التعميم السياسي الشهري للحزب

التعميم السياسي الشهري (12-13)

تقرير سياسي

الحزب الشيوعي اللبناني

23/06/2010

لجنة العلاقات الخارجية في الحزب الشيوعي

· يركز التقرير، هذه المرة، على وضع أوروبا، والإتحاد الأوروبي، بالتحديد، نتيجة تفاعلات الأزمة اليونانية والموقع المهم الجديد الذي احتله صندوق النقد الدولي في الحلول المالية والإقتصادية لبلدان منطقة اليورو.

· ويقدم مراجعة حول تأثير نمط السياسات النيو ليبرالية على مستويات الدخل وتوزيع الثروة في الولايات المتحدة خلال الستة عقود الماضية.

· ويدرس التقرير التدخل الأميركي المركز على القارة الأفريقية، إن عبر المناورات العسكرية التي نفذت في الصحراء الكبرى، أم عبر مسألة المياه (النيل)، أم كذلك عبر الإستمرار في شراء الأراضي الزراعية.

· وفي منطقة الشرق الأوسط، يستشرف التقرير ما يمكن أن يحدث من تطورات، غداة القرارات الإيرانية في المجال النووي وردود الفعل الأميركية عليها. ويتوقف التقرير أمام إحتمالات الإنفجار في العالم العربي، وضد سوريا ولبنان بالتحديد، من قبل إسرائيل وبدعم من إدارة أوباما، ارتباطاً بمحاولات حل القضية الفلسطينية على حساب شعب فلسطين.

· أخيراً يعطي التقرير صورة مفصلة عن الوضع الداخلي اللبناني، إن لجهة الإنتخابات البلدية أم، خاصة، لجهة الموازنة ومؤشراتها الاقتصادية والإجتماعية (ونشير في هذا المجال الى البيان الصادر عن الحزب الشيوعي اللبناني).

مقدمة

في 13 أيار الماضي، أعلن جايمس كارترايت، مساعد رئيس أركان الجيوش الأميركية، في محاضرة قدمها في مركز الدراسات الاستراتيجية : “خلال السنوات العشر المقبلة، ستخوض القوات الأميركية معارك كتلك التي قامت بها في العراق وأفغانستان”.

هذا التصريح يؤشر الى أن ادارة الولايات المتحدة الأميركية ستحاول، مرة جديدة، الخروج من مأزق الأزمة التي تعصف بها عبر افتعال حروب مدمرة جديدة في مناطق مختلفة من العالم، وتحديدا في جنوب الكرة الأرضية، امتدادا من أفريقيا ووصولا الى الشرق الأوسط.

في ضوء هذا التصريح نحلل الأحداث الجارية في العالم.

أولاً- الأزمة الرأسمالية ومستقبل الإتحاد الأوروبي

في 27 نيسان الماضي، أعلنت مؤسسة “ستاندارد آند بورز” ( (standard and poor‘s أن البرتغال وإسبانيا قد دخلتا، هما أيضاً، في عنق الزجاجة، الى جانب اليونان. ويمكن القول أن هذه الإنهيارات المتتالية، التي كانت متوقعة، والتراجع السريع في سعر صرف اليورو أمام الدولار (1,24)، هي التي أسست، أولاً، لتغيير سياسة إلمانيا وتراجع المستشارة انجيلا ميركل عن رفضها خطة الإنقاذ التي كانت قد اقترحت والتي تقضي بأن تقدم إلمانيا 120 مليار يورو لدعم الدول الأوروبية المتوسطية الأربعة (اليونان، إسبانيا، البرتغال، إيطاليا) في مواجهة الإنهيار الإقتصادي، من جهة، ومضاربات الأسواق المالية العالمية بسندات ديون الدولة اليونانية وباليورو، من جهة أخرى. أما السبب الثاني للتغيير، فيكمن في التحركات النقابية والشعبية التي اجتاحت، ولا تزال، اليونان، تلبية لدعوة الحزب الشيوعي اليوناني والنقابات التقدمية ( PAME) ، وما أدت إليه من إعادة تجميع القوى النقابية والديمقراطية في أوروبا، تحت شعار مواجهة المتاجرين بقوت الشعوب والعمال، ورفض تحميل نتائج الأزمة والمضاربات والسياسات المالية الخاطئة للطبقة العاملة مجدداً.

إلا أن هذه المواجهة الناجحة مع القوى الرأسمالية، وبالتحديد مع المؤسسات المالية والمصرفية، لا تلغي وجود أخطار داهمة ممكن أن تؤدي، في المستقبل القريب، الى تغيرات نوعية على صعيد اوروبا :

· أول هذه الأخطار هو دخول صندوق النقد الدولي القوي في البحث عن حلول للأزمة. وهذا الدخول، المدعم بمائتي مليار يورو (على دفعات)، سيجعل منه عنصراً مقرراً في أي تدبير سيتخذ في المستقبل القريب أو المتوسط، خاصة في اليونان إنما كذلك على الصعيد الأوروبي العام. بشكل أوضح نقول : سيكون للتدخل الأميركي، عبر هذا الصندوق، دور حاسم في توجيه الإقتصاد الأوروبي وكذلك في وضع اليد على السياسات المالية والاقتصادية في أوروبا، عموماً، وصولاً الى التأثير على ما تبقى من استقلالية القرار السياسي الأوروبي تجاه مسائل مثل التوجهات النووية أوفلسطين…

• ثاني هذه الأخطار هو احتمال انفجار الإتحاد الأوروبي وتشظيه، إنطلاقاً من زعزعة وحدته الإقتصادية ووحدته النقدية، خاصة وأن بعض الحلول المقترحة انطوت على السعي لاخراج البلدان الضعيفة من نظام العملة الموحدة (اليورو) واعادتها الى عملاتها الوطنية، تحت حجة أن هذا الأمر يخفف من إلزام منطقة اليورو كلها، وبالتحديد المانيا وفرنسا، بتحمل تبعات الأزمة المنفجرة… بينما من المفترض في مثل هذه الحالات أن يزداد التنسيق في السياسات الإقتصادية المتبعة، وربما في إقرار توجهات السياسة الإقتصادية للإتحاد ووضعها تحت إشراف الهيئات السياسية المنتخبة، وبمشاركة من ممثلي الطبقة العاملة.

