التعميم السياسي الشهري (14)

التعميم السياسي الشهري (14)

لجنة العلاقات الخارجية في الحزب الشيوعي

*

يتضمن التعميم، أولاً، وقفة سريعة عند مستجدات الأزمة الرأسمالية العالمية وانعكاساتها الإقتصادية والسياسية على بلدان المركز الرأسمالي، وبالتحديد على الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.

*

ويحاول التعميم، ثانياً، إستخلاص التطورات المرتقبة، سياسياً وعسكرياً، في منطقة الشرق الأوسط (بنتيجة التدخل الإمبريالي الأميركي)، وبالتحديد في أفغانستان وإيران والعراق وفلسطين.

*

ويطرح التعميم، أخيراً، صورة للأوضاع السياسية والإقتصادية في لبنان، وأفق تطورها في الأشهر المقبلة، ومخاطر الفتنة الداخلية والعدوان التي تحاول إسرائيل الدفع باتجاههما.

أولاً ـ الأزمة الرأسمالية العالمية: المستجدات والانعكاسات

على الرغم من كل المحاولات التي بذلت منذ العام 2008وحتى يومنا هذا، لا تزال الأزمة الرأسمالية العالمية تتجه صعوداً وتشير كل الدراسات في هذا المجال الى مجموعة من المؤشرات التي لا تنذر فقط باستمرار الأزمة، أو مراوحتها، بل باحتمالات إنهيارات جديدة على غرار تلك التي جرت منذ عامين في الولايات المتحدة:

أ‌- لا يزال النمو المرتقب شبه معدوم، وما يحكى عن زيادات فيه (2,5% في الولايات المتحدة و1,5% في أوروبا) هو من قبيل الترقب أكثر مما هو من قبيل الواقع.

ب‌- لا يزال تحرك العجلة الإقتصادية بطيء جداً. فلا المدخرات توقفت عن التراجع، ولم تتحسن كذلك مصاريف العائلات مع بداية هذا الصيف، حيث كان يرتقب (أو يؤمل) أن تتحسن السياحة، في الولايات المتحدة بشكل خاص، وأن يغطي هذا التحسن جزءا من العجز؛ الا أن الواقع حتى الآن يدل على العكس.

ج- بقيت معدلات التضخم على ثباتها، وبقي معها التأرجح في سعر صرف العملتين الأساسيتين: الدولار واليورو.

د- لا يزال سوق البناء في الولايات المتحدة يعاني من مشاكل كبيرة، أشّر لها الكتاب السنوي الصادر عن المصرف الفدرالي المركزي.

هـ – يلاحظ عدم الثبات في بورصة وال ستريت الأميركية، وبالتحديد بالنسبة للمؤشرات الأساسية (داو جونز ونازداك). وهذا التأرجح ينعكس، بشكل عام، على بورصات أوروبا.

و – بالرغم من التصريحات التي صدرت في نهاية الفصل الأول من العام الحالي عن بداية تحسن في سوق العمل، وعن خلق فرص عمل جديدة. إلا أن العجلة، هنا أيضاً، تدور الى الوراء، خاصة في الولايات المتحدة، بدءاً بالشرق (بوسطن) وامتداداً الى المناطق البترولية (دالاس)، واذا ما وجدت بعض فرص العمل الجديدة فهي نادرة، من جهة، ولا تتعدى كونها فرص غير ثابتة، من جهة أخرى. والحال نفسها تنطبق على الإتحاد الأوروبي حيث تجاوزت البطالة 10% من القوى العاملة، لتطال أكثر من 23 مليون رجل وامرأة؛ مع الإشارة الى أن زيادة عدد العاطلين عن العمل ما بين نيسان من العام 2009 وهذا العام طالت حوالي 4 ملايين شخصاً جديداً.

ز- استمرار مشاكل التعثر في عدد من المصارف الأميركية الكبرى، وتخوفات من انهيارات جديدة أطلقها رئيس المصرف الفدرالي المركزي، بن برنانك، الذي أشار الى “الرؤية الضبابية في الأفق الإقتصادي” لبلاده، وإن يكن قد حاول، في الوقت نفسه، إطلاق بعض الوعود المتعلقة باستعداد المصرف الفدرالي للتدخل عند الحاجة في العملية الإقتصادية.

