إبن “أول مخرج لبناني” يكتب التاريخ غير الرسمي للسينما اللبنانية في “الصورة الملتبسة”(جريدة النهار)

حوار

إبن “أول مخرج لبناني” يكتب التاريخ غير الرسمي للسينما اللبنانية في “الصورة الملتبسة”

ابرهيم العريس: الثورات كلّها فشلت والفنّ وحده يحرّر الإنسان لا القبضات المرفوعة

كتابي ينسف أساطير ويتهكم بها وأنا أعتبر الهويات القاتلة جميعها من صنع الفاشية

بعد مجموعة كتب سينمائية صدرت في العامين الماضيين، بعضها تجميع لمقالاته المنشورة في “الحياة”، وبعضها الآخر سيَر أقطاب السينما من يوسف شاهين الى مارتن سكورسيزي تتضمن دراسات معمقة، يعود ابرهيم العريس الى شغفه الأول، السينما اللبنانية. إبن علي العريس، المخرج اللبناني الأول تاريخياً، يخصص هذه المرة مؤلفاً ضخماً ذا طباعة فاخرة سمّاه “الصورة الملتبسة: السينما في لبنان مبدعوها وأفلامها” (دار النهضة العربية) لهذه السينما التي عاصر بعضاً من أبرز رموزها، في الحرب وقبلها، ليقول فيها أفكاره وتطلعاته التي تكونت عبر سنوات من الذهاب والاياب بين همّ النقد ومحفزه الاساسي السينما، طارحاً تفاصيل معيشة أو منقولة كانت الى الأمس القريب طيّ الكتمان.

الكتاب مقسوم فصولاً عدة وفق المراحل التي مرت بها السينما اللبنانية، وهو يتناول، بين الخاص والعام، بين الفنّ والسياسة، مرة أفقياً ومرة عمودياً، مغامرة وسيط خلاّق ظلت تجربة السينمائيين معه في لبنان، منذ 1929 الى زمننا الراهن، غير مكتملة، كي لا نقول مؤجلة الى أجل غير مسمى، وذلك لأسباب اجتماعية وسياسية ورقابية وانتاجية وابداعية مستعصية، يعددها العريس على صفحات كتابه الملهم. جرياً على عادته، لا يعزل الكاتب صناعة السينما في لبنان عن الحوادث الكبرى والتحولات المصيرية. فالسياق الذي نشأت فيه هذه السينما وتبلورت، هو مادة بحثه الأساسية: النظرة المختلفة، التي تكاد تكون متضاربة، الى لبنان (وتالياً الى سينماه)، بين فريق وآخر؛ الحرب المقيمة في الاذهان الى الأبد؛ الطائفية المتعششة في النفوس، وأخيراً: صعوبة، لا بل استحالة، ردم اساطير الورق اللبنانية لمصلحة فنّ خالص، ثورته في ذاته. يحاول العريس استنطاق الواقع اللبناني من خلال السينما، والعكس، منطلقاً من نظريته الصائبة في أن “تاريخ أي فنّ في أي بلد هو التاريخ الحقيقي لهذا البلد”.

ولأن الأسلوب هو الرجل، بقي صاحب الزاوية اليومية “ألف وجه لألف عام”، مخلصاً لنفسه في تركيب الجمل الصحافية الديناميكية التي يكاد بعضها يصطدم بالبعض الآخر فتتشابك وتتناحر. مع المحافظة على النبض السريع في الكتابة الذي يجعل عملية انتقال العين من سطر الى آخر تلقائية. الكتاب يعبره أيضاً شيء من الحنين الى مراحل لم تعد ملموسة الا في مخيلة صاحبه ومن رافقوه. بيد أن كلّ من يظن أن الكتاب ترويج للسينما اللبنانية (نشرته وزارة الثقافة لمناسبة الاحتفال ببيروت عاصمة عالمية للكتاب) سيخيب ظنه بالتأكيد، ذلك ان الكاتب يطيح بعض الأسماء التي حفرت في الوجدان اللبناني، ويعيد قراءة التجارب في ضوء معطيات العصر الجديدة، ليخلص الى تقويمات بعضها جديد وبعضها الآخر كان سبق أن أعلنه، ولا شك في أن هذه الأحكام لن تفوز برضا الكثيرين، لا سيما الذين يطاولهم بقلمه القاسي والاحتفالي في الحين نفسه. هذا كله يفعله العريس بمزيج من اللؤم (سيده في الحياة والعمل)، والمحاكاة واعادة الاعتبار الى أولئك الذين انبثق من عيونهم حلم السينما اللبنانية.