· ثالث هذه الأخطار يكمن في أن الأزمة قد وصلت الى مستويات لم يعد بالإمكان معها تفادي الإنهيار في بعض القطاعات المالية وقطاعات الإنتاج، بما في ذلك في المانيا وفرنسا، حتى ولو أقصيت اليونان واسبانيا والبرتغال عن نظام العملة الموحدة. الأمر الذي يعني أن خطط ” التقشف” ستأتي تباعاً وستكون لها أثار عميقة على الأوضاع الإجتماعية للفئات الشعبية، بدءاً بمحاولات تخفيض قيمة الدخل (التي بدأت في أكثر من بلد أوروبي متوسطي) وإعادة النظر بالتقاعد (بما في ذلك في فرنسا) وبالتقديمات الإجتماعية. وستؤدي هذه الأزمة الى المزيد من الإنكماش الذي سيطيل عمرها الى أكثر من خمس سنوات.

· أما الخطر الأخير، الذي لا بد من الإشارة اليه فيكمن في احتمال تصعيد القمع داخل البلدان الأوروبية (ومثال قمع التظاهرات في اليونان واضح)، وكذلك في إستعادة نهج الحروب الإستعمارية الى الواجهة، في محاولات يائسة لمنع التحركات الشعبية من أن تأخذ مداها في المواجهة، من جهة، ولفتح مجالات وأسواق جديدة، من جهة أخرى. علماً أن تأثيرات الأزمة كبيرة جداً في البلدان النامية ولا تفسح في المجال أمام توسيع الإستيراد من الدول الصناعية الكبرى أكثر مما هو عليه الآن.

لذا، فإن رؤية هذه التطورات وأفقها القريب والمتوسط يؤكد الهواجس (المشار إليها في التقرير السابق) حول احتمال نشوب نزاعات وحروب جديدة ستؤدي، في حال حصولها، الى المزيد من الدمار والخراب ولن تحل الأزمة الإقتصادية الرأسمالية. علما ان بعض التوقعات الاقتصادية تتحدث عن انهيار كامل لأوروبا في أواخر السنوات العشر المقبلة.

وهذه الهواجس تزيد من مسؤولية قوى التغيير على الصعيدين العالمي والأوروبي، وفي مقدمة هؤلاء الشيوعيين، في منع تقدم السيطرة الإمبريالية وفي مواجهة ذراعها العسكري، حلف شمال الأطلسي. كما تكمن مسؤولية هذه القوى في توحيد الطبقة العاملة الأوروبية وراء برنامج سياسي واقتصادي- اجتماعي متقدم الهدف من ورائه، بالإضافة الى ايجاد حلول اقتصادية ومالية آنية لوقف التدهور، الى وضع تصور كامل لوحدة القوى اليسارية والديمقراطية بما يؤدي الى الخلاص من حكم المصارف والشركات المالية.

ثانياً- نمط السياسات النيوليبرالية وتاثيره على توزيع الثروة في الولايات المتحدة

ثمة تغير هائل قد حصل في الولايات المتحدة فيما يتعلق بالوضع الاقتصادي وتوزع الثروة بعد الحرب العالمية الثانية والوضع على ما هو عليه الان؛ وبالاخص فيما يتعلق بتوزيع الثروة الناجمة عن النمو في الاقتصاد الأميركي. في الجيل الاول بعد الحرب العالمية الثانية، اي بين سنوات ١۹٤٧ و ١۹٧٣، تضاعفت قوة انتاج اليد العاملة (بمعدلات نمو سنوية بحدود ٢٫٥٪) ومتوسط الدخل ارتفع بنفس المستويات اي تضاعف. وبالتزامن ادخر الامريكيين حوالي ٧٪ من اجمالي الناتج المحلي سنوياً.

في السنوات الثلاثين اللاحقة، اي بين سنوات ١۹٧٣ و ٢٠٠٥، نما الاقتصاد الأميركي بوتيرة أبطأ من السنوات السابقة، ولكن المعضلات الاقتصادية في السبعينيات الثمانينيات تم التعويض عنها في الثورة التكنولوجية في التسعينيات، ولذلك ارتفعت قوة انتاج اليد العاملة بحدود الثلثين(بشكل عام). ولكن هذه المرة ارتفع متوسط الدخل بنسبة ١٤٪ فقط، ومعظم هذا الارتفاع أتى في السنوات الأخيرة في عهد كلينتون بين ١۹۹٥ و ٢٠٠٠. وبالتزامن تلاشت المدخرات بشكل تام ، وهذه ظاهرة لم تحصل منذ الركود الاقتصادي الكبير. اذاً هذا النمو في الاقتصاد الأميركي في هذه المرحلة تحول بمعظمه إلى اغني ١٠٪ من الأميركيين؛ لا بل ذهب بأغلبه إلى أغنى ١٪ من الأميركيين. ومن هنا علينا ان نطرح السؤال ما هي العوامل التي أدت إلى هذا التحول؟

· أولاً، ارتفاع في قيمة الموجودات حيث سجل مؤشر “داو جونز” الصناعي نموا بقيمة ١٫٣٪ سنوياً بين سنوات ١۹٦٠ و ١۹٨٠؛ وفي العشرين سنة اللاحقة سجل نموا بمعدل ١٠٠٠%. ومهما قيل ويقال عن العدالة في حق الجميع في شراء الأسهم فإن ملكية الأسهم هي للأغنياء حيث اغني ١٠٪ يملكون ٧٧٪ من الأسهم، وحيث اغني ١٪ يملكون ٣٣٪ من الأسهم والتسعة بالمائة المتبقية يملكون ٣٤% من الأسهم والبقية، أي ال۹٠٪ من الأميركيين، يملكون ٢٣٪ من الأسهم.

· ثانياً ارتفعت أسعار العقارات وكون اغني العائلات تمتلك اكبر المنازل من حيث الحجم والعدد، فهي بالتالي استفادت بشكل أساسي وشبه حصري من الحسومات الضريبية في مجال العقارات.

· ثالثاً، السياسات الضريبية للدولة، حيث ان الشريحة العليا للضريبة في عهد أيزنهاور كانت تصل إلى حد ال ۹٠٪ (والتي كانت تنطبق على حوالي ٣٠٠ شخص فقط)؛ وانخفضت هذه النسبة إلى ٧٠٪ في ١۹٦٠؛ ومن ثم إلى ٢٨٪ في ١۹٨٦؛ وحالياً هي بحدود ٣٥٪. إما الضريبة على الميراث التي تؤثر على أغنى ١٫٥٪ من الأميركيين، فقد تم إلغاؤها لحد سنة ٢٠١١ في عهد جورج بوش.

· رابعاً، الهجرة حيث تتوافد بشكل قانوني وغير قانوني موجات من المهاجرين ليعملوا كيد عاملة غير ماهرة، وليتنافسوا على أجور ضئيلة.

