بمناسبة ولادته في 14 حزيران ——-الذاتي والموضوعي في تكوين إرنستو تشى غيفارا

الذاتي والموضوعي في تكوين إرنستو تشى غيفارا

مسعد عربيد (نقلا عن موقع دراسات الماركسية واليسار)

“تتزامن التغيرت الشخصية مع تطور ظروف النشاط الثوري”

كارل ماركس في “الايديولوجية الالمانية” (1846)

توطئة… وبعض الملاحظات

بالرغم من وفرة ما كتب عن إرنستو تشى غيفارا وفيه، قلة هي الكتابات التي تتناول المراحل والجوانب التكوينية في سيرته وفكره. لذا رأيت ان إستهل هذه الدراسة ببعض الملاحظات المنهجية اللافتة للنظر فيما كُتب حول تشى غيفارا :

1) أن الكثير من الكتابات، وخاصة الموسمية منها التي تتزامن مع ذكرى ولادته أو إستشهاده، تتراوح بين تخليد الثائر وتأبيد إرثه من باب المديح والأيقنة. وهي كتابات، غالباً ما تداعب العواطف وتبتعد عن نهج الاستقصاء والبحث العلمي.

2) يغرق العديد من هذه الكتابات في معالجة سردية لسيرة تشى ونضاله منذ لقائه بفيدل كاسترو (صيف 1955) وإلتحاقة بطلائع الثورة الكوبية ونضاله الثوري والاممي ووقائع أسره وإستشهاده. وهذه الدراسات متوفرة بما لا يحصى من مراجع ورقية والكترونية وبكافة اللغات. أما الدرسات التي تتناول المراحل المبكرة من حياة تشى غيفارا وتأثيرات العوامل الذاتية والموضوعية في تكوينه فتظل قليلة.

3) إذا توخينا خلق وعي وفهم موضوعيين لفكر وإرث غيفارا، فلا بد لنا من أن ندرس هذا الثائر في سياقه التاريخي والتكويني حيث نتلمس العوامل التي أثرت في تكوينه الفكري والسياسي، وهو ما سأحاول معالجته في هذه الدراسة. وعليه، فسوف تقتصر رحلتنا في هذه الدراسة على سنوات النشأة والتكوين المبكرة وتتوقف عند لقائه بالثوار الكوبيين:

• نتلمس العناصر الرئيسية والظروف الذاتية والموضوعية التي شكلت أو أسهمت في تكوين تشى غيفارا الانسان والثائر وصياغة فكره الثوري والسياسي ونستشراف ما آل اليه من خلال الكشف عن جدل الذاتي والموضوعي في نشأته.

• و نتناول عوامل التكوين الذاتي والتطور النفسي التي تحدو بطبيب أرجنتيتي من الطبقة الوسطى أن يركل بحبوحة العيش ليعلن ثورة لا هوادة فيها من مرتفعات سييرا مايسترا الكوبية الى أدغال الكونغو وبوليفي.

(1)

دور الفرد في التاريخ

يقتضي الفهم الموضوعي لغيفارا وإرثه الثوري ان نعالج، ولو بشكل عاجل، إشكالية دور الفرد في التاريخ وإسهامه في صناعة الحدث، لانه في غياب ذلك يتعذر فهمه في سياقه التاريخي.

نبدأ بالسؤال: هل يصنع الرجال التاريخ؟ وهل حقاً أن أفعالهم وأنشطتهم هي منبع التطور التاريخي؟ أم ان للتاريخ وللحدث التاريخي سياقه و”حياته” وحراكه وقوانينه العامة التي تسبق أفعال الافراد والعظماء وتؤسس لدورهم؟

تظل هذه الاشكالية، إشكالية دور الفرد “والعظماء” في التاريخ، حبلى بالاسئلة ومفتوحة للنقاش، إلاّ أنني سأبدي بعض الملاحظات المكثفة في محاولة لاستشراف الوحدة الدياكتيكية بين الذاتي الموضوعي:

1) كان التاريخ، الى أن جاء الفهم المادي، سرداً لاخبار الحكام والملوك. فهم الذين يصنعونه ومن ثم يكتبونه لنا بما يتوافق مع رؤيتهم ومصالحهم. فالفكر البرجوازي يلقننا ان الفرد (الملك، الحاكم، القائد، العسكري …الخ) هو الذي يقوم بالدور الاساسي والحاسم في صنع التاريخ ولم يرى السرد البرجوازي للتاريخ أن تطور الانسان والمجتمعات البشرية محكوم بقوانين ونظم، وأن دور الفرد يصبح ممكناً فقط في ظل ظروف وأوضاع إجتماعية (طبقية) معينة.

2) أما الماركسة فجاءت لتكشف العلاقة الجدلية بين الفرد (الذاتي) والقوى الموضوعية التي تحكم حركة المجتمع والتاريخ. فالمادية التاريخية لا تنكر دور الفرد في التاريخ بل هي تموضعه وتقرأه في سياقه المادي والتاريخي، وترى ان الافراد وتأثيراتهم، كما يقول بليخانوف في كتابه “دور الفرد في التاريخ” (1898)، مهما عظم شأنهم وقدراتهم ومواهبهم لا يستطيعون وحدهم أن يحددوا مجرى التطورات التاريخية والتغيرات الاجتماعية التي تحتكم بالاساس الى قوى وظروف موضوعية. فأسباب هذه التطورات والتغيرات تكمن، تحديداً، في العلاقات الاجتماعية والاقتصادية وإصطفافاتها الطبقية المتناقضة والمتوترة. (من الامثلة على ذلك: دور لينين كقائد للثورة البلشفية (1917) ودور جمال عبد الناصر في ثورة يوليو 1952 والحركة القومية العربية في القرن العشرين ودور فيدل كاسترو في الثورة الكوبية وغيرها من الادوار التي جاءت بعد إختمار الشروط الموضوعية وإكتمال المقدمات المادية لعملية التغيير والثورة).

3) تصبح شخصية الفرد وقدراته ومواهبه وكل ما يندرج تحت ذلك من صفات وسمات عاملاً في التطورات الاجتماعية فقط اذا ما سمحت العلاقات الاجتماعية (تناقضاتها وصراعاتها) لهذه العوامل أن تفرز تأثيراتها، واذا ما اتاحت هذه العلاقات المناخ ووفرت البيئة لفعلها. بعبارة اخرى، هناك “محدوديات” لدور الافراد في التاريخ والمجتمع، ومهما عظم شأن الفرد وقدرته، فانه لا يستطيع ان يفرض أو يقيم أو يغير علاقات اجتماعية وتاريخية اذا لم يتوافق هذا مع الاوضاع وميزان القوى القائم في المجتمع وإتجاه حركته.

4) يرى انجلز أن المجتمعات محكومة بضرورات، هي في جوهرها اقتصادية، تقف خلف الحدث الذي قد يبدو أمراً عارضاً أو مجرد صدفة. وفي إطار هذه الضرورات، تتوجب معالجة دور الافراد والعظماء. فالقوى الانتاجية وتطورها هي السبب العام للتقدم التاريخي للانسان والمجتمع وهي التي تحدد التغيرات المتتالية في العلاقات الاجتماعية. إلا أن هذا لا ينفي أن الاحداث التاريخية قد تأخذ ملامح هذا الفرد او القائد، أو أنها قد تتطبع بخصائصه وسماته، كما أنه لا يغفل ان خصائص وشخصية وعقلية الافراد ذوي التأثير تترك بصماتها العميقة على الاحداث وقد تغير ملامحها وربما بعضاً من نتائجها، إلا ان هذه الخصائص لا تبدل الاتجاه العام للتغيير والاحداث والتاريخ.

(2)

العوامل الذاتية في نشأة إرنستو تشى غيفارا

المنبت الطبقي

تعود اسرة غيفارا الى أصول ايرلندية (والده) وباسكية (والدته). ويرى بعض المحللين أنه بالرغم من ‘أرستقراطية‘ عائلته إلا انها أصبحت من الطبقة الوسطى في الارجنتين بسبب العوز والخسائر المالية التي منيت بها. فبالرغم من أن غيفارا لم يعاني الفقر والجوع كغيره من أطفال أميركا اللاتينية، إلاّ أنه أيضاً لم يعاشر اقربائه ولم يتفاعل مع وسطه العائلي، ولم يكن أصدقاؤه من ميسوري الحال بل كان منفتحاً على كافة الفئات الاجتماعية وأكثر تقرباً من الفقراء والاشقياء منهم.

والدان غير تقليديان

تعاطف والدا تشى مع القضايا السياسية والاجتماعية التقدمية التي عصفت بالارجنتين والعالم في تلك الآونة وتضامنا بشكل خاص مع مناضلي الحرب الاهلية الاسبانية (1936 ـ 1939). فبعد هزيمة الجمهوريين في تلك الحرب وإنتصار الديكتاتور فرانكو لاذ العديد من المناضلين الاسبانيين الى الارجنتين طالبين اللجوء السياسي. وقد ناصر والدا غيفارا هؤلاء اللاجئين وكان لهما الكثير من اللقاءات والاتصالات مع قادتهم السياسيين والعسكريين التي عايشها غيفارا خلال سنوات نشأته المبكرة وتأثر بها.