وإذا ما أضفنا الى كل ما تقدم التوقعات التي تشير الى قرب بدايات التراجع في كميات النفط والغاز المنتجة، ابتداء من السنتين المقبلتين، لاستنتجنا أن الإستراتيجيات الإقتصادية الأميركية للعقد المقبل، أي توسيع رقعة المناطق التي تسيطر عليها واشنطن، لم تعد واقعية الا في حال حدوث حروب استعمارية جديدة، فالعديد من البلدان الرأسمالية النامية قد بدأت تتخذ تدابير لإقفال أسواقها أمام البضائع الأميركية في محاولة وقائية لحماية منتجاتها. من هنا نفهم السعي المستمر من قبل الإمبريالية الأميركية لإعداد الخطط العدوانية : في هذا السياق يأتي التصعيد “الكولومبي” ضد فنزويلا، كما تستمر التوجهات العدوانية في الخليج العربي وأفغانستان، وكذلك في بعض أجزاء القارة الأفريقية (ومنها بعض بلدان القرن الأفريقي).

هذه المؤشرات وهذه التوقعات، مضاف إليها التضخم المطرد في ديون الولايات المتحدة وكل الدول الأوروبية، بدون استثناء وكذلك العجز المسجل في الميزان الجاري في كل بلد (يتوقع، مثلاً، أن يسجل العجز في الولايات المتحدة وحدها 722 مليار دولار في العام 2014 (أي ما نسبته 4,2 % من الناتج المحلي) تؤدي بنا الى القول أن الإمبريالية الأميركية، ومعها دول الإتحاد الأوروبي، ستلجأ الى تسعير الحروب المحلية في آسيا، خصوصاً، وفي كل مناطق جنوبي الكرة الأرضية، في محاولة لإعادة تنظيم وضع اليد على الأسواق التي تحاول الإفلات من قبضتها… دون أن ننسى أهمية الحروب هذه في تشغيل وإنتاج الأسلحة في الدول الرأسمالية الكبرى. هذا، عدا عما كنا قد أشرنا إليه من لجوء البرجوازية في دول المركز الرأسمالي الى زيادة وتائر القمع لمنع الحركات الإجتماعية من السيطرةعلى الشارع.

ثانياً – التطورات المرتقبة في الشرق الأوسط والخليج

على ضؤ ما تقدم من تحليل لمظاهر الأزمة الرأسمالية العالمية في مرحلتها الحالية، وانطلاقاً من الإستنتاج القائل بأن النفط والغاز سيكونان، أكثر من العقد السابق، محور الإهتمام، يتجه الوضع في منطقة الشرق الأوسط، امتدادا الى ايران وأفغانستان وباكستان، نحو الخروج من الهدنة النسبية التي ميزته. وتتجه ادارة باراك أوباما الى العمل على تسجيل انتصار ما، قبل الدخول في مرحلة الانتخابات النصفية في الكونغرس، بما يسمح لها أن تثبت أقدامها قليلا وتهيء المناخ لبقاء الديمقراطيين في البيت الأبيض، خاصة وان العثرات التي ميزت هذه الادارة أكثر من أن تعد. من هنا باتت الإتجاهات الأساسية لتحركات الولايات المتحدة، عسكرياً وسياسياً واقتصادياً، أكثر وضوحاً، ونلخصها كالتالي:

– استعادة كل ما فقدته في أميركا اللاتينية من مناطق نفوذ، وعدم الاكتفاء بالتغيرات التي حصلت في هندوراس وكوستا ريكا، بلالسعي للإمساك بالورقة الفنزويلية.

– تنظيم الأوضاع الداخلية العراقية لناحية قيام حكومة تابعة تستطيع معها اعادة ترتيب انتشارها في هذا البلد، خاصة لحماية آبار النفط، دون أن تضطر لتقديم تنازلات كبرى لسوريا أو لايران. من هذا المنطلق يفهم الانتشار الاسرائيلي الكثيف في بعض مناطق كردستان العراقية وكذلك تفهم عودة التفجيرات المذهبية والعمليات التي كانت متوقفة منذ فترة. فالتفجير المذهبي يجعل من بقاء القوات الأميركية أكثر من ضروري لحماية النفط والغاز.

