مئة واربعون عاما على مولده.. لينين: التقديس, الانكار, وشجرة الحياة ؟

مئة واربعون عاما على مولده.. لينين: التقديس, الانكار, وشجرة الحياة ؟

بسام الهلسه

alhalaseh@gmail.com

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?t=4&aid=213395

*الرجل الذي شغل القرن العشرين وكان الشخصية الاكثر نفوذا وانتشارا فيه,لم يعد يذكره سوى اتباعه في البلدان والاحزاب التي احتفظت بعقيدتها الشيوعية ولم تنقلب على ماضيها.

انه فلاديمير ايليتش لينين باني الحزب البلشفي وقائد الثورة الاشتراكية في روسيا ومؤسس الاتحاد السوفييتي واحد الكبار الذين يتعدى تأثيرهم فترة اعمارهم(ولد في العام 1870وتوفي في العام 1924),ويتجاوز نطاق اممهم ولغاتهم وبلدانهم.

فحتى تفكك الاتحاد السوفييتي وانهيار الانظمة الاشتراكية في اوروبا الشرقية في اواخر القرن الماضي,ظل لينين حاضرا بقوة هائلة,ليس في وطنه روسيا فحسب,ولا في الدول الاشتراكية فقط,بل في عموم قارات وبلدان العالم التي ترجم تراثه الضخم الى لغاتها او قرأته بلغات وسيطة. ولم يشمل تأثيره المنتمين الى الدول والاطارات الشيوعية فقط,وانما امتد ليطال حتى المختلفين مع الشيوعية الذين اطلعوا على هذا الجانب او ذاك من تجربته العملية او من تنظيره في الشؤون المختلفة:السياسية,الاقتصادية,التنظيمية والادارية,الاستراتيجية والتكتيكية,الثقافية,الثورية والفلسفية…

لكن هذا الحضور المهيمن في العالم, يبدو اليوم كذكرى بعيدة من زمن غابر.. فحتى في الدول والاحزاب التي ما تزال ترفع راية الشيوعية, جرى اقصاء تعاليم لينين او معظمها, ولم يعد ينظر اليها بوصفها المرجع الاول ـ الى جانب تعاليم كارل ماركس ـ الذي تحتكم اليه في صياغة رؤيتها وبرامجها ومواقفها واجراءاتها.

اما في صفوف القوى الاشتراكية واليسارية غير الشيوعية, فلا أثر يبدو اليوم للرجل الذي كانت ظلاله تمتد اليها فيما مضى بهذا القدر او ذاك. واذا ما جرى تذكُره في مناسبة ما, فانه يواجه بالنقد سواء فيما يتعلق باطروحاته النظرية او بتجربته التطبيقية. وبشكل اساسي اخذت عليه نزعته المثالية التي احلَت الوعي والارادة الذاتية محلَ معطيات الواقع الموضوعي وممكناته, مما قاده الى استباق المراحل والتعجيل بالثورة الاشتراكية في بلد غير ناضج لها هو روسيا, الامر الذي ادى الى اتباع العنف في بناء النظام الجديد وتأمين احتفاظه بالسلطة. واخذ عليه فهمه وتطبيقه للديمقراطية الاجتماعية(الاشتراكية) كنقيض للديمقراطية السياسية التي حققتها الانظمة الرأسمالية المتطورة, وليس كمطور ومتتم لها. كما اخذ عليه احلاله للحزب وللقائد محل الطبقات والجماهير الكادحة, مما ادى ـ خصوصا في الحقبة الستالينية ـ الى بناء دولة شديدة المركزية تقرر مختلف جوانب الحياة, والى تكريس نمط القائد ذي السلطات الكلية, وهيمنة طبقة الموظفين البيروقراطيين على المنتجين بدلا من ان يعملوا في خدمتهم.

