القاعدة الاقتصادية والبنى الفوقية الأيديولوجية

القاعدة الاقتصادية والبنى الفوقية الأيديولوجية

شارل بتلهايم&جاك شاريير

موقع الافق الاشتراكي

اعداد الأفق الاشتراكي- أن نجهد في تحقيق تحولات في القاعدة مثلما نجهد في تحقيق تحولات في البنى الفوقية يعني أن نناضل من أجل إنشاء بنى اجتماعية جديدة(وليس مجرد بنى اقتصادية جديدة)،

، ومن أجل تحقيق تحولات أيديولوجية عميقة. تلك هي، مبدئياً، الأهداف الأساسية التي تسعى إليها جميع البلدان السائرة في طريق الاشتراكية، رغم وجود اختلافات في وجهات النظر حول الروابط التي تجمع بين هذه التحولات المختلفة.

أما بالنسبة للصين، يرد التذكير دائماً بأنه لا يكفي تأمين وتائر تطور “أسرع” من وتائر التطور التي تستطيع أن تبلغها الرأسمالية، وإنما يجب توليد تركيب اجتماعي جديد بقواعد سلوكه وبناه الأيديولوجية كذلك وعلى نفس المستوى من الأهمية.

إن تبني مثل هذا الهدف، من وجهة نظر ماركسية، ليس تعبيراً عن “اختيار” كيفي، وإنما هو اعتراف بحاجة تاريخية يفرضها مستوى التطور الممكن لقوى الإنتاج الحديثة.

والاعتراف بهذه الحاجة التاريخية يعني الإقرار بأنه إذا لم يتحقق تحول جذري ليس في علاقات الملكية وحسب، وإنما في مجموع نمط الإنتاج والبنى الفوقية للمجتمع أيضاً تكون النتيجة عجز قوى الإنتاج عن التطور، أو اضطرارها إلى التطور بشكل متناقض، أي بأن تولد قوى مخربة متزايدة على الصعيد المادي أو على صعيد البشر أنفسهم.فتزداد عبودية هؤلاء لمنتجاتهم حتى في مجال الاستهلاك.

وبطريقة أكثر تحديداً يمكننا القول أن نمط الإنتاج الجديد –نمط الإنتاج الاشتراكي- لا يمكن أن يتقدم، وان يحافظ على نفسه بالتالي، إذا لم تشيد “بنى فوقية” ملائمة، أي علاقات اجتماعية ومواقف وتصرفات وأفكار اجتماعية محددة بشكل خاص، وفي حال تعذر ذلك، فإن القاعدة الاقتصادية التي سنحاول بناء الاشتراكية عليها مهددة بالتحولات التراجعية على مستوى علاقات الإنتاج أم قوى الإنتاج نفسها.

والواقع أن قوى الإنتاج هذه مهددة بان تتقدم ببطء متزايد إذا لم تتبلور وبالسرعة الكافية، المواقف والتصرفات التي يتطلبها تطور المجتمع الاشتراكي، أو بشكل خاص إذا لم تتجه هذه المواقف والتصرفات ومجموع القيم المقابلة لها نحو تدعيم نفسها، بل اتجهت نحو الاضمحلال مفسحة المجال أمام مواقف وتصرفات ومجموعات قيم تنتمي إلى تكوينات اجتماعية سابقة وما تزال تحتفظ بأساس موضوعي في الظروف المادية طالما أن مستوى قوى الإنتاج لم يرتفع بما فيه الكفاية.

المسألة المطروحة إذن هي مسألة العلاقة بين القاعدة الاقتصادية وبين البنى الفوقية المقابلة لها.