– تشديد العقوبات على إيران، وصولاً الى التلويح بالضربة العسكرية، ليس فقط انطلاقاً من احتمالات وصول هذا البلد الى إنتاج القنبلة النووية، بل وكذلك للسيطرة على طرق نقل النفط والغاز باتجاه الهند ( من خلال السيطرة على مشروع أنابيب الغاز المنطلقة من إيران عبر باكستان فالهند) ومنع روسيا من تنفيذ المخطط الذي وضع في العام 2008 والهادف الى مشاركة إيران في هذا المشروع الحيوي.

– تمتين القبضة العسكرية الأميركية – الأطلسية على الخليج العربي ومحاولة السيطرة على باب المندب وعلى المحيط الهندي، عبر توسيع الإنتشار العسكري الأميركي في هذه البقعة (إن في جيبوتي أم في اثيوبيا، أم كذلك حول جزيرة سقطرى وفي اليمن عموماً).

هذه الإتجاهات الأساسية الثلاث لمنطقة الشرق الأوسط تعني الكثير للولايات المتحدة: فهي، في حال نجاحها، تسهم في إعطائها السيطرة الكاملة على الاحتياطي العالمي الأساسي للمادتين اللتين ستظلان تشكلان مصدري الطاقة حتى أواسط القرن الواحد والعشرين، وإن تكن الكميات المنتجة ستتراجع في السنوات العشر القادمة. كما أنها تسهم في التحكم بطرق نقل الطاقة الى الهند ومحيطها وكذلك الى أوروبا التي، بالرغم من اعتمادها جزئياً على النفط والغازالآتيين من روسيا، لا تزال تخضع للسيطرة الأميركية في هذا المجال.

لذا، وبدل التراجع عن حروب لم تؤت ثمارا حتى الآن (وبرأينا لن تؤت ثمارا في المستقبل)، توسع ادارة أوباما رقعة العدوان الذي حددته ادارة بوش والذي بات يطال ثلاثة محاور تشكل في الواقع عقدا أساسية للسيطرة على آسيا وأفريقيا.

1- الحرب في أفغانستان وباكستان

في هذه الحرب الدائرة للسيطرة على الاقتصاد العالمي، عبر منابع الطاقة وطرق نقلها وكذلك عبر استثمار مواد أولية أساسية ومعادن ثمينة، ترتدي أفغانستان ومعها باكستان، على خاصرة ايران والخليج العربي، أهمية إستثنائية من حيث الثروات بالنسبة للبلد الأول ومن حيث الموقع الجغرافي ـ الإستراتيجي بالنسبة للبلدين معا.

لقد احصت المؤسسات العلمية والشركات الأميركية، منذ العام 2007، وجود معادن ثمينة متنوعة في المناطق الواقعة شرق وجنوب-غرب أفغانستان حيث تتواجد (وليس عن طريق الصدفة) القواعد الأميركية الأساسية. وتقدر قيمتها الاجمالية بأكثر من 1000 مليار دولار، في الوقت الذي يعاني الشعب الأفغاني من الفقر المدقع. من هذه المواد الأولية والمعادن نذكر ، على سبيل المثال: الحديد والزئبق والنحاس والزمرد والذهب والياقوت والبوكسيت والميكا والرخام… الا أن الأهم هو وجود بعض المعادن التي تستخدم في الصناعات الألكترونية والتي لم تكن موجودة سابقا الا في الصين، اضافة الى مادة “الليثيوم” التي يقال أن أهمية وجودها في أفغانستان هي بمستوى أهمية البترول في السعودية.

لذا تشكل الحرب الأميركية- الأطلسية الدائرة في تلك المنطقة أولوية جدية بالنسبة لإدارة أوباما، على الرغم من كلفتها الكبيرة ( التي ستتجاوز لهذا العام ، حسب تصريحات الأميرال ستيف ستانلي، كلفة الحرب في العراق، اذ أن التكاليف المطلوبة للعام القادم ستتجاوز 130 مليار دولار بينها 69 مليار لأفغانستان مقابل 61 مليار للعراق).

