيلا مريام في أثيوبيا في مايو1991 وصعودُ ملس زيناوي، الذي قاد تحوّلاً جذريّاً باتجاه التحالف مع الولايات المتحدة؛ واستيلاءُ قوات “تحالف الشمال” على كابول، ممهّدةً الطريقَ لانتصار طالبان، الذي أشّر على حدوث تغيير جدّيّ في معادلات التحالف التاريخيّ بين الإسلام العسكريّ والولايات المتحدة. وقد تعمّق هذا التغييرُ حينما قُرِن نجاحُ طالبان بنجاحٍ أعظم تاريخيّاً وأخطر اجتماعيّاً وسياسيّاً، ونعني به الانتصارَ السلميّ الديموقراطيّ للقوى الإسلاميّة في الجزائرعام 1991 في سابقةٍ مثيرةٍ قادت إلى كسر احتكار “جبهة التحرير” للسلطة، وإعلان فشل خط التطوّر الغامض والقلق الذي سارت به بعضُ المجتمعات العربيّة بعد الاستقلال، وما رافقه من امتزاج الدعوة القوميّة بالهيمنة العسكريّة. وكان إلغاءُ نتائج الانتخابات الجزائريّة من قبل العسكر، وبتأييدٍ علنيّ من فرنسا والولايات المتحدة، دعوةً مفتوحةً إلى بدء حربٍ جديدةٍ، سافرةٍ، تعتمد على مبدإ وحيد هو مبدأ الربح والخسارة، وفقًا للطريقة الاستعماريّة التقليديّة القائمة على الاستيلاء المباشر على مناطق النفوذ. حدث هذا بالتزامن مع نهاية الحرب العراقيّة ـ الإيرانيّة. وقد أثبت هذا التطورُ أنّ إيران لم تكن فريسةً سهلة، كما اعتقد الأميركانُ وحلفاؤهم. أما خروجُها من هذه الحرب غيرَ مهزومة، فقد كان إشارةً ذاتَ دلالةٍ قويّةٍ على أنّ زمنًا جديدًا من التحالفات في طريقه إلى الانبثاق.

المؤشران المبكّران، اللذان حدثا بطرقٍ مختلفةٍ جذريّاً، جاءا معًا من أقصى أطراف القوس التي تريد القوةُ الدوليّةُ المنتصرة تغييرَها: فمن يتأمّل النصرين السياسيين في الجزائر وأفغانستان يرَ أنّ الإسلام الدينيّ وضع جزءَ العالم المضطرب بين قوسين، وهو الجزء ذاته الذي أسمته القوةُ العظمى المنتصرة “الشرقَ الأوسطَ الجديد” واعتبرته الميدانَ الأساسَ لعمليّاتها التغييريّة الراهنة. وإذا ربطنا هاتين القوسين بالثبات الإيرانيّ نكون قد وصلنا إلى رسم صورةٍ تؤكّد أنّ قبضة مُحكمةً في طريقها الى إمساك الأرض المتحركّة.

وبهزيمة قوات تحالف الشمال انقلب تعبيرُ “المجاهدين” الأميركيّ إلى “إرهابيين،” وانقلب الإسلامُ من حليفٍ إلى عدوّ، وتبدّلتْ مواقعُ الحليف من “معنا” إلى “ضدّنا،” وغدا الصراعُ مع الآخر المغاير صراعًا بين “نحن” و”هم.” وتصاعدَ هذا الانقلابُ بالتزامن مع تصاعد هزيمة العدوّ التقليديّ، الشيوعيّ، وتعاظُمِ الثقة بالنفس لدى الجماعات الإسلاميّة، التي ظلت حتى وقتٍ قريبٍ تُعتبر مجردَ أداةٍ بيد لاعبين كبار. كلُّ تلك التغييرات أضحت إيذانًا بإعلان الانتصار النهائيّ على الشيوعيّة، وبموجبه تمّ تثبيتُ صورة العدوّ الجديد، الإسلام، وفق إيديولوجيا “صراع الحضارات” بديلاً مباشرًا لصراع النظم الاقتصاديّة ـ السياسيّة المختلفة الذي كان الشعارَ الإيديولوجيَّ لمرحلة الحرب الباردة.

