تروتسكي

مقدمة الجزء الأول من الترجمة العربية ل -النبي المسلح- الجزء الأول من سيرة ليون تروتسكي، تأليف: اسحق دويتشر

كميل داغر

camile_d@hotmail.com

2004 / 3 / 23

سوف ينصفنا التاريخ

كميل داغر

حين تبلغ شخصية ما حجما نادرا، فيبدوا مسار العالم والحياة كما لو كان يتناغم معها، ويتوقف لا للحظة بل لحقبة، وأكثر، على الوزن الذي تلقي به في هذا الاتجاه أو ذاك. عبر الآفاق التي تفتحها القدرة الرؤياوية واستشرافها للمستقبل، عن طريق فكرها الخلاق ونهجها وطاقتها على الحركة والفعل، وطاقتها بالتالي على تحريك الجموع الهائلة في اتجاه ذلك المستقبل العظيم، حينذاك تفقد كل “الحصانة” التي يتمتع بها الغفل من الناس، وتصبح ـ ويا للمفارقة ! ـ في متناول الجميع، سرا وعلانية، يحكمون عليها الحكم الجازم، سواء خطأ أو صوابا، وينزلونها من خرم إبرة النقد، الذي غالبا ما يستسلم لإغراء السهولة، وكثيرا ما يتأثر تأثرا حاسما بالدعاوة المسبقة للقوى السائدة. ويميل للخضوع للرائج والشائع، ضمن نوع من الامتثالية التي تلامس الابتذال.

وإذا كانت شخصية تاريخية بحجم ليون تروتسكي، أحد قائدَيْ أعظم ثورة في عصرنا، بلغت أرفع درجات التألق عبر المسيرة الظافرة حينا، والمحبطة حينا آخر، للملايين من عبيد هذا العصر على طريق تحررهم، وتحرر البشرية جمعاء، فلقد تعرضت كذلك، في حياتها كما في مماتها، لا فقط لأشرس هجمات الثورة المضادة، المعنوية والمادية، بل كذلك لأبشع عملية تشويه لإحدى أنصع الصفحات في التاريخ الثوري الخاص بمن امتلكوا القدرة على الصناعة الحية للتاريخ.

وإذا كان المسؤول الأساسي عن هذه الهجمات، وعمليات التشويه تلك، هو ستالين بوجه خاص، والستالينية عموما، بما هما تعبيران فظان عن الجانب المحبّط في ثورة أكتوبر، فقد انتظرت الأجيال، التي تعايش التحولات العظيمة لعصرنا، حتى ما بعد وفاة ستالين بسنة، كي يظهر أول عمل جدي ونزيه يحاول التصدي بفعالية للأسطورة المشوهة بالحقيقة الناصعة والنظيفة المتمثلة بحياة تروتسكي وأفكاره وأفعاله. هذا العمل قام به اسحق دويتشر، الذي ظهر له عام 1954 الجزء الأول من مؤلف ضخم خصصه لسيرة ليون تروتسكي هو أقرب ما يكون إلى التكامل، رغم بعض العثرات والأخطاء في الحكم على بعض الجوانب في شخصية تروتسكي وممارساته. والجزء هذا بعنوان: النبي المسلح، ويتناول حياة تروتسكي ما بين عام مولده، في 1879 ، وعام 1921 . في هذا الجزء، كما في الجزأين الآخرين، اللذين صدرا فيما بعد[1]، بذل دويتشر جهودا جبارة ليعيد تكوين تفاصيل السيرة الحقيقية لليون تروتسكي، بعد أن سطا “لصوص المقابر” على ضريحه. يقول في مقدمة كتابه:

»وبالنسبة للجيل السوفياتي الحالي. ولغيره أيضا. تشبه حياة تروتسكي واحدا من تلك القبور المصرية القديمة التي يعرف الناس أنها ضمت في الماضي جثمان رجل عظيم ورواية منجزاته المحفورة على ألواح من ذهب، إلا أن لصوص مقابر ومخربي آثار عاثوا في الضريح فسادا وتركوه فارغا وموحشا إلى درجة أنه لم يعد ثمة أثر واحد للألواح التي كان يتضمنها سابقا « .

إذا كان هذا هو الواقع، فنحن نفهم تماما عمق المأساة التي لم تكتف بتعريض ملهم سوفييت بطرسبورغ لعام 1905 ومحركه، ومنظم انتفاضة أكتوبر 1917 ومؤسس الجيش الأحمر، للنفي والمطاردة والاغتيال، أخيرا، بفأس قاتل مأجور، بل واصلت مهمتها بعد الممات، فعمدت إلى تشويه فظ وسافل للتاريخ الحقيقي لليون تروتسكي، للمنجزات العظيمة التي حفلت بها حياته. والعديد من القراء العرب الذين لم يتسن لهم أن يطّلعوا على الصورة الأمينة لهذه الشخصية الفريدة، بل تعرضوا لبؤس الخرافات الستالينية الرخيصة، الحافلة بالدس والتشويه والافتراء، التي حاولت إفساد ملامح ثوري عظيم وطمس نقائها وبهائها بالكامل، هؤلاء القراء، وغيرهم، لهم ملء الحق في أن يتحدوا مع دويتشر » لصوص المقابر « و » مخربي الآثار « ، عبر قراءة السيرة الدقيقة التي أنجزها منذ سنين طوال، مترجمة إلى العربية.

السيرة التي نحن بصددها تطالعنا بوجه تروتسكي الناصع والحقيقي، مرسوما بريشة كاتب لم يكن في يوم من الأيام تروتسكيا، إلا أنه لم يخضع أبدا للابتزاز الستاليني، ولم يحل ضباب الأضاليل والسموم، المنفوثة بصورة منهجية طوال عشرات السنين في أوساط الحركة العمالية العالمية وما حولها، دون أن يرى الواقع التاريخي على حقيقته، ويعيد تكوينه كما هو، بتجرد ونزاهة بالغين.. نرى معه أخلاق الثوري الرائع الذي أمضى حياته بكاملها مقاتلا، وإن كان تفاوت السلاح الذي واجه به خصومه وأعداءه، حسب تفاوت المراحل، وتفاوت أولئك الخصوم والأعداء. هذه الأخلاق تشكل النقيض الفعلي لتلك التي تميز بها خصمه الرئيسي، ستالين، والتيار الذي تحلق حول هذا الخصم. فلقد بقي تروتسكي، في خصومته، ساميا وممتلئا شهامة، وهو ما يؤكده دويتشر على لسان جورج برنارد شو القائل:

»مثل ليسينغ حين يقطع رأس خصمه، يرفعه ليبين أن لا شيء داخله، إلا أنه لا يمس شخصية ضحيته الخاصة بها.. يعريها من أية قيمة سياسية، لكنه لا ينال من شرفها « [2].

وتبدو علاقة تروتسكي بالثورة هي العلاقة الأكثر بروزا وعمقا على امتداد حياته، وهو ما نلمسه في كل لحظة من لحظات سيرته. وقد لخصت هذا الواقع زوجته الأولى، بعد عشرات السنين من انفصاله عنها. قالت ألكسندرا سوكولوفسكايا، وكانت مناضلة ثورية هي الأخرى، متحدثة عن الشاب الذي لعبت دورا مهما في كسبه للماركسية:

»لم يقيض لي لأن ألتقي يوما، طيلة عملي النضالي، شخصا يكن مثله كل ذلك الإخلاص للثورة والتفاني في سبيلها « [3].

ذلك الإخلاص تلازم مع تفاؤل ثوري لم يفارقه حتى في أسوء لحظات الشدة التي عاشتها الثورة وعاشها هو. وشخصية الرائي التي تميز بها، وجعلته يشرف من عل على المستقبل وآفاقه، وقدرته على تبين حركة التاريخ بوضوح، لا بما هي تعبير عما مضى وحسب، بل كذلك بما هي حدس بالآتي، لا بل رؤية لهذا الآتي، ساعدتاه على الارتفاع بذلك التفاؤل إلى درجاته القصوى، وهو ما أثر تأثيرا عميقا في إعطائه تلك الحرارة الهائلة التي انتقلت في الساعات الحرجة والحاسمة إلى الجماهير التي قادها، وتحرك من ضمنها، وفي المعجزات التي لعب الدور المركزي في تحقيقها، خلال ثورة أكتوبر بالذات، وطوال الحرب الأهلية بين عامين 1918 و 1921 . هذا التفاؤل عبر عنه، للمرة الأولى، في دعائه للقرن العشرين، الذي كتبه عام 1901، وفيه يقول:

–        »الموت للطوبى ! الموت للإيمان ! الموت للحب ! الموت للأمل ! هكذا يرعد القرن العشرون وسط فرقعة الحرائق ودوي المدافع.

–       استسلم، أيها الحلم المثير للرثاء، هاأنذا قرنك العشرون الذي طال انتظارك إياه، “مستقبلك”.

–       كلا، يجيب المتفائل غير المنهزم، أنت لست سوى الحاضر « [4].

أما عبقريته الفذة التي سمحت له بأن يحتل الموقع الذي احتله في صناعة تاريخ هذا العصر، فقد برزت معالمها مع خطواته الأولى في العمل السياسي. وفي معرض الإشارة إلى الموقف السلبي الذي وقفه منه بليخانوف منذ مطلع معرفته به، روى لوناتشارسكي نكتة كانت متداولة بين المهاجرين: » وهي غير صحيحة بالطبع، لكنها توضح جزئيا موقف بليخانوف، فعندما وصل تروتسكي إلى لندن، امتدحت زاسوليتش أمامه مواهب القادم الجديد بالكثير من الحيوية. هتفت قائلة: “لا شك أن هذا الفتى عبقري”. فغضب بليخانوف وأشاح بوجهه قائلا: لن أغفر له ذلك ما حييت « [5].

وإذا كانت هذه مجرد نكتة في حالة بليخانوف، فيمكن ألا تكون كذلك حين ننتقل إلى حالة ستالين، الذي لم يكتف بكل الاضطهاد الذي لاحق به تروتسكي، وب »اغتصاب « أبوة الكثير من المنجزات التي حققها تروتسكي بالذات، بل جعل الأسطورة التي حيكت حول شخصه تنسب له كل المواهب والطاقات التي اجتمعت في الشخصية بالغة الغنى التي تميز بها تروتسكي.

لماذا » النبي « ؟

إن الجامع بين عناوين الثلاثية التي كتبها دويتشر حول حياة تروتسكي، هو كلمة النبي: النبي الذي بدأ مسلحا، وغدا أعزل، وانتهى منبوذا. فلماذا ركز دويتشر على صفة النبوة لدى تروتسكي، وبم كانت تتجلى، وما طبيعتها والقيمة التي تنطوي عليها، والأهمية التي تتخذها بالنسبة لحركة التاريخ ولقضية الثورة العالمية؟

إن النبوة هنا ليست طاقة سحرية ولا ظاهرة ما ورائية غير مفهومة، ولا نتيجة إلهام خارجي: هي القدرة على الإحاطة الشاملة بحركة الواقع، انطلاقا من ثقافة بالغة العمق، ومعرفة بحقائق الحاضر والماضي تمتد إلى استشفاف المستقبل، لا عن طريق القياس المحض، بل عن طريق الرؤية السليمة والدقيقة للإمكانات الفعلية القائمة وللاتجاه الغالب فيها، لكن ليس بالاقتصار على الجانب الموضوعي من الأمور، بل بربط هذا الجانب بالجانب الذاتي، وبالفعل الخلاق الذي تمارسه قوى الثورة، التي طالما كان تروتسكي في موقع القيادة منها. كل ذلك، مقرونا بالرؤية الصحيحة للأهداف وطبيعتها وإمكانات تحقيقها وطرق الوصول إليها، مع المبادرة في اللحظة المناسبة لوضع التصور النظري الصائب موضع التطبيق، بحيث تجتمع الريادة في الرؤية مع القيادة في العمل. وكان لذلك كله وزن عظيم ضاغط في عملية التغيير التي شهدتها روسيا، وبالتالي العالم، في هذا العصر.