لقد أوجدت هذه الحرب الاستعمارية الجديدة، الهادفة في آن الى نهب ثروات أفغانستان والسيطرة على المناطق المحيطة، شرخا حادا ظهر في أعلى قمة الهرم العسكري الأميركي وادى الى تغييرات جذرية لا بد وأن تظهر انعكاساتها قريباً، اذ أن قسما أساسيا من هذه القيادات يرى في مشروع باراك أوباما تعزيز الوجود العسكري الأميركي والحليف (حوالي 100 ألف جندي)، خدمة لمصالح الشركات الكبرى، سيزيد من المجازر دون أن يؤمن الانتصار … والجدير ذكره أن المعارضة لم تعد تقتصر على القيادات العسكرية، بل تعدتها الى بعض المسؤولين الأساسيين في الحزب الديمقراطي، أعلنوا امتعاضهم من التوجه لزيادة الأعباء المالية للحرب؛ هذا، عدا عن الوعود المالية التي أغدقها باراك أوباما على حكومة باكستان تحت حجة مساعدتها على القضاء على تواجد مقاتلي القاعدة و”المتمردين الأفغان” داخل حدودها الغربية، بينما الهدف المستتر هو منع الهند من النجاح في المضاربة على الشركات الأميركية بالنسبة للصفقات التي أعدتها الحكومة الأفغانية والتي يتنافس في سبيلها كل من الصين والهند، اضافة الى الولايات المتحدة.

2-الحرب على فلسطين وحقوق شعبها

تحاول الولايات المتحدة، اذا، اعادة تنظيم وجودها في أفغانستان والعراق، والخليج العربي عموما. واذا كانت ادارتها تتحدث عن قرب تنفيذ الانسحاب من العراق، في أواخر آب الحالي وأنها ستبقي فقط 50 ألفا من جنودها، الا أنها لم تلحظ ضمن هذا العدد كل المرتزقة الذبن استقدموا في اطار “بلاك ووتر” وغيرها مما يطلق عليه اسم الشركات الأمنية.

في كل حال، تجدر الاشارة الى أن الادارة الأميركية، وبالرغم من تواجدها العسكري المباشر مع حلفائها في منطقة الشرق الأوسط ، وبأكثر من 500 ألف جندي عدا عن البارجات والقواعد والطائرات الحربية، لم تتخل عن نقطة ارتكازها الأولى في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا والتي تتجسد في اسرائيل.

فبعد الهزائم المتتالية التي منيت بها اسرائيل، وبالرغم من انكشافها أكثر فأكثر أمام الرأي العام العالمي على وقع الجرائم المستمرة التي ارتكبها، ولا يزال، قادتها السياسون والعسكريون ضد الشعبين الفلسطيني واللبناني، ومع وصول مسار أوسلو الى الحائط المسدود، نتيجة الاعتقالات والتهويد والقمع، عادت ادارة باراك أوباما لتعطي دفعا جديدا لهذه الدولة المجرمة باتجاهين أساسيين وبالاستناد الى الانقسام الوطني الفلسطيني والى السياسات التي ينفذها القدة العرب المرتبطين مصلحيا بها:

-الأول، ويكمن في منع المحاسبة الدولية لاسرائيل على الجرائم التي ترتكبها باستمرار، والتي كان آخرها احراق عدة قرى فلسطينية، وتشريد أهلها، وهدم عشرات المنازل في القدس ومنطقتها والاعلان عن النية بجرف 30 قرية في صحراء النقب. كل ذلك انفاذا للمخطط الذي طرحته حكومة نتنياهو-ليبرمان والقائل بالصفاء اليهودي في المناطق الفلسطينية المحتلة عام 1948، وبالتحديد في القدس.

-الثاني، ويتجسد في التراجع عن مبدأ وقف الاستيطان الاسرائيلي في المناطق الفلسطينية المحتلة عام 1967 واعطاء اسرائيل الضوء الأخضر لمتابعة بناء المستعمرات داخل تلك المناطق، في وقت يأمر فيه أوباما الفلسطينيين بالانصياع لقرار العودة الى المفاوضات المباشرة، بمباركة النظام الرسمي العربي الذي لم يحاول حتى أن يتحدث عن ضمانات أساسها اعلان الدولة الفلسطينية المستقلة أوالبت بمستقبل مدينة القدس، أو رفع الحصار المفروض على قطاع غزة، أو خاصة التأكيد على حق العودة الذي لم يتورع نتنياهو عن رفض العمل بموجبه، خلافا للقرار الدولي 194، دون أن تحرك الأمم المتحدة ساكنا في هذا الخصوص.

