المقاومة من منظور اليسار مرة مكررة

المقاومة من منظور اليسار مرة مكررة

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?t=4&aid=166810

سلامة كيلة

salamehkaileh@hotmail.com

(ملاحظات في المنهجية)

يثير الموقف من المقاومة إشكالات في صفوف اليسار، أو ما يصنف ذاته في اليسار. حيث يبرز إلى الواجهة الموقف من الإسلام السياسي (حماس، حزب الله، القاعدة ..)، وكأن المقاومة هي هذه القوى. وكأنْ لم يكن هناك مقاومة قبل حماس وحزب الله و”القاعدة”.

هذه النظرة تعبّر عن إشكال منهجي، أبستمولوجي، “عقلي”، حيث يبدو وكأن العقل لازال في المرحلة الحسية، وبالتالي فإن الوعي هو وعي حسي. والحسي هو “الوعي” الذي لا يرى المسائل إلا بما هو ملموس، موجود، أما خارج ذلك فليس هناك شيء. وهو عادة شكل الوعي الأولي، البدائي، حيث يبدأ الإنسان بتلمس وجوده عبر “المحسوس”، ودون مقدرة على التجريد. بمعنى أن الإنسان أولاً يعرف الموجود عبر الحسي، دون مقدرة على تجريده في رمز أو اسم أو مفهوم. وهو الوعي الذي أوجد الأصنام، حيث الله هو الحجر (الصنم). بمعنى أنْ لا شيء خارج، أو فوق، “الموجود”. الأمر الذي يلغي التجريد النظري، والرؤى العامة، أو الأمر الذي يشير إلى عدم تحقق الانتقالة إلى التجريد من أجل بلورة الرؤى النظرية العامة.

وربما كان البحث في مسألة المقاومة هام هنا، رغم أن هذا “العقل” يناقش كل السياسات انطلاقاً من هذا “الوعي”. وبالتالي فهو يشكل الطابع العام للوعي السائد. حيث لا يُرى أن المقاومة هي تعبير عن نشاط بشر “طبقات أو أمم) ضد اضطهاد يتعرضون له، أو ضد احتلال يقع عليهم، وبالتالي فهو مبدأ عام يطال كل طبقة تتعرض لاضطهاد طبقي، وكل شعب يتعرض للاحتلال، بغض النظر عن الأشكال التي يمكن أن تتخذها المقاومة، وهل هي مسلحة أم تتخذ شكل إضرابات واحتجاجات، أو انتفاضة أو ثورة؟

هذا مبدأ عام، بغض النظر عن طبيعة الطرف الذي يمارسه، الذي يمكن أن يُخضع للنقاش والنقد، وحتى الرفض. لكن ليس المبدأ العام هو الذي يمكن أن يرفض، رغم أنه يمكن النقاش في شكل المقاومة من زاوية الجدوى والمقدرة. بمعنى أن الموقف من طبقة أو فئة لا يجب أن تفرض رفض المبدأ، بل يمكن رفض السياسات التي تمارسها هذه الفئة. وبالتالي فإن الوعي “العقلي” يفرض التمييز بين المبدأ والوسيلة، أو الطرف الذي يدعي أنه يتمسك به، أو يدافع عنه، أو يمارس وفقه. فهذا من أسس المنطق “العقلي”، ومن بديهياته.

لكن ما يجري هو هذا الربط/ الدمج بين المقاومة وحماس أو حزب الله، وبالتالي التيار الأصولي. وكان يمكن أن يربط سابقاً بحركة فتح أو الجبهة الشعبية أو جبهة التحرير الجزائرية، و..ألخ، لتكون هي المقاومة، ولينزع عنها كونها مبدأ. وعلى ضوء ذلك يخضع الموقف منها للموقف من طبيعة التيار الأصولي، أو من طبيعة فتح، أو جبهة التحرير الجزائرية. ولا تكون هناك “استقلالية” لمبدأ المقاومة، بحيث يجري التأكيد على الحق في المقاومة بغض النظر عن الطرف الذي يمارسها، والذي يجب أن يخضع للنقد والنقاش وحتى الرفض.

إن إسقاط هذه المسافة بين الفكرة والوجود، الفكرة التي هي نتاج تاريخ طويل من تطور الفلسفة، حيث تبلور التجريد النظري كعنصر مساعد في وعي الواقع علمياً، وتجاوز الخلط/ الربط بينها وبين الوجود، وإحكام العلاقة إلى حدّ أن لا إمكانية للفصل، الذي هو التجريد، وهو كما أشرت نتاج الوعي الحسي، البدائي، الذي تشأ بداية تطور البشر، لكنه تطور وصولاً إلى اكتشاف التجريد النظري، الذي بات حاسماً في وعي الواقع علمياً. إن إسقاط هذه المسافة يعني أننا لازلنا في البداية، لم نتملك الفكرة ولا الفكر.

إن حق المقاومة هو حق عام، بغض النظر أوجدت حماس أو حزب الله أو لم توجدا، قبلهما أو بعدهما. وهو حق ناتج عن الواقع ذاته، أي عن وجود الاحتلال، بغض النظر عمن يمارسها.