انطلاقا من تلك المقدرة النادرة، تمكن تروتسكي في الغالب من التوقع الصحيح لمسار الأحداث، والتطورات والتحولات قبل وقوعها بزمن يتفاوت بعدا. وكان هذا التوقع يقترن، عند الاقتضاء، بالممارسة على طريق استنتاج أقصى درجات الفعالية والفائدة لصالح القضية الثورية. وكثيرة هي الحالات التي يشير إليها دويتشر، عابرا أو مركزا، وهي تبين تلك الشفافية الرائعة لدى تروتسكي.

لقد تحدث دويتشر مرارا عن تروتسكي وهو يضع » خطط عمل « تصف ما سوف يحدث فعلا، وبشكل دقيق، بعد قليل أو حتى بعد سنوات طويلة. كما لو كانت عرضا للأحداث بعد وقوعها  »لو لم يكن مشارا إلى تلك الأحداث بصيغة المستقبل « . هكذا كتب في تشرين الثاني ـ نوفمبر 1904 كراسه، دو 9 يانفارا (حتى 9 يناير)، الذي بين ما ورد فيه تأكيده أنه » لا الانتليجنسيا الليبرالية، ولا الطبقات البرجوازية هي التي ستوجه ضربة حاسمة للقيصرية، بل الشغيلة الصناعيون الاشتراكيون « [6]. والكراس بمجمله ـ يقول دويتشر ـ » يهتز بالشعور المسبق الظافر بأن الثورة وشيكة « أكثر من ذلك، لقد حدد تروتسكي بصفاء مذهل كيف أن الثورة ستبدأ بإضراب عام، وكانت تلك فكرة جديدة، لا فقط بالنسبة لروسيا المتخلفة، بل حتى بالنسبة لأمم الغرب الصناعية. وخطة العمل التي تصورها آنذاك هي وصف للثورة كما ستحصل بالفعل » في تشرين الأول ـ أكتوبر 1905، وفي شباط ـ فبراير 1917 « . يقول دويتشر: » لم تكن “خطة العمل” تستلهم أي نموذج سابق… وهذا الوصف كان ينبثق من خيال ثوري وقاد حيث تمتزج الرومانسية بالواقعية بشكل وثيق. وبعض مقاطع هذا الكراس تبدو كما لو كانت أجزاء من عرض تروتسكي لأحداث 1905 و 1917.. حتى الشعارات هي تلك التي ستدوي عام 1905 و1917 « [7].

الثورة الدائمة

وفي الزنزانة التي انتقل إليها مباشرة من مقر سوفييت بتروغراد لعام 1905، أول سوفييت في التاريخ، الذي كان يتولى قيادته. توقع تعميم ظاهرة السوفييتات في أية انتفاضة قادمة، واضطلاع سوفييت مركزي لعمال كل روسيا بالقيادة، بتكليف من مؤتمر قومي، كما استخلص من تجربة الخمسين يوما التي عاشها سوفييت 1905 برنامج العمل للسوفييت المركزي القادم: » التعاون الثوري مع الجيش والفلاحين والشرائح الدنيا والشعبية من البرجوازية، إلغاء الحكم المطلق، تدمير الجهاز العسكري الخاص بالحكم المطلق، صرف قسم من الجيش وإعادة النظر الكاملة بالباقي، إلغاء الشرطة والجهاز البيروقراطي، يوم العمل من 8 ساعات، توزيع السلاح على الشعب، وعلى العمال بوجه خاص، تحويل السوفييتات إلى جهاز حكومة ثورية مدينية، تشكيل سوفييتات فلاحية مكلفة بإنجاز الثورة الزراعية محليا، انتخاب جمعية تأسيسية[8] « . هذا البرنامج، يقول دويتشر » غدا فيما بعد برنامج ثورة 1917 « .

وإذا كان الماركسيون، عموما، اعتبروا أن الثورة في روسيا في تلك الحقبة ثورة بورجوازية، وأنه » لن تستطيع الاشتراكية الثورية أن تستولي على السلطة وتجيب عن تطلعات الجماهير إلى المساواة، إلا في مجتمع رأسمالي وصناعي حديث، ومع نمو الثروة والتوسع الاقتصادي الذي يؤدي إليه « ، فقد كانت فرادة تروتسكي ونبويته ذات القيمة السياسية الفذة في كونه رأى منذ تلك الفترة » ديمومة «  الثورة، وشدّد على أنه » لما كانت الطبقة العاملة تمسك بالتفوق السياسي، فسيؤدي بها ذلك للانتقال بالثورة من الطور البرجوازي إلى المرحلة الاشتراكية، وذلك حتى قبل أن يستلم » الاشتراكيون السلطة في الغرب « . لقد كان أول من توقع، منذ عام 1906، قيام روسيا السوفياتية، وذلك في عمله المعروف، نتائج وتوقعات، الذي ذهب فيه إلى أنه » يمكن للبروليتاريا في بلد متأخر اقتصاديا أن تستولي على السلطة بصورة أسرع مما في البلدان التي تكون الرأسمالية متقدمة فيها « ، مستبعدا الحجج المستخلصة من الأدبيات الماركسية الكلاسيكية حول تعاقب الثورتين البورجوازية والاشتراكية، مؤكدا أن » الماركسية هي قبل كل شيء طريقة تحليل للعلاقات الاجتماعية، لا طريقة تحليل للنصوص[9] « . وعلى هذا الأساس، ما انفك تروتسكي يجزم بأن الثورة الروسية ستكون الأولى التي ستنتصر، وستحفز ثورات جديدة في كل مكان. وهو ما تم بالفعل.

وحين اندلعت الحرب العالمية الأولى لم ينتظر تروتسكي طويلا ليستنتج أن الثورة ستولد من تلك الحرب. وينقل دويتشر كلام مؤلف سويسري مشهور هو ف.برويباشر، الذي قال أن » الأمر لم يكن يتعلق لديه ببند إنشائي، بل بقناعة في غاية العمق[10] « . وفي نص » الحرب والأممية « ، الذي كتبه في زوريخ في بداية تلك المجزرة العالمية، أكد أن » على الاشتراكيين أن يحددوا هدفا لأنفسهم سلاما ديمقراطيا من دون إلحاق ولا تعويضات، سلاما يعترف بحق تقرير المصير للأمم الخاضعة، وهذا السلام لا يمكن أن تنتزعه إلا انتفاضة الشعوب المتحاربة ضد قادتها[11] « . وأتبع ذلك بصياغة تصورات أدق في أوائل 1915، حين قال أن المستقبل لا يقدم لنا إلا خيارا واحدا: » إما الحرب الدائمة أو الثورة البروليتارية « ، ودعا في مواجهة الاشتراكيين الشوفينيين الخونة الذين دعموا الحرب إلى » تجميع قوى الأممية الثالثة « .

إن القدرة الرؤياوية التي كانت تدفع به إلى التحديد الدقيق للخيارات المطروحة، والى استشراف المستقبل وتعيين ملامحه ومنعطفاته، كانت تتلازم مع التبيان الواضح لما يجب فعله، وللأهداف التي ينبغي السعي وراءها. كل ذلك جعله أقدر من غيره على أن يكون في اللحظة المناسبة في موقع قيادة الحركة كلها، وهو أمر يصح بالنسبة لانتفاضة 1905، كما يصح بالنسبة لثورة 1917. يقول دويتشر في معرض الحديث عن دوره في أحداث 1905:

»كان يجسد أعلى درجة من “النضج” بلغتها الحركة في يوم من الأيام على صعيد تطلعاتها الأكثر اتساعا: إذ حدد تروتسكي أهداف الثورة، ذهب أبعد بكثير مما ذهب في أي من الفترات مارتوف أو لينين، وهذا هو السبب في أنه كان أقدر بكثير على لعب دور نشيط في الانتفاضة. قاده حسه السياسي الواثق للغاية، في اللحظات الحاسمة، إلى النقاط الحساسة، إلى مراكز الثورة، ووجه خطواته[12] « .

بيد أن هذا الحس المرهف الذي تميز به، والذي كان يندفع به في رؤيا متفائلة للغاية بما يتعلق بسيرورة الثورة العالمية، التي توقع أن تشهد تسارعا عظيما، لاسيما في أوروبا الصناعية المتقدمة، بعد أن تتمكن الثورة من إحراز النصر في روسيا القيصرية، بدا بالنسبة للعقل المادي، غير الديالكتيكي، كما لسيئي النوايا والأعداء المعلنين لما مَثَّلَه تروتسكي على الدوام من ارتباط جذري بالمفاهيم الثورية، ومن تطلعات ثابتة إلى انتصار قضية الثورة بصورة شاملة، سواء على المستوى القومي، أو على المستوى الأممي، بدا ـ نقول ـ مجالا للتشفي وتفريغ كل ما هنالك من حقد، دفين أو معلن، ومن سخرية سوداء، مذ تبين أن تلك التوقعات كانت مفرطة في التفاؤل، بما يخص العالم الصناعي المتقدم. لكن لم يتوقف أصحاب هذا الموقف الحاقد والساخر، والمنافق في الوقت ذاته، عند الأسباب الفعلية التي حالت دون التحقق الحرفي لما توقعه تروتسكي، والتي تمثلت قبل كل شيء بالصعود البيروقراطي المخيف في الاتحاد السوفياتي في ظل ستالين، وبفرض المذكور مفهومه حول » الاشتراكية في بلد واحد « وتسخيره، بالتالي، الأممية الثالثة لخدمة هذا المفهوم، وطعن الثورة العالمية في الصدر كما في الظهر. ناهيك بما مثلته التجربة الستالينية من إحباط لحركة الطبقة العاملة في العالم، ولاسيما في البلدان المتقدمة.

ودعونا، أخيرا، نترك دويتشر يلخص بنفسه تقويمه لتروتسكي نبيا، في الفصل الذي خصصه لمقولة » الثورة الدائمة « . يقول:

»وإذا نظرنا إلى تحليلات تروتسكي بمجملها، يمكن أن نقول أنه نادرا ما رأى منظر سياسي نبوءاته تتحقق بصورة باهرة تارة، وطورا تحبط كليا، ـ لتتبين صحتها في الأخير عن طريق دفق من الكوارث التاريخية الجديدة. وهذا يصح بوجه خاص بصدد تشخيصات تروتسكي التي تتناول الدفع الذي كانت ستعطيه روسيا للثورة العالمية. فأحداث السنوات اللاحقة سوف تلقي المزيد من الأضواء على ذلك باستمرار. ففي عام 1917 وما بعده بدأ انهيار العروش وفرقعة الهزات يؤكدان أقواله بدقة خارقة. ثم حين تراجعت الشيوعية في أوروبا وتقوقعت روسيا البلشفية، جاء دور فقد الاعتبار والسخرية، أصبح تروتسكي نبي العبث، نبي » المستحيل والباطل بشكل مكشوف « . ودار الدولاب. إن غداة الحرب العالمية، والحرب الباردة بين الكتلتين هما إثبات بعد الممات بتنبؤاته…

»… لكن مهما يكن البعد والفروق بين مجرى الأحداث الفعلي وذلك الذي رسمه تروتسكي بين 1904 و 1906، فهو يظهر اليوم من جديد، في منتصف هذا القرن، كذلك الذي فهم بشكل صحيح » مجرى الأشياء الجوهري « . أكانت رسالته تثير الهول أو الأمل، وسواء اعتبرنا صاحب تلك الرسالة البشير الملهم لعهد جديد فريد في التاريخ، من حيث سموه وإنجازاته، أو كنبي الكارثة والمصيبة، لا يسعنا إلا أن نتأثر بسعة الرؤيا وجسارتها. كان يحيط بالمستقبل كما يكتشف المرء من قمة جبل عال أرضا واسعة مجهولة يلاحظ في البعيد محاور توجهها الكبرى… فإذا قورنت النبوءات السياسية التي تنبأ بها أكثر معاصريه مآثر، وأكثرهم حكمة وتبصرا ـ ولا نستثني هنا لينين وبليخانوف ـ باللوحة التي رسمها في زنزانته بقلعة بطرس وبولس، لبدت خجلة ومرتبكة[13] « .