ترعرع غيفارا في بيت لا يأبه بالقيم التقليدية وبقي أميناً لنشأته هذه، فلم يكترث بالطقوس والتقاليد البالية ولم يأبه بالهندام فكان يكره ربطات العنق والجاكيتات واللباس الانيق ويرفض المشاركة في الاحتفالات والمناسبات الاجتماعية، كما كان يحب المشي على الاقدام مسافات طويلة وقد عُرف بنزعته للفقر والعيش بدون نقود. ويمكننا القول بان حياة تشى ومسلكه قد خلا من كافة المظاهر الرسمية المتحجرة كما تشهد على ذلك علاقاته مع الآخرين ومسلكه في الاجتماعات واللقاءت الرسمية والدبلوماسية حين مثل الحكومة الكوبية في منظمة الامم المتحدة ومنظمة التضامن الافروـ أسيوي ولقاءاته مع رؤساء الدول وغيرها من المنابر الدولية.

والدة تشى: علاقة متميزة

تحدرت الوالدة سيلياCelia من عائلة كاثوليكية وترعرعت في بيئة متدينة صارمة، إلاّ انها إنقلبت على معتقداتها وتدينها وتخلت عنها حين أحبت والد تشى الذي كان يتعاطف مع الحزب الاشتراكي. وقد تمت خطبة والدي غيفارا رغم معارضة وإمتعاض اسرة والدته فكان أن تمرد العروسان على مراسيم الزواج التقليدية السائدة آنذاك.

كانت والدة تشى واسعة المعرفة، خصبة المطالعة، وكانت، بالاضافة الى لغتها الام ـ الاسبانية، تتقن الفرنسية وعلى إلمام جيد بالانكليزية. كانت طموحة ومثابرة وشديدة التصميم على الوصول الى غايتها، فما أن شرعت بعمل إلاّ وأنجزته مهما تكلفت في هذا من جهد أو تضحية ومهما بلغ الثمن. كانت جريئة ومقدامه لا تردعها مشقات الحياة ومخاطرها.

المرض: الربو

أصيب الطفل إرنستو غيفارا بالتهاب الرئتين بعد ولادته ببضعة أيام وما أن بلغ الربيع الثاني من عمره حتى أخذ يعاني من مرض الربو الذي صاحبة طيلة حياته بنوباته المتكررة والتي كثيراً ما أقعدنه الفراش.

لازمت الام سيليا طفلها سنوات حياته الاولى حين كان يقعده المرض وكانت تقضي الساعات بجانبه حين كان يصارع نوبات الربو ويلتقط أنفاسه بكثير من العناء، كما كانت تعينه على القيام بواجباته المدرسية ومتابعة تعليمه. وهكذا توطدت العلاقة بين غيفارا وأمه وبقيت كذلك طيلة حياته حيث ثابر على مراسلتها باستمرار ومشاركتها همومه وإحاطتها علماً بافكاره وطموحاته وأسفاره وتنقلاته.

كان مرض إرنستو سبباً في تنقلات عائلته المتعددة، حيث اضطرت العائلة للتنقل في أماكن سكنها بحثاً عن طقس أكثر ملائمة لصحته أملاً في التخفيف من وطأة نوبات الربو. كما كان للمرض وشدة نوباته المتكررة كبير الأثر على نمو الطفل إرنستو فكانت الكلمات الاولى التي نطق بها: “بابا، إبره”، مستغيثا بوالده أن يسعفه بحقنة الدواء كي يلتقط أنفاسه. وقد ولّد المرض في تشى الصبر وشدة العزيمة وربما كان السبب في أفعاله التي كثيراً ما كانت تطمح الى تحقيق “ألممكن الاقصى” إن جاز التعبير والتغلب على الصعوبات والعقبات التي تعترض سبيله، كما خلق لديه القناعة بان الانسان قادر، إذا ما توفرت الارادة، على القيام باي شيء. بالاضافة الى ذلك، تعلم إرنستو الصغير التكيف مع المرض فكان يمارس نشاطاته والعابه ورياضته رغم نوبات الربو القاسية حيث كانت تحدوه الرغبة في مشاركة أقرانه اللعب واللهو.

كان المرض يرغم غيفارا على إلتزام الفراش ساعات بل أياماً عديدة مما وفر له فترات طويلة من المطالعة التي صقلت شخصيته وأصبحت هوايته المفضلة وجزءً من طبيعته وعادة لم تبرحه حتى في أحلك ظروف حياته.

حب الطبيعة

يعود شغف تشى بالطبيعة والادغال الى طفولته المبكرة حيث قضى تلك السنوات في شمال الارجنتين. ولعل الفضل في حبه للطبيعة يعود الى والدية اللذان إختارا ان يقيما في شمال البلاد (إقليم Misiones ) حيث الطبيعة الخلاّبة والغابات الكثيفة. ويبدو ان جده أيضاً كان مولعاّ بالطبيعة والمغامرة وكان تشى الطفل يقضي ساعات طويلة يستمع بشغف لوالده الذي كان يحدثة عن مغامرات جده بتفاصيل لم يفوّت الطفل منها شيئاً وتركت في نفسه عميق الاثر.

ينحو دارسو سيرة غيفارا الى تفسير حبه للطبيعة وللهواء الطلق وفسحة المكان الى إصابته بالربو وتعطشه الدائم للهواء والتنفس بحرية. وهذا صحيح. إلاّ أنه تجدر الاشارة أيضاً الى أن تنقلات اسرة غيفارا وإقامتها في أماكن متعددة تتميز بالطبيعة الخلاّبة والهواء الطلق كان لها كبير الأثر على نشوء هذه النزعة لديه. فقد بقي حتى لحظة وفاته يتطلع دوماً للعيش في الطبيعة المفتوحة والهواء الطلق رغم ما رافق ذلك من صراع متواصل مع نوبات الربو. وقد لازمت هاتان السمتان ـ التوق للطبيعة والصراع مع المرض ـ تشى في كافة منعطفات حياته وشكلتا عاملاً حاسماً في تكونيه النفسي.

شجاعة … مغامرة … أم عقلنة الخوف؟

أحب غيفارا تحدي الخطر وشَغُفَ بتسلق المرتفعات والجبال وتلذذ بعبور الجسور خصوصاً إذا جرت من تحتها الانهار. وقد تحلى بشجاعة نادرة، ولا غرابة ان منحه كاسترو، بعد فترة وجيزة من إنطلاقة الثورة الكوبية، لقب “كوماندانتى” comandante وهو أعلى مرتبة عسكرية في قوات الثورة آنذاك. وقد حفلت حياة غيفارا بالمواقف والاحداث التي تأكد هذه الخصال.

إلاّ أنه على خلاف ما تصوره الدعاية المغرضة وبطوليات هوليوود السينمائية التي تلصق به صفات المغامرة والمجازفة، فان شجاعة تشى لم تدفعه للإقدام على الاخطار غير المحسوبة بل تحلت مسلكيته بالثورية والتأني والتعقل والشعور العميق بالمسؤولية حيال سلامته وسلامة رفاقه. إذ لم تكن الشجاعة لدى إرنستو غيفارا غايةً بحد ذاتها، بل وسيلة نضال من أجل القضية والثورة. لذا، سعى بحرص شديد، ومن منظور الاعتبارات الاستراتيجية والسياسية، الى التحكم بالخطر بالمقدار الذي يستطيع أن يتعاطى معه. كان غيفارا يعقلن الخوف ليتغلب عليه ويتجاوزه كي يتغلب على المخاطر المحيقة به.

هكذا كان غيفارا جسوراً غير آبه بالمخاطر حين قرر العمل والاقامة في مستشفى البرص في أدغال البرازيل مع صديقه البرتو جرانادو Alberto Granado الذي رافقه في رحلته الشهيرة عام 1953 والتي أصبحت موضوع الفيلم الشهير “يوميات الدراجة النارية”. إلاَ أن غيفارا لم يمتطي هذه المشقات بدافع المجازفة والمغامرة بل إلتزاماً ووقوفاً مع الفقراء والمرضى ورغبة في التعرف على أوضاعهم وظروفهم المعيشية. كذلك لم يكن تشى مغامراً حين قرر الانضمام الى قوات الثورة الكوبية، وحين صمد مع طلائعها طيلة سبع ايام عسيرة وسط أعاصير شديدة في ديسمبر 1956 على ظهر الياخت جرانما الذي نقل الثوار من الساحل المكسيكي الى شواطئ كوبا وصولاً الى جبال سييرا مايستراSierra Maestra في جنوب شرقي كوبا حيث كانت قوات الديكتاتور الكوبي باتيستا بانتظارهم في كمين أودى بحياة جلة المقاتلين ولم يُبقى منهم إلاّ على إثني عشر رجلاُ من أصل واحد وثمانين.

