الرياضة المعولمة الوجه الأخر لسعار الرأسمالية

الرياضة المعولمة الوجه الأخر لسعار الرأسمالية

الاثنين 12 تموز (يوليو) 2010

المناضل-ة عدد:27

http://www.ahewar.org/news/s.news.asp?nid=553143

محمد الساعي

تتصاعد حمى الانشغال بكأس العالم لكرة القدم بجنوب افريقيا شهر يونيو 2010. حمى تجتاح العالم لتشد ملايين الكادحين الى شاشات التلفزيون. اضحت كرة القدم افيونا آخر للشعوب. النص التالي يضع الظاهرة الرياضية في اطارها الرأسمالي العام عرفت الرياضة تغيرات جوهرية عادة ما يتم تجاهلها في سياق انتقاد تناقضات النظام الرأسمالي، إذ أن اللهفة المستمرة لتوسيع دائرة الإنتاج، والبحث عن قطاعات استثمارية جديدة، واستقطاب جيوش من الزبناء جعلت الرياضة تسقط ضحية إستراتيجية الرأسمالية المسعورة بتحويل كل الأنشطة البشرية لمجرد سلع ووسائل للهيمنة والسيطرة على الشعوب.

طرح موضوع الرياضة هو تحليل لكيفة اشتغال الرأسمالية وكيفة تحويلها الرياضة من وسيلة للتقارب والتضامن والتسلية إلى عدوى حولت كل فرد إلى مشجع بالقوة، إلى درجة أنها باتت تمارس في السياق نفسه مع الحاجيات، مثل الشرب والأكل والنوم. ويعتقد الكثيرون أن كأس العالم وغيره من الرياضات يدور حول “الترفيه” وحول “قيم الاجتهاد” و”إمكانيات النجاح للمجدين”. إن الرياضة تعرف سباقا محموما إلى الربح المادي وتوسعا للرأسمالية المالية سواء على الصعيد الدولي مع الهيمنة الإمبريالية للشركات متعددة الجنسيات في تنظيم التظاهرات الرياضية الكبرى، وسطوتها علي الصعيد الوطني من خلال التحكم المتزايد في المؤسسة الرياضية بواسطة الرعاة‏. وهكذا أصبح رأس المال المحرك الفعلي لكل المبادرات و المعيار لجميع الإنجازات الرياضية‏‏، حيث عمدت المؤسسات الرأسمالية لتمويل الرياضة ليس من أجل الرياضة ذاتها وإنما لاستخدامها كأداة للضبط الاجتماعي و توجيه الرأي العام، وطريقة للتأطير الإيديولوجي للشعب وشريحة من الشباب، في جميع بلدان العالم. ومجالا لتراكم الثروة، والمال، ومن ثم رأس المال.

تعد الرياضة اليوم، الواجهة الأروع لمجتمع السوق المعولم حيث أصبحت سلعة رئيسية لهذا المجتمع، و مجال للاستثمار في اللقطات والحركات، والرياضات القتالية على وجه التحديد خير مثال. إنها محاولة للتقويم الإيديولوجي للجهد. إذ يقدم الرياضي كنموذج إيديولوجي، إلى درجة تبدو فيها الرياضة تهدئة اجتماعية، وتجانسا اجتماعيا، فرغم خطابات الحد من العنف والأخوة، إلى جنب هذا الخطاب الذي يبدو مزيجا من الأوهام والخدع في مجتمع التفاوت الطبقي الصارخ تتعايش كافة تناقضات الرأسمالية المسعورة من حروب وفقر ومجاعات واستغلال ثروات الشعوب .

إن الفهم السليم للرياضة يقتضي الخروج من حدود الملاعب واللاعبين و‏ تحليلها من زوايا ثلاثة : سياسية واقتصادية وإيديولوجية.

الرياضة ضحية الرأسمالية المسعورة

رغم كون الرياضة ذات جوهر إنساني نبيل إلا أنها في عصر الرأسمالية المسعورة تتجاوز مشاهد الشباب والأطفال الذين يمارسون إحدى لعبهم المفضلة في شوارع وأزقة البلدان الفقيرة، إذ تتخفى خلف تلك المشاهد البريئة جبروت العولمة التي حولت الأنشطة الإنسانية لمجرد سلعة لمراكمة الأرباح.

لقد شهدت العقود القليلة الماضية ازدياد اهتمام الرأسمالية و رجال الأعمال بالرياضة خصوصا بعد التغيرات الجذرية التي طرأت عليها بعد الحرب العالمية الثانية [1] بحيث تحولت إلى احد أهم مصادر الربح الرأسمالي: فمن الرعاة الرسميين للبطولات، وعقود الاحتكار، و الأجور السنوية للاعبين التي تقدر بالملايين ثم القنوات المشفرة و اشتراكاتها، إلى عقود إلاعلانات الضخمة، ثم المكافآت المادية التي تقدر بالملايين و غيرها.

إن التنافس الرأسمالي يستقطب كل الأنشطة الإنسانية، يتدخل في الحب واللعب وكل العلاقات الاجتماعية. ويحول الرياضة، بعيداً عن أهدافها في صحة الأبدان وخلق الأخوة العالمية. فتعريف الأفضل هو: من يستطيع أن يجري أسرع؟ أو من يمكنه أن يرمى بالزانة إلي أبعد مدى؟ أومن يمكنه أن يحرز الأهداف؟ حيث يتحول التهديف والأرقام القياسية إلي مجرد سلعة.