الموقف من الفلاحين

ولابد من التوقف قليلا عند الخرافة الستالينية التي فعلت الكثير لإقناع الناس بأن تروتسكي بخس الفلاحين قدرهم، ووقف منهم موقفا سلبيا، ولم يعطهم ما يستحقونه من موقع في العملية الثورية.

وبالطبع، لن يكون الرد على ذلك بإنكار إصراره منذ البدء على إعطاء الدور الأساسي للطبقة العاملة في ثورات العصر، حتى في عقر دار البلدان المتخلفة. كلا، إنما ما يجب إضافته ـ وقد أبرزه دويتشر في العديد من المرار، دون أن يضعه في سياق واحد ـ هو أنه أولى الفلاحين بالغ الاهتمام، ورأى الأهمية القصوى لدورهم في العملية الثورية، وشدّد على ضرورة التحريض في صفوفهم. ففي كراس، حتى 9 يناير، الصادر عام 1904 يستعرض تروتسكي القوى الاجتماعية التي ستشارك في الثورة القادمة، وإذ يؤكد أن المدينة ستكون المسرح الرئيسي للأحداث الثورية ـ كما حصل بالفعل ـ يرى أن البروليتاريا المدينية لن تقرر لوحدها النهاية، بل يمثل الفلاحون » مستودعا مهما للطاقة الثورية « ، وعلى هذا الأساس، يدعو لنقل » التحريض إلى الريف، من دون تفويت يوم أو فرصة واحدة « .

ومن موقعه في قيادة عمال بطرسبورغ وسوفييتهم، نراه فيما بعد يخاطب الفلاحين بالذات، مذكرا إياهم كيف جعل القياصرة منهم » قطيع أقنان يقدمونهم هدية لخدامهم المخلصين، كما لو كانوا كلابا « ، ليقول لهم بعد ذلك: » أيها الفلاحون، فليندلع الحريق في كل مكان، وفي الوقت ذاته، في كل أنحاء روسيا، ولن تكون أية قوة قادرة حينذاك على إطفائه « .

وجاء البرنامج الذي استخلصه من تجربة 1905، بعد انتقاله إلى السجن في قلعة بطرس وبولس، كي يكون برنامج الثورة اللاحقة، يتضمن، بين ما يتضمن، » التعاون الثوري مع الجيش والفلاحين والشرائح الدنيا والشعبية من البورجوازية « .

لكن التصور الأكثر وضوحا وتبلورا حول دور الفلاحين إنما هو ذلك الذي ظهر في كتابه، نتائج وتوقعات، الصادر عام 1906، حيث عرض مفهومه للثورة الدائمة، ومن ضمنه رؤيته لموقع الفلاحين في تلك الثورة. في ذلك النص لم يستبعد إمكانية » ائتلاف حكومي يضم الاشتراكيين وممثلي الفلاحين « ، إلا أنه جزم بأن الدور الرئيسي سيكون لممثلي الطبقة العاملة الذين سيحددون، هم، مضمون سياسة ذلك الائتلاف، ويقرون، بين ما يقرون، وضع يد الفلاحين على الملكيات الكبرى. وبالتأكيد الأخير ـ يقول دويتشر ـ يمضي تروتسكي » أبعد بكثير مما وصل إليه الاشتراكيون الروس حتى ذلك الحين.. فإذا كان علينا أن نفهم التحالف مع الفلاحين بالمعنى الذي فهمه البلاشفة في عام 1917، وبعد ذلك التاريخ، يمكن أن نقول حينذاك أن تروتسكي دافع عن ذلك التحالف في عام 1906 [14] « .

وفي معرض المقارنة بين صيغة لينين، » الديكتاتورية الديمقراطية للعمال والفلاحين « ، وصيغة » ديكتاتورية البروليتاريا « ، يخلص دويتشر إلى الجزم: » سوف تثبت أحداث 1917 تحليلات تروتسكي « .

ولقد أبرز دويتشر حقيقة بالغة الأهمية في إعادة الاعتبار لموقف تروتسكي الحقيقي من الفلاحين، إذ بين أن » السياسة الاقتصادية الجديدة “النيب” التي عرضها لينين عام 1921، وأقرها الحزب، لم تكن غير الخطة ذاتها التي اقترحها تروتسكي قبل ذلك بعام واحد على اللجنة المركزية، بعد أن لمس لمس اليد، في جولاته التفتيشية على جبهات القتال كمفوض لشؤون الحرب، الانعكاسات الكارثية لسياسة » شيوعية الحرب « على علاقة السلطة والحزب بالفلاحين. رأى يومذاك ضرورة وضع حد لمصادرة المحاصيل، وتشجيع الفلاحين على الزراعة وبيع فائض محاصيلهم بقدر من الربح، إلا أن لينين واللجنة المركزية عموما، وقف في وجه ذلك الطرح. ويقول دويتشر أن هذه السياسة بالذات، التي عاد لينين فطرحها عام 1921، رفعت لها القبعات » ولا تزال ترفع كومضة عبقرية لدى لينين، كمثل خارق لدى رجل دولة على القرار الشجاع والخالي من الدوغمائية « . ويضيف بعد أسطر أن الحادثة تظهر » إلى أي حد لا يمكن دعم الرواية الستالينية للتاريخ، التي تجعل من لينين صديق الفلاحين، ومن تروتسكي عدوهم: » إن شهرة لينين كصديق للموجيك تستند قبل كل شيء إلى السياسة الاقتصادية الجديدة « .

مؤسس الجيش الأحمر

في منتصف عام 1918، كانت جمهورية السوفييتات لا تزال عمليا بلا جيش، حسبما يقول دويتشر. ولم يمض عامان حتى كان الجيش الأحمر، الذي أنشأه تروتسكي بالذات، من موقعه كمفوض للحرب ورئيس لمجلس حرب الجمهورية، يبلغ تعداده خمسة ملايين رجل، في غمار حرب شرسة خاضها ضد الحرس الأبيض، الذي أنشأته الفلول المهزومة للبرجوازية والإقطاع، وضد جيوش التدخل الأجنبي الأربعة عشر، ويتمكن في النهاية من تحقيق النصر، وسط الحصار الشرس حول أول جمهورية للسوفييتات.

ولقد كثرت الشهادات على العبقرية العظيمة التي حققت تلك المعجزة، إلا أننا سنقتصر على إيراد اثنتين ذكرهما دويتشر: إحداهما من عدو لدود، هو الجنرال الأبيض دنيكين، والأخرى من لينين بالذات. فالأول قال في معرض حديثه عن النظام الذي استطاع تروتسكي بواسطته الاستفادة من خبرة عدد كبير من الضباط القيصريين القدامى في عملية بناء الجيش الأحمر وخوض حرب السنوات الثلاث: »يمكن لحكومة السوفييتات أن تفخر بالمهارة التي جندت بها إرادة وذكاء الجنرالات والضباط الروس الذين جعلت منهم أدواتها المطيعة، رغم نفورهم[15] « . أما شهادة لينين فنقلها مكسيم غوركي، الكاتب والثوري الروسي المشهور، استنادا إلى حديث دار بين الاثنين، قال الأول خلاله:

»دُلَّني على رجل يستطيع أن يبني في عام واحد جيشا نموذجيا، تقريبا، وأن يحظى باحترام الخبراء العسكريين. إننا نملك هذا الرجل. لدينا كل شيء، وسنجترح العجائب[16] « .

وقد أبرز دويتشر كيف استطاع تروتسكي أن يطوق سيئات استخدام ضباط غير موثوقين، عن طريق سلسلة من التدابير، لعل أهمها الاستعانة بجهاز من مفوضين سياسيين كانوا يلعبون دورا أساسيا إلى جانب الضباط، الذين اقتصر دورهم على الجانب العملياتي، تحت الرقابة المباشرة والوثيقة للمفوضين المذكورين. كما بيَّن مدى الجهد الجبار الذي بذله لتكوين كادرات عسكرية جديدة اختارها من رتبة صف ضابط في الجيش القديم، ومن بين العمال العاديين، بحيث لم تأت نهاية الحرب الأهلية حتى كان الضباط “القيصريون” لا يشكلون أكثر من ثلث أعضاء القيادة، فالثلثان الآخران جرت ترقيتهم من الفوج، وبينهم عدد من ماريشالات الحرب العالمية الثانية لاحقا.

هذا الجيش، حقق به تروتسكي أروع الانتصارات، التي حفظت رأس الثورة، وسمحت لجمهورية السوفييتات بالاستمرار وسط تكالب خدم رأس المال المحليين والعالميين واستشراسهم. وأبعد ما يكون عن روح شوفينية نماها ستالين في القوات التي خاضت الحرب العالمية الثانية، رسخ تروتسكي في الجيش الأحمر الروح الأممية الرائعة. وهذا ما سلط دويتشر عليه الأضواء حين وصف الحرب مع بولونيا، إذ يقول:

»في أوج أعمال القتال، أصدر قرارا علنيا يحظر فينوي ديلو (القضايا العسكرية)، مجلة هيئة الأركان العامة، التي استخدمت في مقال حول بيلسودسكي تعابير » مهينة للكرامة القومية للشعب البولوني « … وخلال جولات تروتسكي على الجبهة، كان عليه أن يتحكم بسخط الجيش الذي علم بأن البولونيين يعدمون أسرى الحرب. وقد شرح لجمعيات من الجنود على الجبهة قائلا أنه حتى العدو لا ينبغي ثلبه وتشنيعه. ومنع منعا باتا ممارسة أية أعمال انتقامية ضد الأسرى البولونيين[17] « .

لينين وتروتسكي

إذا كان ستالين فعل كل ما في وسعه، إبان حياة لينين بالذات، وبالأخص بعد انضمام تروتسكي للحزب البلشفي عام 1917، من أجل إفساد العلاقة بين الرجلين وإحلال الشك والحذر والعداء محل الثقة والتفاهم والود، فقد بذل الستالينيون جهودا حثيثة ومسعورة لتشويه تلك العلاقة، وتصوير الخصومة بين البلشفية والمنشفية كما لو كانت صراعا بين لينين وتروتسكي بالذات، لا قبل عام 1917 وحسب، بل كذلك حتى وفاة لينين.

وبالطبع، ليس من شيء أكثر نفاقا وافتراء ودسا من هذه الصورة التي رسمت خطوطها بعناية ولؤم وبرود أعصاب، لا سيما إذا علمنا أن لينين جاهر بعد ثورة أكتوبر باعتباره أنه » بعد انضمام تروتسكي إلى الحزب، ليس هناك بلشفي أفضل منه « . ورغم أن العلاقة بين الرجلين الرئيسيين في جمهورية السوفييتات الأولى لم تكن دائما علاقة وفاق تام، إلا أنها كانت تتميز دائما بالكثير من الثقة المتبادلة، وظهر ذلك منذ النقاشات الأولى حول تشكيل الحكومة (التي أطلق تروتسكي ذاته على أعضائها تسمية مفوضي الشعب)، إذ اقترح لينين على تروتسكي ترؤسها على أساس أنه الرجل الذي قاد الانتفاضة المنبثقة منها تلك الحكومة. لكن تروتسكي رفض، احتراما للينين ولأسبقيته السياسية[18] « .

ودويتشر أوضح، في تقويمه للخلافين الأساسيين اللذين باعدا بين تروتسكي ولينين قبل 1917، أن لينين كان محقا بصدد مسألة الحزب، بينما كان تروتسكي مصيبا في موضوع » الثورة الدائمة « . وقد تلاقى الاثنان عام 1917 بالذات عند نقطة الصواب لدى كل منهما، ففيما أصبح تروتسكي مقتنعا بالرؤية اللينينية للحزب، كان لينين قد خاض نضالا عنيفا ومستميتا طيلة شهر نيسان ـ أبريل 1917 داخل حزبه لإقناعه بالتخلي عن الأطروحات البلشفية القديمة حول طبيعة الثورة وآفاقها. حتى أن » أخصام لينين في الحزب البلشفي، وبينهم كامينيف أخذوا عليه تبنيه، بالكامل، لنظرية “الثورة الدائمة”، واتهموه بالتخلي هكذا عن البلشفية لصالح التروتسكية « .

