التقرير السياسي الصادر عن اللجنة المركزية للحزب الشيوعي اللبناني

التقرير السياسي الصادر

عن اللجنة المركزية للحزب الشيوعي اللبناني

دورة الشهيد عساف ابو رحال

بيروت، أول ايلول، 2010

عقدت اللجنة المركزية في الحزب الشيوعي اللبناني دورة اجتماعات لها، لمناقشة تطورات الوضع السياسي العام في البلاد والمنطقة، واطلقت على الدورة أسم دورة ” الرفيق الشهيد عساف أبو رحال، واصدرت التقرير السياسي التالي:

يتجه الوضع في المنطقة إلى إعادة تحريك او إنهاء لمرحلة الستاتيكو، او الاستقرار النسبي، التي شهدها خلال الاشهر الماضية بفعل ما اصاب المشروع الاميركي من تعثر ونكسات في كل من افغانستان والعراق وبفعل الهزائم التي اصيبت بها اسرائيل بعدعدوانها على لبنان (2006) وعلى غزة. ومرد التحريك هذا يعود الى ان عامل الوقت في استمرار الوضع القائم على ما هو عليه ستكون له نتائج سلبية على المشروع الاميركي ـ الاسرائيلي عموما وعلى الإنتخابات النصفية للكونغرس الاميركي في ت2 القادم، خاصة بعد الانسحاب من العراق والمراوحة في أفغانستان، في وقت تتعزز فيه الحملة العالمية المناهضة لجرائم “اسرائيل” ضد الشعب الفلسطيني و تتحسن وضعية كل من ايران وسوريا ومعهما المقاومة في لبنان وفلسطين، إضافة الى التغيرات الدولية والاقليمية الناشئة (تطور وضع الصين وروسيا وتركيا) وآفاق التطور السلبي للازمة الاقتصادية العالمية التي بدأت تضرب اوروبا (اليونان وخلفها اسبانيا والبرتغال بشكل غير معلن) بقوة بعد ان تعمقت في الولايات المتحدة.

وإذا كان عدوان اميركي ـ إسرائيلي شامل على غرار ما اقدم عليه جورج بوش غير ممكن الان، إلا ان الضربات المحدودة، أو، بخاصة، اثارة الفتن والحروب المتنقلة، هي المرجحة من أجل تثبيت وضع هنا، أو تحسين شرط هناك، أو إعادة الاعتبار لموقع هنالك.>>>> المزيد

اولاً: لبنان بين الفتنة الداخلية والعدوان الاسرائيلي

1 ـ الأوضاع السياسية

ـ افاد لبنان خلال الاشهر الماضية من المناخ الانتظاري ومرحلة الإرتباك الاميركي الذي انعكس او سمح للتقارب السعودي ـ السوري في ان ينتج تسوية تمثلت بالوضع الذي شهده البلد منذ الانتخابات النيابية حتى اليوم، مروراً بتشكيل الحكومة واعادة العلاقات مع سوريا …الخ

ـ هذه التسوية الناتجة من الظروف الاقليمية أملت على القوى الداخلية ـ بتبعية قل نظيرها، ومن دون خجل ـ ان تخضع لسقفها السياسي ـ الانتظاري، في وقت لم يكن احد من هذه القوى راضياً عن توازناتها الداخلية، بل يتحين ـ او ينتظر ـ الفرصة للالتفاف او الانقلاب عليها.

ـ من نافل القول ان هذا المناخ لم تكن وظيفته معالجة القضايا الخلافية الداخلية. بل بالعكس كان جوهر التسوية ان تستمر عناوين الخلافات الداخلية وارتباطها الاقليمي حاضرة، وان لا يجري التسليم بشرعية الوضع القائم ابداً، هكذا جرى ربط نزاع في البيان الوزاري حول سلاح المقاومة وشرعيتها، وهكذا بقي ربط نزاع في العلاقة مع سوريا، وبقي موضوع السلاح الفلسطيني ومجمل العلاقة مع الفلسطينيين معلقاً، الى الخلاف حول طاولة الحوار ووظيفتها …. وصولاً الى الخلاف حول العمالة ومخاطرها. وفوق كل ذلك بقيت الخيارات الطائفية هي الحاضنة لذلك ومادة التعبئة حولها واداة المحافظة عليها لاستثمارها لاحقاً.