· خامساً :الاستيراد وشركات الoffshore، إن عملية الاستيراد أدت إلى ارتفاع متزايد في مستويات البطالة وخفضت مستويات الربح في المجال الصناعي الذي كان تاريخياً يقدم أجور أفضل من تلك الموجودة في قطاعات أخرى مثل المطاعم والمبيعات. إن شبح نقل التصنيع إلى الخارج والتهديد بالقيام بهذه الخطوة، يخيم على مستويات الأجور في جميع القطاعات، وأكثر فأكثر يرضى العمال الأميركيون بأجور اقل لقوة عملهم.

· سادساً، ضعف وانهيار نقابات العمال وخاصة في القطاع الخاص. هذه الظاهرة ممكن تفسيرها بعدة أسباب منها حرب إدارة ريغان على النقابات، والمنافسة الخارجية، وضعف الصناعات الكبيرة مثل صناعة الحديد. ومن هنا يمكن الاستنتاج إن إدارة ريغان “نجحت” في محاربة النقابات أكثر مما نجحت في جميع حروبها الأخرى مثل حربها على المخدرات.

· سابعاً، التكنولوجيا. وهنا من المهم التوضيح إن إنتاج السلع المتطورة بحد ذاته لا يؤدي إلى تفاقم اللامساواة بين الطبقات. ولكن، استخدام التكنولوجيا والسلع التكنولوجية المتقدمة في عملية الإنتاج وإدارة الإعمال يعتبر من أهم الأسباب في ارتفاع وتفشي عدم المساواة.

· ثامناً، ثقافة اللامساواة. لقد حصل تغير ثقافي مرعب تجاه النظرة إلى عدم المساواة في الأجور. فمثلاً خلال عقد الستينيات كان مدير تنفيذي في الشركات الكبرى يحصل على اجر بنسبة ثلاثين ضعف متوسط الأجر. أما بعد العام ٢٠٠٠، وخاصة اليوم، فقد ارتفعت هذه النسبة لتصبح ٣٠٠ ضعف متوسط اجر العامل.

عندما نستعرض هذه السياسات، ونرى كيف أدت إلى ارتفاع درجات اللامساواة عند الشعب الأميركي؛ علينا أن ندق ناقوس الخطر، فهذه السياسات نفسها يتم الترويج لها من قبل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي في أوروبا؛ كما يتم تبنيها في العديد من دول العالم الثالث ومن ضمنها لبنان بضغط أميركي وبتواطؤ من الطغم المالية الحاكمة والمأجورة للخارج.

ثالثاً- التدخل الأميركي في القارة الأفريقية

إن طرح مسالة النزاعات واتساعها وضرورة مواجهتها لا يأتي فقط مما تمهد له البرجوازية على الصعيد الأوروبي، ولا كذلك من التغيرات الحاصلة في أميركا اللاتينية حيث تزداد عدوانية الولايات المتحدة والأنظمة التابعة لها ضد كوبا وفنزويلا، إضافة إلى نشر القواعد العسكرية الأميركية هناك. بل إنها تأتي، أيضاً، من التحضيرات التي تجري في أفريقيا لوضع اليد الأميركية على مقدرات هذه القارة الغنية ومنع قيام حركات شعبية وأنظمة قادرة فعلياً على استخدام تلك الثروات في مصلحة شعوب هذه القارة التي تعيش الفقر المدقع والهجرة المذلة، بينما تذهب خيراتها إلى الشركات الأميركية (وبعض الشركات الأوروبية والأسيوية) الكبرى، عبر حفنة من الوسطاء، ممن هم في الحكم.

وتأتي في هذا السياق المناورات التي انطلقت في أوائل أيار 2010 والتي امتدت على طول ثلاثة أسابيع، داخل الصحراء الغربية الكبرى، بإشراف الولايات المتحدة الأميركية وبمشاركة قوات أوروبية ومن عشر دول أفريقية.

فهذه المناورات، التي وضعت تحت شعار “مكافحة الإرهاب” والأزمات الإقليمية”، إنما تهدف، في الواقع، إلى تدريب قوى عسكرية أفريقية ستوضع تحت إمرة الجيش الأميركي وذلك لمنع أي تغيير محتمل (أو غير متوقع حتى) في بعض البلدان الأفريقية التي تزخر أراضيها بالثروات الطبيعية وفي مقدمتها منابع الطاقة. وقد عبر وزير الدفاع في بوركينا فاسو عن هذا الهدف بالقول : “أنها فرصة عظيمة لاكتساب أكبر قدر من الخبرة لمواجهة التحديات التي تلوح في عالمنا اليوم”…

من هذه التحديات، بل أولها، تلك المتعلقة بكيفية إيجاد الحلول لانعكاس الأزمة الرأسمالية على سكان تلك القارة. ذلك أن أفريقيا، التي بلغ عدد سكانها المليار نسمة والتي تزخر بثروات طبيعية هائلة، تعاني من زيادة مضطردة في معدلات البطالة، خاصة لدى فئة الشباب التي تشكل 70 % من مجمل السكان. يضاف إلى ذلك أن قسما كبيرا من السكان يزدادون فقرا: هنالك 51 % من أفريقيا الوسطى والجنوبية يعيشون بأقل من دولار واحد يوميا. ويطال الجوع وسوء التغذية النساء والأطفال بشكل خاص.

وإذا كانت بعض الاستثمارات قد اتجهت في السنوات العشر الأخيرة باتجاه بعض الصناعات، الغذائية على وجه الخصوص، ألا أن هذه المشاريع ليست مهمة كفاية، لا من حيث الرساميل الموضوعة فيها ولا من حيث انتشارها ولا، أخيرا، من حيث الكتلة العاملة فيها. فهي لم تستطع أن تغطي سوى ما يقارب 10 % من الذين يسعون لإيجاد فرصة عمل، كما أنها لم تحد من الهجرة (باتجاه أوروبا، على وجه الخصوص).

تضاف إلى ذلك المحاولات التي تبذلها الإدارة الأميركية الحالية لخلق نزاعات في بلدان جديدة، وبالتحديد على امتداد نهر النيل. فالاتفاقية التي أعلنت في 14 أيار- مايو الماضي، والتي وقعتها أربع دول فقط، في مقدمتها أثيوبيا وأوغندا بمباركة واضحة من الولايات المتحدة، هي بمثابة انطلاقة ما يمكن تسميته “حرب المياه”، خاصة وأنها أقصت مصر والسودان، وكأنما واشنطن تحاول اليوم فتح أزمة جديدة بين أفريقيا السوداء والعرب، على شاكلة أزمتي دارفور وجنوب السودان، لتستكمل بذلك الدور الذي لعبته في أثيوبيا ضد الصومال، إضافة إلى المبادرة العسكرية بتجميع الدول الممتدة من موريتانيا إلى التشاد ((Pan Sahel Initiative والى القواعد العسكرية الأميركية المتواجدة في تلك المنطقة، ومنها قاعدة جيبوتي.