يقول دويتشر: » في الحقيقة أن طريقي لينين وتروتسكي، اللتين تباعدتا طويلا، التقتا آنذاك. كان كل منهما توصل إلى استنتاجات بلغها الآخر قبله بكثير وطالما اعترض غليها بحدة وصرامة. لكن لا هذا ولا ذاك وعى بوضوح أنه تبنى وجهة نظر الآخر. فبعد أن انطلقا من نقاط مختلفة، وعبر مسارات متباينة، انتهيا الآن إلى التلاقي.. « [19].

ويؤكد في الفصل العاشر من » النبي المسلح « أن » العلاقات بين لينين وتروتسكي كانت تتسم بالثقة المتبادلة والود والاحترام. فنضالهما المشترك ضد البلاشفة المعتدلين، قبل الانتفاضة، ولا سيما بعدها، واتفاقهما حول كل المشكلات الكبرى، كل ذلك ما كان يمكنه إلا أن يشدهما الواحد للآخر بقوة بالغة.. كان تروتسكي يعترف بسلطة لينين ويقبل بها صادقا. كان يفعل ذلك من دون أثر للتملق ودون التخلي عن استقلاله، لكن مع التأسف لكونه بخس في الماضي قدر لينين كثوري وكقائد. أما لينين فكان يبذل من جانبه ما في وسعه ليشعر تروتسكي بنفسه في حزبه، كما لو كان فيه على الدوام. وخلال السنوات الست التي دام فيها تعاونهما، الذي لم يخل من عدد من الخلافات الجديدة، لم يصدر عن لينين أدنى تلميح إلى مشاحناتهما السابقة، إلا ليقول في مجالسه الخاصة أن تروتسكي كان على حق من بعض النواحي، وليبدي للحزب رأيه بضرورة تحاشي لوم تروتسكي على ماضيه غير البلشفي[20] « .

أخطاء لم يسلم منها دويتشر

إن القدرة والتحكم اللذين برهن عنهما دويتشر في تعامله مع سيرة تروتسكي لم يكونا دائما على الدرجة ذاتها من التكافؤ والاستمرار، إذ يمكن أن نقع لديه على أحكام عديدة تأثر فيها، إلى هذا الحد أو ذاك، بالجو المعمم حول قائد انتفاضة أكتوبر ومؤسس الجيش الأحمر وصانع انتصاراته، أو أخطاء في تقدير أبعاد هذا أو ذاك من الممارسات والمواقف.

في هذا السياق، انجرف دويتشر مع الفكرة القائلة أن تروتسكي، الذي كانت لديه أفكار عظيمة، لم يكن على المستوى ذاته في حقل التنظيم وقيادة الرجال. وهذه الفكرة شائعة في أوساط الكثيرين ممن رأوا أن لينين كان قادرا، بفعل مواهبه التنظيمية، على بناء حزب بضخامة الحزب البلشفي، بينما لم يجمع تروتسكي حوله إلا تنظيما صغيرا. ولم يدر في خلد الذين ذهبوا هذا المذهب، أو انساقوا خلفه، أن السبب الحقيقي وراء ذلك يكمن قبل 1917 في موقف تروتسكي من مسألة التنظيم. فإذا عجز عن تكوين منظمة جماهيرية بعد 1923، فذلك لا يتعلق بالتحديد بمواهب فطرية، أو مكتسبة على صعيد قيادة الناس، بل بالواقع الموضوعي المتمثل بالجزر الثوري وهزائم الحركة العمالية التي تتحمل وزرها الستالينية إلى أبعد الحدود. ومن يتعمق في التفاصيل التي أعطاها دويتشر ذاته على علاقة تروتسكي بالناس منذ ثورة 1905، وحتى الحرب الأهلية، يتبين له عكس تلك الصورة الشائعة. ومثال الجيش الأحمر أبلغ دليل على قدرات تروتسكي التنظيمية. أما علاقته بعمال بتروغراد وبجنود حاميتها وببحارة كرونشتادت قبل الثورة الكبرى وأثناءها فحافلة بالدلالات. وقد صور سوخانوف، الذي يستشهد به دويتشر كثيرا، هذا الواقع في الكثير من الأحيان:

»كان كل جندي وكل عامل في بتروغراد يعرفه ويصغي إليه، وكان تأثيره على الجماهير، لا بل على القادة لا يقاوم. لقد كان الشخصية المركزية في تلك الأيام، والبطل الرئيسي لذلك الفصل من التاريخ[21] « .

ولم يسلم دويتشر من التأثر، لا بالأحكام الستالينية عموما وحسب، بل كذلك بأحكام ستالين ذاته، الذي رأى، قبل فترة الدسائس الكبرى، أن قوة تروتسكي تبرز حين تكون الثورة في صعود، بينما يضعف في فترات التراجع والهزيمة. وقد عقب دويتشر على ذلك بالقول أن تروتسكي » لم يكن يعرف أن ينجز إلا أعمال هرقل، لا الأعمال الأخرى « . والحقيقة أنه إذا كان تروتسكي يبلغ أقصى قدرته وفرادته في فترات الصعود تلك، بينما تتراجع تلك القدرة في فترات الانحسار، فهذا ليس دلالة ضعف ذاتي بقدر ما هو تعبير عن تضاؤل موضوعي للإمكانات الفعلية لتأثير الفكر والممارسة الثوريين في حالات الجزر. إن قوة تروتسكي في الحالات الأخيرة تتجلى في عدم الانسياق مع التيار الجارف المتقهقر، وفي التمكن من تحديد الخطوات الملائمة بمواجهة هذا التيار، نحو الإعداد لانطلاقة جديدة.

وأخطأ دويتشر أيضا حين اعتقد بأن لينين وتروتسكي لم يكونا مصيبين حين راهنا على الثورة العالمية عام 1917، وبأنه لو كانت لديهما رؤية أوضح حول الإمكانات الفعلية لتلك الثورة، فربما كانا تريثا في تأسيس الأممية الثالثة، وفي الواقع أن الرجلين وضعا نفسيهما ـ حسبما يقول بيير فرانك* ـ منذ عام 1914، على المستوى التاريخي، إذ أن ساعة الاشتراكية كانت قد أزفت. والعديد من إشارات دويتشر ذاته تؤكد أن قرارهما يتطابق مع تقدير للمرحلة التاريخية، لا لهذا الحدث الآني أو ذاك. فكثيرة هي المقالات التي وردت لدى لينين بين 1914 و 1917، والتي تبرر قيام الأممية الثالثة نظريا، وسياسيا، حتى قبل النهوض الثوري العظيم الذي أعقب ثورة أكتوبر.

أما الفكرة الأكثر تطلبا للنقاش، فهي تلك التي يعتبر فيها أن الستالينية هي »البلشفية المنعزلة « ، أي المجيبة موضوعيا عن الظروف الخاصة بروسيا التي استولى فيها الشغيلة على السلطة، بوجه عالم رأسمالي معاد. وهو ينطلق في هذا الحكم من كون سياسة الحزب تضمنت منذ بداية العشرينات عناصر هي التي تفاقمت فيما بعد، في ظل الديكتاتورية الستالينية:

»لقد رسمنا خيط الاستمرارية التاريخية اللاواعية الذي قاد من محاولات لينين المترددة والخجول، القائمة على مفهوم الثورة عن طريق الفتح إلى الثورات التي اضطلع بها ستالين الفاتح. إن خيطا دقيقا مشابها يشد سياسة تروتسكي الداخلية خلال تلك السنوات إلى ممارسات خصمه اللاحقة. ويبدو تروتسكي ولينين، كل في حقل مختلف، كملهمي ستالين وملقنيه، من دون علميهما. فلقد انساقا، كلاهما، بفعل ظروف خارج سيطرتهما، وبفعل أوهامهما، إلى اتخاذ بعض المواقف التي لم تكن لتسمح لهما الظروف ووساوسهما الخاصة بهما بالدفاع عنها زمنا طويلا. مواقف كانت متقدمة على زمنهما، ولا تنسجم مع الذهنية البلشفية الشائعة، ومع الأفكار الكبرى التي ألهمت حياتيهما[22] « .

أكثر من ذلك، لقد انطلق دويتشر من مذكرة وجهها تروتسكي في آب/أغسطس 1919 إلى اللجنة المركزية، يدعو فيها إلى التحول نحو الشرق، ويؤكد فيها أن طريق الثورة إلى باريس ولندن يمكن أن تمر بكابول وكالكرتا وبومباي، ليخلص إلى القول أن ستالين، لا تروتسكي، هو الذي سيغدو المنفذ الرئيسي لهذا التحول الضخم.

والحقيقة أن خط دويتشر الأساسي يكمن في النظر إلى الحزب البلشفي كشيء في ذاته، وفي الانطلاق من بعض الممارسات الاضطرارية التي لجأ إليها تروتسكي ولينين، أثناء مرحلة » شيوعية الحرب « . ليخلص إلى استنتاجات تعميمية بحجم النظر إلى ستالين كنوع من الاستمرارية لتلك الممارسات. كما أنه في الوقت ذاته الذي يظهر فيه مدى مقاومة الرجلين للعديد من بذور الانحرافات في جمهورية السوفييتات، لا يتذكر دائما تلك المقاومة حين يصل إلى بعض الأحكام العامة، من مثل تلك التي وردت في الاستشهاد الوارد أعلاه، أو ذلك الذي يعتبر بموجبه بعض توجيهات تروتسكي في الظروف القاسية والصعبة للحرب الأهلية مقدمة للتشويه البيروقراطي الذي مثلته الستالينية لاحقا. هذا مع العلم أنه أشار إلى بذور معركة تروتسكي ضد البيروقراطية، مثلا، خلال الحرب، وسوف يبين الأبعاد العظيمة لتلك المعركة كما تصاعدت فيما بعد، حين أصبح “النبي المسلح” أعزل من السلاح، وذلك في الجزأين اللاحقين من ثلاثيته. ففي الفصل الثاني عشر يتحدث عن مقال لتروتسكي في مجلة “قضايا عسكرية”، ظهر في شباط/فبراير 1919، في موضوع الصعود البيروقراطي، حيث يبدي احتقاره ل”البيروقراطي السوفياتي الجديد” الذي “ترتعد فرائصه خوفا على وظيفته”، وينظر إلى كل شخص أرفع منه، بالثقافة والكفاءات، نظرة حقد أو غيرة.. إن هذا البيروقراطي، المحافظ والكسول والحانق على كل ما يذكّره بضرورة أن يتعلم، قد أصبح ثقلا مربكا في الدولة الجديدة. »إنه هو التهديد الحقيقي للثورة وأمثاله هم المتواطئون الحقيقيون مع الثورة المضادة، حتى لو لم يشاركوا في أية مؤامرة « . والثورة لن تكون أكثر من هرجة مشؤومة إذا كانت نتيجتها الوحيدة هي السماح لعدة آلاف من العمال بتقاسم مراكز الحكم والصيرورة أسيادا. »لن تبرر ثورتنا نفسها كليا إلا حين يشعر كل شغيل، رجلا كان أو امرأة، أن حياته أصبحت أسهل، وأكثر حرية، ونظافة وكرامة. ونحن لم نصل بعد إلى هذا الهدف، ولا يزال يفصلنا طريق وعر عن هدفنا الوحيد والجوهري[23] « .

وإذا كان صحيحا أن بعض مظاهر الشوفينية الروسية أخرجت رأسها أثناء الحرب مع بولونيا، في المجتمع السوفياتي، فنص دويتشر ذاته يبيّن كيف واجه تروتسكي تلك المظاهر، يدعمه الحزب، وبأية صرامة. أما التجاوزات التي تمت على صعيد قضية جورجيا، والتي يتحمل وزرها قبل أي كان، كل من الجيورجيين ستالين وأورجو نيكيدزه، فمن الواضح أنها تمت بدون إرادة تروتسكي ولينين أو علمهما، ولقيت منهما التنديد والإدانة فيما بعد.

