كاراكاس تبتكر استراتيجيّتها التنمويّة الخاصة

كاراكاس تبتكر استراتيجيّتها التنمويّة الخاصة

مارك وايزبروت*

عن موقع الافق الاشتراكي

كيف ندفع الاقتصاد المنتِج؟

الانخفاض الحاد لأسعار النفط في نهايات 2008 كان سبباً للقلق، أو الأمل – على حسب الحالة – من انحسار الاستثمارات الاجتماعية التي تضمَن الأغلبية للحكومة البوليفارية. ولكنّ هذا لم يحدث.

في حين تقع السياسة الاقتصادية في كاراكاس اليوم في صلب النقاش، وذلك قبل بضعة أشهرٍ تفصل عن الانتخابات التشريعيّة المزمع إجراؤها في 26 ايلول/سبتمبر الآتي.

خلال زيارةٍ لها إلى برازيليا في 2 آذار/مارس، ألقت وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون موعظةً موجّهة إلى حَمَلٍ ضائعٍ في الفناء الخلفي للولايات المتحدة، حيث قالت: “نأمل بانطلاقةٍ جديدة للحكومة الفنزويلية من أجل (…) إعادة الملكيّة الخاصّة والعودة إلى اقتصاد السوق” [1].

لا شيء جديد تحت الشمس. ففي حين كانت فنزويلا تحقّق، منذ بداية العام 2003، كافّة الأرقام القياسية في النموّ الاقتصادي، لم يكفّ معارضو السلطة القائمة هناك، ومن بينهم واشنطن وغالبيّة وسائل الإعلام الدولية الكبرى، عن “النواح والتبرّم والأمل”، في استعادة لعنوان أغنية « Crying, waiting, hoping » (“نغنّي، ننتظر، نأمل”) لمغنّي الروك الشهير بادي هولي. ستنفجر قريباً الفقّاعة النفطية، هذا ما كانوا يكتبونه على طول الصفحات، متأمّلين بحصول ما يبغون حصوله.

لكن ها هو الناتج المحلّي الإجمالي للبلد يرتفع بنسبة 95 في المئة في غضون خمس سنوات ونصف، ويتقلّص الفقر بمعدّل النصف والفقر الشديد بمعدّل يفوق 70 في المئة. كما يرتفع الإنفاق الاجتماعي للنسمة الواحدة بنسبةٍ تفوق الثلاثة أضعاف، في حين أنّ الحصول على الخدمات الصحيّة وعلى تعليمٍ أكثر متانةً قد أحرزا تقدّماً ملحوظاً. وفي العام 2006، عبّر الناخبون عن عرفانهم بالجميل من خلال إعادة انتخاب الرئيس هوغو شافيز بغالبية 63 في المئة من الأصوات، وهي أقوى نسبةٍ سبق له أن حصل عليها.

خطّة الانتعاش بالحدّ الأدنى

لكن مع بداية الانحسار الاقتصادي الذي شهدته الولايات المتحدة في نهاية العام 2007، بدأ الاقتصاد يراوح مكانه. فخلال الفصل الأول من العام 2008، إنهارت أسعار النفط بشكلٍ كبيرٍ في الأسواق العالمية، مُنتقلةً من المعدّل القياسي لـ99.5 يورو للبرميل إلى 29.7 يورو. فعادت حينها فنزويلا لتواجه الأزمة الاقتصادية، للمرّة الأولى منذ الإضرابات الكبرى التي شهدها القطاع النفطي خلال العامين 2003-2002. فتراجع ناتجها المحلّي الإجمالي بنسبة 3.3 في المئة في العام 2009. وتحقّقت أخيراً أمنيات أعداء السيد شافيز. وكما بعد فترة الرخاء بين العامين 1973 و1977، خلال الصدمة النفطية الأولى، يُفترَض أن يؤدّي نضوب الموارد إلى الانهيار الاقتصادي.