إلاّ ان هذا لم يحل دون التحامل على غيفارا خلال حياته وبعد مقتله. فقد أحاط بسيرته ومواقفه الكثير من التزوير المغرض سواء خلال مرحلة الثورة في كوبا أو بعد مغادرتها لنصرة الشعوب الاخرى في العالم الثالث وسعياُ وراء مشروعه في الثورة الاممية. ودون أن نخرج عن موضوعنا، تجدر الاشارة الى أن المقولات التي وصفت تشى غيفارا بالمغامر، وخاصة حملته في أدغال بوليفيا التي أودت بحياته، تجافي الحقيقة وتغفل الظروف الموضوعية التي أدت الى عزلته في أدغال بوليفيا وإعاقة وصول الامدادات الموعودة ودور الحزب الحزب الشيوعي البوليفي وتعليمات القيادة السوفيتية وغيرها من ملابسات تلك المرحلة. كما أن هذه المقولات تتنكر لحقيقة أن غيفارا، الذي كان قبل كل شيء، ثورياً ماركسياً وإستراتيجياً عسكرياً مؤمناً بقدرة الجماهير ودور ومسؤولية الفرد في صناعة الحدث، كان يدرك بعمق دور الظروف والتطورات الموضوعية وسياقها التاريخي والاجتماعي.

لم يكن غيفارا عابثاً يركض وراء وهمٍ أو معركةٍ دون كيشوتيةٍٍ، كما يدّعي الاعلام الرأسمالي، بل كان صانعاً لمشروع ثورة تبدأ في كوبا وتمتد لتطال الانسانية بأسرها، كما كان قارئاً متفحصاً للتاريخ وحراك الشعوب وقوانين الصراع وديالكتيكية التناقضات الاجتماعية والطبقية. أما عندما يحين وقت المواجهة مع العدو فقد كان تشى يدرك أن المقتل يكمن في الخوف والتردد فكان ينفض هذه الاوهام ويلقي بكل ثقله في المعركة.

(3)

المؤثرات الفكرية والثقافية

التثقيف الذاتي: مشروع حياة

نشأ تشى في بيت يحب المطالعة وإقتناء الكتب فحوى منها ما يقارب مكتبة صغيرة. وشرع، بمعونة والدته وتشجيعها، في رحلتة مع الكتب منذ نعومة أظفاره، منذ أن كانت امه، كما أسلفنا، تقضي ساعات طويلة تقرأ له وهو على فراش المرض. هكذا دأب غيفارا على القراءة باستمرار ودون كلل وفي كل لحظة تتاح له، حيث كان الكتاب جليسه الدائم ورفيق دربه، فاذا ما أصابته نوبة الربو وحالت دون مشاركتة زملاءه في الالعاب الرياضية، نراه يتنحى الى أطراف ملعب المدرسة وفي يديه كتاب يقرأه.

يذكر غيفارا في مذكراته، التي حرص دوماً على تدوينها، أنه كان يتوقف خلال رحلاته في المكتبات العامة في البلدان التي يزورها حيث يقضي ساعات في القراءة. وتشير وقائع إستشهاده أن الجنود البوليفيين عثروا على كتاب “الثورة الدائمة” لليو تروتسكي في حقيبة تشى لحظة وقوعه في الأسر.

* * *

شغف تشى بالشِعر والادب وأولاهما إهتماماً كبيراً. أخذ يقرأ بابلو نيرودا وهو في الثانية عشر من عمره وحفظ الكثير من قصائده عن ظهر قلب. كما قرأ لوركا وأنطونيو ماتشادا وغيرهما من شعراء أميركا اللاتينية وكان يردد قصتئدهم على مسامع أصدقائه. ومن مشاهير كتاب أميركا اللاتينية طالع بنهم اوراسيو كيروغاHoracio Quiroga وخوزى أينخرينيروس Jose Ingrenieros ومن الكتاب العالميين قرأ أناطول فرانس.

في سن الخامسة عشر قرأ خوزى مارتي (ملهم الثورة الكوبية ورمزها في القرن التاسع عشر) إضافة الى مهاتما غاندي وماركس وانجلز وجون شتاينبك و”عناقيد غضبه”.

قال البرتو جرانادو، الصديق الحميم لتشى والذي رافقة في رحلة الدراجة النارية، في حديث مع صحيفة جرانما الكوبية عام 1967، إن تشى تعرف على مفاهيم فرويد في التحليل النفسي منذ سن الرابعة عشر، ويبدو انه قرأ بعض ادبيات التحليل النفسي (سيجموند فرويد وكارل يونغ والفرد آدلر) والتي كانت آنذاك في مهدها ولم يكن يلم بها الكثيرون من مثقفي أميركا اللاتينية.

وبالرغم من أن تشى لم ينضم الى اي تنظيم سياسي طلابي طيلة فترة الدراسة الجامعية إلا أنه طالع في اربعينيات القرن الماضي ماركس وستالين وموسوليني وسارتر، كما حظيت الثورة الصينية باهتمامه. وفي سن التاسعة عشر، في مطلع إلتحاقه بكلية الطب، عمد غيفارا الى قراءة الادبيات الماركسة ومناقشتها مع صديقته تيتا Tita والتي كانت عضواً في منظمة الشبيبة الشيوعية.

طالع غيفارا خلال إقامته في المكسيك (1955 و 1956)، وكان قد بلغ من العمر السابعة والعشرين، أعمال ثوار ذلك البلد مثل مذكرات بانتشو فيياPancho Villa ودرس أدبيات الثورة المكسيكية (1910)، كما قرأ معركة ستالينغراد والحرب الكوبية والادبيات الثورية المعاصرة لشعوب أميركا اللاتينية والعالم الثالث والكاريبي.

في سن السادسة والعشرين أخذ يلتقط الادب الروسي الكلاسيكي فقرأ تولستوي وجوركي وديستويفسكي وطالع أفكار الثوري الروسي بيترو كروبوتكين Piotro Kropotkin وأعمال لينين (“ما العمل؟” و”الامبريالية أعلى مراحل الرأسمالية”) وماركس (رأس المال) وماركس وانجلز (البيان الشيوعي) وانجلز (أصل العائلة، الملكية الخاصة والدولة، من الاشتراكية الطوباوية الى الاشتراكية العلمية)، كما قرأ العديد من مآثر الادب الصيني وأدبيات ثورته.

الفلسفة: مرشدة الفعل الواعي

يلحظ مؤرخو سيرة غيفارا على أن مطالعاته، رغم تنوعها، لم تكن عشوائية بل كانت في كثير من الاحيان جزءاً من مشروع تثقيف ذاتي. إلاّ ان التثقيف الذاتي لم يتبلور برنامجاً ولم يتخذ ملامح واضحة، إلا عندما إحتلت دراسة الفلسفة والتاريخ موقعاً مركزياً في إهتمامات غيفارا. قرأ “تاريخ اوروبا المعاصر” في 25 مجلداً وشرع، وهو في السابعة عشر من عمره، في تنظيم قراءاته في مجال الفلسفة، احد فروع المعرفة التي كان يتوق الى دراستها، فاخذ يدون ملاحظاته ويجمعها في “معجم فلسفي” تكاثرت صفحاته حتى بلغت سبعة عشر دفتراً ما زالت محفوظة في مركز دراسات تشى غيفارا في هافانا.

كان غيفارا يتعطش لدراسة الفلسفة، ولكن ليس في شكلها المجرد بل باعتبارها قوة قادرة على ان تحرك الممارسة العملية وتوجهها. بعبارة أخرى، ان ترشد اشكالاً من الفعل الواعي نحو غاياته وأهدافه وأن توجهه في مشروع تغيير العالم والتغلب على محدودياته. فالفلسفة (والمعرفة بشكل عام) عند غيفارا أداة لتحقيق مشروع حياته، مشروع الثورة، ووسيلة لتحقيق قيم العدالة والانسانية وإزاحة الظلم عن كاهل الفقراء والوصول الى “الانسان الجديد”، وهي القيم التي ناضل من أجلها وتمثلت في الانجازات التي حققها والاحداث التي ساهم في صنعها.

ضمت “دفاتر” غيفارا الفلسفية بين دفتيها كافة فروع المعارف الفلسفية إلاّ أن أعمال ماركس وحياته تألقت مكاناً خاصاً فيها. وحيث أولى غيفارا إهتماماً خاصاً للمشاكل الاجتماعية وإنعكف على دراسة الماركسية في تلك السن المبكرة، فقد رسّخ هذا في وعيه فهماً للاسباب المادية والجذرية لتلك المشاكل، وهو النهج الذي رافقه طيلة حياته ورسم معالم فكره ونضاله. بالاضافة الى دراسة الطب البشري، إنغمس تشى خلال سنوات دراسته في مطالعة الادبيات الماركسية وأقام حولها الكثير من الجدل مع زملاءه ونشطاء منظمة الشبيبة الشيوعية في بيونس أيريس.