هنا يحدد الماركسي طبيعة الطبقات التي يجب أن تمارسها، وشكل ممارستها، والتحالفات الممكنة لذلك. كما تحدد كل طبقة أو اتجاه أيديولوجي رؤيته وشكل ممارسته، مما يجعل من مهمة الماركسي (وكل طرف كذلك) أن يدقق في ممارسات الأطراف الأخرى، وفي صحة أو عدم صحة سياساتها ورؤيتها، والآثار الايجابية أو السلبية لهذه السياسات، ومدى التقاطع معها، أو مدى التناقض الممكن. وهنا يظهر التجريد، الضروري لكل فكر، مدى الأهمية التي يقدمها لفهم الواقع، ولطريقة التعامل مع الأطراف الموجودة فيه.

من المؤسف أن “العقل السياسي”، كما “العقل الثقافي” السائدين، ينطلقان، لازالا، من وعي حسي، هو نتاج التخلف الثقافي الموروث والمديد، والذي تأسس على رفض التجريد عبر رفض الفلسفة، وفرض التعامل مع “الملموس” (أي الحسي)، وهو الوعي الذي كان في أساس نشوء عبادة الأصنام قبل نشوء الدين، وليس قبل الفلسفة فقط، والذي اخترق الدين كذلك. لهذا أكرر الإشارة إلى أثر أبو حامد الغزالي الذي صاغ “العقل الموروث”، والذي أصبح وعياً متوارثاً نتيجة الانهيارات التي حدثت في المنطقة، فدمرت الفلسفة والفكر مثلما دمرت الزراعة والحرَف.

هنا جوهر مشكلات “الحوار” الذي يدور، سواء حول المقاومة، أو حول الاستبداد، أو حول الإمبريالية وأميركا، والحركة الأصولية. لم نزل لا نميز بين المسألة وشكل التعبير عنها، بين المشكلة وكيفية تناولها من قبل الطبقات المختلفة، بين الهدف والطرف الذي يطرحه، أو الأطراف التي تطرحه. وبالتالي بات من السهل تصنيف أي كان مع حماس أو حزب الله، أو حتى القاعدة، لأنه يدعو إلى المقاومة، كون المقاومة باتت “ماركة خاصة” لهذه القوى. وأن كل من يدعو إليها هو مؤيد وداعم وموافق على سياسة هذه القوى، وحتى قابل بقيادتها.

كما بات من السهل تصنيف أي كان مع حزب البعث، أو صدام حسين، وبالتالي دكتاتوري وشوفيني، لأنه يطرح المسألة القومية، ويدعو إلى الوحدة القومية وحل مسألة القوميات.

وهنا نلمس كيف أن “الوعي الحسي” لا يسمح برؤية الآخر، لأنه يصنفه مسبقاً، نتيجة موقف واحد، وقضية واحدة، وهو الأمر الذي يفضي إلى تلمس مستوى آخر يحكم هذا “الوعي”، هو الانحكام إلى مفهوم الهوية الأرسطي، لمنطق أرسطو، بشكله الأكثر ابتذالاً ورثاثة. حيث يصبح التحديد هو إما، أو، إما معي بالمطلق أو ضدي، ليس من مسافات وتقاطعات، وممكنات توافق. وليس من غرابة في ذلك لأن هذا المنطق الصوري لا يرى سوى الأشكال، دون أن يستطيع اكتشاف ما هو جوهري. يرى المسائل متراصفة، لأنه يرى أشكالها فقط. وهو هنا منطق ساكن، لا يعرف مبدأ الترابطات، بل يقوم على مبدأ الانفصال، التضاد (وهو غير التناقض)، التعادي: إما، أو. هذا أو ذاك، أو كما يشير أرسطو ألف هي ألف وليس من الممكن أن تكون باء، أي هناك ألف أو لا ألف، وليس من شيء آخر. عكس الجدل الذي ينطلق من وجود ألف ولا ألف متحدين معاً، وهذا هو أول مبادئ الجدل المادي.

إذن، مشكلتنا ليس في الاختلاف على الموقف من المقاومة أو المسألة القومية، أو حتى من حماس أو حزب الله، بل مشكلتنا في طبيعة “العقل” الذي يتصدى لـ “الفعل السياسي”، أو للمماحكة “النظرية”. وهو عقل صوري/ حسي لم يستفد من كل التراث الفلسفي، وبالتالي لم يستطع فهم الماركسية سوى ككلمات وشعارات. لهذا يصبح الحديث عن “الثورة الاشتراكية” هوائياً، والحديث عن التحرر دون معنى.

لقد نشأ المنطق الصوري (أو الشكلي) استناداً إلى مستوى “فعل العقل” الذي كان حسياً، لكن التطور الذي حدث خلال قرون طويلة أسس لتجاوز هذا المنطق، حيث ارتبط الحسي بالمجرد، وأسس المجرد لتصور أعمق، تبلور في الجدل مع هيغل، فالجدل المادي مع ماركس وإنجلز. والمسافة، لا بد، واسعة بين هذا وذاك، رغم أن المنطق الصوري يبقى متضمن في كل جدل، لكن كلحظة أولى، كبداية، كمنطلق، وليس كصيرورة منطق. وهو الأمر الذي يفرض التعامل مع المفهومات وليس مع المحسوسات فقط، مما يفرض التمييز الدقيق بين المفهوم ومن يحمله. وبالتالي تحديد ضرورة المفهوم في الواقع بغض النظر عن الحامل. هذه من بديهيات العمل الفكري.

Advertisements

About منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني

موقع منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني
هذا المنشور نشر في الماركسية. حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s