هل الأمر مؤكّد إلى هذا الحدّ؟ حيث تُظهِر دراسة لخصائص هذه الأزمة بأنّها لم تكن أبداً حتميّةً. فقد سجّل إنفاق القطاع الخاص، الذي سبق أن راوح مكانه في العام 2008، تراجعاً أكثر وضوحاً عند انهيار أسعار النفط. وفي تلك الفترة، كان يمكن للحكومة وضع خطّة إنعاش دينامية، من خلال زيادة النفقات العامة للتعويض عن تدنّي الطلب الخاص. لكنها لم تفعل ذلك. بل على العكس، تراجع نموّ القطاع العام بصورةٍ مفاجئة، مُنتقلاً من 16.3 في المئة في العام 2008 إلى 0.9 في المئة في العام 2009.

بالنسبة إلى صندوق النقد الدولي وعددٍ من المؤسسات المالية الأخرى، هنالك، منذ فترةٍ طويلة، مقياسان ومعياران: فبعض الدول الغنيّة كالولايات المتحدة أو بريطانيا، قادرة أن تحلّل لنفسها عجزاً كبيراً في الميزانية لمكافحة نتائج الانحسار الاقتصادي، في حين يُفترَض بالدول النامية أن تفعل العكس، أي أن تقلّص النفقات العامّة والعجز. مع العلم أنّ الصين انسحبت من اللعبة ببراعة، بفضل خطّة إنعاشٍ كثيفة، كي تسجّل نموّاً بنسبة 8.7 في المئة في العام 2009، وذلك بالرغم من الفوضى الاقتصادية العالمية.

طبعاً تتفوّق الصين بتحكّمها بمجمل النظام المصرفي لديها؛ فقد تمكّنت من إرغام المؤسّسات المالية على توزيع القروض، مع العلم بأنّ الاستثمار العام يمثّل 20 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي. هذا وقد عرفت بوليفيا، وهي دولةٌ لا تتمتّع بهوامش تحرّكٍ مماثلة، كيف تطبّق في الوقت المناسب سياسة إنعاشٍ أهمّ بكثير من سياسة الولايات المتحدة، نسبةً إلى حجم اقتصادها؛ ما سمح لها بتحقيق أفضل أداءٍ في العام الماضي، مع تسجيلها معدّل نموٍّ بنسبة 3 في المئة؛ في حين تقلّص الناتج المحلي الإجمالي لغالبية الدول الأخرى في المنطقة.

وفي الواقع، على الدول النامية التي ترغب بتطبيق سياسة إنعاشٍ للاقتصاد في فترة الانحسار، أن تنتبّه لميزان مدفوعاتها، من خلال المحافظة على مستوى كافٍ لاحتياطاتها النقدية. ليست تلك هي الحال بالنسبة إلى الولايات المتحدة القادرة على دفع ثمن وارداتها بعملتها الخاصة.

وبما أنّ الميزان الجاري الفنزويلي قد سجّل فائضاً كبيراً في العام 2008، كدّس البلد الدولارات. وعند انهيار أسعار النفط، سرعان ما تحوّل هذا الفائض إلى عجز… لستّة أشهرٍ فقط. فقد اقتطعت الحكومة من احتياطيّ النقد لتسديد فاتورة الواردات. لم يكُن هناك ما يرغمها إذاً على جعل الاقتصاد يتقلّص. فقد كان بإمكانها سحب المزيد من تلك الاحتياطات التي لا تزال مُريحة جداً، أكثر من 30 مليار دولار، ومحاربة هروب الرساميل وحتّى، إذا اقتضى الحال، اقتراض حاجتها من الأسواق الدولية. علماً أنّ دين فنزويلا الخارجي منخفِض نوعاً ما (11 في المئة من الناتج المحلّي الإجمالي) ولا يشكّل دينها العام سوى 20 في المئة من هذا الناتج نفسه. وعلى سبيل المقارنة، يوازي دين الولايات المتحدة نسبة 100 في المئة من الناتج المحلّي الإجمالي الوطني.