هذا عرض خاطف لاهم الاعمال الفكرية والادبية التي طالعها غيفارا وأسهمت في توجيه مساره الفكري وصياغة مفاهيمه حول الثورة المجتمع والتاريخ، إضافة الى دراسه الطب وإهتمامه الخاص بامراض الحساسية. وتلك هي التربة الفكرية التي ترعرع فيها تشى الثائر والمثقف العضوي الذي سيكتمل نضوجه وتطوره الفكري في سنوات الثورة اللاحقة بعد إنضمامه الى صفوف الثوار الكوبيين وتوليه مهام حزبية وحكومية رفيعة وحساسة في ذلك البلد.

غيفارا.. الطبيب والانسان

لم تحظى حياة تشى كطبيب بكثير من الاهتمام وربما يعود هذا الى أن غيفارا لم يلتفت الى ممارسة مهنة الطب بالطريقة التقليدية، بل أراد الجمع بين هذه ومشروع الثورة. ومن هنا نشهد إلتحاقة بالثوار الكوبيين بفترة قصيرة بعد تخرجه من كلية الطب. إلاّ أن هذا لا يقلل من أن غايته من دراسته للطب جاءت تعبيراً عن نزعته الانسانية ورغبته في مد يد العون للمرضى والمحتاجين. وفي محاولة للتناغم بين الطبيب والثائر، أولى تشى عناية خاصة لدور الطبيب في إعداد برنامج رعاية صحية في خدمة الشعب. يقول تشى في رسالة الى اسرته، بعد تخرجه طبيباً بفترة وجيزة، انه أخذ يعمل على تأليف كتاب بعنوان “وظيفة الطبيب في أميركا اللاتينية” وانه قد إنتهى من إعداد الفصلين الاولين، ليتابع قائلاً “واعتقد انه بشيءٍ من الصبر والمثابرة، فانني أستطيع ان اقول شيئاً جيداً”.

يضم الارشيف الشخصي لتشى غيفار في هافانا مادةً وفيرة كان تشى قد جمعها في إطار الاعداد لمشروع كتابه هذا وقد شملت أربعة عشر فصلاً تعالج مواضيع مختلفة تتراوح بين تاريخ الطب العام وتاريخ ودور الطب في اميركا اللاتنية والحلول المقترحة لنظام رعاية صحية تعكس رؤية تشى لهذه المسألة:

ـ مهمة الطبيب في المواجه المباشرة للنظام القائم والنضال من أجل إقامة نظام رعاية صحية في خدمة الشعب والدور الرئيسي المناط بالطبيب في هذا النظام.

ـ الحلول النهائية لمشكلة الرعاية الصحية و”النضال الثوري” المنوط بالطبيب من أجل خدمة الصحة العامة للشعب.

ـ مسؤولية الطبيب في فهم ودراسة الاوضاع الصحية في المنطقة التي يعمل فيها وإقامة علاقة طيبة ووثيقة مع السكان.

ـ رأى تشى أن علاقة الطبيب بالمريض لا بد أن تعزز تكوين الوعي الشعبي باهمية الصحة والرعاية الصحية في حياة الشعوب.

يخلص تشى الى انه يتوجب على الطبيب، في سعيه لايجاد الحلول الناجعة، ان يكون قبل كل شيء، ثورياً يناضل ضد كل أعداء الشعب الذي هو “السيد الوحيد الذي يعمل الطبيب في خدمته”.

(4)

المؤثرات السياسية المبكرة

الحرب الاسبانية ومناهضة النازية

لاذ الكثيرون من مناضلي “الجمهورية الاسبانية” بعد هزيمتهم في الحرب الاهلية الاسبانية ضد الدكتاتور الفاشي فرانكو، لاذوا باللجوء الى الارجنتين. وقد تأثر غيفارا بالعديد من قادة هؤلاء اللاجئين السياسين الذين إلتقاهم من خلال إتصالات وجهود والديه في مناصرتهم وكان صديقاً لابنائهم. إلاّ أنه تاثره بشكل خاص باثنين من هؤلاء القادة الاسبانيين: الدكتور خوان إغيلار Juan Aguilar الطبيب ورئيس شعبة الخدمات الصحية في البحرية الاسبانية، والجنرال خورادو General Jurado.

كان تشى يقضي ساعات طويلة، ولم يكن آنذاك قد تجاوز التاسعة من عمره، مستعماً بشغف شديد لهذا الجنرال الذي كان يروي له قصص الحرب في اسبانيا. كان الصغير تشى شديد الاعجاب بهذا الرجل ومنه تعلم دروس الشجاعة والفداء والذود عن الوطن، كما تأثر بتواضعه وعدم إكتراثه بالابهية والألقاب. وربما تلقن منه فضيلة ولاء القائد العسكري للجنود والمقاتلين من المراتب العسكرية الدنيا وعدم التخلي عنهم في الاوقات العصيبة ولم تبرح هذه العبرة تشى عندما أصبح قائداً عسكرياً في الثورة الكوبية إذ لازمته طيلة حياته وظل أميناً لها في تعامله مع رفاقه وإيثارهم على ذاته حتى الرمق الأخير.

“الحزب الاول” في حياة تشى

خشية من إنتشار الفاشية والنازية في ذلك الجزء من العالم، أسس والد تشى منظمة سياسية تدعى “العمل الارجنتيني” ضمت بين صفوفها أطيافاً سياسة وايديولوجية متباينة إلتقت على برنامح حدٍ أدنى عماده مناهضة الفاشية والنازية والدفاع عن الحقوق القومية لشعوب أميركا اللاتينية. وقد إنضم غيفارا الى هذه المنظمة وهو في الحادية عشر من عمره وبقي عضواً نشيطاً فيها حتى السابعة عشر مرافقاً والده في العديد من النشاطات والتجولات السياسية. تفانى تشى في خدمة هذه المنظمة وإستحوذ عليه شعور عميق بالمسؤولية تجاهها حيث صرف جلّ وقته وجهده في تنفيذ المهام التي كانت توكل اليه رغم نوبات الربو التي كانت تصيبه تكراراً في تلك السنوات. ومع بلوغه السابعة عشر من عمره، أصبح تشى أكثر إستقلاليةً في فكره ونشاطه السياسي وأخذت نزعته الى المواقف الراديكالية تتبلور بوضوح أكبر.

الزواج الاول: الحب والشيوعية

إلتقى تشى في رحلته الاخيرة وخلال إقامته في غواتيمالا (1953 ) بالصحفية الشيوعية البيروانية هيلدا غادييا Hilda Gadea والتي أصبحت زوجته (الاولى) وانجبت طفلتهما هيلديتا Hildita (هيلدا الصغيرة). كانت غادييا شيوعية واسعة الاطلاع وتتمتع بشبكة كبيرة من العلاقات مع شيوعيي المكسيك وغيره من بلدان اميركا اللاتينية. وبعد فترة قصيرة من وصولها الى المكسيك مع زوجها تشى تم إعتقالها وطردها من ذلك البلد.

خلال إقامتهما في المكسيك، وفرت هيلدا لغيفارا العديد من الادبيات الماركسية وخاصة كتب ماو تسي تونغ وعرفته على اللاجئين الكوبين في المكسيك حيث إلتقى الكوبي أنطونيو (نيكو) لوبس Antonio (Nico) Lopez والذي أطلق على غيفارا، للمرة الاولى، لقب “تشى”. كما عرّفته على راؤول كاسترو، والذي قدمه بعد أيام قليلة لاخية فيدل وما تلى ذلك من إلتحاقة بالثوار الكوبيين في المنفى المكسيكي.

(5)

العوامل الحاسمة في تكوين تشى غيفارا

من الناحية المنهجية، يمكن القول بان عوامل حاسمة ثلاث كان لها أكبر الأثر في تكوين تشى غيفارا وصياغة فكره السياسي والثوري، وهي، حسب ما ترى الباحثة ماريا غارسيا :

1) الفكر الماركسي.

2) رحلات غيفارا.

3) تجربة غواتيمالا.

1) التعرف المبكر على الفكر الماركسي: تعرف تشى مبكراً على الفكر الماركسي الذي ساهم في توجيه أفكاره وصياغة مفاهيمه وربطها بالممارسة العملية في البحث عن حلول لمشاكل الانسان ومستقبله في أميركا اللاتينية. وبفضل تأثره بهذا اللفكر، كان غيفارا شديد الحرص على التعريف الدقيق للمفاهيم السياسية والثورية في برامج التثقيف الذاتي التي وضعها لنفسه والتي شملت دراسة الفلسفة وعلوم السياسة والاجتماع. وقد شكل هذا التقارب المبكر مع الماركسية البنية النظرية والسياسية الصلبة التي أضحت الدعامة الرئيسية لفكر تشى وممارسته ونضاله. ويشهد فيدل كاسترو على هذا بقوله: ” إلتقيت بتشى بعد خروجي من السجن والرحيل الى المكسيك. وكان ذلك في عام 1955 … كان تشى قد درس الماركسية ـ اللينينية بنفسه وأصبح مقتنعاً بها .. كان تشى، لحظة لقائنا، ثورياُ ناضجاً يتمتع، إضافة الى ذلك، بمواهب عظيمة وذكاء خارق وقدرات نظرية واسعة”.