إن التفسير “الميكانيكي” لهذه المشكلة قد يجرنا للاعتقاد بأن كل نمط إنتاج يولد “في التحليل الأخير” مواقف جديدة ومجموعات قيم جديدة وأيديولوجيا جديدة و”إنساناً جديداً” (الواقع أن هذا التفسير “الميكانيكي” نفسه بين مختلف مستويات الحياة الاجتماعية هو الذي دفع بعض الماركسيين إلى الاعتقاد بأن تقدم قوى الإنتاج كفيل بتوليد كل ظروف التحويل الثوري لنمط إنتاج معين، في حين يبين الواقع أن هذا التقدم هو الشرط الأساسي للتحويل، إلا أن هذا الأخير لا يتحقق نهائياً، إلا بتوسط التناقضات الاجتماعية وما تولده من نضال سياسي، أي بنضال البشر الواعي )

وعلى العكس من ذلك، فإن التفسير الجدلي يقودنا إلى الاعتقاد بأنه إذا كان تقدم نمط إنتاج معين (أي تقدم قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج فيه) هو الشرط الضروري لتحويل البنى الفوقية، فهذا لا ينفي أن يكون لهذه البنى الفوقية ديناميتها الخاصة ضمن حدود معينة، كما انه لا ينفي بشكل خاص “مفعولها العكسي” على القاعدة الاقتصادية نفسها.

إن التفسير الجامد لبعض نصوص “البيان الشيوعي” ، و”ضد دهرنغ” قد ولد نظرة “ميكانيكية” تناقض التحليلات الشاملة التي خلفها ماركس وإنجلز، فهما شددا باستمرار على الطابع الشامل للتحولات الاجتماعية، وتفاعل مختلف العناصر التي يتكون منها التركيب الاجتماعي الشامل.

فمثلاً نجد أن إنجلز في كتابه “أصل العائلة الملكية الفردية والدولة” أوضح التأثيرات العميقة التي قد تمارسها بعض عناصر البناء الفوقي الأيديولوجي على التطور الاجتماعي، فعندما يحلل عجز مجتمع الرق عن توليد نمط إنتاج جديد مشجع على تطور قوى الإنتاج، يشدد على أن “احتقار العمل المنتج” ، الموروث عن مجتمع الرق، هو كابح في وجه التطور.

يقول إنجلز: “إن نظام الرق… وهو يموت… يترك شوكته المسمومة: احتقار الرجال الأحرار للعمل المنتج، هنا تكمن الطريق المسدودة التي وجد العالم الروماني نفسه فيها: كان الرق مستحيلاً اقتصادياً، أما عمل الرجال الأحرار فكان محتقراً في معظم الأحيان، لم يعد باستطاعة الأول أن يكون قاعدة الإنتاج الاجتماعي، في حين لم يكن الثاني قد بلغ مرحلة تؤهله لأن يكون قاعدة هذا الإنتاج، فكان الحل الوحيد لهذا الوضع هو قيام ثورة شاملة” .

يبين هذا النص بوضوح كيف يمكن لموقف- “احتقار العمل المنتج”- أن يصبح عائقاً أمام تطور قوى الإنتاج، وكيف يقدر إنجلز أن الثورة الشاملة هي وحدها الكفيلة بقلب عنصر البناء الفوقي هذا قلباًُ كافياً يجعل من التقدم الجديد أمراً ممكناً.

إذا اعترفنا بوجود تفاعل بين القاعدة الاقتصادية والبناء الفوقي، فإننا سنعمل، في الوقت نفسه الذي نطور فيه قوى الإنتاج (بواسطة السياسة الاقتصادية) ، على أن ننشر بين الجماهير الأيديولوجية التي تقابل القاعدة الاقتصادية الجديدة، وذلك بواسطة التثقيف بشكل خاص. ويجب أن يهدف التثقيف إلى القضاء على المواقف والتصرفات الموروثة عن الماضي، واستبدالها بمواقف وتصرفات ومجموعات قيم جديدة تلبي متطلبات قوى الإنتاج نفسها.

عن كتاب بناء الاشتراكية في الصين- دار الطليعة – عام 1966

Advertisements

About منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني

موقع منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني
هذا المنشور نشر في الماركسية. حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s