في هذا الوقت، يستمر شراء عشرات ملايين الأمتار المربعة من الأراضي الزراعية من قبل الشركات الأميركية أو ذات الرأسمال الأميركي-الكوري المشترك، إضافة إلى شركات تحمل الهوية السعودية والمصرية والصينية واليابانية. ويستمر تهجير مئات ألوف الفلاحين عن الأراضي الخصبة. فتكون بذلك قد اكتملت حلقة النهب والحرمان في أفريقيا والسيطرة عليها عسكريا واقتصاديا، بعد تأجيج كل أنواع الصراعات داخلها.

رابعاً- الشرق الأوسط : من إيران إلى العالم العربي وفلسطين

شهدت هذه المنطقة تطورات متسارعة، بعضها متوقع والآخر مستجد. كما تجدر الملاحظة أن هذه التطورات ستكون مقدمة لفرز جديد للقوى والبلدان الأساسية فيها، خاصة على ضوء الجريمة الموصوفة ضد الإنسانية التي ارتكبتها إسرائيل بحق الرأي العام العالمي، إضافة إلى القرار الأميركي الذي فرضته ممثلة إدارة باراك أوباما في مجلس الأمن حول فرض عقوبات جديدة على إيران.

ويمكن تلخيص التطورات بالآتي :

1- لا تزال اسرائيل توتر الأجواء ضد ايران ولبنان، وتحض الولايات المتحدة على اتخاذ اجراءات أكثر صرامة من تلك المتخذة حتى الآن في مواجهة ما تسميه “التغلغل الايراني”، عبر سوريا وكذلك عبر حزب الله وسلاحه؛ وهذا يعيدنا الى التساؤل عن احتمالات الحرب والسلم، التي تردد صداها كثيرا في الآونة الأخيرة (ان من خلال المناورات التي جرت في أواسط الشهر الماضي على الحدود اللبنانية الجنوبية، أم من خلال التهديدات التي وجهت الى لبنان مباشرة، أم أخيرا عبر الاشاعات عن تدفق الأسلحة المتطورة من سوريا وايران اليه)، حتى وان تكن بعض الأوساط الحاكمة في تل أبيب، بحسب قول صحيفة “معاريف”، تسعى، منذ بعض الوقت، الى الدفع باتجاه التفاوض الفوري مع سوريا و”عقد سلام معها وإخراجها من محور الشر، وعزل حزب الله. وإنقاذ لبنان أيضاً”، منطلقة في موقفها هذا من تقدير يقول – حسب معاريف أيضا – ان «محور الاعتدال في المنطقة لم يعد موجوداً والجميع على الجدار ينتظرون ما يأتي بخوف». ألأمر الذي يمكن تفسيره بسقوط دور الأنظمة العربية الموالية للولايات المتحدة.

2- في المقابل، لا بد من الاشارة الى ما حققه النظام السوري من نقاط لصالحه في المبارزة السياسية والدبلوماسية مع اسرائيل. فقد استطاع الرئيس السوري بشار الأسد الحصول على أسلحة وطائرات متطورة من روسيا التي أعلن رئيسها ميدفيديف، ابان زيارته الأخيرة للمنطقة، عن أن بلاده لن تقف “مكتوفة الأيدي في حال تعرض منطقة الشرق الأوسط لعدوان جديد”. كما وجه ميدفيديف، ومن سوريا بالتحديد، صفعة أخرى لاسرائيل والولايات المتحدة بلقائه ممثل حركة حماس خالد مشعل وكذلك بالدعم العلني الذي قدمه للمحور الاقتصادي الناشئ بين سوريا وايران وتركيا. دون أن ننسى التصريح الروسي الصادر بعد قرار العقوبات في مجلس الأمن والقائل بامكانية متابعة صفقة الصواريخ المتطورة مع ايران… أما فيما يتعلق بتركيا، فيرى بعض المحللين أن “المحور” الذي نشأ مع سوريا وايران والغطاء الذي أعطته تركيا لايران حول اليورانيوم المخصب أزعجت اسرائيل الى درجة أن بعض قادتها فقدوا السيطرة على أنفسهم فارتكبوا المجزرة ضد السفينة التركية تحديدا ضمن أسطول الحرية.

واذا ما أردنا التوقف عند هذه المواقف التركية وما تلاها في مجال التصويت ضد قرار الأمم المتحدة حول العقوبات، فيمكن التكهن بمسألتين :

– الأولى، وبغض النظر عن الأسباب الحقيقية للجريمة التي ارتكبتها اسرائيل ضمن المياه الدولية، فان التغير الذي طرأ مؤخرا على الموقف التركي لا بد وأن ينعكس بصورة ايجابية نسبيا على سوريا وايران، اذ أنه سيعيد خلط بعض الأوراق، مرحليا، وسيؤثر في التوازنات التي نشأت ابان عهد جورج بوش داخل الشرق الأوسط. الا أنه في الوقت عينه سيجعل من تركيا منافسا حقيقيا لأدوارعربية، سعودية أو مصرية، ظنت الولايات المتحدة واسرائيل أن بامكانهما توجيهها باتجاه توسيع رقعة المعترفين بتل أبيب.

-أما الثانية فتتعلق بتقدير مستوى المنافسة التي لن تكون تناحرية بمطلق الأحوال، أي ان لا مؤشرات فعلية تدل على أن تركيا ستقطع علاقتها باسرائيل أو أنها ستتخذ مواقف متشنجة ضدها، خاصة اذا ما أخذنا بعين الاعتبار نسبة التبادل التجاري بين البلدين والمشاريع الصناعية والعسكرية بينهما.