كان من الصعب، في حديثنا عن هذا الكتاب المرجع، ألا ينتصر الايجابي على السلبي، ويتفوق الاحتفالي على النقدي، لا سيما أن التجارب المماثلة معدودة في المكتبة السينمائية اللبنانية والعربية. مثلما كان من الصعب أيضاً، في لقائنا هذا مع ناقد خلفه 40 عاماً من المهنة، الا نعرج على أشكاليات متعلقة بالسينما وآراء وأحكام، من خارج اطار الكتاب، وهي بعيدة من أن تنال الاجماع في الوسط المعني بهذه القضايا. فالحوار انتقل من محور الى آخر، بلا تخطيط مسبق، من مسألة الأقليات المؤسسة للسينما العربية وخطب عبد الناصر، الى جورج نصر وجان شمعون فمصطفى العقاد (غير الجدير بحمل تسمية مخرج بالنسبة اليه) وصولاً الى “نفوره” من السينمائيين الثورجيين والنقاد الأوصياء على المجتمع الذين يصدرون فتاوى، ومنتهياً عند موقفه الحاد من موقع “سرقات سينمائية” و”الهويات القاتلة”. في كل هذه الآراء الحادة، التي بعضها لا يحفظ طريق الرجعة، يذكّر العريس بغودار، الذي أعاد الى اذهان القراء مجدداً في مقابلة له مع مجلة “لي انروكوبتيبل” مواقفه السابقة من فرنسوا تروفو: مخرج ذو أفلام سيئة. لا تعليق!

• هل باشرت تأليف الكتاب بناء على طلب؟

– مذ بدأت بالكتابة وأنا أطمح الى تناول تاريخ السينما اللبنانية. عندما قرأت أولى الدراسات التي عتّمت على مساهمة علي العريس، أنا الذي كنت أعلم ما كان دوره في هذه السينما، قلت لا بد أن يأتي يوم أعيد اليه الاعتبار في كتاب. هاجس أن أكتب هذا التاريخ ظل يرافقني، كوني أؤمن بأن تاريخ أي فنّ في أي بلد هو التاريخ الحقيقي لهذا البلد. ليست السياسة ما يؤرخ لتاريخ البلدان. أنا أنتمي فكرياً الى ما يسمى في فرنسا بالحوليات التي تؤمن بأن التاريخ الحقيقي للمجتمعات هو التاريخ الذي يتشكل بين ثورتين أو عمليتين سياسيتين. التاريخ الرسمي دائماً يتكلم على القضايا السياسية الكبرى باعتبارها التاريخ الفعلي. بالنسبة اليَّ، القضايا الصغيرة هي التي تصنع التاريخ. وهذا التاريخ هو هاجسي: تاريخ الأدب والفنّ عند الحضارات، لا التاريخ الكبير. لا تهمّني الانقلابات بقدر ما تهمّني معرفة كيف صنعت السينما التاريخ. لا أقول كيف عكست السينما التاريخ، بل كيف صنعته. في كتابي عن السينما اللبنانية أردت أن أكتب مرحلة من تاريخ لبنان من وجهة نظري الخاصة، أي من خلال السينما.

• عاصرت عدداً كبيراً من الذين تتناولهم في كتابك…

– عاصرت هذا الوسط من داخله. فقد ولدت في عام 1946، السنة التي انجز فيها والدي “كوكب أميرة الصحراء”، فيلمه الثاني الذي قاده الى الافلاس. وكان يمازحني دائماً قائلاً انني كنت نذير شؤم بالنسبة اليه. أردت أن اكتب عن أسباب افلاسه وعن انعدام وجود سينما في تلك الحقبة الزمنية.