خفضٌ مزدوجٌ للعملة

لدى فنزويلا الموارد الكافية من العملات الصعبة لتمويل آلية الإنعاش الاقتصادي بنفسها. فهي بحاجة إليها فقط لمواجهة تكاليف الواردات، المُتزايدة نتيجة نموّها الاقتصادي – بعكس الدولة التي يُفترَض بها أن تشهد منطقياً، في حالة الانحسار، على تداعي هذه الواردات – وللمحافظة على مستوى مناسبٍ من الاحتياطات النقدية.

تُظهر كافّة هذه الملاحظات بأنّ نموّ البلد لا يرتبِط بسعر النفط بقدر الاعتقاد الشائع. فالحكومة قادرة على التدخّل مع تقلّبات السوق النفطية، بما أنّ استدانتها متواضعة واحتياطاتها النقدية مرتفعة.

إلاّ أنّ فنزويلا قد واجهت، منذ سبعة أعوام، وضعاً مُقلقاً أكثر بكثير: يكمن في التقييم المبالغ فيه لسعر عملتها. ففي العام 2003، حدّدت الحكومة سعر الصرف بـ1600 بوليفار من تلك الفترة (أي 1.6 بوليفار حالي [2]) للدولار الواحد. ارتفع، عقب انخفاضين متتاليين، إلى 2.15 بوليفار في العام 2005، ثمّ لم يشهد تغيّراً حتى شهر كانون الثاني/يناير الماضي.

بحكم هذا المعدّل الثابت، تفاقم التقدير المبالغ فيه للعملة الفنزويلية مع مرور الوقت. فالتضخّم كان مرتفعاً في فنزويلا أكثر منه لدى شركائها التجاريّين: بمعدّل 20 في المئة سنوياً خلال الأعوام السبعة الماضية. وإذا ما افترضنا أنّه لم يكن مُبالغاً في تقدير سعر صرف العملة عند تحديد السعر الثابت، فإن هذا السعر قد ارتفع فعليّاً بأكثر من 130 في المئة.

تؤدّي هذه الظاهرة تلقائياً إلى رفع سعر المنتجات المصدّرة وخفض أسعار البضائع المستوردة التي تصبح رخيصة بصورة مصطنعة [3]. في هكذا وضع، من الصعب لفنزويلا، بل من المستحيل، تقليص وزن القطاع النفطي من خلال تنويع اقتصادها. وفي الواقع، لم يتغيّر شيء من وجهة النظر هذه منذ سبعة أعوام.

في 8 كانون الثاني/يناير الماضي، ولتنشيط الاقتصاد الإنتاجي، والحدّ من الواردات غير الضرورية جداً، وتسهيل التصدير، بادرت كاراكاس إلى خفض قيمة عملتها؛ وهي عملية أطلقت عليها الحكومة تسمية “ضبط البوليفار”. فتمّ تحديد سعر صرف 4.3 بوليفار للدولار الواحد لغالبية عمليات الشراء من الخارج: السيارات، أدوات المعلوماتية والاتصالات، الأدوات المنزلية الإلكترونية، الخدمات، الأقمشة، الكماليّات، التبغ، الكحول.. إلخ. وتمّ في الوقت نفسه، تحديد معدّل 2.3 بوليفار للواردات الاقتصادية التي تُعتبر حيويّة، كالمنتجات الزراعات الغذائية والتعليم والنشاطات العلمية والتكنولوجية والصحّة والآلات، وبصورةٍ عامّة، الواردات المخصّصة للقطاع العام.

لا شكّ أنّ هذا “الضبط” المزدوج المعيار سيساهم في ارتفاع التضخّم، لكن يمكن التوقّع بأن يكون هذا التأثير مؤقّتاً، كما كانت الحال عليه جرّاء الخفض الكبير في أسعار العملات الذي شهدناه في الأعوام الأخيرة (البرازيل، روسيا، الأرجنتين). لكن إن كان من شأنه تحسين قدرة فنزويلا على المنافسة، فإنّه ليس كافياً على الأرجح.