وفي وقتٍ لاحق، وفي مناطق أكثر سخونة، غدا هذا المنحى حقيقةً مؤكّدةً: بانتصار حركة “حماس” وإنهائها السيطرة التقليديّة لحركة “فتح” في فلسطين سلميّاً وانتخابيّاً؛ وبتطوّر حركة المعارضة المسلّحة اللبنانيّة إلى حركةٍ اجتماعيّةٍ واسعةٍ أخذتْ تنحصر يومًا بعد يوم في قوًى ذات طبيعة إسلاميّة، حتى كاد خطابُ المقاومة يغدو شعارًا إسلاميّاً خالصًا، ويغدو اليساريُّ متلقّيًا أو متفرّجًا، وفي أحوال عديدة حليفًا للمحتلّ، كما في مثال العراق عقب سقوط النظام البعثيّ عام 2003. وفي هذا الجانب يكمن سرُّ تحالف الأميركان مع عدوّ تقليديّ ممثّلاً بالأحزاب الشيعيّة (والسنّيّة لاحقًا) في العراق؛ ففي هذه المرحلة لم يعد ممكنًا ويسيرًا البحثُ عن حلفاء خارج المشروع السياسيّ الإسلاميّ. وهذا يعني أنّ منطق تعميم الصراع أرغم المنتصرين أنفسَهم على إعادة تكييف خططهم السياسيّة، المؤقتة في أقلّ تقدير. وقد ظهر هذا جليّاً في تحالف الأميركان مع بعض أطراف حزب الدعوة والمجلس الأعلى في العراق.

3 – ورطة النصر: من صراع الطبقات إلى صراع الأديان

كانت اهتزازاتُ الأرض في حلقات النظام الاشتراكيّ محسوسةً، لكنها لم تكن مدرَكَةً تمامًا. بعضُ تلك الانهيارات جاء أسرعَ ممّا توقعه الأعداءُ، وبخاصّةٍ في الأجزاء الأكثر ارتباطًا بالخطّ السوفييتيّ كألمانيا وبلغاريا. لكنّ الإحساسَ باهتزاز الأرض دفع العديدَ من قادة أوروبا، من زعماء البدائل الرأسماليّة المختلفة، إلى الاستعداد لاستقبال عدوّ محتمل والتدرّب على سُبل تلقّي عواقب الهزّات السياسية وعواقب تفجير الصراعات العرقيّة والقوميّة والدينيّة: كتحريك الأتراك البلغار (في صراعٍ ضدّ الشيوعيّة على قاعدةٍ عرقيّةٍ استُخدم فيه الدينُ هويّةً)، أو تمرّد المسلمين اليوغسلاف، ومسلمي آسيا الوسطى والقوقاز، والمسلمين القبارصة. في هذه الحقبة قام العديدُ من قادة الكتل السياسيّة الأوروبيّة بأدوارٍ بارزةٍ في تأجيج الصراعات العرقيّة والدينيّة، كالدور الكبير الذي لعبه رئيسُ حزب اليمين السويديّ كارل بلد، الذي تولّى في فترة رئاسته للحكومة مهمّةَ نقل الآلاف من العالقين في كمّاشة التصعيد العرقيّ الدينيّ في بلغاريا وكوسوفو والبوسنة، بصحبة أعدادٍ من الناشطين والدعاة السياسيين والمقاتلين السريين، إلى السويد. وأظهرت الأحداثُ اللاحقة أنّ “بلد” أخذ بالتحوّل السريع ـ بالتزامن مع تغيّر هويّة العداء من شيوعيّ الى إسلاميّ ـ من زعيم سياسيّ محليّ لبلدٍ صغيرٍ مسالمٍ كالسويد إلى وسيطٍ دوليّ ذي حيادٍ خادع يتولّى ملفَّ البلقان. وفي غزو العراق ظهر اسمُه مجدّدًا ضمن فريق الخبراء الذين رسموا آفاقَ الاحتلال. وظهر اسمُه ثالثةً في عقود النفط، ورابعةً في أحداث دارفور، وخامسةً في مؤتمر ستوكهولم عام 2008 راعيًا لإعادة إعمار ما خرّبته آلةُ الغزو الأميركيّ للعراق. إنّ السياسة، بما في ذلك الليبراليّة الأوروبيّة، ليست بريئةً كما يعتقد الناس الطيّبون!