• هل يمكن اعتبار “الصورة الملتبسة” ردّاً على كتاب جورج سادول الذي لم يذكر والدك في تأريخه لبدايات السينما اللبنانية؟

– طبعاً، وهذا ما أقوله ايضاً في الكتاب، لكن رغبتي لم تكن ثأرية. في النهاية، انا اعرف ما هي قيمة والدي الفنية، وهي محدودة جداً. له قيمة تاريخية باعتباره أول لبناني أنجز فيلماً. لكن لا نستطيع أن نقول عنه أكثر من ذلك. لذلك، لا يمكن اعتبار الكتاب انتقام إبن لوالده. لم ارد ان ارفع من قيمته الفنية، فقط كنت ارغب في تحديد موقعه التاريخي. في المقابل، أعدت الاعتبار الى آخرين من مثل محمد سلمان وسمير الغصيني، مع وضع مسافة شاسعة بيني وبين أفلامهم، واعتبارهم اشخاصاً بذلوا جهوداً كبيرة وكان في بالهم مشروع لم يتحقق على الشاشة؛ كانت تنقصهم الرؤية الثقافية. شأنهم شأن السينمائيين المسيحيين الذين جاؤوا في الخمسينات لينقلوا مسرحهم الى السينما، وأعني ميلودرامات جورج نصر وجورج قاعي. هؤلاء السينمائيون كانت لديهم نيات سينمائية، وربما أيضاً نيات قومية ووطنية، الشيء الذي كان معدوماً عند كل من علي العريس ومحمد سلمان، لأن المسلمين، كما تعلم، لم يكونوا يؤمنون بلبنان كوطن، بل كجزء من أمة عربية اسلامية مبهمة، الخ. في مقابل هؤلاء اذاً، كان هناك طرف آخر يؤمن بالأمة اللبنانية، فأنجزوا أفلاماً ذات هوية لبنانية خالصة، لكن في النهاية فشل الطرفان…

تلك المرحلة شهدت دخولي الوسط؛ كنت اراقب واتساءل لماذا لا أحد من الطرفين ينجح في صناعة سينما؟ ثم جاءت “المرحلة المصرية” للسينما اللبنانية التي استقطبت مخرجين مصريين الى لبنان “كسروا رؤوسهم على الصخور”، لكن لم يستطيعوا فعل شيء. قبل مارون بغدادي وأبناء جيله، لم يُنجَز أي فيلم له قيمة سينمائية حقيقية. السينما في لبنان ما قبل تلك المرحلة، لها قيمة تاريخية، وجزء منها انجز على أيدي سينمائيين مصريين كانوا ينتظرون إلغاء قرار عبد الناصر تأميم السينما في مصر ليعودوا الى بلدهم. كنت أسأل وأنا أراقب تلك المرحلة، لماذا لا تُنجز الا أشياء تافهة في لبنان؟ لماذا لا يستطيع هذا المجتمع منحنا فرصة انجاز افلام جيدة على الاقل. كوني كنت مقرباً من السينمائيين وهمومهم، كنت مطلعاً على الروائع التي كانوا يشاهدونها، لكنهم كانوا ينجزون اعمالاً رديئة عندما ينتقلون خلف الكاميرا.

مع هذا الكتاب، اختتمت مرحلة من حياتي واعدت فيه الاعتبار الى كثيرين، الى أولئك الذين ظلموا. واعدت تموضع الذين نالوا تقديراً أكبر مما كان يلزم، فحجمتهم قليلاً. لكن، بالتأكيد، ركزت على أولئك الذين اعطوا السينما اللبنانية انطلاقتها الحقيقية في العاشر من نيسان 1975، قبل ثلاثة أيام من اندلاع الحرب الأهلية، أي عندما جرى تنظيم العرض الاول لفيلم مارون بغدادي “بيروت يا بيروت”. حينذاك كانت الولادة الحقيقية لما أسمّيه السينما اللبنانية.