الى جانب الاهتمام الأميركي باستعادة اسرائيل موقعها ضمن المخطط الامبريالي المسمى “الشرق الأوسط الكبير”، بل ووظيفتها كقوة مرادفة للامبريالية في قمع طموحات الشعوب العربية نحو التقدم، لا بد من الاشارة الى الاهتمام الأوروبي الواسع، بدءا من المواقف التي أطلقها الرئيس الفرنسي ووصولا الى التحركات المؤيدة لاسرائيل في كل الدوائر الرسمية ضمن الاتحاد الأوروبي والتي منعت، حتى الآن، اتخاذ قرارات زجرية بحق الحكومة الصهيونية، ان بعد تقرير القاضي غولدستون حول غزة أم بعد الجريمة الموصوفة التي ارتكبتها البحرية الاسرائيلية ضد “أسطول الحرية”.

لذا، ركز اجتماع الأحزاب الشيوعية المنعقد في دمشق يوم 29 تموز الماضي على القرار الذي كان قد اتخذ ابان الاجتماع الاستثنائي للأحزاب الشيوعية والعمالية العالمية والقاضي باعلان الدولة الوطنية الفلسطينية المستقلة من طرف واحد والعمل بكل الوسائل على تنفيذ قرار حق العودة، مع اتخاذ خطوات عملية لمتابعة الحملة العالمية الهادفة لكسر الحصار عن قطاع غزة.

3-الحرب “الثالثة” ضد لبنان ومقاومته؟

لقد اتفقت الولايات المتحدة مع اسرائيل على تحديد الهدف الثالثك لبنان.

فاسرائيل، التي منيت بهزائم موجعة، منذ العام 1982 وحتى 2006، من قبل المقاومة بأطيافها المختلفة، قد أعدت العدة مجددا للانتقام من هزائمها هذه، مستفيدة من الدعم الأميركي والأوروبي، وحتى مجلس الأمن، ومستندة الى خلايا ارهابية واستخباراتية زرعتها في مواقع استراتيجية داخل لبنان، بدءا بشبكات التجسس التي تم اكتشافها أخيرا في مجالات الاتصالات (الهاتف الخلوي) وفي مراكز سياسية في غاية الأهمبة.

ويقول المطلعون، وأولهم دانيال كارتزر المسؤول في الخارجية الأميركية، أن “حربا لبنانية ثالثة” قد أصبحت وشيكة الحدوث، انطلاقا من سيناريوهين، أولهما يستند الى “هجوم محتمل يقوم به حزب الله من على الحدود”، والثاني يرتكز الى احتمال أن “تلجأ اسرائيل الى الهجوم على حزب الله بهدف تدمير امكانياته في تهديد أمن اسرائيل وبما يسهل لاسرائيل أن تستفيد من هذه الحرب من أجل توجيه ضربة ضد المواقع النووية الايرانية”.

ثالثا- لبنان في مهب الفتنة الداخلية والعدوان الاسرائيلي

والملفت للنظر أن هذا التقرير الذي نشر في تموز الماضي قد ترافق مع مجموعة تطورات ومواقف وتصريحات تدل على أن الخطة قد أعدت باتجاه عمل إرهابي جديد ضد لبنان يمكن له أن يترافق مع اثارة للفتنة الداخلية كما جرى في بداية الحرب الأهلية في العام 1975، مع استبدال العامل الفلسطيني والانقسام المسيحي-المسلم، الذين ميزا تلك المرحلة، بعامل جديد قديم مستوحى من الوضع العراقي الراهن والمتجسد في الفتنة المذهبية الشيعية-السنية، في محاولة لشل حركة المقاومة من الداخل، وهو العامل الأفعل لمصلحة اسرائيل، أو تعطيلها عبر التلويح بالقرار 1701 والوجود العسكري الدولي المناط به تنفيذه.

ويلاحظ المراقب للتطورات المتسارعة دخول المواقف الخارجية المتعددة الاتجاهات على خط الصراع الداخلي اللبناني في محاولة لتأجيجه واطلاق نار الفتنة سريعا.

ولقد استفادت هذه المواقف، وكلها صدر خلال الأسابيع الثلاثة الماضية، من ثلاثة عوامل داخلية لبنانية لتبني عليها:

-العامل الأول: دخول قوات اليونيفيل على خط الصراع ومحاولتها تغيير قواعد الاشتباك المتضمنة في المادة 12 من القرار الدولي 1701، مما دفع بالجنوببين الذين استبيحت قراهم ومنازلهم أن يواجهوا الاختراقات ويعيدوا الأمور الى نصابها.