من هذا العرض نرى أنّ الحروب العرقيّة، والصراعَ ضدّ العدوّ السابق في ثوبه السياسيّ والعسكريّ، ومشكلةَ الهجرة، اختلطتْ جميعُها بالموقف من الإسلام ـ حليفًا، ثم عدوّاً. وربما يجد الدارسون في شخص زلماي خليل زاد صورةً عيانيّةً لهذا الاختلاط العجيب: فزلماي الأفغانيّ عمل مخْبرًا، ثم ناشطًا في مجال العلاقة بين الأميركان “والمجاهدين” الأفغان، فسفيرًا للولايات المتحدة عند قيام الحكومة الأفغانيّة المنصّبة أميركيّاً، وعاد مؤخّرًا إلى لبس الثوب الوطنيّ فرشّح نفسَه رئيسًا لوطنه السابق الذي كان سفيرًا فيه من قِبل الدولة الأجنبيّة التي تحتلّه. وآثر زلماي أن ينقل تجربتَه هذه بحذافيرها إلى العراق، لكي يستطيع إعادةَ إنتاج مشهد النصر مكرَّرًا بصورة خلاّقة. في هذه الحزمة المتشابكة من التناقضات، أضحى من المحتّم على الولايات المتحدة (يشاركها بنسبٍ متفاوتةٍ حلفاؤها الأوروبيّون) أن تعجّل في إعادة تأسيس خطابها الإيديولوجيّ؛ فظهر الإسلامُ مجدّدًا، ولكنْ ليس كعدوٍّ إيديولوجيّ فحسب، وإنما أيضًا كعدوٍّ ميدانيٍّ يجول في العالم مثل شبح. وتمّ ضخُّ شحناتٍ هائلةٍ من مشاعر العداء الحقيقيّ والمفتعل ضدّ الإسلام من أجل تمهيد الأرض نفسيّاً واجتماعيّاً لتقبّل نتائج سياسة “الحرب العالميّة على الإرهاب،” فنشأتْ ظاهرةُ “فوبيا الإسلام.”. ولم تكن أحداثُ 11 سبتمبر سوى عرضٍ مسرحيٍّ مباشرٍ بالذخيرة الحيّة لعمليّة تعميم الخوف في أوروبا. لكنّ هذا الخوف الذي أريدَ له صناعة مناخٍ نفسيّ وثقافيّ مساندٍ للحرب، التي وقفتْ أغلبُ شعوب أوروبا ضدّها، نجح في زرع عدم الثقة بين البشر، ودفع المُهاجرين إلى البحث عن ملاذاتٍ من ظاهرة الخوف من الإسلام باللجوء إلى الإسلام نفسه (وإحيانًا إلى أكثر مظاهره تزمّتًا وتخلّفًا لأنها الأيسرُ منالاً والأكثرُ أمانًا). إنّ التحوّل السياسيّ ـ الإيديولوجيّ الأميركيّ ولّد عواقبَ ثقافيّةً عالميّةً عظيمةَ الخطورة، لا تشْبهها في تاريخ البشريّة السابق سوى نتائج الخطاب التعبويّ العسكريّ الدينيّ للبابا أوربان الثاني، مشرِّعِ الحروب الصليبيّة.

باختفاء الشيوعيّة واندفاع أميركا في عمليّات ابتلاع العالم القديم، اكتشف الأميركانُ بأنفسهم أنّ قواهم الذاتيّة، كلاعبٍ وحيد، لا تلائم حجمَ المهمّات الواسعة المعروضة أمامهم. فأعادوا ترتيبَ الأدوار الدوليّة على عجل، بإرجاع اليابان وألمانيا إلى الحظيرة السياسيّة العسكريّة الدوليّة وإشراكِهما في غزو العراق، وجذبِ دولٍ صُنّفتْ طويلاً على أنها دولٌ محايدة كالدانمارك والسويد إلى جبهة الحرب، وتنشيطِ عمليّة إعادة تأهيل إسرائيل إقليميّاً. وقد رافقتْ ذلك كله إعادةُ صياغةٍ جذريّة لثقافة الحرب وأخلاقها على قاعدةٍ جديدةٍ قوامُها: استئصالُ العدوّ أو إعادتُه إلى العصر الحجريّ، وتشريعُ القتل على الشبهات أو عند الإحساس بالضيق والارتياب، وحقُّ ممارسة التعذيب وإقامةِ السجون الخاصّة والسجونِ السريّة الدوليّة، وحقّ تدمير المدن وأخذ الرهائن وتجريف الأراضي، وطمأنة المحاربين بوجود حصاناتٍ تكفل لهم ممارسة تلك الحقوق قانونيّا. كما جرت إعادةُ ترتيبٍ شاملة لبنية العمليّات العسكريّة، من طريق إشراك أكثر من طرفٍ في حروب التقاسم الجديدة، كما في مثال الحرب على العراق وأفغانستان. وجرت أيضًا إعادة تغيير هيكلة القوات الأميركيّة ذاتها، التي لم تعد قادرةً على تحمّل العمل في جبهاتٍ عديدةٍ واسعة، باستئجار فرق المرتزقة الدوليين أو المتعاقدين، وباستئجار دولٍ محاربة (إثيوبيا ضدّ الصومال، وتشاد ضدّ السودان)، أو جماعات محليّة محاربة (“الصحوات” في العراق).