• تطرح أيضاً نظرية أن المخرجين المسيحيين أنجزوا أفلاماً أفضل من المسلمين في السينما اللبنانية…

– معروف عني وقوفي الدائم مع الأقليات في العالم العربي. أؤمن ان الابداع العربي قائم على المجموعات الصغيرة، المسيحيين، اليهود، الأرمن، المثليين، الأجانب المقيمين في هذا المكان. الابداع لا ينجزه “أولاد الأمة”. هؤلاء يكتفون بالتقليد. لا يبدعون، كونهم ليس عندهم احساس بالنقص في المجتمع يجعلهم يعوضون بالكتابة أو بالفنون. السينما العربية أسستها الأقليات.

• أصدرت عدداً كبيراً من الكتب في السنتين الأخيرتين. بعضها يتضمن مقالات وبعضها الآخر نصوصاً كتبت خصيصاً للكتاب. من أين تأتي بهذه الغزارة في الكتابة؟

– غزارتي تأتي من عدم اتقان بناتي اللغة العربية. اكتشفت ذات يوم انه ليس هناك أحد ليكمل مسيرتي. لسنا في بلد تستطيع فيه اعطاء ارثك الى مؤسسة لتتابعه بعد رحيلك. فقط في جريدة “الحياة”، لي الآن نحو 5600 مقال. عندما لم أجد أحداً يهتم بهذا كله، حوّلته مشاريع كتب. فكانت لي مؤلفات كنت اصدرتها اثناء الحرب لم توزَّع خارج لبنان، وألقيت محاضرات ظلت حبيسة هذه الامكنة. أما الوقت فأجده لأنني لا املك نشاطاً آخر وأنا متفرغ تماماً لعملي. لم اعرف في حياتي سوى الكتابة. كون عائلتي في باريس، فأنا مقيم وحدي في بيروت، بين أرشيفي وأوراقي. لم اقترح على أحد أن ينشر لي كتاباً، الآخرون هم الذين يطلبون مني ذلك. المؤسسة العامة للسينما في سوريا هي التي تتصل بي دورياً.

• ولماذا صدرت كتبك الأخيرة من المؤسسة العامة للسينما؟

– لي صديق هو رئيس المؤسسة محمد الأحمد، يقدّرني ويقدّر كتاباتي، فاكتشف انه لا اعتراض عليّ في سوريا، علماً انني، وهذا شيء ظريف، انتقد النظام السوري وموقفي منه معلن. مع ذلك، صدر لي من سوريا نحو 12 كتاباً، واُعتُبَر، من حيث العدد، أكثر كاتب نشرت له الحكومة السورية على مرّ وجودها. الذين يتسلمون المقدرات الثقافية في سوريا يقدّرونني ويعاتبونني أحياناً على مواقفي السياسية، لكن في نهاية الأمر يقولون “لا نملك الا ابراهيم عريس واحداً”. بعض الذين رفضت المؤسسة نشر كتبهم، بعثوا برسائل احتجاج من مصر يعتبرونني فيها “عميلاً لبوش”، معاتبين دولة ممانعة كسوريا للتعامل معي. فكان ردّ أحد القائمين في سوريا: اذا كان ابراهيم العريس عميلاً لبوش، فكلنا مستعدون لنكون عملاء لبوش.

(…) أعتبر ان الفنان هو المسؤول الوحيد عن عمله ولا أؤمن لا بأدب الشعوب ولا بفنونها، ولا أؤمن بما يسمى الرسالة في السينما، لأن الرسالة، كما كان يقول هيتشكوك، تُرسل بالبريد. [توضيح من المحرر: العبارة قالها أولاً سامويل غولدوين قبل أن يكررها آخرون من بعده]. لا أؤمن بالنضال ولا أؤمن ان السينما تغير العالم، كما يقول صديقنا جان شمعون، بل أرى ان السينما تغير من يصنعها وتساهم في تغيير من يشاهدها. لا أنصاع الى المسلّمات اذ لا توجد حقائق ثابتة في اي مجال كان. هذا الكتاب هو عبارة عن مادة مطروحة للنقاش، ومناقشته لا تكون رفضا له، بل اضافة إليه. في النهاية، التاريخ ليس ملك أحد. كل ما أفعله هو تقديم مساهمة في قراءة فهم مخرج ما لمجتمعه ولذاته. أعرف تماماً ان القارئ الذي سيطالعني سيفعل ذلك على ضوء اللحظة التي يطالعني فيها. فأنت الذي تقرأني الآن بذهنية معينة، ستقرأني غداً بذهنية مختلفة. هذه هي عظمة انعدام المسلمات، ما يجعلنا الى الآن نمضي في مناقشة هوميروس أو شكسبير أو نجيب محفوظ. مناقشة هذه الاعمال لا تعني ان من سبقنا اليها وقعوا في الخطأ. كل قراءة للفنّ، هي قراءة للحظة الفنّ نفسها (…). الهوية الحقيقية في اي بلد تتأتى من تراكم فنونه: نجيب محفوظ صنع الهوية المصرية ــ والهوية القاهرية تحديداً ـــ أكثر مما صنعته خطب عبد الناصر وانقلاباته السياسية. نحن نرى مصر دائماً كما اراد لنا نجيب محفوظ ان نراها. فيلم “سكر بنات” لنادين لبكي يقول المجتمع اللبناني أكثر من كل الدراسات السوسيولوجية التي انجزت عنه.

