نناضل من اجل الاشتراكية

نعم نناضل من اجل الاشتراكية

لا يمكن الحديث /والنضال عن\ضد مناهضة الرأسمالية والامبريالية ومخلفاتهما على الصعيد المحلي والاممي من دون طرح برنامج بديل يقطع مع النموذج الاقتصادي والسياسي الحالي الذي يسم العصر (اي الرأسمالي بأشكاله المتعددة). وان كنا لا نريد الدخول في نوع من الثنائية الجامدة لكننا لا نستطيع كأشتراكيين وكماركسيين او كيساريين ثوريين عمومًا الا ان نجد في الحل الاشتراكي بديلاً عن البناء الرأسمالي المعاصر.
فهل يعني كلامي هذا ان الحل محصور في الاشتراكية كبديل انساني معاصر؟ الجواب يحتمل النقيضين لا ونعم.
لا، ليس الحل في الاشتراكية اذا اعتبرنا الاشتراكية مجرد عمليات تأميم اقتصادي على الطريقة السوفياتية والفاشية والقومية والرأسمالية حتى. فما اثبتته التجارب التاريخية وبالاخص في الانظمة التي حملت لواء الاشتراكية ان التأميم اي جعل الملكيات الصناعية الكبيرة والاراضي الزراعية الواسعة والمصالح الخدماتية والمؤسسات التربوية والثقافية في يد الدولة ، لن يفضي الى نوع من الاشتراكية تزيل الاستغلال وتضع الاساس المادي والمعنوي لعملية الغاء الفروقات الطبقية بله الغاء الطبقات. تجارب التأميم بدل من ذلك انتجت مرة اخرى فئات اجتماعية جديدة مرتبطة بالدولة وباجهزتها الرسمية ومن بينها الحزب تقوم بعملية نهب واستغلال جديد للفئات التي من المفترض ان تشترك في العمل وفي المردود بشكل عادل.
لن تكون الاشتراكية بديل انساني نطمح له اذا اعادت صناعة دولة مهيمنة على كل اوجه الحياة، باعتبار ان الدولة هي القادرة على احداث التغيير المطلوب في البناء الاجتماعي وهذا ما سيعيدنا الى نموذج عبادة الدولة على الطريقة القومية والى سيرورة تحكم الدولة بطريقة غير مباشرة بعملية الاستغلال الداخلي عبر اجهزتها القمعية من عسكرية واعلامية وايديولوجية على طريقة الدولة الرأسمالية الحديثة البريئة بالظاهر لانها فوق الطبقات والمصالح الشخصية والطبقية لانها الدولة الوطنية حامية المواطن بحياته وملكيته الخاصة.
الخلاصة، لن نناضل من اجل اشتراكية على النموذج الناصري او البعثي او الصيني او السوفياتي او الاسلامي (رغم الانجازات العديدة والكبيرة لهذه النماذج) لان هذه النماذج وبعيدًا عن نوايا مناضليها وشهدائها ( فالجحيم مبلطة بالنوايا الطيبة) لم تستطع او ربما لم ترد بحكم تركيبة الفئات الاجتماعية التي حملت مشروعها ان تقيم المجتمع (ولا اقول النظام او الدولة) الانساني حيث يتشارك الجميع في الانتاج وفي عملية التوزيع العادلة، لا بل انها افضت في نهاية الامر الى ظهور عدد من الجلادين والمستبدين قمعوا شعوبهم والفئات التي يفترض ان يمثلوها او استعاضوا عن القمع بالسرقات وتوظيف اموالهم في مشاريع رأسمالية خارجية باسم الثورة والالتزام الطبقي والحرية والوحدة والصراع الوطني الى ما هنالك من لائحة الشعرات التي شوه مضمونها وجعل الجماهير تنظر بعين الريبة الى كل من سيرفعها لاحقًا.
وبدل الغاء الفروقات الطبقية(على الاقل) ظهرت طبقات جديدة انتجت استقطابًا مفزعًا، وبدل الاممية الاشتراكية (او حتى الوحدة القومية الواسعة) ظهرت القومية الضيقة والانعزالية والقومجية والالحاق القسري والدفاع عن الوطن (تلك الاكذوبة الطنانة)، وبحجة مقاومة (ثم مناهضة ثم ممانعة ثم…مهادنة ثم استسلام طوعي “واقعي” و “ضروري”) الامبرالية والاستعمار والاستكبار العالمي الشيطاني تم زج الالوف من المذنبين قسرًا في اقبية غوانتنامو وابو غريب الانظمة التقدمية ، واصبح الحزب “الطليعي” “الثوري” “الديمقراطي” مجرد حفنة من رجال الامن المخابراتي “المجاهدين” و “الملتزمين” بمحاربة الخونة والمرتدين و”المتبرجزين” والمغامرين او الانتهازيين او اليمينيين الاصلاحيين الليبراليين او الزمر اليسارية المتطرفة المارقة عميلة الصهيونية والدعاية اليهودية ووكالات المخابرات الغربية ….
ما قدمناه اعلاه ليس سوى صورة ملخصة جدًا من تجارب حملت لواء الاشتراكية ودافعت عن مصالح العمال والفلاحين وعن حق تقرير المصير . انها صورة سوداء قاتمة جدًا لن نتفاجأ بما خلفته بعد سقوطها من ظهور حركات عدمية و ظلاميات دينية وشوفينة وفاشية عصرية و” ما بعد-حداثية” استولت على وعي تطلعات الجماهير والفئات الشعبية وخدرتها بشعارات جديدة تنتج حروبًا ذات مستقبل واهداف مجهولة ،تعيد انتاج افكار ورؤى واساطير واهمة تعيش جنبًا الى جنب مع آخر تقنيات العصر في الاتصلات والصناعات والخدمات، في عصر يعيش استقطابًا طبقيًا حادًا وتقسيمًا دوليًا جديدًا للعمل يعيد احياء نظريات مالتوسية تنتظر مخلصها الآخروي.