2) رحلات تشى: البحث عن القضية…الثورة

تمثل رحلات تشى بعداَ هاماً ودائم الحضور في مسيرته وفي فهمه الدقيق للواقع الاجتماعي في أميركا اللاتينية والتصاقه به. ولعلنا نجد في هذه الرحلات اولى التعبيرات عن التناغم بين النظرية والممارسة العملية الذي إتسم به تشى وكان واحداً من أعند نماذجه.

أحب تشى حياة التنقل منذ طفولته حيث إعتاد السفر مع والديه وقد زودته هذه الاسفار بالخبرات التي إستثمرها لاحقاً في رحلاته، كما هيأت له التماس المباشر مع الطبيعة والتفاعل معها وهو ما كان يعشقه. ولا شك في أن غيفارا الشاب كان مدفوعاً في رحلاته المتميزة بحب التجوال والتعرف على بلده الارجنتين وغيره من بلدان القارة اللاتينية، إلاّ ان القراءة الامينة لرحلاته الطويلة والمتكررة والمحفوفة بالمخاطر وشحة المال وما كانت تتطلبه من جهد كبير، تقودنا الى الاستنتاج بان تشى الشاب لم يكن يبحث، من وراء تلك الاسفار، عن مجرد “السياحة”، بل كان يسعى الى تلمس الاوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية لشعوب تلك القارة ومعاينة معاناتهم جرّاء الفقر والاستغلال وقمع الانظمة الديكتاتورية التي نصبتها الامبريالية الاميركية في تلك البلدان.

الرحلة الاولى: كان تشى قد بلغ من العمر إثنين وعشرين عاماً وكان حينها طالباً في كلية الطب وجال خلال رحلته هذه بلده الارجنتين. وقف تشى عبر هذه الرحلة وللمرة الاولى امام واقع الظلم والفقر وغياب أدنى أشكال العدالة الاجتماعية في بلده حيث شاهد التفاوت السحيق في مستوى المعيشة والظروف الاجتماعية والاقتصادية في المقاطعات الارجنتينية المختلفة والتي كان يعيش بعضها “كدولة داخل دولة”.

الرحلة الثانية: وقد شرع بها غيفارا بعامين بعد رحلته الاولى بصحبة صديقه ألبرتو غرانادو، وضمت، بالاضافة الى الارجنتين، عدداً من دول أميركا اللاتينية. وقد أكدت هذه الرحلة لتشى بان الظروف الاجتماعية والاقتصادية لشعوب تلك القارة لم تكن تختلف عن أوضاع الجماهير الارجنتينية إن لم تكن أسوأ وأكثر تردياً كما أغنت معرفته وإلمامه باجزاء عديدة من القارة اللاتينية. هكذا إستطاع تشى أن يلمس بشكل شخصي ومباشر معاناة الجماهير وأن يعايش ظروفها القاسية.

الرحلة الثالثة والاخيرة: قام بها تشى وهو في الخامسة والعشرين من عمره، وهي الرحلة التي وسعت آفاقه وخبراته الشخصية والفكرية والنفسية وسارعت في إنضاج تطوره الثوري والسياسي والايديولوجي. كان لهذه الرحلة، الاخيرة قبل أن يلتحق بالثوار الكوبيين في تموز (يوليو) 1955)، الفضل الكبير في صقل شخصية تشى وتكوينة الثوري.

جال تشى في هذه الرحلة بوليفيا والبيرو والاكوادور وبنما وكوستاريكا ونيكاراغوا وهندوراس والسلفادور وغواتيمالا حتى حط به الرحال في المكسيك. في كوستاريكا وغواتيمالا إلتقى العديد من الكوبيين الذين ساهموا في الهجوم على الثكنة العسكرية المونكادا (26 يوليو 1953) في المحاولة الثورية الاولى التي قادها كاسترو ضد الدكتاتور باتيستا.

السياق السياسي لرحلات غيفارا

في حين إتسمت الحقبة التي قضى فيها تشى سنوات طفولته ومراهقته بعلاقات الهيمنة الامبريالية التي شملت أميركا اللاتينية وما صاحبها من تقلبات وتوترات اجتماعية وسياسية عاصفة، فان مرحلة شبابه واكبت مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية وما حملته من هزّات سياسية واقتصادية واجتماعية. فقد سادت اميركا اللاتينية، والعالم بشكل عام، عملية “تعافي” اقتصادي تميزت بتغلغل راس المال الاجنبي وتشوه البنية التنموية في تلك البلدان والذي جاء نتيجة شحة راس المال المحلي مما أدى الى إحتجاز التنمية وتبعيتها للهيمنة الخارجية وإستنزاف اقتصادات تلك البلدان ومواردها.

وفي بلد غيفارا ـ الارجنتين، شهد عقد 1945 ـ 1955 نهوضاً اقتصاديا وإرتفاعاً في مستوى المعيشة حيث ارتفعت الاجور بنسبة 50%. وقد رافقت هذا النهوض تحولات نوعية وكمية في البنى الاقتصادية وتفوق القطاع الصناعي على الزراعي مما أدى الى تغيرات في سياسات الحكومة الارجنتينية.

أما على المستوى الدولي، فقد إتسمت تلك المرحلة بعدة ملامح أهمها:

ـ إستقطاب الاوضاع السياسية في العالم بين المعسكرين، الاشتراكي والراسمالي.

ـ توحش الامبريالية الاميركية وصعود اليمين في الولايات المتحدة وإشتداد هستيريا الماكارثية والعداء للشيوعية.

ـ إنتصار الاتحاد السوفييتي ودول اوروبا الشرقية على النازية والفاشية وصعود بلدان المنظومة الاشتراكية.

ـ إنتصار الفيتناميين في معركة دين بين فو (عام 1954 حيث هزم الثوار الشيوعيون الفيتناميون المحتل الفرنسي) وأندلاع الحرب الكورية.

ـ نهوض حركات التحرر الوطنية في العالم الثالث وظهور انظمة وطنية وشعوبية سعت الى تلبية المطالب الشعبية، وتحدي بنية الهيمنة الامبريالية والاجنبية القائمة في تلك البلدان (على سبيل المثال الحركة الثورية في غواتيمالا (1951 ـ 1954)، حكومة مصدق في ايران (1953)، ثورة يوليو في مصر (1952)، الثورة الجزائرية (1954 ـ 1962) وغيرها).

أسفار غيفارا: دلالات ومعاني

تكتسب الرحلات التي قام بها تشى في بلده الارجنتين وعبر القارة اللاتينية أهميتها من حيث أنها تعيننا على فهم تطوره الفكري والثوري، من ناحية، ومن الناحية الثانية فانها تشير بوضوح الى عزمه المبكر للتعرف على تلك القارة واوضاع شعوبها، هذا العزم الذي كان بمثابة إمتداد طبيعي وعملي لرغبته في إكتساب المعرفة النظرية في الفلسفة والاجتماع والسياسة. ويمكننا القول بانه منذ تلك اللحظة اصبحت النظرية والممارسة توأمين في مسار غيفارا ونضاله.

تدلل رحلات تشى، في هذا السياق على أمرين أساسيين:

1) العودة الى الطبيعة والتلامس معها ومقاومة مرض الربو الذي كانت تشتد وطأته وتزداد نوباته سوءً ووتيرةً بتغير الاحوال الجوية. وهكذا عمقت هذه الرحلات تجربة غيفارا مع الطبيعة وحبه لها وولعه بالحياة خارج جدرات البيوت.

2) يسرت هذه الاسفار لتشى التعرف على أوضاع الشعوب والفقراء في القارة اللاتينية وهو ما ترك أثراً دائماً على تكوينه وتطوره الفكري والسياسي والنضالي وشكل لاحقاً مؤشراً واضحاً لمسيرته ونضاله.

صعق تشى لما شاهده في رحلاته من تناقض صارخ بين فقر الانسان، من جهة، وغناء الطبيعة ووفرة الموارد الطبيعية في بلاده وفي القارة اللاتينية من جهة اخرى. وقد ترك هذا التناقض في نفسه أثراً عميقاً لم يبرحه طيلة حياته. إلتقط تشى تلك التناقضات بحس مرهف فأضحت القوة الدافعة لافعاله وساهمت في صياغة شخصيته المرهفة الحس وتعزيز إلتزامه الطبقي بالفقراء وقضاياهم فنذر ذاته للنضال في سبيلها. وربما نستطيع أن نعقد المماثلة، من حيث السياق على الاقل، بين التأثيرات التي تركتها رحلات تشى على فكره السياسي ومسيرته الثورية، وتلك التي تأثر بها فريدرك إنجلز قبل ذلك بقرن من الزمن حينما شاهد الفقر المدقع الذي فتك بعموم الطبقة العاملة الانكليزية نتيجة الاستغلال الراسمالي ودونها في كتابه “أوضاع الطبقة العاملة في إنجلترا” (1845).