• كما نعلم، لديك صداقات كثيرة في الوسط مثلما لديك ايضاً عداوات. بصراحة، هل استطعت وضعها جانباً عندما أمسكت بالقلم؟

– بالتأكيد. وهذا بالنسبة اليَّ تمرين. هناك الكثير من المخرجين لا أستهويهم على الصعيد الشخصي، واحد منهم هو غسان سلهب، لكن كنت ايجابياً تجاهه.

• الكتاب اذاً، ليس تصفية حسابات… (ضحك).

ـــ اذا كنت ترى انه تصفية حسابات، فقل لي أين وكيف. بل على العكس، فأنا اعطيت قيمة الى ناس لم يكن متوقعاً أن اعطيهم تلك القيمة. لديَّ نظرية لم اطبقها كثيراً في هذا الكتاب: لا أكتب عن أشياء لا احبها. لا اكتب عن فيلم كرهته كرهاً شديداً، كوني لا اطرح نفسي معلماً تنويرياً على الناس. أولئك الذين يسدون نصائح الى القراء، ليسوا نقاداً بل نصابون. لا احد يحق له ذلك. من يمنح ذاته هذا الحق يُعتبر وصياً على الآخرين.

• وما أكثرهم في هذه الأيام…

– لا أعتقد ان احداً يردّ عليهم. لا اعتقد اننا، أنت وأنا وأمثالنا، لا نزال نتوهم أن كتاباتنا تغير المعادلة، حتى لو طالعها مئتا ألف قارئ. نحن نكتب، وأعتقد انك توافقني على ذلك، كي نعبّر عن أنفسنا. في النهاية نحن مبدعون. لست اكاديمياً ولا أؤمن بالنقد الأكاديمي الا اذا كان للتصنيف، علماً انني لا أؤمن أيضاً بالتصنيف. الفنّ هو واحد في نهاية الأمر، وباتت الاصناف تتداخل أكثر فأكثر. اسأل مثلاً ماذا يعني الشعر في أيامنا هذه؟ حتى الفنون بدأت بمغازلة بعضها البعض. الشعر بات موجوداً في السينما منذ زمن بعيد.

• هل ثمة خبريات ندمت بأنك رويتها في الكتاب؟

– حزنت لكوني كتبتُ بعض الأشياء التي كان ينبغي لها أن تبقى طيّ الكتمان. مثلاً: حكاية سمير الغصيني مع فيلم “شروال ومينيجوب”. أحياناً أقسو على اصدقائي كما أقسو على نفسي.

• هل شعرت بهذا بعدما وُجهت اليك ملاحظات؟

– لا، لم تأتني ملاحظات سوى من صديقي جان شمعون، الذي اعتبر نفسه مظلوماً، على رغم انه أكثر الذين ذكرتهم في الكتاب. فنه السينمائي لا يوازي ما كتبتُ عنه، لذا جاء يقول انه فاز بالجوائز الفلانية، فقلت له ان الجوائز لا تعني شيئاً لي. هو يرى السينما نضالاً وسياسة وحزبية، وانا اراها فناً وغاية. كان يردد ولا يزال مقولة ان “السينما 24 طلقة في الثانية” [توضيح من المحرر: باعتبار أن كل ثانية سينمائية تتضمن 24 صورة] ووظيفتها تحرير الشعوب (ضحك). على كل حال، لا أدين الى أحد من هؤلاء السينمائيين بشيء. في هذا الكتاب نسفت أساطير كثيرة. في المقابل، لم أخلق أي أسطورة جديدة.