وهذين الطرفين النقيضين يؤشران الى أن التناقض سيحافظ على صفته النسبية والمرحلية، حتى وان بدا أكبر من ذلك. فالصراع على السلطة بين الجيش والحكومة لم يحسم لصالح الأخيرة؛ وحتى لو تم الحسم، فان التوجه الديني للحكومة ليس بديلا عن المصلحة الاقتصادية للحزب الحاكم الذي يفتش في توجهه جنوبا وشرقا عن أسواق جديدة بعد أن أقفل بوجهه الاتحاد الأوروبي…

3- أما بالنسبة لايران، فقد استطاع الحكم فيها من تسجيل نقطة جديدة على الولايات المتحدة، من خلال “التنازل” الذي أهداه محمود أحمدي نجاد الى كل من تركيا والبرازيل في مجال اليورانيوم المخصب. وأصبحت الكرة اليوم في الملعب الأميركي الذي يحاول جاهدا تفعيل العقوبات ضد هذا البلد لمحاصرته واجباره، عبر الغبار المثار حول “المسألة النووية”، على الليونة في المسائل المتعلقة بالعراق وأفغانستان. وباعتقادنا ان قرار مجلس الأمن، الذي صوتت ضده تركيا والبرازيل، هو بمثابة الخطيئة الأميركية الكبرى : فبالرغم من مجاراة روسيا والصين له، الا أن هذين البلدين لن يتراجعا عن العلاقات الواسعة مع ايران (خاصة الصين وخاصة في مجال النفط)، أي أن الاتفاق على صدور القرار الدولي لا يعني بالضرورة الاتفاق في مجال التنفيذ.

4- انطلاقا من هذه الرؤية نقول ان ادارة الولايات المتحدة، التي لا تزال تتخبط في أزمتها الاقتصادية ولم تصل بعد الى حل شبه ثابت لها ، تحاول مجددا الفصل ما بين سوريا وايران عبر السعي للظهور بمظهر المتنازل تجاه سوريا والمتصلب تجاه ايران. الا أن قرار واشنطن باعادة سفيرها الى دمشق لم ينف بالكامل احتمال العدوان أو التصعيد الذي أعد روبرت غيتس العدة له، من خلال خطط عسكرية أعلن هو نفسه عنها. وهي خطط تتعاطى مع المنطقة بأكملها، بدءا من العراق وايران وصولا الى سوريا ولبنان.

كل هذه الأمور تعيدنا الى السؤآل الذي طرحناه (في التعميم السابق) حول عودة منطقتنا الى دائرة الخطر، بدءا بفلسطين المحتلة التي تراجعت فيها الحلول المطروحة المطروحة الى نقطة الصفر، على الرغم من التنازل المجاني الذي قدمه الموقف الفلسطيني الرسمي ، مدعوما من الموقف الرسمي العربي، بالموافقة على عودة المفاوضات غير المباشرة، بغض النظر عن استمرار السياسات الاستيطانية وتشديد الحصار المفروض على قطاع غزة وتهويد القدس وقتل المدنيين في عرض البحر…

ولا بد هنا من أن نشير الى الشروط القديمة-المستجدة التي طرحها كل من بنيامين نتانياهو ويوسي بيلين (كبير المفاوضين الاسرائيليين في أوسلو)، والتي تتلخص في الآتي :

-تأجيل البت بالتسوية الدائمة الى أجل غير مسمى، تحدده “جهوزية ” الاسرائيليين على تقبلها.

-تأجيل وضع القضايا الجوهرية على بساط البحث، بدءا من المسائل المتعلقة بالسيطرة الأمنية الاسرائيلية على الأراضي الواقعة ضمن نطاق السلطة الفلسطينية ووصولا الى مستقبل القدس. هذا، في وقت أكد فيه الاسرائيليون أنهم لن ينفذوا مبدأ حق العودة، لأن أكثر ما يمكنهم التنازل عنه لا يتجاوز عودة 100 ألف فلسطيني، ولن يتخلوا عن القدس، ولن يقبلوا الا بدولة فلسطينية منزوعة السلاح وتحت رحمة قواتهم.

وفي الوقت الذي يستمر فيه الرأي العام العالمي في التحرك ضد سفارات اسرائيل والولايات المتحدة (ومنها المظاهرة التي شارك فيها الحزب الشيوعي اللبناني في بيروت والمظاهرة التي دعا اليها في عوكر ضد السفارة الأميركية)، وفي الوقت الذي تتحضر فيه سفن وأساطيل حرية أخرى لحمل المساعدات والتضامن الى غزة، يصر الاسرائيليون على متابعة سياسة العدوان والجريمة، وتدعمهم في غيهم الولايات المتحدة، بدءا برئيسها الذي تراجع عن كل مواقفه بعد أن عاد المتعصبون في بلاده الى الساحة، وفي مقدمة هؤلاء اليوت أبرامز (مستشار جورج بوش) الذي رأى في ادانة بعض الدول للجريمة الاسرائيلية “موقفا غوغائيا” يجب على ادارة أوباما مجابهته.

5- الى جانب هذه المسائل الأساسية، لا بد من التذكير بالأوضاع التلية :

-في اليمن، عاد التوتر الى الساحة السياسية اليمنية، من الجنوب هذه المرة، حيث تحاول السلطة اليمنية ضرب المعارضة هناك.

-في مصر، حيث تستمر التحضيرات للانتخابات الرئاسية مع تبلور مرشحين جديين: عمر سليمان (مسؤول المخابرات والمدعوم من قبل بعض الأوساط الأمنية والسياسية الأميركية) ومحمد البرادعي (الذي يحظى بتأييد أميركي جزئي يتقاطع مع تبنيه من قبل التيار الذي يوجهه الأخوان المسلمون).

-في السودان، عاد القمع مجددا الى مقدمة الأحداث، اثر تشديد قبضة سلطة عمر البشير نتيجة الانتخابات التشريعية الأخيرة.

-أما في العراق، فلا يزال تشكيل الحكومة يتعثر بفعل المحاولات الأميركية الهادفة الى فرض حكومة مطواعة. ويترافق التعثر هذا مع عودة التفجيرات الدموية والتهجير والسرقات وعدم الاستقرار الأمني عموما,

خامساً- الوضع الداخلي اللبناني: من الانتخابات البلدية الى الموازنة

1- تميز الوضع الداخلي اللبناني، منذ أوائل أيار وحتى أواخر حزيران، بزيادة حدة التوتير الاسرائيلي، ان عبر المناورات التي انطلقت مع أول مراحل الانتخابات البلدية أم عبر عودة الحديث عن احتمال قيام القوات الاسرائيلية بعدوان جديد ضد لبنان.

لا شك أن قرع طبول الحرب من قبل اسرائيل، وفي التوقيت الراهن، انما يرمي الى تحقيق أهداف سياسية واقتصادية، أكثر منها عسكرية، والعمل على إصابة عدة عصافير بحجر واحد:

-الأول، ويتعلق بالضغط مجددا على الحكومة اللبنانية من أجل تنفيذ ما جاء في القرارين 1559 و1701 حول سلاح المقاومة، خصوصا وأن محاولات النيل من وجود هذه المقاومة وسلاحها، بما في ذلك الضجيج الذي أثير حول الصواريخ الجديدة التي وصلت إلى لبنان، لم تنجح.