أحب غيفارا السفر الذي أصبح حياته ومصيره، إلا أن أهم ما في أسفاره انها كانت وسيلته في تلمس درب الثورة وجغرافيتها وبهذا المعنى كانت رحلات غيفارا بحثاً في المعنى والجوهر وسعياً وراء مشروع الانسان الجديد، مشروع تشى في الثورة.

أما على المستوى الشخصي، فقد وضعت رحلاته وخاصة الاخيرة منها، حداً “للاحلام” والمشاريع الشخصية في النجاح المهني والشخصي ، ليستبدلها بالالتحام بقضايا الفقراء والمعدمين. وهكذا، انتقل تشى من الطبيب الذي يكتفي بمعالجة المرض، الى الثوري الذي يناضل من أجل إجتثاث جذوره بما فيها من إستغلال وظلم وفقر وأمية. وهنا يسهل ان نلحظ انه بقدر ما إنصرف تشى بعيداً عن “المشروع الشخصي” بقدر ما أخذ يقترب من مشروع الثورة وأخذ يصيغ رؤية ونهجاً ثوريين مختلفين: فلا خلاص من الآفات الاجتماعية بحلول وسطية وتوفيقية، بل ان محوها لا يتأتى إلا بثورة شاملة تدمر النظام القائم وتجتثه من جذوره لتقيم مكانه نظاماً جديداً.

يمكننا ان نوجز اهمية أسفار غيفارا ودلالالتها في النقاط التالية:

1) كانت هذه الاسفار إمتداداً طبيعيا وتلقائيا لرغبة غيفارا في المزيد من المعرفة النظرية التي كان يطلبها بلا كلل وبشكل مبرمج.

2) كما كانت إمتداداً عملياً لممارسة وتطبيق هذه المعرفة.

3) ساهمت هذه الرحلات في صياغة الفكر السياسي والثوري لغيفارا وفي بحثه عن الحلول السياسية والاخلاقية لمشاكل المجتمع حيث يتجلى تأثيرها في المواقف والعناوين الرئيسية لنضال غيفارا وإرثه. وفي هذا الارث وما تضمنه من شعارات وأهداف يتسنى لنا ان نفهم وأن نفسر ديمومة تشى فينا (معاداة الامبريالية دون مهادنة، العنف الثوري والكفاح المسلح كوسيلة رئيسية للنضال، الاشتراكية، الاخلاقية الشيوعية، الانسان الجديد والمجتمع الجديد، أممية النضال، ماركسية العالم الثالث، سمات النضال في العالم الثالث وأميركا اللاتنية ووحدة شعوبها).

3) غواتيمالا: التجربة … والمنعطف

وصل تشى الى غواتيمالا بين الثالث والعشرين والرابع والعشرين من ديسمبر عام 1953 وعايش التجربة الديمقراطية وإنجازاتها في ذلك البلد والتي شملت الاصلاح الزراعي وتأميم الشركات الاجنبية الكبرى مثل United Fruit Company . وكان غيفارا آنذاك متواجداً مع مجموعة كبيرة من المغتربين من شتى دول اميركا اللاتينية.

إنضم غيفارا الى منظمة الشبيبة الشيوعية في غواتيمالا وإنخرط تشى في حركة المقاومة التي ساندت آنذاك الحركة الديمقراطية (1951 ـ 1954) التي تزعمها يعقوب اربينز Jacobo Arbenz والتي أطاح بها إنقلاب سبتمبر 1954 بدعم وكالة الاستخبارات المركزية الاميركية. وبحكم كونه مواطنأ أجنبياً، أضطر تشى، في خضم الاحداث العارمة وحملة الاعتقالات التي تلت الاطاحة بتلك الحكومة، الى اللجوء الى السفارة الارجنتينية في غواتيمالا حيث مكث الى ان تمكن من مغادرة البلاد متابعاً مسيرته الى المكسيك (سبتمبر 1954).

شكل عام 1954 منعطفاً كبيراً في تاريخ غواتيمالا وفي حياة غيفارا. فقد كتب في إحدى رسائله الى أسرته واصفاً الاوضاع التي عاينها في غواتيمالا انه “لا يوجد بلد ديمقراطي مثل هذا البلد”. وقد مثلت تجربتة هذه (ما بين 1953 و1954) نقلة نوعية من البحث عن قضية نضاله الى إكتشافه مشروع حياته. فبعد ان تقارب تشى مع واقع الجماهير في القارة اللاتينية، جاءت التجربة الغواتيمالية لتكون الحالة الثورية الاصيلة الاولى التي شكلت صعوداً ثقافياً وسياسياً وأيديولوجياً في حياته، كما شكلت إمتداداً وإستمرارية لدراسته للفلسفة، ولكن هذه المرة بإنحياز واضح نحو الماركسية. إضافة الى أنها منحته فرصة التعرف على العديد من سياسيي ومثقفي تلك الحقبة.

فما هي تأثيرات التجربة الغواتيمالية على غيفارا وما هي العبر التي إستخلصها منها؟

1) الاكتمال الثوري: يذهب العديد من المحللين الى أن المرحلة الغواتيمالية في حياة غيفارا دشنت الفصل الاخير في تكوينه الماركسي، كما يرون ان السخط الذي أثارته في نفسه معاملة “اليانكي” في الولايات المتحدة (الاميركي الشمالي) لشعوب أميركا الوسطى والجنوبية قد دفع غيفارا الى التعمق أكثر في دراسه الامبريالية والراسمالية والاقتصاد السياسي لكارل ماركس.

كان تشى، قبل تجربته في غواتيمالا، ثوريا في طور التكوين، أما في غواتيمالا، فقد إكتمل نموه كثوري أميركي لاتيني، حسب ما ورد في رسالة كتبها من كوستاريكا (10 ديسمبر 1953). فهي تجربة إمتزجت فيها خبرات تشى الشاب التي جناها من رحلاته وإيمانه بضرورة تعميق تثقيفه الذاتي (وهو المشروع الذي صقل نزعة غيفارا نحو القومية الاميركية اللاتينية ووحدة شعوب تلك القارة) من جهة، وتأصيل عدائه للامبريالية من جهة اخرى. يقول غيفارا في هذه التجربة أنها صقلت شخصيته كثائر أميركي لاتيني وعالمثالثي وان هناك امراً واحداً لا يرقى اليه الشك، وهو ان اميركا [اللاتينية] ستكون مسرح نشاطه “… وفي الحقيقة أعتقد أنني توصلت الى فهم والى الشعور بانني أميركي [يقصد اميركي لاتيني] ذو طبيعة متمزة …”.

وفي فضائها الارحب، تتجلى مؤثرات التجربة الغواتيمالية على تشى في البعد الاكثر أهمية وحسماً في مساره الثوري، وهو العثور على ضالته والمبادرة بمشروع الثورة، إذ كان قد أكمل حينئذٍ نضوجه كثائر ووصل الى محطة في تطوره ونموه إتسمت:

ـ بانسانية ثورية مرهفة وعميقة.

ـ بالالتزام بالفكر الثوري والسياسي الذي جاء حصيلة التثقيف الذاتي الدؤوب والذي أضحى جزءً لا يتجزأ من نشأته وتطوره.

ـ بإعتناقه الفكر الماركسي، كما شهد على ذلك كاسترو لحظة لقائهما في المكسيك صيف 1955.

ـ بالخبرات والتجارب التي حصدها من رحلاته ومعاينته لاوضاع شعوب أميركا اللاتينية.

ـ وأخيراً بالالتزام بالنضال من أجل تحرير شعوب هذه القارة وتحقيق وحدتها.

2) العدو الامبريالي: دور الولايات المتحدة كقوة امبريالية داعمة للانظمة الرجعية والديكتاتورية في أميركا اللاتينية؛ وحتمية الصدام بين محاولات التغيير في تلك القارة مع هذا العدو. وقد زرعت التجربة الغواتيمالية في تشى غيفارا عداءً للامبريالية والراسمالية وإلتزاماُ بالشيوعية لازماه طيلة حياته حيث كتب تشى الى والدته، في تقييمه للاحداث التي ألمت بذلك البلد والضربة العسكرية التي أطاحت بالحكومة الثورية، عن دور الشيوعيين الغواتيماليين الذين “صانوا العقيدة” حسب وصفه وانهم الوحيدون الذين واصلوا النضال، وتابع قائلاً في رسالته “…أعتقد انهم جديرون بالاحترام وانني، عاجلاً أم آجلاً، سألتحق بالحزب”.

3) هزيمة وفشل الاوليغاركية العميلة: عاين تشى بوضوح، من خلال التجربة الغواتيمالية، الحصار الدائم والفشل المتكرر للاوليغاركية المحلية الرجعية وردة الفعل الامبريالية حيال برنامج حكومة الرئيس يعقوب ارببنز الذي كان يهدف الى النهوض ببلد وإقتصاد تابع وشبه كولونيالي الى بلد ذي سيادة وطنية واستقلال اقتصادي يوفر لشعبه حياة أفضل.