• لماذا عنونت الكتاب “الصورة الملتبسة”، علماً ان القارئ يخرج من الكتاب مع هذا الاحساس باللبس؟

– لأن صورة لبنان نفسها ملتبسة. لاحظ انني أقول “السينما في لبنان” وليس “السينما اللبنانية”. تاريخ لبنان ملتبس، كذلك هويته. فقط منذ خمس سنوت بدأ السنّة في لبنان يقرّون بأنهم لبنانيون ويؤمنون بلبنان كردّ فعل على الآخر. الهوية اللبنانية الجديدة التي بدأوا يتمسكون بها، كان رياض الصلح يقترحها عليهم منذ نصف قرن. على كل حال هذه الهوية تسربت الى صميمهم بعد حوادث 1958، لكن من دون أن ينتبهوا، عندما “جربوا حظهم” خلال تلك الحوادث. فكما تعلم، كل طائفة في لبنان “تجرّب حظها” وتشن حرباً، وحين تُهزَم تعلن انتماءها الى لبنان (…). اللبس هنا ليس بالمعنى السلبي للكلمة. قد أفضل اللبس على الصورة الواضحة، لأن اللبس يولّد رغبة في البحث. الصورة الواضحة تعني الموت وتعني اننا نتشابه جميعاً. عظمة لبنان اننا لا نشبه بعضنا بعضاً. انا ضد الذين يتكلمون على مجتمع واحد ووحدة وطنية. نحن مجتمعات عديدة؛ مشكلتنا اننا لا نريد الاقرار بهذا الواقع. هذا كله عدم ادراك حقيقي لهوية ما، مع العلم انني أرفض الهويات، على غرار أمين معلوف. كل هوية، سواء في لبنان أو العالم، أكانت دينية أم قومية، هي كراهية للآخر. ليس هناك من هوية بناء في العالم. أنا أعيد هنا كل شيء الى الفرد.

• كان يمكن الكتاب أن يسمّى ايضاً “السينمائيون في لبنان”، بدلاً من “السينما في لبنان”…

– ليس هناك ما يسمّى سينما فرنسية أو سينما أميركية، هناك مبدعون. بالنسبة اليّ، ليس ثمة ما يدعى قومية ووطنية، فهذان من اختراع الفاشية. كل هوية جامعة هي فاشية وقاتلة للآخر. العالم لم يصل الى نقطة تخوله خلق هوية مشتركة بغية البناء. هذه الهويات هي لبثّ الكراهية…

• اعتراضك على تسمية احد شوارع بيروت باسم مصطفى العقاد، قبل عامين، فُسِّر خطأ، اذ اعتقد بعضهم…

– (مقاطعاً). لم اعترض على ذلك لكون العقاد سوري الجنسية. بل لأني لا اعتبره مخرجاً سينمائياً. أكرر ذلك واعيده مليون مرة: الرجل لا علاقة له بالسينما. آنذاك ذكرت اسماء من مثل يوسف شاهين أو عاصي رحباني. ولو طُرحت اسماء كمحمد سلمان أو سمير الغصيني لكنت رفضت ايضاً. لم يفعل العقاد الا العمل في السينما، ولم يكن حتى منتجاً ناجحاً. جاء ابنه، وبفضل علاقاته، استطاع أن يفرض هذا الشيء، ولا اعرف اذا كان دفع المال من أجله. تسمية الشوارع في لبنان موضوع يحتاج الى نقاش واسع. هناك في بيروت مثلاً شارع يحمل اسم الدكتور رفيق سنو، وهو طبيب عيون! كيفية تسمية الشوارع في البلدان المتطورة تخضع الى معايير غير تلك التي تطبَّق عندنا.