-الثاني، ويهدف إلى الضغط على الحكومة اللبنانية من أجل التوجه إلى طاولة المفاوضات الثنائية، مباشرة كانت أم غير مباشرة، مع إسرائيل.

-الثالث، ويرتبط بوقف ملاحقة الشبكات الإسرائيلية المزروعة داخل الأراضي اللبنانية.

-الرابع، ويرتبط بالنفط والغاز في المياه الإقليمية اللبنانية، حيث وقّعت إسرائيل عقودا مع شركات أجنبية لاستخراج النفط والغاز من البحار؛ بدون الاعتراف بحق لبنان في هذه الثروة النفطية. فالكيان الإسرائيلي الذي اغتصب الأرض وقتل الأبرياء لا يتردد في سرقة الثروات النفطية، وقبلها كانت مياه أنهر الجنوب اللبناني. إلا أن هذه الأهداف السياسية لا تعني أن إسرائيل قد أقلعت عن مخططات العدوان أو عن التخطيط لضربات عسكرية ضد لبنان.

2- وبدل أن تؤدي التهديدات والانتهاكات الإسرائيلية إلى اتخاذ الحكومة مواقف يمكن لها أن تزيد من فعالية المواجهة، عمد تحالف البرجوازية والإقطاع السياسي في السلطة إلى الاستفادة من تلك التهديدات للضغط باتجاه التكتل فيما بين أطرافه، حتى المتناحرة منها، لتشكيل لوائح بلدية حاولت الثنائيات الطائفية من خلالها تعطيل الديمقراطية والحصول، كل في منطقة نفوذه الطائفي، على أكبر عدد من المجالس البلدية.

إلا أن موقف الحزب الشيوعي من تراجع القوى المتواجدة في السلطة عن إصلاح قانون الانتخاب، وتحركه لقيام تجمعات ديمقراطية قد أديا الغرض المطلوب، إذ تشكلت في كل المناطق اللبنانية لوائح مواجهة للوائح مكونات السلطة، اعتمدت على الكفاءة ونظافة الكف في مواجهة المال والسلطة وكل أسليب الترغيب والترهيب. وقد حققت هذه اللوائح خروقات واضحة في عدة مدن كبرى وبلدات وقرى، كما سجلت في مناطق أخرى نسبا مئوية تراوحت ما بين 25 إلى 33 بالمائة. الأمر الذي يؤسس إلى إطلاق حملة سريعة من أجل تعديل قوانين الانتخاب باتجاه فرض النسبية، كحد أدنى، والعمل على بقية الشعارات الخمسة التي كان الحزب قد طرحها قبل الانتخابات النيابية في العام 2009، ومنها إقرار سن الثامنة عشرة وإيجاد كوتا نسائية…

سادساً – الأوضاع الاقتصادية-الاجتماعية في لبنان

هذا القسم يتناول الأوضاع الاقتصادية-الاجتماعية، وبعض المؤشرات المهمة التي صدرت خلال الشهر الفائت، بالتحديد حول المواضيع التالية:

أ‌. موازنة العام ٢٠١٠ بشكل عام

ب‌. الضرائب غير المباشرة من فقراء الشعب لخدمة الدين العام

ج. التحرك ضد الأساتذة واستمرار الدولة بسياسات الغبن ضد العمال والفقراء

د. الخصخصة وعملية نهب وإفساد القطاع العام

ه‌. خرق الدستور

أ. موازنة ال٢٠١٠ بشكل عام

تجدر الإشارة إلى مشروع الموازنة التي وضعتها الحكومة للعام الحالي والذي جاء تكريسا للسياسات الاقتصادية المنفذة منذ مطلع التسعينات والذي قيمه بيان المكتب السياسي للحزب الشيوعي اللبناني على أنه يشكل “بيانا محاسبيا يعبر بشكل فاضح عن المصالح الطبقية للتحالف الممسك بالسلطة، إن لجهة أبواب الأنفاق أو لجهة مصادر مداخيل الموازنة”، كما أظهر قصورا فاضحا في التعاطي مع الملفات الشائكة التي يعاني منها السواد الأعظم من اللبنانيين من كافة المناطق والانتماءات. وفي أفضل الحالات يعتبر مشروع الموازنة الراهن محاولة ل”تدبير الأحوال”، وهو لا يرتقي إلى مرتبة التأسيس لمرحلة جديدة عبر إحداث نقلة نوعية بين ما كان قائما من سياسات عامة في ظل الحكومات السابقة المتعاقبة وما هو مطلوب من سياسات وعدت بها حكومة “الإتحاد الوطني”.

بل على العكس، يمكن الاستنتاج أن الموازنة تُعتبر استمرار لنهج الحكومة الاقتصادي الاجتماعي الذي أدى إلى أزمة الدين العام، وهذه الأزمة يتم استخدامها اليوم للتحجج ب”فوئد الخصخصة ومعجزاتها” بعد أن تراجع عن هذه المقولة المفلسة اربابها في العالم الغربي. اذ يبدو انه في وطننا لبنان، وبالرغم من انتصارات شعبنا على المشروع الصهيوني-الأميركي، من الصعب جداً ان ننتصر على التحالف الطبقي الذي يتشكل من اصحاب المصالح المالية وزعماء الطوائف. فتأتي الموازنة كالعادة، مبشرة بالمزيد من المعاناة لفقراء شعبنا، والمزيد من الهجرة لشبابنا الباحثين عن العمل. وتأتي الموازنة واعدة بالمزيد من الخصخصة والمزيد من الضرائب غير المباشرة وغيرها من الامور التي تصب بشكل مباشر في مصلحة اصحاب المصارف ومن يحميهم ويمثلهم من زعماء الطوائف.

ومن هذا المنطلق لحظت الموازنة زيادة الدعم الممنوح الى بعض القطاعات والمرافق العامة (الزراعة، كهرباء لبنان، القمح…) كاستمرار لسياسات المحاصصات الفوقية بين أطراف الحكم والمتنفذين من رجال الأعمال، كأداة للإبقاء على سيطرة الزعامات الطائفية-الطبقية على “جماهيرها” وخدمة لأصحاب المصارف وممثليهم في جميع الطوائف. ان الزيادة في هذا الدعم لا تعبر عن الحد الادنى من طموحات الشعب اللبناني ببناء دولة يتساوى فيها جميع المواطنين؛ حيث لا يكون من الضروري استجداء حسنة على شكل وظيفة او منحة تعليمية او بطاقة صحية من هذا الزعيم الطائفي-المذهبي، او ذاك الزعيم الطبقي-القبيح، أو كلاهما، وهما وجهان للعملة المقيتة نفسها!