4) الكفاح المسلح: كانت غواتيمالا بالنسبة لتشى “مدرسة ثورية”. وبالرغم من أن هزيمة تلك المحاولة على أيدي وكالة المخابرات الاميركية قد أدت به الى الاحباط، إلاّ أنها علمته دروساً بالغة في السياسة والتاريخ إذ أكدت له بالدليل الملموس إن الاصلاح السياسي والبرلماني غير مجدٍ في إنجاز التغيير وعمقت لديه وعياً ثورياً بضرورة الكفاح المسلح المنظم كوسيلة للنضال وبان العنف الثوري هو السبيل الوحيد لاحداث التغيير الاجتماعي والسياسي وتحقيق الاشتراكية. وبهذا المعنى، كانت تجربة غواتيمالا لحظة تبلور الفكر الثوري عند تشى غيفارا. فقد طرح الكفاح المسلح بوضوح بلوري وآمن به بدون مساحيق ودون اللجوء الى معجم من التبريرات والتنظيرات الملتوية والمغرضة ودون خلط مفاهيم العنف الثوري ب”الارهاب” التي تغزو خطابنا وثقافتنا في هذه الايام.

(6)

الموضوعي في تكوين تشى غيفارا

العالم الذي عاش فيه تشى غيفارا

غادر غيفارا سنوات المراهقة والدراسة الثانوية (1947) مع ولوج القرن العشرين الى نصفه الثاني. وكانت حربان عالميتان إمبرياليتان قد حصدتا ارواح الملايين من البشر، ودمرت عالماً ليقوم مكانه عالم آخر تجلت معالمه في:

ـ إنتصار الثورة الاشتراكية الاولى في التاريخ البشري في الاتحاد السوفيتي (1917) قبل أن تضع الحرب الاولى أوزارها والانتصار السوفييتي على النازية خلال الحرب الثانية.

ـ قيام ثورات اوروبا الشرقية التي هزمت النازية والفاشية وأقامت المنظومة الاشتراكية.

ـ إنتصار الثورة الاشتراكية في الصين (1949).

ـ صعود الولايات المتحدة الى زعامة العالم الراسمالي، الذي يحلو للغرب أن يسميه “العالم الحر”، بعد إحتضار القوى الكولونيالية الهرمة.

ـ وقوع العالم في إستقطاب حاد بين فكي “حرب باردة” بين معسكري الرأسمالية والاشتراكية وإحتدام الصراع بينهما والذي وجد تجسيده العسكري، إضافة الى تجلياته العقائدية والسياسية، في نشوء حلفين عسكريين: الاطلسي (1949) ووارسو (1955).

كما شهد العالم، مع بزوغ النصف الثاني من القرن العشرين، العديد من المحطات الساخنة التي مثلت تصادم هذين المعسكرين وجسدت المواجهة بين مشروع الانسانية في الحرية والتنمية والاشتراكية مع مشروع الراسمالية في نهب الشعوب وإستغلالها. وفي عرض سريع لهذه المحطات، نكتفي بذكر بعضها:

ـ قيام الكيان الصهيوني الاستيطاني على أرض فلسطين عام 1948 كتجسيد مادي للمشروع الامبريالي ـ الصهيوني في الوطن العربي وكقاعدة متقدمة للامبريالية الاميركية في تلك المنطقة.

ـ إندلاع الحرب الكورية (1950 ـ 1953) وتقسيم ذلك البلد الى جزئيه الشمالي والجنوبي.

ـ إطاحة وكالة المخابرات الاميركية بالحكومة والحركة الديمقراطية في غواتيمالا (1954).

ـ تصاعد الماكارثية في الولايات المتحدة وإشتداد حملة محاربة الشيوعية.

ـ إنطلاقة العالم الثالث في ثوارت شعبية ونهوض حركات التحرر في العديد من بلدانه (ثورة يوليو في مصر وثورة الجزائر والثورة الكوبية وغيرها في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية).

ـ أنعقاد المؤتمرالعشرين للحزب الشيوعي السوفيتي (فبراير 1956) حيث أعلن خروتشيف إدانة جرائم ستالين و”محو الستالينية” وإنتهاج سياسة التعايش السلمي مع الرأسمالية.

ـ التدخل العسكري السوفييتي في هنجاريا عام 1956.

الاوضاع في مسقط الرأس ـ الارجنتين

إتسمت الاوضاع في الارجنتين عام ولادة تشى (1928) بازمة إقتصادية حادة إزدادت سوءً عام 1929 وصاحبها إنهيار إقتصادات العديد من البلدان الراسمالية. وبالنسبة لبلدان أميركا اللاتينية، فقد تميزت هذه المرحلة:

1) من منظور التدخلات الخارجية، بالتوسع الامبريالي للولايات المتحدة داخل تلك القارة ووقوع بلدانها تحت نير الهيمنة الامبريالية الاميركية، ولم تكن الارجنتين إستثناءً.

2) أما على المستوى الداخلي، فقد أمسكت قلة برجوازية عميلة ومستبدة بمقادير الحكم ومقدرات شعوبها.

3) في مقابل هذه الهجمة، أخذت الاحزاب الشيوعية بالظهور في تلك البلدان عقب الثورة البولشيفية (1917) وخلال مرحلة الكفاح ضد الفاشية والنازية في ثلاثينات القرن الماضي والحرب الامبريالية الثانية التي إنتهت بدحر الاحتلال النازي ووصول الاحزاب الشيوعية، التي قادت ذلك الكفاح التحريري،الى السلطة في اوروبا الشرقية وإقامة المنظومة الاشتراكية.

وصل خوان بيرون Juan Peron الى الحكم (1946) بعد أن عاشت الارجنتين عقداً طويلاً من الفساد والتدهور في كافة المجالات الاجتماعية والاقتصادية. وقد جاءت حقبة حكمه واعدة باستنهاض الطبقة العاملة الارجنتينية وتنظيم الحركة العمالية وتصاعد النضال الشعبي من أجل الحرية والديمقراطية.

شارك بيرون في الحكومة الارجنتينية بمنصب وزير للدفاع عام 1943، إلاّ أن دوره تعاظم مع وصوله الى مواقع النفوذ في الحكومة وإنتخابه رئيساً في فبراير 1946. وقد إستمر في الحكم الى عام 1955 حيث شاركته النضال زوجته المعروفة ب “إفيتا” Evita (والتي إلتصق أسمها بالنضال الجماهيري في الارجنتين الى أن وافتها المنية من داء السرطان عام 1952). فاز بيرون ثانية بالانتخابات عام 1952 وبقي في الحكم الى أن أطاح به إنقلاب عسكري عام 1955 فقضى ما تبقى من عمره منفياً في إسبانيا.

في ظل هذه الظروف، قضى تشى سنوات شبابه في الارجنتين البيرونية وفي سياق سياساتها. إلاّ أنه يبدو ان هذا الامر لم يترك أثراً كبيراً على غيفارا مع ان وصول الحركة البيرونية الى السلطة أحدث غلياناً إجتماعياً في ذلك البلد وأنذر بدخول الحركة العمالية والجماهيرية مسرح العملية السياسية. فقد شكّلت سياسة بيرون تهديداً لمصالح الطبقة التي كانت تنتمي اليها اسرة تشى، ولعل هذا ما يفسر عدم إنخراط اسرته في عملية التغيير الاجتماعي التي سادت المجتمع الارجنتيني آنذاك رغم تعاطف والديه مع الافكار التقدمية واليسارية. وليس هناك ما يشير الى أن تشى الشاب قد إنحاز لاي من هذه التيارات أو إنتمى الى إطار حزبي معين. إلاّ أن هذه العوامل شكلت جزءً من حياة اسرة غيفارا والظروف التي عاشت في ظلها وتركت بصماتها على حياته.

جيل غيفارا

تميز العالم الجديد الذي قام على إنقاض الحرب الامبريالية الثانية (1939 ـ 1945) بفضل نضال الجماهير وقيادة الاحزاب الشيوعية لحروب التحرير الشعبية ضد الاحتلال النازي وتحقيق التجربة الاشتراكية في تلك المجتمعات، تميز بتألق الفكر الاشتراكي وإزدهار ثقافة جديدة وظهور أنماط متميزة وملتزمة من الفن والادب والمسرح وغيرها من الانشطة الثقافية والفكرية والعلمية وببزوغ فهم جديد للدور السياسي والاجتماعي للثقافة والمثقف: دور ملتزم باهداف التغيير الاجتماعي وتحرير الانسان من أغلال الاستغلال الراسمالي وإنعتاقه نحو الحرية والتحرر والتقدم. وهو ما عمد الاعلام الراسمالي دوماً، في خضم حربه مع الاشتراكية، الى طمسه وتشويهه وخاصة في العقدين الاخيرين.