فبما أنّ التضخّم سيبقى سائداً، سيعود التقدير المفرط للقيمة الحقيقية للعملة ليرتفع بسرعةٍ كبيرة. فالتضخّم بحدّ ذاته، الذي انتقل من 0.9 الى 25.1 في المئة بين العامين 2008 و2009، يمثّل مشكلةً ثانوية. وإن كانت محاربته أمرٌ ضروريّ، فهو يقترب من حدّ الـ20 في المئة سنويّاً الذي يعتبر غالبية خبراء الاقتصاد الكلّي أنّه يكلّف في حال تخطّيه انخفاضاً في نسب النمو ( [4].

سيكون من مصلحة فنزويلا طبعاً اعتماد نظامٍ لتثبيب سعر الصرف، أكثر مرونةً ومنتظماً في الوقت نفسه. هكذا ستحافظ على تحكّمها بالرساميل، دون تعريض التنافسية للخطر، وستسمح بتنويع الاقتصاد. وهذا يعني تأمين الإمكانيات لوضع استراتيجيةٍ تنمويةٍ حقيقية، وهو مبدأٌ دخيلٌ نوعاً ما على قارّة أميركية مُعتادة على النيوليبرالية منذ عقود.

في غضون ذلك، عاود سعر النفط ارتفاعه، ليصل إلى 80 دولاراً للبرميل. حتّى وإن كان الحذر ضروريّ من أيّ نوعٍ من التوقّعات، فتلك الصادرة عن إدارة المعلومات في وزارة الطاقة الأميركي (US Energy Information Administration (USEIA))، تتحدّث عن ارتفاعٍ مستمرّ لسعر الذهب الأسود وتحدّد سعر البرميل بـ98 دولاراً مع حلول العام 2020 [5]. من جهةٍ أخرى، أعلن معهد الدراسات الجيولوجية في الولايات المتحدة (US Geological Survey (USGS))، في 22 كانون الثاني/يناير، بأن “أخدود الأونيروك” يحتوي على 513 مليار برميلٍ من النفط، أي ضعف التقديرات التي أُجريت حتّى الآن؛ ما يضع فنزويلا، في مجال الاحتياطات، في مرتبةٍ متقدّمة جداً حتّى على المملكة العربية السعودية (226 مليار برميل) [6].

حسب كافّة التقديرات المرجّحة، لا يزال المجال مفتوحاً أمام كاراكاس، من خلال الحفاظ على سيطرتها على الموارد النفطيّة [7]، واعتمادها الإجراءات المطلوبة على صعيد الاقتصادية الكلّي، كي تختبر سلسلة من التجارب الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، ولاستخراج كافّة العبر المفيدة منها.

————————————————————————————————

* رئيس مشترك لمركز الأبحاث الاقتصادية والسياسية (Center for Economic and Policy Research)، واشنطن.

[1] Asociated Press, Caracas, 4/3/2010.

[2] بموجب قانون تكييف العملة الذي دخل حيّز التنفيذ في كانون الثاني/يناير 2008، أصبحت 1000 بوليفار تساوي بوليفاراً قويّاً واحداً.

[3] شهد تقليص الصادرات غير النفطية، على مدى ثلاث سنوات، حدّاً أقصى في العام 2009 بتسجيله 44.7 في المئة. في المقابل، ارتفعت الواردات بنسبة 190.7 في المئة بين العامين 2004 و2008 (22 في المئة في العام 2009).

[4] إنّما يجب التحديد بأنّه موضوعٌ لا يتوافق عليه علماء الاقتصاد.

[5] http://www.eia.doe.gov/oiaf/forecas…

[6] BBC Mundo, Londres, 23/1/2010.

[7] في مجال النفط، يفرض “قانون المحروقات” أن يكون للشركة الفينيزويلية الوطنية PDVSA الأكثريّة بنسبة 60 في المئة في كافّة المشاريع المشتركة مع الشركات الأجنبية وفي كافّة مراحل الاستثمار (استخراج، تحويل وبيع الإنتاج

Advertisements

About منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني

موقع منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني
هذا المنشور نشر في حول العالم. حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s