تسليع مستمر للجسد والجهد الإنسانيين

تعد الرياضة المعولمة وسيلة لتسليع الأجساد، وصناعة الإنسان الجديد، وتسويقا لسعادة جسدية منفصلة عن واقعها الملموس. إن الرأسمالية لا تلبي حاجيات الجسد الإنساني ولا تغير واقعه البئيس، بل توظفه لتلبية حاجياتها وتعطشها للأرباح ومن ثمة خلق عالم وهمي من خلال الإشهار والإعلانات والبث المباشر للتظاهرات الرياضية.

في ظل الرأسمالية يعد “الأبطال” نجوما جددا، احتلوا مكان نجوم السينما وعالم الاستعراض. فالرياضي ذو المستوى العالي قد أصبح النموذج الدعائي المحتذى، النموذج الذي على الشبيبة أن تتمثل به. وتستغل الشركات الممولة من جهتها صورهم كمنتجات معولمة معيارية، و تحقق التجانس في طريقة عيشهم إذ لهم “مشروب القوة” نفسه والفنادق الفخمة ذاتها والشغف نفسه بالعبوات المستديرة الضخمة، ثم التدريبات الجنونية نفسها والمنشطات نفسها والاهتمام نفسه بالحسابات المصرفية. إنها “قلة سعيدة” مقابل أغلبية بئيسة من المقهورين الذين قلصت الرأسمالية دورهم في مجرد مشاهدي تلفزيون متعصبين أو إلى آلات للتصفيق.

النقد الراديكالي للرياضة

ليس النقد الراديكالي للرياضة ترفا فكريا، إنه رفض تحويل الأفراد إلى أشياء أو أرقام، ضد العلاقة الوهمية بالجسد في إطار الرياضة المعولمة. إن الرياضة ليست تربية بدنية أو تظاهرات حاشدة تنتهي أدوارها بانتهاء المباراة أو اللعبة، بل تكون صورة للجسد، وبالتالي نظرة سياسية للعالم و ـ بتعبير آخرـ صورة ملموسة للعالم مرتبطة بالرأسمالية الصناعية، مبنية على نفس النزعة الإنتاجية من أجل الإنتاج لتحصيل فائض القيمة.

تزامن بداية النقد الجذري للرياضة مع انتفاضة ماي 1968 بفرنسا، خصوصا الإسهامات النقدية الثورية لجان ماري بروهم [2].

الذي يعتبر أن النظرية النقدية للرياضة يجب أن تستند على مرتكزات رئيسية: [3]

1- الرياضة ليست رياضة فقط، إنها طريقة للحكم، وسيلة للضبط و توجيه الرأي العام، وطريقة للتأطير الإيديولوجي في جميع بلدان العالم.

2- أصبحت الرياضة مجالا لتراكم الثروة، والمال، ومن ثم رأس المال. هذه الرياضة تستقطب مبالغ كبيرة،إنها اليوم، الواجهة الأروع لمجتمع السوق المعولم . وقد أصبحت الرياضة سلعة رئيسية لهذا المجتمع.

3- وأخيرا، الجانب الإيديولوجي الصارم . الرياضة هي جسد سياسي، و مجال للاستثمار في اللقطات والحركات. إنها أيضا محاولة للتقويم الإيديولوجي للجهد، والتدريب. إذ يقدم الرياضي كنموذج إيديولوجي.

ضد الرياضة المعولمة .. ضد الرأسمالية

يوما بعد يوم، يجرف نهر الاستغلال الرأسمالي المزيد من الأنشطة البشرية نحو التسليع وما يشكله ذلك عداء للرياضة وعداء لمجتمعاتنا، ورفض تسليع الرياضة خطوة أولى نحو مواجهة استغلال وتسليع مجتمعاتنا، خطوة متطلعة لمجتمع عادل حقا، تنتفي فيه كل أشكال تسليع الأنشطة البشرية، مجتمع تكون فيه الرياضة فعلا وسيلة للترفيه والتسلية، وسيلة للتكامل والتضامن ألأممي عوض مسخ الرأسمالية التي تحول الرياضة لآلة لاستعباد الشعوب وتخديرها وما يترتب عن ذلك من عنصرية وتعصب قومي، للقبول بنظام دل الواقع على ضرورة هدمه وتجاوزه. إن مقاومة الرياضة المعولمة هو تصميم على السير قدما نحو مجتمع أكثر عدالة. مجتمع أتبث الواقع ضرورته منذ كارل ماركس. لا يمكن تشييده إلا بإيقاظ نهر آخر، جارف، نهر النضال العمالي والشعبي. ونفت الغبار عن مشاعر التضامن ألأممي لمواجهة همجية الرأسمالية.

محمد الساعي

[1] جان ماري بروهم، مارك برلمان وباتريك فاسر ” الرياضة والقيم الاولمبية المغلوطة”، لوموند ديبلوماتيك، حزيران/يونيو 2004 .

[2] جان ماري بروهم : سوسيولوجي وفيلسوف فرنسي، مناضل في صفوف العصبة الشيوعية الثورية بفرنسا. ألف عشرات الكتب حول علم الاجتماع النقدي للرياضة ستجدون نصوص مترجمة له بالموقع الالكتروني لجريدة المناضل-ة.

Compétition : La vraie toxicomanie [3]

Advertisements

About منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني

موقع منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني
هذا المنشور نشر في فن/أدب/وجهة نظر. حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s