ولكن، وفي ظل هذا الواقع المر هل ما زال هناك مجال للحديث عن بديل انساني عالمي اشتراكي؟ هل هناك نتيجة من النضالات التي يقوم بها مئات الالاف من المناضلين حول العالم من اجل هذا البديل؟ ام ان كل النضالات ستذهب سدى لتنام في اروقة البيروقراطية والدولة المستبدة للقرن الحادي والعشرين؟ اليس من الاجدى لنا كاشتراكيين ان نكون “واقعيين” بعض الشيء ونتخل ولو مؤقتًا عن مشروعنا باعتبار ان الظروف الموضوعية غير مؤاتية لطرح الاشتراكية كحل وبالتالي علينا وضع الاشتراكية في خانة الاحلام والمشاريع الطوباوية والنضال حاليًا من اجل رأسمالية اكثر عدالة او من اجل مشاريع اخرى تطرح نفسها كبديل (كالمشروع الاسلامي )؟

لن اكون متطرفًا او حالمًا اذا اعتربت ان المجال ما زال مفتوحًا امام المشروع الاشتراكي كحل اكثر من ممكن ومن ضروري. ودفاعي عن الاشتراكية يستند الى الحجج التالية:
1-ان الاشتراكية بما تعنيه من قيم وبرامج مؤسسة على الغاء الطبقات والفروقات والتمايزات الاجتماعية والسياسية وبما تعنيه من مناهضة العنصرية القومية والجنسية، ما زالت رغم الهجمات الليبرالية الاقتصادية والاصوليات الدينية تلاقي صدى واسعًا حول العالم ولو تلونت بايديولوجيات ذات طابع قومي او ديني تحرري. ان حلم التوزيع العادل للثروات والتشارك بانتاج السلع والتمتع بخيرات الارض بشكل عادل، والاختيار الحر للوظيفة ورسم مستقبل افضل على الصعيد الفردي والجماعي والتفتح الابداعي للملكات الفنية والفكرية للانسان ما زال املاً وهدفًا للاكثرية الساحقة من ابناء البشر، بالاخص بعد التجارب الفاشلة التي انتجتها الرأسمالية وسياسات البنك الدولي وبعض فشل مشاريع الاسلام السياسي.
2-التحولات المستمرة في عدد من دول العالم للسير في طريق الاشتراكية الانسانية الجديدة. هذا ما نشاهده في اميركا اللاتينية بالاخص (حيث عاد غيفارا من جديد) وفي نيبال وبعض الدول الاسيوية، كرد لا بد منه على الازمات التي ولدتها الرأسمالية والامبرالية في هذه البلدان. بالاضافة الى ظهور حركات اشتراكية وشيوعية ويسارية في اوروبا الغربية بدأت تطرح نفسها كبديل طموح بوجه الرأسمالية المتعولمة.
3-الحركة الدولية المناهضة للعولمة الرأسمالية والتي اصبحت تستقطب الملايين من البشر حول العالم، ورغم ما يعتري هذه الحركة الاممية من نواقص في طرح البرامج واساليب النضال، الا انها تشكل حالة جديدة اممية عابرة للقوميات والاعراق والاديان والانتماءات الفكرية تنصهر في سبيل النضال ضد لا انسانية الرأسمالية اينما وجدت وضد ما تنتجه من استلاب واستغلال وقمع ودمار بيئي خطير .