من جهة أخرى، ليس صحيحا أن ستالين، قاد نوعا من “الثورة عن طريق الفتح”، أو فتح طريق الثورة، مثلا، إلى بكين وشانغهاي. فالكل يعلم مدى الضغط الذي مارسه على الحزب الشيوعي الصيني للالتحاق بذيل الكيومنتانغ منذ عام 1925، وكيف نزل بكل ثقله ضد استلام الشيوعيين الصينيين، بقيادة ماو تسي تونغ، للسلطة في بكين، حتى في عام النصر، عام 1949 بالذات. لأما ما تم في بلدان أوروبا الشرقية إثناء الحرب العالمية الثانية، وما بعدها، فلم يكن ستالين يرمي من ورائه، في الأصل إلى إحداث الثورة في تلك البلدان، بل إلى إقامة حاجز دفاعي دون الاتحاد السوفياتي. والتحولات التي تمت فيما بعد كانت حسبما اعترف دويتشر ذاته في كتابه، ستالين، من ضمن سيرورة تجريبية لم يتم التخطيط لها مسبقا.

إن لينين وتروتسكي أخطآ بلا ريب، في العديد من الأحيان، إلا أن ما يميّزهما هو أنهما لم يكونا يوما أداة لقوى تنقلب ضد البروليتاريا، كما حصل مع ستالين على وجه التحديد. وليس من قبيل الإطالة أن نورد، أخيرا، هذا المقطع القيّم لبيير فرانك (من ضمن دراسته لكتاب “النبي المسلح” التي ظهرت في مجلة “الأممية الرابعة” في أيار/مايو 1954)، من ضمن توضيحه لحقيقة التغييرات التي حدثت داخل الحزب البلشفي بعد الثورة، رغم إرادة لينين وتروتسكي، وكان الرجلان شديدي القلق تجاهها، تلك التغيرات الناجمة عن ظهور كتلة من الامتيازات والتمايزات داخل الطبقة المنتصرة، ولا سيما داخل الحزب:

»كان الحزب البلشفي يتحرك، يتحول. لقد تضخم وغدا له تركيب اجتماعي جديد ضمن مجتمع جديد في أوان الحمل. فتحت الاسم ذاته كان حزب آخر يتكون.

»لا لينين ولا تروتسكي ولا الحزب البلشفي القديم دعموا تلك الاتجاهات التي أدت بالحزب إلى التوقف عن تشكيل طليعة الطبقة على أرض السياسة والنظرية. على العكس، فقد عرف لينين كيف يتخلى عن “شيوعية الحرب” ويبادر بجرأة إلى انعطافة “النيب”. وفيما بعد أعد نفسه لخوض نضال لا يلين ضد الاتجاهات البيروقراطية التي انتهت إلى خنق الحزب البلشفي كطليعة للبروليتاريا وحولته إلى أداة سياسية للبيروقراطية السوفياتية. هذه الأحداث… يعرفها دويتشر تماما، وإذا كان يتكلم مع ذلك على “بلشفية معزولة” لوصف الستالينية فلأنه لا يرى إلا الأمر الواقع، التطور الاقتصادي العجيب للاتحاد السوفياتي، دون أن يتمكن من الفصل بين ما هو قوى إنتاج حررتها الثورة وما هو إكراه بيروقراطي. رغم كل الشروط الموضوعية البائسة لروسيا ما بعد الحرب الأهلية، ورغم العزلة الاقتصادية، لم يكن ثمة أسباب كافية ل”تبرير” الطرائق الستالينية تبعا للنتيجة المستحصل عليها، لا سيما أن بيروقراطية الكرملين لم تكن تحلم بتلك النتيجة، ولم تكن تؤمن بها حين سحقت الحزب البلشفي والطبقة العاملة الروسية. لقد بلغتها تجريبيا. ولم يكن هنالك ظاهرة “استبدالية” تحل الحزب محل الطبقة، حيث رأى دويتشر نوعا من الخطيئة الأصلية في عنق البلشفية. صحيح أن هذا الاتهام بإرادة إحلال الحزب محل الطبقة العاملة في إنجاز مهامها وجهه تروتسكي ذاته للينين بعد انشقاق عام 1903، إلا أنه اتهام لم يكن يستند إلى أي أساس، فمصدره الأساسي في خطأ تروتسكي آنذاك بصدد مسألة الحزب. وفي المساجلات، نجد لدى لينين جملا تبالغ بوجه من مشكلة الحزب لتوضح بشكل أفضل أهميته كعامل في صراع الطبقات: كان يرى فيه وعي الطبقة العاملة مرفوعا إلى أعلى مستوياته، وإرادتها مدفوعا بها إلى حدودها القصوى، أفضل أداة في يد الطبقة، لا بديلا عن تلك الطبقة…

»ليست الستالينية الحزب الثوري وقد حل محل الطبقة في ظروف استثنائية للغاية أعقبت قلب السلطة الرأسمالية وانعزال روسيا الستالينية، إنها مآل ثورة مضادة سياسية في الاتحاد السوفياتي صادرت الحقوق السياسية للبروليتاريا، وحملت إلى السلطة بيروقراطية منبثقة من الطبقة العاملة، تستند إلى مكتسبات الثورة، لكنها تتطلع إلى حماية تلك المكتسبات لتعزيز امتيازاتها هي، وزيادتها. وكانت الصيغة الخاصة لذلك التحول السياسي في الاتحاد السوفياتي أن البيروقراطية الصاعدة وجدت أداة لها داخل الحزب الحاكم، على صعيد جزء من كادراته. وفي الواقع أن جزءا مهما من العملية المضادة للثورة تمثلت بصراع شرس خاضه الجزء المتبقرط لإبادة الكادرات الحزبية[24] « .

غير أن الأرض لم تزل تدور.

جاء كتاب دويتشر بعد أربعة عشر عاما على مصرع تروتسكي، يؤكد أن “لصوص المقابر” يستطيعون أن يخفوا لفترة رواية منجزات رجل عظيم، “المحفورة على ألواح من ذهب”، لكنهم عاجزون عن ليّ عنق التاريخ وحجب شمس الحقيقة الساطعة لأكثر من برهة عابرة، حتى لو أخذت تلك البرهة حجم سنين طوال، لا بل حقب. وفي هذا المجال، معبرة جدا تلك الصورة التي تجمع لينين وتروتسكي في مواجهة حشد عظيم من الجماهير العاملة، وقد مرت بها الرقابة الستالينية بحقد يثير الرثاء، فاختفى منها، بغير ما سحر ساحر، وجه تروتسكي وقامته الممدودة. وقد أثار الشاعر الفرنسي، أندريه بريتون، إلى ذلك في كلمة ألقاها في احتفال بذكرى ثورة أكتوبر جرى عام 1957، حيث يقول:

»رأيت تميمة على الدوام في تلك الصورة التي كان البعض يبذلون الكثير لإخفائها، والتي تنقلها الصحف في الذكرى الحالية، وهي تظهر لينين منحنيا على سامعيه الكثر من منبر ينتصب عند قاعدته ليون تروتسكي بزي الجيش الأحمر، كما لو كان يضطلع لوحده بحرس الشرف. تلك النظرة ذاتها، نظرة ليون تروتسكي التي أراها من جديد مثبتة عليّ أثناء لقاءاتنا اليومية منذ 20 عاما في المكسيك، كافية لوحدها لتلزمني مذاك بأن أحتفظ بكل إخلاصي لقضية هي الأكثر قداسة بين القضايا جميعا: قضية تحرير الإنسان، وذلك ما وراء التقلبات التي يمكن أن تعرفها، وفيما خصه هو، ما وراء أسوء الجحود والمرارات. إن نظرة مثلها، والضوء الذي يشرق منها لا يمكن لشيء أن يطفئهما، مثلما لم يكن بوسع ترميدور أن يفسد ملامح سان جوست[25] « .

وبالفعل، مثلما لم يكن بوسع الترميدور الأول أن يفسد ملامح ثوري عظيم كسان جوست، فالترميدور الثاني المتمثل بصعود ستالين، إذا كان تمكن من طمس الملامح الحقيقية ل »المنظر الخالد للثورة الدائمة « ، ردحا من الزمن، فهو عجز عن تأمين الديمومة لعمله هذا، ويبدو عجزه أعظم فأعظم كلما تبدلت أكثر فأكثر الظروف المأساوية للردة التي عاشتها الحركة الثورية في العالم طوال حقبة سوداء امتدت من العشرينات حتى الانتعاش الجديد لتلك الحركة الذي تشهد الحقبة الأخيرة مظاهره وتجلياته. هذا يعني بالتأكيد أن تروتسكي لم يخطئ حين أعلن في أسوء لحظات الصعود الرجعي بعد انتصار النازية في ألمانيا: » سوف يعطينا التاريخ الحق « . إن كل انتصار جديد لحركة الثورة في العالم سيؤدي إلى تقريب اليوم الذي ستتسارع فيه سيرورة الثورة العالمية، ويتم تقليم الأغصان اليابسة على جسد تلك الثورة، لتبرز من جديد نضارة الفكر والممارسة الثوريين اللذين جسدهما تروتسكي بأبهى مظاهرهما. ذلك أن العالم يتحرك، ورغم كل شيء، فالأرض لن تنفك تدور.

[1]   أحدهما بعنوان “النببي الأعزل”، ويتناول حياة تروتسكي بين عامي 1921 و 1929 ، والآخر بعنوان “النبي المنبوذ”، ويتناول فترة 1929 ـ 1940 ، أي الفترة الباقية من حياة تروتسكي بعد نفيه إلى الخارج، وسوف يصدران في فترة لاحقة.

[2]   المقدمة.

[3]   الفصل الثالث.

[4]   الفصل ذاته.

[5]   الفصل 2.

[6]   الفصل 4.

[7]   الفصل ذاته.

[8]   الفصل 5.

[9]   الفصل ذاته.

[10]   الفصل 8.

[11]   الفصل ذاته.

[12]   الفصل 5.

[13]   الفصل السادس.

[14]   الفصل السادس.

[15]   الفصل الثاني عشر.

[16]   الفصل ذاته.

[17]   الفصل الثالث عشر.

[18]   الفصل العاشر.

[19]   الفصل التاسع.

[20]   الفصل العاشر.

[21]   الفصل التاسع.

*   أحد مؤسسي الأممية الرابعة.

[22]   الفصل الرابع عشر.

[23]   الفصل الثاني عشر.

[24]   مجلة “الأممية الرابعة”، العدد 3 – 5 ، السنة 22 ، آذار ـ مارس ـ أيار ـ مايو 1954، ص 42 – 43

[25]   يمكن قراءة نص الكلمة الكامل في كتابي، أندريه بريتون، الصادر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1980، ص 401 ـ 402 …………..

________________________________________

مقدمة الترجمة العربية ل-النبي المنبوذ-، الجزء الثالث من سيرة ليون تروتسكي، تأليف اسحق دويتشر

كميل داغر

camile_d@hotmail.com

2004 / 3 / 26

مقدمة الترجمة العربية ل “النبي المنبوذ” الجزء الثالث من سيرة تروتسكي، تأليف اسحق دويتشر.

كميل قيصر داغر

حين قرأ تروتسكي الحوار الذي دار بين سفير فرنسا لدى الرايخ الثالث وهتلر قبل الحرب العالمية الثانية مباشرة، وتخوُّف الرجلين من أن يكون المنتصر الأخير، في حرب طويلة ورهيبة بدت نُذُرها آنذاك على الأبواب، هو تروتسكي بوجه التحديد.. حين قرأ ذلك الحوار كتب:  »إنهم يهجسون بشبح الثورة ويعطونه اسم رجل « .