أما على مستوى أميركا اللاتينية، فقد شهد هذا الجيل هزائم وإخفاقات الحكومات الاصلاحية المتتالية في تلك البلدان. وعليه، جاء هذا الجيل نتاجاً لهذه التوترات والارهاصات السياسية والاجتماعية حيث ساهم عاملان أساسيان في صياغة وعيه ودوره:

1) الهيمنة الراسمالية الاميركية على جوانب الحياة في اميركا اللاتينية (السياسية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية).

2) الهزائم التاريخية للمحاولات والحكومات الاصلاحية وسياساتها واستراتيجيتها في التصدي للسياسات الامبريالية الاميركية. وكان من نتيجة هذا الفشل ان أخذ الكثير من أحزاب “اليسار الديمقراطي” في التأقلم مع الاوضاع الجديدة و”تقبل” الهيمنة الاميركية كامر واقع ومقبول على غرار ما حدث في بلادنا بعد الانهيار السوفيتي وإنفراد الولايات المتحدة بقطبية العالم حين أخذ اليسار الفلسطيني والعربي في أعقاب ذلك الانهيار يتجه نحو “الديمقراطية” وخطاب العولمة الراسمالية وسياساتها النيوليبرالية وإستدخال نهج التسوية مع المحتل الصهيوني.

هذا هو الجيل الذي إنتمى اليه تشى غيفارا، جيل خمسينات القرن العشرين في بلدان العالم الثالث وأميركا اللاتينية بشكل خاص، وهو جيل أخذ على عاتقه إعادة تقييم الاوضاع وتحديد مهام المرحلة ووسائل النضال وتشكيل الاطر التنظيمية القادرة على الاضطلاع بهذه المهام. ولعل في تصنيف جميس بتراس، المفكر الاميركي اليساري، لهذه الحركات والتحولات الثورية ما يوضح السياق والدور الذي إضطلع به جيل تشى غيفارا وما تمخض عن نضاله في العقود اللاحقة. فقد قسّم بتراس النضال الثوري في التاريخ المعاصر لاميركا اللاتينية الى موجات أربع :

1) الموجة الاولي (1959 ـ 1967): من إنتصار الثورة الكوبية حتى إستشهاد تشى غيفارا.

2) الموجة الثانية (1968 ـ 1976): الانتفاضات الجماهيرية في الجنوب والانقلابات العسكرية.

3) الموجة الثالثة (1977 ـ 1990): صعود الحركات الثورية في أميركا الوسطى (السلفادور والثورة السندناستية في نيكارغوا وصولاً الى “إتفاقية السلام”).

4) الموجة الرابعة: الحركات الثورية الاجتماعية والسياسية الجديدة التي تمثل بنضال الهنود الاصلانيين والفلاحين في أرياف اميركا اللاتينية (مثل الانتفاضة الساباتية في مطلع عام 1994 ) والتي تمتد حتي يومنا هذا.

خاتمة

ألقيت في هذه الدراسة بعض الضوء على العوامل الذاتية والموضوعية التي أثرت في تكوين تشى غيفارا الثائر ولعبت دوراً هاماً في تحديد الهموم النظرية والمهام السياسية التي إضطلع بها. كما شكلت هذه العوامل جزءً من شخصيته التي تشابك فيها النهج والفكر مع الواقع الاجتماعي. وقد حرصت على الاشارة الى التراكم النظري ـ العملي لدى غيفارا والذي يستند الى تجارب وممارسة عملية نهلت من كمٍ معرفي وتثقيف ذاتي ثريين. وكان يهمني أن أستشرف من خلال هذه الجدلية العوامل التي تكافلت في صقل رؤية تشى للواقع ومعضلاته وتقديمه للحلول بنهج علمي يجمع بين تصورات أمينة ومقترحات محددة تستدعي بالضرورة إحداث تغييرات جذرية في المجتمع. وسوف نلمح هذا التزاوج والتناغم بين الفكر والممارسة طيلة المستقبل الثوري لتشي غيفارا.

يكمن الدور الحاسم للثائر أو القائد في التقاط السمة الرئيسية للعصر، وهو ما تميز به غيفارا. وما زالت هذه السمة قائمة لم تتغير منذ إستشهاده، وإن تبدل بعض ملامحها، وتتلخص في أن الظروف الموضوعية لمناهضة الراسمالية والنضال من أجل دحرها ما فتأت تنضج وتكتمل منذ سنوات طويلة. فقد كان تشى بحق نتاج عصره وتناقضاته الاجتماعية والطبقية (والتي ما زالت مستعرة) التي كانت تتطلب مشروعاً مناهضاً: مشروعاً في المقاومة والثورة، يعادي الراسمالية والامبريالية ويصطف مع الانسان وخيارة الاشتراكي. وإذا كانت عظمة الرجال تقاس بالقضية (أو القضايا) التي يهبونها حياتهم ونضالاتهم، فان القضية التي كرس تشى حياته ونضاله من أجلها ما زالت حية نابضة في عروق الملايين من شعوب الارض وفي أزقة الفقراء والمعدمين، وما فتأت أزماتها متمثلة بكافة أشكال الاستغلال والقفر والظلم. فطالما ظلت الشعوب مظلومة، فسيظل غيفارا حاضراً في ديمومة ثورتها ومقاومتها، وطالما بقي هناك “معذبون في الارض” فستظل قدوة تشى جذوة تشحذ همة الجماهير وكفاحها، وكلما أمعن راس المال في جشعه وحروبه (بشتى انواعها العسكرية والاقتصادية والثقافية) على الفقراء والشعوب، كلما علت صرخة غيفارا في إشعال الثورة والمقاومة في “فيتنام واحدة وثانية وثالثة.”

لقد كان غيفارا مناضلاً غير إعتيادي جمع صفات نادرة ومعقدة، إلاّ أنه أيضاً مثّل حقبة معقدة فجاء فكره ونضاله وممارساته غير إعتيادية توحد فيها الخاص والعام، وامتزج فيها الوطني بالقومي والطبقي بالأممي. إلاّ أن غيفارا لم يصبح ثائراً عظيماً لان صفاته الشخصية كانت غير إعتيادية أو لانه أضفى ملامحه الشخصية على الاحداث التاريخية الكبيرة فحسب، بل لانه كان، وبصفاته تلك، المناضل الملتزم بمصالح الجماهير والطبقات الشعبية التي تمثل أغلبية المجتمع، ولانه إتسم بالقدرة على تلمس وإنجاز إحتياجات الجماهير والمجتمع في زمنه، تلك الاحتياجات التي يفرزها تطور العلاقات الاجتماعية والانتاجية وتحددها الاسباب العامة والخاصة في المجتمع. أي أن غيفارا “رأى” أبعد مما رأى الآخرون، وناضل من أجل التغيير وصمم على إحرازه، كما انه، وربما هذا هو الاهم، إلتزم بمصالح الجماهير والايفاء باحتياجاتها . هكذا يصبح الافراد أبطالاً، وهنا تكمن أهمية العظماء ومصدر قوتهم: فهم قادرون على تغيير المسار”الطبيعي” للامور ولان أفعالهم وأنشطتهم هي التعبير الواعي والحر عن المسار المحتوم.

نخلص، في الختام، الى أن المهمة في دراسة غيفارا تكمن في قراءة متجددة لفكره ونضاله ضمن سياقه التاريخي حيث تتفاعل جدلية الذاتي والموضوعي، قراءة تسترشد الواقع المستجد للشعوب وواقع طبقاتها الشعبية ومصالحها ونضالاتها، وهي قراءة كفيلة بان تُخرج غيفارا، وتُخرج فكره وإرثه، من فخ “الموضا” والايقونية. وهي أيضاً، القراءة القادرة على التأسيس لوعي نقدي يقوم على ضرورة التغيير وحتميته وينتقل بإنسجام الى الافعال المفعمة بالحيوية والممارسة العملية المتدفقة بالطاقة والزخم. هذا الوعي بضرورة التغيير، أي بعدم القدرة على تجنب حدثٍ ما أو ظاهرة معينة، هو الذي يزيد من قدرة الانسان وطاقته ويحثه على مضاعفة جهوده بما لا يقاس. وفي هذا كله كان تشى غيفارا أنصع نموذج وخير مثال.

أهم مصادر البحث:

1) Maria del Carmen Ariet Garcia, El Pensamiento Politico de Ernesto Che Guevara, Ocean Press, Havana, 2003.

2) Pedro Luis Sotolongo, Ernesto Che Guevara, Ethics and Aesthetics of an Existence, Editorial Jose Marti, Havana, 2002.

3) Georgi V. Plekhanov, The Role of the Individual in History, Electronic edition at: http://art-bin.com/art/oplecheng.html

4) Jon Lee Anderson, Che Guevara: A Revolutionary Life. Grove Press, New York, 1997.

Advertisements

About منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني

موقع منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني
هذا المنشور نشر في غيفارا وكلماته الدلالية . حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s