• هناك بعض الاستهزاء من سينمائيين عديدين يلتقطه القارئ بين السطور…

– نعم، شمل التهكم محمد سلمان وسمير الغصيني. ضربت اساطير مثل جورج نصر. احترمت الرجل واعطيته حقه. أنا مثل لينين، اعتبر ان الحقيقة لا وقت لها. نصر رجل مثابر ومجتهد، لكن أن يصوّر مرةً فيلماً ناطقاً بالفرنسية ومرة أخرى باللغة السريانية، ثم يقول لك انه يرفض اللهجة المصرية، فهذا شيء، بالنسبة اليّ، مثير للضحك. احترم تصور الانسان لفنه، لكن في المقابل أمنح نفسي حق ان اعطي صورة لفنه من منظاري الخاص. في حديثي عن محمد سلمان، هناك الكثير من التهكم، وهو يأتي احياناً من تهكم سلمان نفسه بفنه.

• لكنك صببتَ جام “غضبك” على الذين استعملوا السينما للذهاب بها الى عقائد سياسية…

– انا اميل الى ما يقوله هربرت ماركوزي، الفيلسوف الالماني الذي كان خلف ثورة أيار 1968، فقد نشر كتاباً اسمه “نحو التحرر” [1969] يرى فيه ان كل الثورات فشلت، وان الفن وحده يحرر الانسان. وعندما تركت الحزب الشيوعي كان ذلك بناء على هذا التحليل. بالنسبة اليَّ، الفنّ الجميل هو الثورة. في مقابل ذلك يرى بعضهم ان الفن الثوري هو الجميل. وهذا كان خلافي مع مهدي عامل الذي كان يعتبر ان الفنّ الحزبي هو الفن الراقي. وهو الذي خرّج فنانين مثل زياد رحباني ومارسيل خليفة، اللذين آمنا انه يجب تصوير العالم بالقبضات المرفوعة. أما أنا فأرى أن فنّ عبد الحليم حافظ استطاع تثوير الذهنيات العربية.

الى اليوم، لا يزال مارسيل خليفة محصوراً بجمهور يريد أن يحرر فلسطين من طريق السلاح. العلة هي أن هذا الجمهور لن يحرر فلسطين أبداً. في المقابل، جمهور عبد الحليم هو الجمهور الذي خلق الوعي طوال الخمسين سنة الأخيرة في العالم العربي. لا أزال اشعر الى الآن بنشوة حقيقية عندما اسمع اغنية قديمة له يؤديها أمام حشد يستمع اليه ويتابع الشغف في عينيه. هذه الطبقة الوسطى ضُربت في مجتمعاتنا وهي الطبقة الوحيدة التي كانت ثورية بالمعنى الحقيقي للكلمة. الفنّ يساعد الانسان كي ينجز ثورته الحقيقية على المجتمع وهي ثورة الذهن، لا السياسة. ما الذي سيفيدني إسقاط الديكتاتور الفلاني، وكلهم، للمناسبة، جاؤوا من المعارضة. صدام حسين أو غيره من الطغاة العرب كانوا في صفوف المعارضة قبل أن يتسلموا الحكم. انظر الى أين أوصلونا. ما يهمّني هو خلق تناحر بين الإبن والديكتاتور الصغير في البيت المتمثل بالأب. ثم خلق تناحر بين الأب ورب عمله. ثم وثم وثم. وهذا لا يحصل الا عبر إحداث عدوى وعي داخل الانسان.

• تقول انك لا تقرأ لنقاد سينما عرب. لماذا؟ طبعاً، أحاول هنا لعب دور محامي الشيطان…