وبالفعل، لم تقترن صورة الثورة، في التاريخ، باسم رجل، قدر ما اقترنت باسم تروتسكي، حتى في الفترة التي صوَّره دويتشر لنا فيها مشردا، منبوذا. لا بل إن ذينك التشرد والنبذ اللذين لازماه طوال المرحلة التي يؤرخ لها الجزء الأخير من الثلاثية (1929 ـ 1940)، كانا بالضبط النتيجة المباشرة لهذا الواقع. ذلك أن الخوف من قائد ثورة أكتوبر والمنظِّر للثورة الدائمة كان يجمع في خندق واحد البيروقراطية الستالينية في الدولة العمالية الأولى وكامل جوقة الحكومات البورجوازية في العالم، بحيث أبعته الأولى (قبل أن تجهز عليه جسديا في نهاية المطاف)، ورفضت الثانية استقباله على أرضها،  »فلم يعد ثمة ـ على حد قول تروتسكي بالذات ـ غير كوكب من دون تأشيرة « .

ودويتشر، في هذه التراجيديا  »الشكسبيرية «  اللاهثة، المشحونة بحرارة الحقيقة والحياة، التي يظهر فيها تروتسكي على مسرح هائل، حدَّاه العالم الشاسع والتاريخ، يقدم لنا بانوراما شاملة عن المعركة القاسية والمريرة وغير المتكافئة التي استمر  »النبي الأعزل، والمنبوذ «  يخوضها في وجه القوة الغاشمة. يقف البطل هنا بكل جبروته التاريخي وهيبته الفكرية ونبويته السياسية، قويا وعاجزا في آن معا أمام السلطة المسلحة بكل إمكانات القمع والسحق وغسل الأدمغة ومسخ حقائق التاريخ. شاهد بأن عينه كامل الجيل القديم الذي سبق أن أبحر معه على طريق الثورة يزول من على خشبة المسرح، يباد الجزء الأفضل منه، والجزء الأفضل من الجيل الشاب يداس بالأقدام ويطحن، أولاده يتساقطون الواحد بعد الآخر، وأنصاره تمر عليهم الآلة الحاقدة للدزرجيموردا القاتل والمتوحش. لكنه يبقى رغم هول المأساة وبشاعة الجريمة التي يعيش آثارها المدمرة يوما بيوم، على مستوى البطولة التي تليق بصانعي التاريخ، لا بل أبهى وأنصع ما فيه من صفحات. هكذا لا يعود يمكن أن يستغرب المرء، للحظة واحدة، ذينك الشغف والتعلق من جانب أنصاره الذين كانوا يتقدمون إلى الموت وعلى شفاههم الصيحة التي أصبحت مألوفة جدا لكثرة ما تكررت أمام مفارز الإعدام:  »فليعش تروتسكي إلى الأبد ! «. فهو كان يمثل لهم، ولكل المناضلين الذين فشل ستالين في تطويعهم، الشعلة الباقية من أكتوبر والأمل الصامد، رغم قسوة المحن وهول الردة، بمستقبل للبشرية وضاء ونظيف. وقد ظل يمارس نفوذه الأدبي والفكري والسياسي الهائل داخل روسيا حتى بعد سنوات نفيه وإبعاده، لدرجة أنه حتى»  المستسلمون والبوخارينيون والستالينيون المترددون كانوا ينهلون بنهم كل كلمة تصل منه إلى الاتحاد السوفياتي «، ويتهامسون في اللحظات الحرجة، حين تكون القرارات المهمة على وشك أن تؤخذ: »ماذا يقول ليف دافيدوفيتش بصدد هذا الموضوع؟ «  وذلك أحيانا، حتى في غرف انتظار الدخول على ستالين.

ولا شك أن مخيلة ستالين التي استنبطت كل أشكال التضييق والحصار والخنق لتحول دون ذلك النفوذ المتجدد والخلاق، في صفوف الأجيال السوفياتية التي كانت لا تزال تقع تحت الإغراء الآسر لشخص تروتسكي وفكره وبرنامجه، لم تجد مخرجا آخر غير الإبادة الجسدية لآلاف الثوريين، وحتى عائلاتهم وكل ما قد يذكّر بهم. تلك الإبادة حفرت هوة رهيبة ـ يقول دويتشر ـ في وعي الأمة، بحيث»  جرى طحن ذاكرتها الجماعية، وتحطيم استمرارية تقاليدها الثورية وتدمير قدرتها على أن تكوّن أي نوع من الفكر غير الامتثالي وتبلوره « .

التفاؤل الثوري الملازم

ويسلط دويتشر الضوء ساطعا، في حياة تروتسكي وفكره، على التفاؤل الثوري الذي بقي ملازما له حتى لحظاته الأخيرة، ورغم كل ما عاين من إحباطات وضربات مريعة للحركة الثورية، بنتيجة السياسة الستالينية المثبطة والمبلبلة، المنظِّمة لأكبر هزائم الطبقة العاملة في عصرنا، كما رغم المآسي الشخصية المدمرة التي عاشها هو ذاته، والتي لا تنفصل بتاتا عن المأساة العامة لقوى الثورة في مرحلة تاريخية كاملة، هذا التفاؤل فسَّره دويتشر في الفصل الأخير، الانتصار في الهزيمة، بقوله إن تروتسكي كان يطبق المقياس التاريخي الكبير على الأحداث وعلى قدره الخاص به، معتبرا أنه  »حين يتعلق الأمر بالتغييرات الأكثر عمقا في النظام الاقتصادي والثقافي، فإن 25 عاما تزن في التاريخ أقل مما تزن ساعة في حياة إنسان « ، وأنه إذا قيس ما أنجزه المجتمع السوفياتي، بهذا المقياس، فهو لا شك بداية متواضعة جدا لكنها تبرر الثورة والتفاؤل الأساسي حيالها و »تبدد الضباب الكثيف للإحباط واليأس « .

وقد عبر عن هذه الرؤيا المشرقة لمصير الإنسانية في وصيته بالذات، التي خطها قبل أشهر من مصرعه على يد عميل ستاليني في منفاه بالمكسيك، فاختتمها بهذه الكلمات:

» وصلت ناتاشا لتوها من الساحة إلى الشباك وفتحته على مصراعيه كي يدخل الهواء بحرية إلى غرفتي. أستطيع أن أرى الرقعة النّيرة الخضراء من العشب تحت الجدار والسماء الصافية الزرقاء فوقه، وضوء الشمس في كل مكان.

»الحياة جميلة، فلتنظفها الأجيال القادمة من كل شر، ومن كل اضطهاد، ومن كل عنف وتستمتع بها كليا « .

تفاؤله هذا، الذي يتطور إلى رؤيا شعرية مفعمة بالضوء، ربما يبلغ درجته المثلى في الكلمات الأخيرة التي نطق بها، وهو يلفظ أنفاسه:

».. أنا واثق بانتصار الأممية الرابعة. إلى الأمام « ! .

هذا باختصار شديد جانب أساسي من الصورة التي يقدمها دويتشر عن تروتسكي في الحقبة الأخيرة من حياته، الحقبة التي نشهده فيها منفيا، وطريدا، ومحاصرا، لكن في الوقت ذاته محتفظا بروحه القتالية التي لم تفارقه لحظة، والتي جعلت من حياته ملحمة يومية من النضال، النظري والعملي، العنيد والصارم والمنسجم لأجل تمهيد الطريق أمام  »المستقبل الشيوعي للبشرية « . إلا أنه مع إبداء التقدير والاحترام العظيمين للعمل الثمين والخلاق الضخم الذي أنجزه دويتشر عن حياة تروتسكي وعمله، لابد من مناقشة ولو سريعة، للعديد من المفاهيم والآراء التي يتوصل إليها، عبر دراسته، وتنعكس بقوة على التقويم العام لمجمل تجربة تروتسكي في السنوات الأخيرة من حياته.

فالفكرة الطاغية التي يخرج بها المرء من مطالعة الجزء الأخير من ثلاثية دويتشر مفادها أنه كان أجدى بكثير لو انصرف تروتسكي في سنواته الأخيرة للكتابة النظرية والتاريخية، التي لا يجارى في مضمارها، بدل الغرق في متطلبات الممارسة اليومية والنضال السياسي والتنظيمي، حيث لم يعد في استطاعته أن يقدم إلا ضمن حدود لا تبرر الجهد الهائل الذي كان يأخذه منه ذلك. هكذا بضربة واحدة يلغي عمل سنوات ل »تسليح جيل جديد بمنهج ثوري « ، ولا سيما نضاله التنظيمي الدائب والصبور الذي تتوج بتأسيس الأممية الرابعة، ومتابعته عن كثب لتلامذته وأنصاره وتجمعاتهم، مهما ضؤل حجمها، وللخلافات التي كانت تنشب في صفوف تلك التجمعات. بيد أن دويتشر الذي ينظر بالكثير من الإكبار لإسهام تروتسكي النظري، ويسمح لنفسه بتحجيم الجانب العملي من نضاله في سنوات نفيه، من موقع الأسف على ما مثَّله، في رأيه، من هدر لوقت ثمين كان يمكن تكريسه للكتابة النظرية، لم يوفِّر كذلك نقده لتلك الكتابة في بعض جوانبها. وهذا ظاهر بوضوح في حديثه عما يسميه  »الماركسية الكلاسيكية « لدى تروتسكي، التي شهدت نوعا من الطلاق، وفقا لتعبيره، مع الواقع، كما بصدد مفهوم  »الثورة السياسية « ، الذي يطرحه تروتسكي في مؤلفه  »الثورة المغدورة « كأفق لتطور الصراع داخل الاتحاد السوفياتي، على طريق الخلاص من الانحطاط البيروقراطي وما يمثله من إعاقة خطيرة للبناء الاشتراكي.

1- الموقف من الأممية الرابعة

إن الموقف الذي يتخذه دويتشر في » النبي المنبوذ « ، المنشور عام 1964، من تأسيس الأممية الرابعة، ليس موقفا لاحقا، بعد وقوع الحدث، ولا سيما بزمن طويل، بل كان متبلورا ومحددا بالضبط، كما يذكر هو ذاته، منذ فترة مؤتمر التأسيس، عام 1938، حيث عبر آنذاك مندوبا الفرع البولندي، الذي كان دويتشر من أبرز قادته، عن المعارضة الإجماعية لذلك الفرع بصدد إعلان الأممية الجديدة، على أساس أنه  »من قبيل الانخراط في طريق مسدود محاولة خلق أممية جديدة في حين كانت حركة الشغيلة، بمجملها، في حالة انحسار، وتمر بفترة انتكاس كثيف وجمود سياسي « ، وناشدا رفاقهما أن يمتنعوا عن القيام  »بحركة لا معنى لها «  وعن  »اقتراف عمل جنوني « .

هذا الموقف لم يتبدل بالتأكيد مع الوقت، وظل دويتشر على هذا الرأي بعد عشرات السنين، حيث يتكرر في الجزء الأخير من ثلاثيته إعدامه للتجربة بكلام سريع ومقتضب. فهو حين يشير إلى قرار ستالين، في نهاية المطاف، تصفية تروتسكي جسديا، يقول: »قبل سنوات كان يمكن أن يخشى ستالين رؤية تروتسكي يقود حركة شيوعية جديدة في الخارج، لكن ألم يكن يدرك الآن أن الأممية الرابعة قد انهارت كليا؟ « .

إن نظرة متفحصة ودقيقة لابد أن تبيّن كم أن دويتشر، في أحكامه التي أصدرها أوائل الستينات، كان لا يزال يحاول البقاء ضمن موقف “تاريخي” يتناسب كليا مع الموقف السياسي القديم الذي اتخذه، هو والمجموعة البولندية التي انتمى إليها في الثلاثينات. وحتى إذا أخذنا بالإعتبار أن الأممية الرابعة لم تنجح، بعد تأسيسها بعشرات السنين في أن تصبح منظمة عالمية جماهيرية، إلا أ، هذا ليس كافيا لإطلاق أحكام بالقدر من الجزم الذي نجده لدى دويتشر، مؤرخا، لا سيما إذا أدخلنا في الحسبان الظروف القاسية، موضوعيا وذاتيا، التي حالت دون ذلك، سواء من حيث الإبادة الواسعة التي تعرض لها كادراتها ومؤسسوها وقواعدها، على أيدي الستالينية والنازية في الثلاثينات والأربعينات، أو بسبب ظروف الحرب العالمية الثانية والاستقرار الاقتصادي الذي تلا تلك الحرب وبقي قائما أكثر من عشرين عاما في البلدان الغربية بوجه خاص، وعلى امتداد فترة طويلة، لا ريب، أطلقت عليها الأممية تسمية  »مرحلة اجتياز الصحراء « . وقد تلت هذه المرحلة بعد انتعاش الصراع الطبقي في الغرب، منذ أواخر الستينات، ولا سيما بعد أحداث 1968 الفرنسية، مرحلة نمو جدي وأكيد لمنظمات الأممية المشار إليها، ربما كانت كافية لتعدل من نظرة دويتشر لو قيض له أن يبقى على قيد الحياة سنوات معدودات*.