إنّ تغييرًا عميقًا يشهده عصرُنا، لم يكن سببَه انهيارُ المنظومة الاشتراكيّة، بل عدمُ مقدرة البديل على إدارة العالم بقواه الذاتيّة. وهذا الخلل في البنية الداخليّة للمنتصر الدوليّ هو مصدرُ الاضطراب في السياسة الأميركيّة الراهنة، التي لم تعد قادرةً على التوفيق بين الخطط المباشرة والأهداف البعيدة المدى. فانفكاكُ التحالف مع الخطاب الإسلاميّ، وتحوّلُ الإسلام إلى هدفٍ إعلاميّ شامل، ظهرا في هيئة “محاربة الإرهاب” كشعار، وفي هيئة “تحالفٍ دوليّ ضد الإرهاب” كمنظومة عملٍ لم ترقَ إلى مستوى الحلف بعدُ لأنّ أغلب أطرافها (الأوروبيّة خاصّةً) لم تزل تساير المنتصرَ القويَّ خوفًا وترقّبًا أكثر منه اقتناعًا. وهذا السبب كان أحدَ عوامل النفخ في تفجيرات 11 سبتمبر وجعلها قضيّة كونيّةً تربط أطرافَ العالم؛ وهو رابطٌ مضخّمٌ تدرك الدولُ الأوروبيّة ضعفَ مبرِّراته.

لقد وقفتْ قياداتُ الشيوعيين العراقيين، والمثقفون المرتبطون بها، أمام هذا التغيير الكبير موقفًا شديدَ الارتباك، يعكس هشاشة التكوين التاريخيّ لثلاثة أجيالٍ من القيادات السياسيّة التي نشأتْ في ظلّ الهيمنة العرقيّة على كيان الحزب، وفي ظلّ الاغتراب السياسيّ الطويل، والعبادةِ الشكليّةِ للطوطم السوفييتيّ، والتربية الخاطئة التي تستمدّ مثالَها من جهازٍ حكوميٍّ شموليٍّ متخلّفٍ قائمٍ على العوز والتسلّط، لا من الواقع أو المثال الثوريّ. ولقد كان سقوط الديكتاتوريّة البعثيّة مقرونًا بالاحتلال فرصةً نادرة أمام اليسار العراقيّ لكي يعيد تنظيمَ جدول أعماله على قاعدةٍ جديدةٍ وفريدة، قوامُها الإفادةُ من غياب سلطة الديكتاتوريّة لخلق أوسع جبهةٍ ديموقراطيّة، وللوقوف ضدّ الاحتلال بالمشروع الوطنيّ، وضدّ الطائفيّة بالمشروع التقدميّ، وضدّ العرقيّة بالوحدة العراقيّة، وضدّ الحرب والعنف الارهابيّ بمشروع النضال المطلبيّ والسياسيّ والفكريّ. بيْد أنّ ذلك كلّه لم يحْدثْ، وذهبت القياداتُ الشيوعيّة ومثقفوها إلى التفتيش عن الحلول في مكاتب المحتلّين والقوى العرقيّة والطائفيّة.