* * *

لسنا هنا في مجال مراجعة اللينينية التي كانت تذكر في العادة مقرونة بالماركسية بصفتها الشرح الصحيح والتطوير الخلاق لها في عصر الامبريالية والثورة الاشتراكية. فبعض اهم المآخذ عليها تعود الى ماركسية ماركس بالذات, التي صاغت منظورا للتاريخ البشري مستمدا من استقراء التجربة الاوروبية, قامت بتعميمه على كل العالم. واشتقت من هذا المنظور فهما مغلقا لسيرورة وتعاقب مراحل التاريخ الذي رأت انه يجري بطريقة حتمية ضمن اطوار خمسة( المشاعية البدائية, العبودية, الاقطاع, الرأسمالية, الشيوعية).

هذا المنظور المعروف باسم ” المادية التاريخية” كان بمثابة قانون الايمان بالنسبة لماركسيي القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين, الذين اعتقدوا بصورة جازمة ان تطور الرأسمالية سيفضي بشكل محتوم لا مرد له الى اندلاع الثورة الاجتماعية(الاشتراكية) في دول الغرب الراسمالية المتقدمة.

وما دمنا بصدد لينين, فإن الانصاف يقتضينا ان نذكِر بأنه كان الوحيد من بين الماركسيين الذي تجاوز هذا المنظور وقدَر ان الثورة قد خبت في اوروبا التي تتشارك طبقاتها العاملة مع امبريالياتها في نهب ثروات الامم, ورأى ان وعود الثورة قد انتقلت الى البلدان والامم المستعمرة وشبه المستعمرة والتابعة. وقد ثابر على تأييد كفاحها ضد الاستعمار وضد مخلفات العصور الوسطى, وحقها في تقرير المصير وبناء دولها القومية المستقلة, فيما كانت اغلبية الماركسيين ـ ان لم يكن جميعهم ـ تنظر الى كفاح وحقوق هذه الامم بشكل سلبي او لا تعيره التفاتا.

من جانب آخر, كان لينين اول ماركسي يلتفت الى الفلاحين المعدمين ويدرك اهمية تحالف العمال معهم. وهذه المسألة التي تبدو اليوم مألوفة, كانت في حينها احدى اهم مسائل الاستراتيجية فيما يخص تحديد القوى المكونة والمحركة للثورة, فقد كان الماركسيون يعلقون آمالهم على الطبقة العاملة فقط كقوة حاملة للثورة الآتية غدا او بعد غد!

اذاً, بافكاره ومفاهيمه, وبقيادته للثورة الاشتراكية وبناء دولتها الاولى في التاريخ في روسيا المتخلفة, نصف الاوروبية ونصف الآسيوية, نزع لينين الرداء الاوروبي عن الماركسية, وفتح امامها الباب لترتحل في العالم غير الاوروبي حيث اصطبغت بألوان البيئات الجديدة التي حلت فيها.

* * *

ربما لم يحن الوقت بعد لتقديم اجابة نهائية للسؤال عما تبقى من لينين واللينينية.. فإذا كان لينين قد ظلم مرتين:( بتقديسه في الاولى, ثم انكاره وتجاهله فيما بعد), فإن تجربته ودوره وارثه ينبغي ان يكون موضوعا للمراجعة والتقييم كواحد من كبار صانعي التاريخ, سواء نظر اليه من زاوية منجزاته, او من زاوية جناياته. وفي كل الاحوال يتعيَن على المنشغلين من الرجال والنساء, بمواجهة الاستعمار والعنصرية والعولمة الامبريالية وكل اشكال اضطهاد واستغلال البشر, ان يقترحوا الاجابات على الاسئلة المتعلقة بمظالم عصرنا وخلل بنيته, وان يتقدموا برؤاهم لسبل خلاص المستضعفين في الارض. وهي اقتراحات ورؤى مطلوبة بالحاح كبير, ويفترض ــ ويجب ـ ان تستمدَ نسغها من التجربة الواقعية المعاشة التي هي اصدق, واعقد, واغنى من كل النظريات والنصوص اذا ما استعدنا عبارة “غوته” المجازية عن شجرة الحياة الخضراء.

ومن البديهي ان الاحياء ادرى من الاموات بهمومهم وبشؤون دنياهم, فهم من يتألمون.. وهم من يأملون..

Advertisements

About منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني

موقع منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني
هذا المنشور نشر في لينين. حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s