في كل حال، سيكون مفيدا أن نورد مقطعا من المناقشة القيِّمة التي كتبها بيير فرانك، أحد مؤسسي الأممية، في أيلول/سبتمبر 1964**، بعد قليل من صدور  »النبي المنبوذ « ، حيث يقول ردا على كلام المؤلف:

».. وفقا لدويتشر، انتهت محاولة تروتسكي لخلق الأممية الرابعة بإخفاق كلي (ص 513). وهذا التقويم يرتكز فقط على واقع أنه حين كتب دويتشر سيرة تروتسكي، لم تكن الأممية الرابعة غدت حركة جماهيرية، لأنه على صعيد الدفاع عن الماركسية الثورية منذ موت تروتسكي، وإغنائها، ما من تيار سياسي ساهم بنسبة يمكن مقارنتها، من قريب أو من بعيد، بما كان عليه نشاط الأممية الرابعة ونتاجها النظري والسياسي. وليس ثمة أدنى تبجح في قول ذلك، فلو لم تفعل الأممية الرابعة إلا هذا، لكان تأسيسها مبررا. هذا الإسهام النظري والسياسي كان مستحيلا تماما لولا وجود المنظمة، ولولا مشاركة أعضائها في كل المعارك الثورية عبر العالم. الكل يعرف أن أحد المعطيات الأساسية للماركسية يتمثل في استحالة الفصل بين النظرية والممارسة من دون مخاطر وقوع في الخطأ، سواء بالنسبة لهذه أو بالنسبة لتلك. وما كان صحيحا عموما، غدا اليوم أكثر إلحاحا بكثير (…) فالسياسة العالمية تصنع حاليا في أكثر من مئة بلد مختلف جدا بعضها عن البعض الآخر، سواء اجتماعيا، أو من ناحية التطور الاقتصادي (…) إن النضال لأجل الاشتراكية يتطلب سياسة عالمية، إذا لم يكن إلا بمواجهة الدور القيادي الذي تلعبه الإمبريالية الأميركية في المعسكر الرأسمالي. إن سياسة عالمية كهذه تتخطى كل استيعاب كُتُبي للوضع، ولا يمكن أن تصدر عن تجمعات قومية من حيث الجوهر حتى إن كان على قادتها أن يقوِّموا الوضع العالمي. فلا يمكن التوصل إلى الحد جديا من الأخطاء المحتومة إلا بمجابهة مستمرة بين خط أممي من جهة ونشاط عملي داخل الحركة العمالية العالمية، من جهة أخرى.

»كان أفضل، بالتأكيد، أن تتم هذه المواجهة على يد أممية رابعة أكبر عددا، لمصلحة قضية الاشتراكية بالذات، لكن (…) ما يهم قبل كل شيء أن يكون هنالك حقا وحدة أممية فعلية للفكر والعمل. وفي وسعنا القول إن الأممية تقدمت، في هذا الصدد، بخطوات جدية نسبة إلى ما قبل الحرب (…) وثمة مقاييس أكثر صحة من مقياس القوة العددية للحكم على شرعية حركة ما وحيويتها.

»لقد تعلمنا في مدرسة تروتسكي أن ثمة فائدة، دائما، في المسائل الكبرى، بأن يضع المرء نفسه على المستوى التاريخي. فمنذ نصف قرن، بدأت أزمة الراسمالية مع حرب 1914 (كتب فرانك نصه عام 1964). في تلك السنوات الخمسين، المزدحمة بانقلابات جبارة، مرت الحركة العمالية بمحن هائلة، وتمت محاولات تنظيمية كثيرة، فأية موازنة يمكن أن نقيمها الآن؟ احتفظت الاشتراكية – الديمقراطية بمواقع قوية في أوروبا، وفي متناول الحركة الشيوعية الرسمية ـ عدا البلدان التي تحكمها ـ عدد من الأحزاب الجماهيرية، بينما لم تتطور في العديد من البلدان. ومن التجمعات التي تكونت كرد فعل على سياسة الاشتراكية – الديمقراطية أو الستالينية، وغالبا ما كانت تحوز قوى أكبر عددا من قوى فروع الأممية الرابعة، لم يبق أي شيء عمليا (…) لم تصبح الأممية الرابعة منظمة جماهيرية، لكنها امتدت إلى الكثير من بلدان العالم المستعمر. بعبارات أخرى، تبين موازنة الحركة العمالية خلال نصف قرن أن ثلاثة تجمعات أثبتت حيويتها، وهو ما لا يمكن تفسيره بأسباب ذاتية، كصفات أعضائها وقادتها، بل بأسباب موضوعية، بأسباب تاريخية: منظمات الأممية الثانية التي تمد جذورها في الطبقة العاملة وفي الرأسمالية في الوقت ذاته، والمنظمات الستالينية لأن لها صلات بالطبقة العاملة وبالقيادة البيروقراطية للدولة العمالية الأولى في العالم؛ وأخيرا منظمات الأممية الرابعة، الضعيفة عددا والتي عانت من قمع لا مثيل له في التاريخ، من جانب البرجوازية والبيروقراطية، لأنها تمثل الطبقة العاملة العالمية في مصالحها التاريخية الأساسية، ولأنها السليل المباشر للحزب البلشفي لعام 1917 وللأممية الشيوعية1  « .

2 – »الثورة عبر الفتح «  و »الماركسية الكلاسيكية « .

منذ الجزء الأول من الثلاثية، كان دويتشر قد رفع ما دعاه  »الثورة عبر الفتح « إلى مقام نظرية سوف يضعها فيما بعد، أثناء كتابته  »النبي المنبوذ « ، بمواجهة  »ماركسية كلاسيكية « اعتبر أن تروتسكي ظل مرتبطا بها ومنظلقا منها في تحليلاته، ومواقفه وتوقعاته. وكان كتب في  »النبي المسلح « أن معارضة تروتسكي العقلانية للثورة عبر الفتح لم تكن  »إلا الوجه الآخر لإيمانه شبه اللاعقلاني بالطاقة الثورية الخاصة بالطبقات العاملة الغربية وبقدرتها على صنع الثورة2  «. وأشار إلى أن تروتسكي اعتبر  »أن تضامن الثورة الروسية مع الطبقات العاملة في البلدان الأخرى ينبغي أن يعني بصورة رئيسية مساعدتها على فهم تجربتها السياسية والاجتماعية وتفسيرها وطرح مشكلاتها، ولكن ليس حلها نيابة عنها. وخلال نقاش، تكلم بغضب على أولئك الذين يعتقدون في البلدان الأجنبية بإمكانية الحلول محل الثورة عن طريق عمليات الجيش الأحمر، وقال:  »أفضل لهم أن يوضع حجر الرحى في عنقهم ويلقى بهم في البحر2 « .

وقد توصل دويتشر في جزئه الأول إلى بلورة مفهومه حول الدورات الثورية، المختلفة من حيث طبيعتها. ورأى أن الحرب العالمية الأولى افتتحت دورة ثورية حملت البلشفية في بدايتها  »موجةُ ثورة أصيلة، وحوالى نهايتها شرعت البلشفية تنشر تلك الثورة عبر الفتح*. إن مسافة طويلة، تمتد ما يقارب ربع قرن، تفصل الدورة الأولى عن الدورة الثانية التي ستفتتحها الحرب العالمية الثانية. وبين الدورتين بقي البحر البلشفي راكدا. أما الدورة الثانية فستبدأ، بما اختتم الدورة الأولى، عنينا الثورة عبر الفتح3 « .

هذا الفهم سيستعيده كليا في  »النبي المنبوذ « ، في عبارات تكاد تكون حرفية، وذلك في نهاية الفصل الأخير بعنوان:  »الانتصار في الهزيمة « . وقد خلص إلى اعتبار أن تروتسكي أخطأ حين اعتقد أن الدورة الجديدة، التي افتتحتها الحرب العالمية الثانية، ستبدأ  »بالأشكال التي اتخذتها الدورة الأولى، بصراعات طبقية وانتفاضات بروليتارية تتوقف نتيجتها إجمالا على توازن القوى الاجتماعية داخل كل أمة كبرى ومواصفات القيادة الثورية القومية « ، متوصلا إلى القول إن المقاييس  »التي كان الماركسيون اعتادوا أن يحكموا بواسطتها على النضج الثوري لأمة أو انعدام نضجها قد أخفقت « . وعزا ذلك الإخفاق إلى ما يسميه  »الماركسية الكلاسيكية « ، التي كانت تتحكم ـ في نظر دويتشر ـ برؤية تروتسكي للأشياء وبتحليلاته وتوقعاته، والتي جعلت  »الطلاق بين النظرية والممارسة، أو بين القاعدة والواقع، يتعمق أكثر فأكثر « .

ومن الواضح أن هذا المفهوم الذي يقدمه دويتشر لتفسير حقبة بكاملها من التطورات الثورية والهزائم والانتكاسات، معارضا به ماركسية  »كلاسيكية « مفترضة، يختزل حركة التاريخ على امتداد تلك الحقبة، بشكل تعسفي إلى حد بعيد. فبين دخول الجيش الأحمر إلى جورجيا عام 1921 ودخوله أوروبا الشرقية عام 1939 شهدت أوروبا نضالات ثورية  »كلاسيكية « ـ لكي نستخدم عبارته ـ عديدة، ناهيك بما مثلته الثورة الصينية من حركة جماهيرية أصيلة. كما أن ما تلا الحرب العالمية الثانية لا يمكن أن يفسره، حصرا، مفهوم  »الثورة عبر الفتح « ، وإلا كيف نفهم الثورة اليوغسلافية، بوجه خاص، التي لم تتم على يد الجيش الأحمر، بل بفعل الشيوعيين اليوغسلاف، ورغم أنف ستالين بالذات؛ أو الثورة الألبانية؛ ناهيك بحركات المقاومة في العديد من بلدان أوروبا الغربية، ولاسيما فرنسا وايطاليا واليونان، تلك الحركات الثورية التي قادها الشيوعيون المحليون وكان يمكن، على الأرجح، أن تستولي على السلطة في تلك البلدان لولا تعليمات ستالين وتوجهاته التي حكمتها اتفاقاته مع حلفائه الغربيين، ولعبت دورا طاغيا في حَجْر العملية الثورية في أوروبا، والعالم، لحقبة تاريخية كاملة.

من جهة أخرى، إذا كان دويتشر يعني بمعارضته ما يسميه »ماركسية كلاسيكية «  بمفهومه عن »الثورة عبر الفتح « أن الماركسيين الثوريين أخطأوا حين توقعوا انتصار الثورة في أوروبا أولا، وأن جملة من المنظورات الماركسية القديمة كان لابد من إعادة النظر بها على ضوء التطورات التي تلت الحرب الثانية، ولاسيما في الشرق الأقصى وخارج أوروبا والمجتمعات الصناعية المتقدمة بوجه العموم، فهذا من الأمور التي لابد من التسليم بها. في كل حال، لم تكن مهمة الماركسية يوما أن تستكشف المستقبل بدقة العلوم الطبيعية، إنما هي قبل كل شيء دليل للعمل. وهذا لا يعني أن ليس بالإمكان استخدامها كطريقة لفهم احتمالات التطور في مجتمعات محددة والتوصل أحيانا لتوقعات تأتي الحركة الفعلية لصراع الطبقات، على المستويين الإقليمي والعالمي لتثبت صحتها، إلا أن هذا لا يعني أن تلك الاحتمالات تخضع دائما للمسار الذي تحدده لها حسابات عمالقة الفكر الماركسي. فحتى ماركس فشل في العديد من الأحيان بتوقعاته حول تطور حركة الثورة في أوروبا وآسيا، ولاسيما حين توقع في الخمسينات من القرن الماضي ثورة وشيكة في القارة الأوروبية كان يخشى عليها من الصعود الرأسمالي في الصين واليابان وأميركا. ذلك أن الحياة هي، وفقا لتروتسكي ذاته،  »معقدة من الناحية العملية أكثر مما من الناحية النظرية4  «. لكن مهما يكن، ومع أخذ هذه الأمور بالحسبان، لقد أدرك تروتسكي، والى حد ما أكثر من غيره، أن التاريخ لا يتحرك وفقا لقوالب جاهزة؛ وجاءت نظريته حول  »الثورة الدائمة « تتيح لنا أن نفهم، على ضوئها، المسار الفعلي الذي اتخذته الثورات المنتصرة في العقود الأخيرة.