إنّ ما يحدث في العراق درسٌ فريدٌ، لكنّ الخطر يكمن في أنّ كثيرين يعتقدون أنّه شأن عراقيّ خالص. حقّاً، إنّ النموذج العراقي خاصٌّ حسيًّا، لكنّه قد يغدو مثالاً للتطبيق إنْ توطّدتْ أقدامُ القوى الراعية لهذا النموذج، وحينذاك سينفجر السؤالُ الذي واجه العراقيين عشيّةَ الغزو الأميركيّ، ولكنْ بسبل أكثر التواءً ومكرًا. حينذاك سنعْرف كيف تتمّ مواجهةُ الموقف، وما إذا كانت أزمةُ القيادة اليساريّة العراقيّة وأمراضُ اليسار العراقيّ خاصّةً أمْ قابلةً للتكرار وتسري ـ بقدرٍ ما ـ على اليسار العربيّ عمومًا، وما إذا كان الواقعُ العراقيّ لا يُنتج عواملَ مشابهةً في بلدان عربيّةٍ ترتبط مع العراق بمشتركاتٍ كثيرةٍ تؤثّر في إنتاج الفكر والممارسة (أليس غيابُ الاشتراكيّة الديموقراطيّة صفةً مشتركةً عربيّا؟).

لقد أنتج الواقعُ العربيّ، ببنيته الراهنة، لونين أساسيين من الاشتراكيّة: الاشتراكيّة الماركسيّة، التي هي صورةٌ طبق الأصل من الاشتراكيّة البلشفيّة وتفريعاتها؛ والاشتراكيّة القوميّة، التي هي في أحوالٍ كثيرةٍ صيغةٌ محوّرةٌ من صيغ الاشتراكيّات الوطنيّة، ببعديْها العرقيّ والشموليّ. ولم يتح ضعفُ تطوّر البنى الاجتماعيّة ولادةَ تيّارٍ قويّ يعادل تيّارَ الاشتراكيّة الدوليّة الذي كان ولم يزل عنصرَ جدلٍ فاعلٍ أسهم في قيادة الكثير من المجتمعات الأوروبيّة، وفي “تهذيب” حركة التيّاريْن السابقيْن، وأوجد مساحةً للاحتكاك والاصطفاف والتجديد في الجبهتين السابقتين المتناحرتين. أفلم يكن غيابُ تيّارٍ يعادل “الاشتراكيّة الدوليّة” وزنًا ومضمونًا عاملاً من عوامل التطرّف في التخلّي عن الثوابت لدى القيادات الشيوعيّة العراقيّة، وفي اضطرار الشيوعيين العراقيين الى التحالف مع قوى مغايرةٍ تمامًا لمبادئهم المعلنة؟ أليس هذا السبب عاملاً من عوامل الانقلاب الشديد في نفسيّة الفرد الحزبيّ وفكره عند الهزّات والانقلابات السياسيّة العميقة أو عند سقوط مثاله السياسيّ؟ أليس عاملاً موضوعيّا من عوامل تضييق الاتجاه نحو الحل اليساريّ، كإطارٍ وطنيّ تقدميّ يقوم على أنقاض النموذج الشيوعيّ السابق أو بالتوازي معه؟ هذه الأسئلة وغيرُها تواجه الجميع، وما تجربة العراق سوى تمرينٍ خاصّ وحسيّ ونموذجيّ على سبل التغيير… إلى الأسوإ أو الأفضل.

إنّ المنتصر يعاني أكثر من غيره ورطةَ النصر. وهي ورطة عالميّة توجب على الجميع مسؤوليّة تحمّل عبء نتائجها اليوميّة، والبحث عن حلولٍ مشتركةٍ للخروج من كمّاشتها القاتلة. وفي هذا الموضع تبرز أهميّة وجود تيّاراتٍ فكريّةٍ وسياسيّةٍ واجتماعيّةٍ تجيد قراءةَ الواقع المتغيّر، ووضعَ الحلول الجذريّة لأزماته الرئيسة.

السويد

*كاتب من العراق يقيم في السويد. صدرتْ له ستُّ روايات (سماء من حجر، أمير الأقحوان، الإله الأعور، ذبابة القيامة، يمامة، زهرة الرازقيّ)؛ فضلاً عن: نشوء وتطوّر القصة القصيرة في اليمن ( تاريخ أدبيّ)، خطوات على البحر الميّت (سيناريو سينمائيّ)، جريمة من أجل التلاؤم (بحث اجتماعيّ)، ضباب أفريقيّ (قصص قصيرة)، العودة الى آل ازيرج (قصص قصيرة)، ثقافة العنف في العراق (بحث أخلاقيّ)، من يصنع الديكتاتور (بحث اجتماعيّ).