-العامل الثاني: (المرتبط بما سبق ذكره) انكشاف وجود اتفاقيتين أمنيتين مع كل من الولايات المتحدة وفرنسا تنقلان حرفيا الى لبنان اتفاقات سابقة تمت مع اسرائيل حول ما يسمى “مكافحة الارهااب”، وتؤسسان لتضييق الخناق على كل أشكال مقاومة العدوان والاحتلال ولمراقبة مناطق نفوذ المقاومة الوطنية وبالتحديد حزب الله.

-العامل الثالث: (المسهل للفتنة) الحديث عن قرب اعلان المحكمة الدولية الخاصة بجريمة اغتيال الرئيس اللبناني الأسبق رفيق الحريري لقرارها الظني واعلان أن هذا القرار سيدين عناصر “غير منضبطة من حزب الله ومسؤولين ايرانيين” (؟)؛ وقد سبق لصحبفة “دير شبيغل” الالمانية أن سربت أخبارا من هذا النوع قبل فترة بهدف استثارة ردود فعل مذهبية تؤدي الى الفتنة فالحرب الأهلية.

وترافقت هذه المواقف والسيناريوهات بتطورات مباشرة “على الأرض” دلت، من جهة، أن المخطط قد أصبح شبه جاهز وأن تطبيقه مرهون بالشكل الذي ستتخذه الفتنة.

من هذه التطورات، نذكر:

– اعلن الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي انه طلب الى نتنياهو ابلاغه بموعد العدوان القادم، افساحا في المجال أمام اتخاذ التدابيرالآيلة لحماية جنوده المتواجدين في قوات اليونيفيل، مع طلب مباشر بتحييد هؤلاء الجنود؛ علما أن القوات الفرنسية التي كانت متواجدة ابان عدوان 2006 لم تكتف بحماية نفسها، بل سهلت يومها على اسرائيل ضرب أهالي مروحين عندما رفضت استقبالهم مما سهل على المعتدين قصف قافلتهم وقتل 28 مدنيا، بينهم 11 طفلا.

– في الفترة نفسها، حدد غابي اشكينازي رئيس أركان قوات العدوان الاسرائيلي أن الوضع الداخلي اللبناني سينفجر في أيلول على وقع اصدار المحكمة الدولية القرار الظني في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، اي أنه أعلن ما سيصدر عن تلك المحكمة حتى قبل اتخاذها قرارا بذلك.

– ترافق هذا التحيد مع تصريحات متعددة من قبل قادة العدو الاسرائيلي والتي كان آخرها تصريح وزير الحرب ايهود باراك الذي هدد بضرب المؤسسات الحكومية اللبنانية في حال تعرضت اسرائيل لهجوم من قبل حزب الله (؟)

-في أواخر شهر تموز الماضي، قال فيليب كراولي، الناطق باسم وزارة الخارجية الأميركية : “اذا ضرب صاروخ على اسرائل فمن حقها الدفاع عن نفسها”. وقد أتى هذا التصريح، في وقت كان فيه مساعد وزير الدفاع الأيركي يزور قوات الطوارئ الدولية في الجنوب وقبل قليل من اعلان وزارة الدفاع الأميركية أن خطة العدوان على ايران قد أنجزت.

وكان آخر التطورات عقد عدد من القمم العربية السريعة، بدءا بقمة شرم الشيخ (28 تموز) ووصولا الى قمتي دمشق وبيروت، حيث كان القاسم المشترك التحرك السعودي الذي، على ما يبدو، لم يصل الى نتيجة مع الأميركيين الذين يصرون، كما أصرت كوندوليسا رايس وجون بولتون ابان عدوان 2006، على جعل اسرائيل تحظى بفرصة جديدة تحاول فيها قهر المقاومة الوطنية اللبنانية، بالاستفادة من العوامل المذهبية اللبنانية وكذلك من امكانية تحريك الوضع العسكري على الحدود اللبنانية الجنوبية في حال فشل الحل الأول.