وحتى بالنسبة لمسار »الثورة عبر الفتح « غير المتوقع أصلا، والذي دخل لاحقا على صراع الطبقات، بفعل قيام الدولة العمالية الأولى وتوطدها، فقد كان تروتسكي، حسب ما يقول بيير فرانك، الشخص الذي ترك في هذه الصدد الكتابات الأكثر عمقا، لأنه  »بنتيجة نشاطه السياسي ونضاله ضد البيروقراطية فهم أفضل من أي شخص آخر طبيعة هذه الظاهرة « . ويتابع فرانك فيفسر الصعوبات التي وضعت على طريق تروتسكي والأممية الرابعة في سعيهما لتجديد الحركة الشيوعية العالمية، قائلا:  »إن وجود ميدان مربك بالقيادات القديمة، وسطوة البيروقراطية السوفياتية التي تتواصل ما بعد الفترة التي اختفت فيها الظروف التي خلقتها، والمسافة بين مستوى الجماهير الثقافي غداة الاستيلاء على السلطة والمتطلبات التي تطرحها مشكلات ممارسة السلطة البروليتارية، كل ذلك يفسر الصعوبات التي أعاقت إنجاز المهمة التي تصدى لها تروتسكي بعد إفلاس الأممية الثالثة5 « .

3 – الثورة السياسية.

هذه الموضوعة فسرها تروتسكي في  »الثورة المغدورة « ، معتبرا أن بروليتاريا بلد متخلف قد اضطلعت بأول ثورة اشتراكية،   »لذا سوف يكون عليها أن تدفع ثمن هذا الامتياز التاريخي بثورة ثانية ضد السلطة البيروقراطية المطلقة« . هذه الثورة  »لن تكون ثورة اجتماعية كثورة عام 1917، فلن يكون الهدف منها تبديل القواعد الاقتصادية للمجتمع السوفياتي وإحلال شكل للملكية محل شكل آخر (…) إن قلب الفئة البونابرتية سيكون له نتائج اجتماعية عميقة الأثر ولكنها ستكون داخل إطار التطور السياسي6 « .

وقد ناقش دويتشر هذا المنظور مستبعدا إياه، متسائلا  »إذا كان تروتسكي، بإلحاحه على ضرورة ثورة سياسية في الاتحاد السوفياتي لم يتصور منظوره هذا بصورة دوغمائية للغاية، ولم يعط، خلافا لنصائحه هو، تحديدا جاهزا جدا لسيرورة غير منجزة « . وفي دحضه لاحتمال تلك الثورة، استعاد شروط الثورات كما حددها لينين، وهي:  »أ- ألا يكون القادة قادرين على الحكم كما اعتادوا أن يفعلوا؛ ب- أن يرفض المحكومون، بفعل بؤسهم ويأسهم وغيظهم، مواصلة الحياة كما في السابق؛ ج- أن يوجد حزب ثوري قادر على تجربة حظه وعازم جديا على أن يفعل ذلك « . وقد رأى أن تلك الشروط لم تكن متوفرة في الاتحاد السوفياتي، ولم تتوفر فيما بعد.

إلا أن علينا أن نأخذ بالحسبان أن  »الثورة المغدورة « صدرت عام 1936 في فترة كانت الستالينية تعاني فيها من أزمة عصيبة هي التي دفعت بها بعد قليل إلى هوة التطهيرات السحيقة والمجازر المريعة لنخبة الثوريين الروس، وكانت جماهير واسعة تحس في قرارة نفسها بالنفور العميق من البيروقراطية السائدة وطرائق حكمها، بالإضافة لعشرات الألوف من الكوادر الثوريين الذين كانوا يتطلعون بالتأكيد إلى اليوم الذي يخرج فيه الاتحاد السوفياتي من تحت كابوس الستالينية المرعب، والذين لم يكن قد توصل تروتسكي بعد إلى تصوّر المصير المأساوي المذهل الذي كان يعده لهم ستالين، والتصفيات الدموية الرهيبة التي سيمارسها ضدهم على امتداد السنوات اللاحقة.

في كل حال، فإن منظور الثورة السياسية، هو الآخر، إذا كان بدا حتى الفترة التي أنجز فيها دويتشر ثلاثيته (عام 1964) غير راهن، فإن صحته لابد أن يُنظر إليها على أساس  »المقياس التاريخي الكبير «  بالضبط الذي أشار إليه في الصفحات الأخيرة من الثلاثية. وإذا كانت لم تظهر إلى الآن إرهاصات لتلك الثورة في الدولة العمالية الأولى، فلا مجال لنكران أن تلك الإرهاصات ظهرت في أكثر من دولة عمالية أخرى، على امتداد العقود الأخيرة. ولعل التحركات العمالية البولندية في السنتين الماضيتين، التي بلغت حدا نادرا من الاتساع، وطرحت فيما طرحت ديمقراطية بروليتارية حقيقية تجمع إلى الحرية الكاملة للرأي والتعبير، وحرية التجمع النقابي المستقل عن أجهزة الدولة، مجالس العمال والتسيير الذاتي، إلى غير ذلك من المطالب… وأرعبت بيروقراطيات الدول العمالية بلا استثناء، هي الخطوات الأولى والأساسية نحو الثورة السياسية كما عرَّفها تروتسكي. وإذا كانت تلك التجربة قد أجهضت مؤقتا فهذا لا يعني أنها لا تشكل طورا بالغ الأهمية من تراكمات لا بد أن تؤدي في نهاية المطاف إلى كسر القوقعة البيروقراطية وتحقيق قفزة نوعية تعيد الاعتبار للديمقراطية العمالية وللسير الحثيث نحو إنجاز المهام الاشتراكية، ليس فقط في بولندا بل كذلك في كامل المعسكر غير الرأسمالي، وفي طليعته الاتحاد السوفياتي.

على كلٍّ، لم يكن دويتشر حاسما في موقفه من هذه المسألة، وحرص على الاعتراف بأنه يفضل  »أن يسلم الأمر، بما يخص الحكم النهائي على تروتسكي وفكرة الثورة السياسية لديه، إلى مؤرخ الجيل القادم « ، وحسنا فعل !

* * *

بيد أن هذه الملاحظات الضرورية الواردة أعلاه لا يمكن إلا أن تترافق بالتنويه الشديد بعظمة العمل الذي أنجزه دويتشر، وبالنزاهة النادرة للمؤرخ وكاتب السيرة والمفكر، الذي تعامل مع الشخصية المهيبة لتروتسكي بما يتناسب مع موقعها الفريد والفذ في تاريخ الماركسية. وحسبنا أن نورد التقويم الأخير الذي يقدمه لنا عن هذه الشخصية، لنرى كيف أن دويتشر كان، دون أي جدال، على مستوى المهمة الضخمة التي تصدى لها، مهمة إعادة تكوين تفاصيل السيرة الحقيقية لرجل عظيم سطا  »لصوص المقابر « على ضريحه، و »رواية منجزاته المحفورة على ألواح من ذهب « ، ونفض الغبار عن الملحمة الخارقة للماركسية الثورية منذ بداية هذا القرن، والتجرؤ على تثمين دوره بما يتوافق مع حقيقة هذا الدور وموقعه من كل ما يقدمه عصرنا من واعد ومتألق وجميل. يقول دويتشر:

»إن حياة تروتسكي وعمله الهائلين يشكلان عنصرين أساسيين من تجربة الثورة الروسية، وحتى من حبكة الحضارة المعاصرة. إن الطابع الفريد لأحداث حياته والصفات الأدبية والجمالية الخارقة لمحاولته تدافع عن نفسها بنفسها وتشهد على أهميته. ومن المستحيل ألا تحدث طاقة فكرية بهذا السمو، ونشاط بذلك الإعجاز، وشهادة بذلك النبل، كامل تأثيرها، إذ إن ذلك يتعارض مع كل معنى للتاريخ. فهذه هي المادة التي تصنع منها الأساطير الأكثر سمواً وإلهاماً. إلا أن أسطورة Legend تروتسكي منسوجة من وقائع ثابتة وحقائق يمكن التأكد منها. هنا لا ترفرف أية أسطورة Mythe فوق الواقع، بل يرتفع الواقع بالذات إلى مستوى الأسطورة.

»إن مجرى حياة تروتسكي غني ومتألق لدرجة أن أياً من أجزائه كان كافياً ليملأ حياة شخصية تاريخية مرموقة. لو توفي في الثلاثين أو الخامسة والثلاثين من عمره، قبل عام 1917 بقليل، لكان وضع في مصاف مفكرين وثوريين روس من أمثال بيلينسكي وهرزن وباكونين، كسليلهم الماركسي والمساوي لهم. ولو أن حياته انتهت عام 1921، أو بعد ذلك، في الفترة التي مات فيها لينين تقريباً، لكان الناس تذكروه كقائد ثورة أكتوبر ومؤسس الجيش الأحمر وقائده الكبير خلال الحرب الأهلية وكمرشد الأممية الشيوعية، الذي كان يتوجه إلى عمال العالم بقوة ماركس وألقه، وبنبرات لم يجر سماعها منذ البيان الشيوعي (…). إن الأفكار التي نادى بها والعمل الذي أنجزه بصفته قائد المعارضة بين 1923 و 1929 ، تشكل المادة والجوهر في أحد الفصول الأكثر أهمية والأشد درامية في حوليات البلشفية والشيوعية. جاء إلى الواجهة كالشخصية الأولى في أكبر مساجلة إيديولوجية عبر القرون، وكالملهم المعنوي والفكري للتصنيع والاقتصاد المخطط، وأخيرا كالناطق بلسان كل أولئك الذين قاوموا من داخل الحزب البلشفي صعود الستالينية. حتى لو توفي عام 1927 ، لكان ترك خلفه تراثا من الأفكار لا يمكن تدميره أو الحكم عليه بنسيان طويل الأمد، تراث من أجله واجه الكثير من أنصاره مفرزة الإعدام واسمه على شفاههم، تراث يزيد الزمن من راهنيته ووزنه ويتلمس الطريق نحو جيل سوفياتي جديد « .

كميل قيصر داغر

*   توفي عام 1967 (م).

**   علما أن هذه المناقشة تمت في فترة لم تكن شهدت بعد النمو الجديد للأممية الرابعة، بعد استعار الأزمة الاقتصادية والاجتماعية في الغرب في النصف الثاني من الستينات، وما بعد ذلك. (م).

1   Quatrième Internationale  العدد 23 ، تشرين الثاني 1964 ، ص 60 – 61 – 62 .

2   دويتشر، النبي المسلح، ص 484 ، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1981 .

*   إشارة إلى الحملتين، الفاشلة ضد بولندا عام 1920 ، والمنتصرة ضد جورجيا عام 1921 (م) .

3   دويتشر ، النبي المسلح ، ص 487 .

4   تروتسكي ، الثورة المغدورة ، ص 177 ، دار الطليعة ، 1980 .

5   بيير فرانك ، مجلة  Quatrième Internationale ، ص 60 .

6   تروتسكي ، المرجع ذاته ، ص 177 .

________________________________________

http://www.lc.rezgar.com

مركز دراسات وابحاث الماركسية واليسار

Advertisements

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s