————————————————————

————————————————————-

ما هي الرأسمالية؟

جون مولينو

“إعرف عدوك”، مثل قديم ومفيد. وعدوة الطبقة العاملة والملايين حول العالم من فلاحين وطلاب ومثقفين هي الرأسماليّة نفسها. ومع ذلك يبقى ضمن الرأي العام والحركة العمالية غالباً، عدم فهم لحقيقة الرأسماليّة وتعريفها الحقيقي.

بالطبع، هذا لأنّ الحكام يريدون ذلك وبالتالي يضمنون الإبقاء على غياب أي تعريف واضح للرأسمالية إن كان من الصحافة البسيطة إلى المؤسسات الأكاديمية والجامعات التي تسعى بدورها إلى إبقاء نوع من الإرباك حول الموضوع. ما يريدونه أيضاً”هو أن يظهروا الرأسماليّة كعمليّة أبدية وأمر ذو طبيعة إنسانيّة لتبدّيد أيّ فكرة للتخلّص منها.

بالتالي يحاولون تعريف الرأسمالية كسمة إنسانية ( أي الطمع) الذي وُجد بأشكال مختلفة وعرف منذ حوالي 5,000 سنة مع ظهور المال أو 10,000 سنة، الملكية الخاصة. حتماً، الناس “العاديون” يتأثرون بهذه الدعاية، ولكن في أية حال هذا لا يبدل أو يخفف الحقد على للرأسمالية وأثرها التدميري المباشر على حياتهم اليومية. ذلك يعني أيضاً أن مقاومتهم إياها مستمرة وتتفجر بشكل عنيف أحياناً. ولكن عدم وضوح التعريف الحقيقي للرأسمالية يضع عقبة أساسية أمام الخلاص منها.

من أهم انجازات كارل ماركس الفكرية هو تحليله الواضح والدقيق لما يعرف بالرأسمالية، معالجاً كيفية ظهورها تاريخياً والحركية الأساسية التي تسيّرها.

أول شيء نفهمه هو أن الرأسمالية ليست موقفاً ولا فكرة. الرأسمالية هي نظام اقتصادي محدد وطريقة لتنظيم الإنتاج، نشأت وتطورت تلقائياً بعد ظهورها في التاريخ الإنساني حديثاً. بدأ هذا النظام بالتطور في أواخر العصور الوسطى في أوروبا كجزء من النظام الإقطاعي السائد آنذاك، وقد كانت الرأسمالية وما تزال عبارة عن نظام لإنتاج السلع (أي بضائع أُنتجت للبيع في السوق). هذا يحول طاقة العمل إلى سلعة معروضة في السوق بحيث تصبح العمالة المأجورة الشكل الأساسي لبيع العمل. يهيمن رأس المال على العلاقات الاقتصادية في النظام الرأسمالي، ورأس المال هو تراكم الثروة التي تُستعمل في تشغيل العمالة المأجورة وكسب قيمة إضافية من خلال تنافسها مع الرساميل الأخرى على الإنتاج والتسويق. علاقة العمل ورأس المال في هذا السياق تصبح العلاقة الاجتماعية المحورية في الرأسمالية.

ولكي تعزز موقعها، كان على الرأسمالية أن تطوّر نفسها، ليس فقط اقتصادياً، فمالكو رأس المال، أي الرأسماليين، والبرجوازيون كان عليهم السيطرة على القوة السياسية وتطويعها. وقد حصل ذلك أولاً في الثورة الهولندية في القرن السادس عشر والثورة الانجليزية في القرن السابع عشر. وبعد الثورة الفرنسية والثورة الصناعية في بريطانيا، آلت السيطرة على العالم إلى النظام الرأس مالي. واليوم تهيمن الرأسمالية في كل مكان.