من هنا، لم يكن العدوان الذي قامت به اسرائيل ضد مواقع الجيش اللبناني في قرية العديسة الحدودية الجنوبية مفاجئا من حيث التوقيت ولا من حيث الأهداف: فما كانت تنتظره اسرائيل هو انزلاق حزب الله والمقاومة الوطنية عموما في الشرك للرد المباشر على العدوان واطلاق الصواريخ على اصبع الجليل، بما يحول عدوانها الى دفاع عن النفس ويفسح في المجال أمامها لتوجية ضربات جوية الى أهداف مدنية محددة بحجة أن الصواريخ انطلقت من هناك. وهذا الجزء من الخطة سبق لإسرائيل أن نفذت مثله في العام 1996 يوم قصفت الأطفال والمدنيين داخل خيمة الأمم المتحدة في قانا.

أما بالنسبة لقوات الطوارئ التابعة للأمم المتحدة، فبدا موقفها وكأنها كانت على شبه علم بما يجري، فهي تراجعت عن الخط الأزرق ولم تحرك ساكنا الا بعد فترة، كما أن مجلس الأمن، الذي تلقى “شكوى اسرائيلية” ضد رد الجيش اللبناني على عدوان طال أرضا لبنانية، قد طلب الى اليونيفيل “اجراء تحقيقات ميدانية لمعرفة ملابسات الحادث على الأرض”.

كل هذه الأمور مجتمعة تجعلنا نتوقف عند نقاط أساسية نرى في اثارتها أهمية الحفاظ على وطننا ومقاومتنا، وكذلك ضمان السلم الأهلي لشعبنا وعدم تعريضه مرة جديدة الى مؤامرات اسرائيل وعدوانيتها المدعومة من الولايات المتحدة والتي تلقى السكوت، حتى لا نقول التعاطف، من قبل الاتحاد الأوروبي الذي صرح قادته تباعا، بدءا بالرئيس ساركوزي ووصولا الى المستشارة أنجيلا ميركل ورئيس الوزراء الايطالي برلوسكوني، بأنهم يدعمون كل المواقف الاسرائيلية في المنطقة…

•أولى هذه النقاط هي أن القرار 1701، الذي كان الحزب الشيوعي اللبناني المتحفظ الوحيد على بنوده التي تعطي اسرائيل حق القيام بما سمي “عمليات دفاعية” في لبنان لم يحم لبنان من العدوان على أرضه ومائه وسمائه؛ لذا، فهو بحاجة الى اعادة نظر جوهرية ان في هذا المجال أم في مجال الدور الذي يجب أن تلعبه قوات الطوارئ على الحدود وكذلك ابتعادها عن أي دور سياسي أو أمني داخلي.

•ُثانية هذه النقاط تكمن في ضرورة، تحصين المواجهة الوطنية ووضع خطة إستراتيجية وطنية لمقاومة خطر العدوان الاسرائيلي الدائم، من خلال إعادة تأهيل الجيش وامداده بكل الأسلحة التي تمكنه من الدفاع عن الوطن في وجه المعتدين، مع ما يجب أن يرافق ذلك من دور للدولة في المناطق الحدودية، ان لجهة تأمين مقومات الصمود أم لجهة الدعوة الى التعبئة الشعبية العامة بالتنسيق مع المقاومة الوطنية بكل أطيافها.

•ثالثة هذه النقاط تتعلق بتحصين الجبهة الداخلية بوضع خطة سياسية-اجتماعية متكاملة تمنع الفتنة وتواجه الداعين لها، مع التركيز في المرحلة القريبة القادمة على الجانب الأمني، لأن اسرائيل غالبا ما لجأت الى التفجيرات الداخلية والاغتيالات لتمرير مشاريعها ضد وطننا.

•رابعة هذه النقاط ترتكز الى التحرك باتجاه الرأي العام العالمي الذي يمكن أن يكون له دوره في دعم شعبنا بوجه العدوان الذي يحضر ضده من قبل اسرائيل والولايات المتحدة. ونشير في هذا المجال الى دور مميز لا بد وأن تلعبه الأحزاب الشيوعية والعمالية العالمية في تعبئة الرأي العام لمواجهة العدوان الجديد والمخططين له.

لجنة العلاقات الخارجية

في الحزب الشيوعي اللبناني

بيروت في 3 أب 2010

Advertisements

About منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني

موقع منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني
هذا المنشور نشر في الحزب الشيوعي اللبناني. حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s