ب. الضرائب غير المباشرة على فقراء الشعب لخدمة الدين العام

ولعله من اسوأ ما في الموازنة هو استمرار سياسات ثبات خدمة الدين العام على مستويات قياسية (٤٫٤ مليار دولار أي نحو ٣٥٪ من مجموع اعتمادات الموازنة)، مما يعكس تقصير تواطؤ الدولة إزاء وجوب إعادة التفاوض مع المصارف حول معدلات الفائدة التي يذهب القسم الأكبر من منافعها الى حفنة من المتمولين وأصحاب السلطة والمال في البلد. ان استمرار ارتهان الواردات الضريبية للتوجهات نفسها، التي ما برحت سائدة منذ نحو عقدين، يظهر وجود خلل بنيوي في أسس ومرتكزات السياسة الضريبية: فقد ارتفعت الإيرادات الضريبية بمعدل الضعفين كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي خلال العقدين المنصرمين، واستمر الفقراء وأبناء الطبقة الوسطى في المدن والأرياف يتحملون الجزء الأكبر من عبء هذه الايرادات، في شكل ضرائب ورسوم متنوعة على الإستهلاك. وقد شكّل بندا الضريبة على القيمة المضافة والضريبة على الاستيراد والتجارة وحدهما نحو ٦٠٪ من إجمالي الايرادات الضريبية. ولو أضيفت إليها الرسوم الأخرى غير المباشرة (التي ينطبق عليها واقع الرسوم على الإستهلاك) مثل الرسوم على الإتصالات والمحروقات، لتجاوزت هذه النسبة كل حدّ معروف عالميا. بينما بقيت ضريبة الدخل، لا سيما الضريبة على أرباح الأغنياء، مستقرة عند حدود متواضعة لا تزيد إلا قليلا عن عتبة ٢٠٪. أما الضريبة على الأملاك فانها لم تتجاوز في مشروع الموازنة عتبة ١٠٪ من إجمالي الواردات الضريبية. على ضوء ما تقدم، يؤكد الحزب أن هذه البنية الضريبية المتحيزة ضد الطبقة العاملة والشرائح الواسعة من الطبقة الوسطى والفقيرة، والمتزامنة مع بنية غير منتجة للنفقات، تنطوي على عملية إعادة توزيع، رجعية، للثروة والدخل، في صالح تحالف أطراف السلطة الحاكمة وأركان الطغمة المالية المهيمنة على مفاصل الإقتصاد الوطني.

اذا ما يحصل عملياً هو عملية جباية للضرائب من فقراء الشعب اللبناني ومن اصحاب المداخيل المحدودة؛ ومعظم هذه الواردات تذهب الى الخزينة لخدمة الدين العام – اي لاصحاب المصارف والاغنياء المتموالين، اصحاب المصالح المالية والعقارية.

ج. تحرك السلطة ضد الاساتذة والاستمرار بسياسات الغبن ضد العمال والفقراء

لقد وصلت المفاوضات بين رابطة اساتذة التعليم الثانوي والسلطة الى مفترق طريق خطيرللغاية، وذلك بسبب تعمد السلطة حرق كل مشاريع الحلول المرضية. ،. فتراجعت الحكومة عن اقتراح قضى بجدولة الدرجات السبع (درجتان، درجتان، درجة، درجة، درجة) بتاريخ 22 نيسان الماضي، ثم تجاهلت المطالعة القانونية التي اعترفت بأنّ ال٦٠٪ جاءت بدل زيادة ساعات عمل للأستاذ الثانوي بموجب القانون ٦٦/٥٣ وتعديلاته من دون أن يظهر للرأي العام كيف ألغيت واختفت. وهذه الدرجات السبع هي حق مكتسب ألغي وأبقيت الزيادة في ساعات العمل من دون مقابل.

وتحاول الحكومة تشويه مطالب الاساتذة، تارة بتصوير حقهم بالدرجات السبع أمام الرأي العام بأنه مطلب زيادة أجور، وتارة أخرى برفض “التفاوض تحت الضغوط” فيبدو ان هذه السلطة ترضخ للضغوط الامريكية الصهيونية ولكنها تحاول التملص أبداً من شعبنا الفقير. كما وان هذه السلطة الفاسدة، التي برعت في تقسيم الادوار بين زعماء الطوائف وأصحاب المصالح المالية والعقارية، مطمئنة جداً الى متانة التحالف هذا؛ ولذلك لا ترى اي حرج في رفض مطالب الاساتذة وفي الوقت نفسه المبادرة الى اعفاء الشركات العقارية من ضرائب بقيمة ملايين الدولارات.

وتستمر السلطة في هذه السياسات: فوزير التربية حاول، دون جدوى، كسر اضراب الاساتذة تارة عبر إيجاد مشكلة بين الأساتذة ورابطتهم، وطوراً عبر تزكية الفتنة بين الأساتذة والأهل. فبعد التلويح بإعطاء الإفادات بدلاً من الشهادات الرسمية، تم التنسيق مع مؤسسات «تربوية» خاصة ودينية تحمّست إلى حد اقتراح نقل المسابقات إلى أحرامها لتصحيحها. وبالتالي يبدو ان الحكومة تفضل، من موقعها الطبقي الايديولوجي، خصخصة تصحيح امتحانات الشهادات الرسمية مع كل ما يعنيه ذلك من مخاطر على التلامذة على ان تعْدُل الاساتذة الذين ينذرون وقتهم لتعليم الاجيال الشابة.

وبالتالي، من الواضح ان هذه السلطة تتحمل المسؤولية الكاملة أمام الرأي العام والأهالي والتلامذة عن عودة الاساتذة إلى مقاطعة أسس التصحيح والتصحيح في الشهادة الثانوية، وخصوصاً أنّها كشفت بما لا يدع مجالاً للشك أنها لا تريد معالجة المشكلة من طريق الحوار.

ان هذه السياسات تعتبر تكملة طبيعية لقانون العمل الجديد المقترح، الذي لا يحمي العامل كما انه لا يعالج الثغر الكبيرة التي تُسهم في خرق ديمومة العمل وتتيح لأصحاب العمل الالتفاف على حقوق العمال. من هنا يجب الاستدراك ان القانون المعمول به موضوع في عام ١۹٤٦، وبات يعدّ متخلّفاً عن مواكبة تطورات سوق العمل، والاتفاقيات الدولية. المشروع المقترح وان كان يشمل أفكاراً جديدة ، يعاني من عدة ثغرات ونواقص ومن اهمها:

· القانون يزيد من أشكال التمييز بحق المرأة العاملة

· القانون يعيد تشريع استغلال الأطفال

· القانون يعمّق مشكلة انعدام الحماية للعامل عبر الإجازة لصاحب العمل بصرفه من الخدمة على أساس مبررات واهية يمكن تركيبها في أي زمان أو مكان، ومن دون تعويضات عادلة.