تشرح الخصائص الأساسية للرأسمالية لماذا كانت أكثر تقدمية من الإقطاعية وغيرها من الأنظمة السابقة. فأولاً، العمل المأجور كان قد تقدّم بمعايير الحرية الإنسانية والإنتاجية والإمكانية الثورية عن عمل العبيد والسخرة الذي سبقه. ثانياً، المنافسة بين الرأسماليين دفعتهم لتطوير الإنتاج بطريقة ونطاق لا يمكن التفكير به تحت رحمة الإقطاعيين أو أي مجموعة حاكمة سابقة لهم. لكن نفس هذه الخصائص تحمل بذور اللاإنسانية وعدم المساواة والمصائب والحروب والتدمير الهائل الذي جسّد تاريخ الرأسمالية وجعل من هدف الإطاحة بها مسألة أساسية وحيوية.

أدّى تطوير الإنتاج السلعي العام إلى عالم كل شيء فيه معروض للبيع. إن استطاعوا لباعوا الهواء الذي نتنفسه. وإن تَحَوُّل طاقة العمل إلى سلعة يؤدي إلى نفور العمال من عملهم وإنتاجهم. بالتالي يتحول العمل إلى أداء تلقائي ويصبح العمال إضافة ميكانيكية للآلة أو المكتب. العمالة المأجورة من قبل رأس المال هي عملية استغلال تسحن العمّال وتزيد من اللامساواة في المجتمع.

أما المنافسة المتوحشة بين الرساميل فهي تؤدي إلى نشوء أزمات دورية تفلس خلالها مصالح ويهبط الإنتاج وتزداد البطالة والفقر. المنافسة تعني أيضاً أن الأعمال الصغيرة هي دائماً الأضعف، وبالتالي يسهل أن يُستحوذ عليها من الشركات الأكبر، وذلك يؤدي إلى تركز رأس المال والإنتاج في أيدي قلة من الشركات العملاقة. أما المنافسة بين الشركات على الموارد كالنفط وسوق العمالة ووسائل الاستثمارات والتمويل فتؤدي إلى حروب تزداد دمويتها وتدميرها للبيئة بشكل بات يهدد وجود المجتمعات.

تاريخياً، هناك خطآن أساسيان في فهم الرأسمالية يتعلقان بتعريفها نسبة إلى مفهومي أ) الملكية الخاصة وب) حرية السوق. في الحالتين، الخطأ هو مساواة سمة أساسية ومهمة للنظام بجوهره.

الاشتراكيون الديمقراطيون (كالحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني وحزب العمل البريطاني) كانوا يؤمنون أنّه بتكبير الملكية العامة وتخطيط الاقتصاد من الدولة الرأسمالية، يمكن التخلّص من الرأسمالية أو ترويضها تدريجياً. كانوا على خطأ. فالنتيجة لم تكن مزيجاً من الاشتراكية والرأسمالية، بل مزيج من الرأسمالية ورأسمالية الدولة. الستالينيون بدورهم آمنوا أن الدول ذات الملكية العامة والتخطيط الاقتصادي قريبة من الهدف (الصين والاتحاد السوفييتي) وآمنوا أنها دول اشتراكية، رغم أن العمال لم يسيطروا على الإنتاج ولا على الدولة، وبقيت العمالة المأجورة أساس العلاقة الاقتصادية. أما الدولة فكانت تتنافس مع باقي الرأسماليين. كانوا على خطأ، فسيطرة البيروقراطية المحترفة على المجتمع ليست هي الاشتراكية، بل مجرد رأسمالية الدولة البيروقراطية الديكتاتورية.

في الحركة المضادة للعولمة اليوم، يوجد من يعرّف العدو بأنه الليبرالية الجديدة فقط، وليس الرأسمالية.علينا أن نعي أن الليبرالية الجديدة هي عدو طبعاً ولكنها ليست إلا إحدى رؤوس حربة النظام الرأسمالي، وإن قطعها والخلاص منها أمر مرغوب به وضروري، ولكن لن يقطع الرؤوس الأخرى الأقل خطورة.

في النهاية، هناك وسيلة واحدة للقضاء على الرأسمالية والوصول إلى الاشتراكية، وهي أن يسيطر العمّال أنفسهم على الإنتاج، وليفعلوا ذلك عليهم فعل ما عمله البرجوازيون قبلهم… السيطرة على النظام السياسي.

أما روزا لكسمبورج فلقد لخّصت القضية عندما كتبت: “عندما تطرق قيود الرأسمالية، عليها أن تنكسر”.

ترجمة: محمد الأمين

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s