4-ان الاشتراكية كتجربة انسانية مجتمعية تتنوع ولا تزول . لقد سقطت تجربة اشتراكية في قرن معين، ولكن التاريخ لن يعيد نفسه فهو لا يعرف التوقف، وديالكيتك الحياة لا بد ان يُخرج من احشاء الرأسمالية من يحفر قبرها، كما خرجت الرأسمالية من احشاء الاقطاعية. والنظرة هذه ليست حتمية اقتصادية او غيبية بل هي امكانية موجدة دائمًا في انتظار من يخرجها الى حيز الوجود المتحقق اذا تسلح بالنظرة النقدية والثورية المتجددة والمتماشية مع تطلبات ومشاكل العصر.
الاشتراكية(العلمية) الانسانية التي نبغى تحقيقها ليست عقيدة او دينًا ارضيًا محفوظٌ في نصوص مقدسة وضعها منظرين وملهمين ، وليست بحاجة سوى الى التطبيق على طريقة كن فيكن، بل هي تنشأ وتتعدل و”تتغربل” يوميًا بفاعلية انسانية واعية ونقدية علمية، في ضوء المستجدات والتجارب والتراكمات التاريخية الجديدة.
ان التاريخ لن يضع جانبًا ايجابيات الاشتراكية وقيمها واهدافها التي ناضل الملايين من اجلها، ولكنه من جهة اخرى لن يعيد انتاج ما يسيء لها.فهو سيشهد تنوعات وتبدلات في مسار التطبيق الاشتراكي، وقد يشهد سقوطات فالمضامين الاشتراكية لا بد ان تختلف مع اختلاف الزمان والمكان.
من هنا فالاشتراكية الجديدة لعصرنا الحالي ستنهل من ايجابيات التجارب المنهارة كما ستستفيد من كل ما طورته البشرية من آليات في الممارسات السياسية والاقتصادية الاكثر ديمقراطية وحرية (عودة الى مفاهيم الديمقراطية المباشرة القاعدية-الادارة الذاتية للمؤسسات المنتجة كما في التجارب الاشتراكية في اميركا اللاتينية واوروبا الغربية-العودة الى مفهوم السوفياتات كصيغة لسلطة بديلة-التعاون مع منظمات حقوق الانسان والبيئة وحركات مناهضة العنصرية والتمييز…).
ان التجارب الاشتراكية التي تقوم الآن والتي ستقوم في المستقبل بجهود الملايين ان كان لها ان تستمر عليها ان ترمي في مزبلة التاريخ صيغ اساءت لتاريخها: الحزب الواحد القائد، الدولة التسلطية، البيروقراطية، قمع الحريات الفردية، منع الرأي المغاير والمختلف، تشويه حقوق الانسان، عبادة الشخصية مقابل قمع الفردية لتذويبها في الجماعة….
ان توق ملايين من البشر حول العالم لبناء الاشتراكية الانسانية الاممية هو ما سيجعلنا في لبنان والوطن العربي وفي كل انحاء العالم نستبشر خيرًا في ان الاشتراكية ستعود وبالطبع لن تكون نسخة على اشتراكية القرن العشرين.

Advertisements

About منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني

موقع منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني
هذا المنشور نشر في الماركسية وكلماته الدلالية . حفظ الرابط الثابت.

One Response to نناضل من اجل الاشتراكية

  1. ابراهيم كتب:

    رفيقي انا معك في كل ما ذكرتً فيما ذكرت ولكني ارى الاشتراكية مستحيلة في وطننا العربي في ظل سيطرة الدين على الدولة وعند فصله اي الدين تصبح الاشتراكية قريبة المنال وشكراً لك

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s