– عندما يصبح لدينا نقاد عرب سأبدأ بمطالعة ما يكتبون. لا اقرأ الا للبعض القليل من اصدقائي، من مثل نور الدين الصايل [توضيح من المحرر: الصايل توقف عن الكتابة منذ سنوات] وخميس الخياطي وبعض كتابات كمال رمزي عن النجوم والبعض الآخر لعلي أبو شادي. لن أتكلم على الجيل الذي من بعدي. لا أريد أن يزعل مني هؤلاء. المشكلة اليوم أن النقد السينمائي دخل بزنس السينما. والبعض باتوا موظفين لدى المهرجانات. ما ان يؤسَّس مهرجان في الخليج، حتى تسارع ادارته الى توظيف نقاد. تحول النقد ترويجاً. لذا، لا أقرأ! قل لي أين يكتب الناقد، أقل لك ماذا يكتب. لا يمتعني مقال لناقد من جيلي (هنا لا أتكلم على جيلكم أنتم الذي لا يزال هناك طريق أمامه). المشكلة مع النقاد في بلداننا انهم يركزون فقط على السينما ولا يعرفون ماذا يوجد في الفنون الاخرى ويجهلون ما يدور في العالم. اذا كانت السينما جامعة الفنون، فالنقد جامع الكتابات. لا تستطيع أن تكتب نقداً اذا لم تقرأ فرويد وعلى الاقل 20 كتاباً في علم الجمال. لا تستطيع أن تكتب نقداً اذا لم تكن قد شاهدت بضعة الآف فيلم. كنا نلتقي بعض هؤلاء في كانّ، وعند خروجنا من فيلم نرمي أمامهم مع نور الدين الصايل معلومات خاطئة، كالقول مثلاً ان هناك في الفيلم نزعة بريختية، فنرى المعلومة منشورة في صحيفتهم في الصباح التالي (ضحك).

• في هذا الصدد، ثمة موقع اليوم عن السرقات السينمائية، ما رأيك فيه؟

– لا يهمني هذا الموضوع، لأنهم اذا سرقوا فربما يكون ذلك أفضل مما لو كتبوا، وربما يقدمون جملتين مفيدتين. أما اذا كتبوا ففي انتظارك الكوارث. أحد المشرفين على هذا الموقع كتب عني كلاماً هابطاً، اعتبر فيه اني اذا لم أقرأ كتاباً تافهاً له، فهذا يعني انني لا افهم بالسينما التجريبية. السرقات الأدبية في العالم اليوم موضوع جامعي ضخم جداً يسمّونه “مثاقفة” في اللغة العربية. بدلاً من اضاعة الوقت بهذه الترهات، ليت هؤلاء النقاد يقرأون كتاباً أو يشاهدون فيلماً. أنا ضد هذه المواقع التي لا تضحكني ولا تسلّيني.

• أين ترى نفسك بعد عام من الآن وأنت على مقربة من ترك جريدة “الحياة”؟

– سأتقاعد رسمياً من “الحياة” بعد أكثر بقليل من عام، وبناء على خيار مني. بعد ذلك سأستمر في كتابة ما كنت أكتبه دوماً، من دون البحث عن قراء جدد. سأظل اشارك في المهرجانات والمحاضرات. على رغم انني طعنت في السن قليلاً، فالناس يقولون انني لا أزال أكتب كالشباب. انا ابن الحاضر، ابن هذه اللحظة، لا يعنيني الماضي، ولا المستقبل. أكتب الآن. “عايش ومش سئلان على شي”. مستقبلي غير مرتبط بالبحث عن مهنة جديدة وسرقات سينمائية وعن اثارة للجمهور. لا يعنيني مفهوم الأزمة في السينما التي اعتبر انها ستبقى مادة هائلة للكتابة. لست مثقفاً بهذا المعنى ولا أحمل حقيبة المثقف متنقلاً من مكان الى آخر ولا أدخن 20 سيكارة في يوم واحد ولا أجلس في المقاهي. أفضل أن أكون مع صديق يشاركني أفكاري ورغبتي في التفكير. وعندما لا انسجم مع أحد، أهرب منه. ليس لأنني نفور، بل لأنني أعاني خللاً في حاسة السمع. كل ما أحبه هو أن اعدي الناس وانقل اليهم شغفي ازاء أعمال فنية. هذه حياتي بكل بساطة. من يعرفني عن قرب يعلم من أنا. ومن لا يعرفني يقول عني “هذا متعجرف ومغرور”! في النهاية، العالم يتسع للجميع.

هوفيك حبشيان

(hauvick.habechian @annahar.com.lb)

Advertisements

About منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني

موقع منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني
هذا المنشور نشر في أخبار من الصحف. حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s