· القانون لا يذكر أي عقوبة رادعة لصاحب العمل في حال التحايل على القانون وضرب مصالح العمال وديمومة عملهم لتحقيق أرباح غير مشروعة.

· القانون لا يلغي البند المتعلق بترخيص النقابات من قبل الوزارة كما هو معمول به حالياً، وكما جاء في آخر تعديلات، وهذا منافي للاتفاقيات الدولية. بالاضافة الى ذلك، هذه الاتفاقيات تعترف بحق موظفي القطاع العام في إنشاء نقابات؛ ولا سيما الاتفاقية ٨٧ التي تتحدث عن الحرية النقابية وحق التنظيم النقابي.

د. خرق الدستور

لقد تم خرق الدستور خلال التصويت على الموازنة وبالتحديد على المادتين ٣١ و ٣٢ من مشروع الموازنة، اللتين تمنحان الشركات، بما فيها الشركات العقارية، إعفاءات ضريبية كبيرة جداً على عملية إعادة تقويم أسعار أصولها، ولا سيّما الأصول العقاريّة، وفقاً للأسعار الرائجة في نهاية عام ٢٠٠۹. وكانت السلطة قد اقترحت خفض الضريبة على الأرباح الناتجة من هذه العملية (اعادة تقييم اسعار الاصول) من معدّل ١٥٪ إلى ٣٪، وهذا يعني تقديم هدية للشركات العقارية تقدّر قيمتها بمئات ملايين الدولارات. فشركة «سوليدير»، على سبيل المثال، لا تزال تمتلك نحو ١٫۹ مليون متر مربع من الأراضي القابلة للبيع أو التطوير، وبعض هذه الأمتار استُملك بأسعار يبلغ متوسطها ٦٠٠ دولار، فيما البعض الآخر الناجم عن ردم البحر لم تتجاوز كلفته ١٥٠ دولاراً. وقد ارتفعت الأسعار بوتيرة خيالية لتبلغ اليوم آلاف الدولارات للمتر الواحد تبعاً لموقعه وطبيعته. ومن هنا، تسفر السلطة مرة اخرى عن وجهها الجشع-القبيح وتؤكد مرة اخرى انها تضع في سلم اولوياتها، بل تحصر اولوياتها، في الدفاع عن الاغنياء من زعماء الطوائف واصحاب المصالح العقارية والمالية.

والمخالفة الدستوريّة الفادحة تكمن في اقرار مجلس الوزراء مادّتين من مواد مشروع الموازنة من دون أن تحظيا بأصوات ثلثي أعضاء المجلس. فعند التصويت على المادتين ٣١ و ٣٢، وافق عليهما ١٦ وزيراً وعارضهما ٣ وزراء وتحفّظ ٣ وزراء آخرون، فيما المادة ٥٦ من الدستور تفرض أن تنال مواد الموازنة موافقة ٢١ وزيراً على الأقلّ.

وهذا الخطأ لم يتم استدراكه الا في اليوم التالي وبعد انتشاره كفضيحة اضافية تضاف الى سجل الحكومة في الدفاع عن الاغنياء واصحاب المليارات على حساب فقراء شعبنا وقوتهم، وصحتهم وحقوقهم بالتعليم المجاني والضمان الصحي والاجتماعي.

ه. الخصخصة وعملية نهب وافساد القطاع العام

وتستمر المسرحية الهزلية للسلطة في عملية تبرير الخصخصة، واحياناً تكون هذه التبريرات سوريالية. فزعماء الطوائف نهبوا الدولة وأفلسوها على مدى عشرين عاماً؛ وافسدوا الدولة عبر توظيف أتباعهم من دون حد ادنى من الكفاءة، وقدموا الحماية المطلقة لهؤلاء الاتباع وشاركوهم في غنائمهم مقابل الولاء المطلق للزعيم الطائفي. هذه السلطة اياها اليوم تكتشف ان القطاع العام غير مؤهل لادارة الخدمات الرئيسية في الدولة ولذلك يجب خصخصة هذه الخدمات – هكذا بشرتنا الحكومة في موضوع الكهرباء. ولكن نريد ان نذكر شعبنا الفقير ان هذه السلطة، متمثلة بزعماء الطوائف ومموليهم، هي من أضعفت القطاع العام. كما ان هذه السلطة هي التي استجدت الودائع المصرفية من الخارج بفوائد مرتفعة وغير مبررة، ومن ثم هي نفسها التي اقترضت من البنوك بقيمة أكثر من المبالغ المطلوبة لسد العجز (بمخالفة اخرى للدستور) من اجل ان ترفع من مستويات الربح لهذه المصارف. والان عندما ارتفعت الاصوات بسبب هذه المخالفة الدستورية تبحث عن طريقة اخرى لكي تؤمن الارباح الخيالية للمصارف فلا تجد سوى ممتلكات الدولة فتقرر بيعها الى المصارف تحت غطاء الشراكة مع القطاع الخاص!

ان الحل الوحيد والطويل الامد للتحديات التي تواجهه تطوير البنى التحتية في لبنان يجب ان يشمل كخطوة اولى عملية تطهير وتحديث واصلاح للقطاع العام وتقويته على اسس وطنية. ومن ثم يصبح من الممكن تحديد صورة واقعية لقدرة هذا القطاع على ادارة منشئات الدولة وممتلكاتها. أما هذا القطاع بشكله الحالي فهو قطاع عام قد تم اضعافه ونهبه وافساده من قبل زعماء الطوائف، اصحاب المصالح والمشاريع الخاصة. وهؤلاء الزعماء ليسوا مخولين بيع الممتلكات المتبقية للدولة الى القطاع الخاص لكي يضعوا يدهم عن طريق الخصخصة على ما لم يستطيعوا وضع اليد عليه عن طريق النهب والتأجيج الطائفي-المذهبي.

بيروت في ٢٢ حزيران ٢٠١٠

لجنة العلاقات الخارجية

في الحزب الشيوعي اللبناني

Advertisements

About منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني

موقع منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني
هذا المنشور نشر في الحزب الشيوعي اللبناني. حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s