 ففي الوقت الذي بدأ فيه الحراك الاقليمي يطل برأسه بدأت الساحة الداخلية تهتز متناغمة معه. وتنذر بدخول لبنان مرحلة جديدة شديدة الخطورة قابلة للتوظيف في اكثر من اتجاه، يمكن رسم ملامحها في اكثر من عنوان:

أ- دخول العدو الاسرائيلي على خط التوتر والتصعيد ضد لبنان، من خلال الخروقات الإسرائيلية والإعتداءات المتمادية والتي كان آخرها ضد الجيش اللبناني في العديسة، الى التهديدات المتواصلة والاستعدادات العسكرية التحضيرية (من المناورات العسكرية ـ الى طلب كميات كبيرة من وقود الطائرات والدبابات ـ الى نقل لواء كفير من الضفة الغربية الى الحدود الشمالية) تمهيدا لعدوان جديد ثأراً لهزيمة العدو الصهيوني في تموز عام 2006، ولإعادة الاعتبار لوظيفة هذا الكيان ولدوره ، ما يسهل عليه تحقيق وتنفيذ مشروعه في إنهاء القضية الفلسطينية.

ـ محاولة دولية لتغيير قواعد الاشتباك في الجنوب، يسهل على هذه القوات تأمين المساعدة لاسرائيل في اعاقة حركة المقاومة في التصدي للعدوان.

ـ تصعيد سياسي مترافق مع تجييش طائفي ومذهبي داخلي حول مجموعة من العناوين:سلاح المقاومة ـ القوات الدولية ـ العملاء ـ اختراق شبكة الاتصالات مترافق مع حركة سياسية اقليمية ودولية للقوى التي ارتبطت بالمشروع الاسرائيلي سابقاً. وصولا الى الحملة المشبوهة على الجيش اللبناني بحجة تخلفه عن التدخل السريع لحسم احداث برج ابي حيدر في حين تخفي موقفاً من تصديه للعدو الاسرائيلي في العديسة.

ـ الاعلان او تسريب مضمون القرار الظني للمحكمة الدولية وتوقيت صدوره بما يخدم احداث فتنة داخلية طائفية ومذهبية تلبي حاجات متعددة:

ـ جر المقاومة لحرب داخلية واستنزافها، بما يسهل على اسرائيل القيام بعدوانها. ويعطل التماسك الوطني والالتفاف حولها.

ـ الصراع المذهبي يساعد ويتقاطع مع مثيله في العراق لتعميمه في المنطقة بما يخدم الاستعداد للمواجهة مع ايران مذهبياً ، وتشديد الحصار عليها، تمهيدا لضربها أو اخضاعها للمشروع الاميركي.

ـ شعور حزب الله بخطورة ما يحاك ضده، وتغيير مجرى اللعبة الدولية باتجاه تحجيم دوره.. وهو بغير وارد الانتظار حتى صدور القرار الظني لالباسه التهمة، لذلك يسعى لخلق مناخ داخلي رافض للقرار الظني، على قاعدة عدم صدقية المحكمة وعدم شرعيتها، واعلاء المخاطر الناجمة عن قرارها عله يستطيع اجراء تعديل على قانونها، ولو اقتضى ذلك تعديلاً في ميزان القوى الداخلي.

ـ هذه التطورات استدعت انعقاد القمة الثلاثية السعودية ـ السورية ـ اللبنانية. التي يمكن التوقف عند عدد من الدلالات التي صاحبت انعقادها ونتائجها.

ـ القمة لم تكن بحجم ما كان متوقعاً منها، اوبمعنى ادق لم تجب عن القضية التي استدعت انعقادها.

ـ فقد ركز بيانها الختامي على قضايا عامة: التهدئة، نبذ العنف والفتنة، التزام الحوار والاستقرار والتهدئة، واستكمال تنفيذ الطائف والحفاظ على اتفاق الدوحة وحكومة الوحدة الوطنية…..الخ

ـ في حين خلا بيانها الختامي من ذكر المحكمة الدولية التي كانت في اساس انعقادها. مما يوحي انه لا توافق على مخرج لهذا الموضوع، سوى الاستنتاج النظري انه جرى القبول بوعد تاخير إصدار القرار الظني؟ دون ان ننسى صعوبة تعديل مسار المحكمة والقرار الظني، ليس فقط بسبب العجز او عدم القدرة، انما ايضاً بسبب الرغبة بالاحتفاظ بورقة ثمينة لاتهام حزب الله او ايران ينبغي الحرص عليها بمعزل عن وقت استخدامها.

ـ كرست القمة استمرار الرعاية (الإرتهان) السورية ـ السعودية للوضع الداخلي.

ـ كرست استمرار الانقسام: حيث قام كل طرف بابلاغ جماعته بالاتفاق. اذ لو كان الاتفاق تاماً لكانت حصلت مصالحة او ابلاغ مشترك.

ـ كرست تعزيزاً للوضع السوري في لبنان حيث جرى استبعاد القوى التي تشهر العداء لسوريا: القوات والكتائب والبطريرك، وربما نشهد في الايام المقبلة تخفيفاً للنبرة المعادية لسوريا من قبل بعض تيار المستقبل.

ـ القمة لا تعدو كونها “محاولة” تعليق (أو تأجيل) للازمة الداخلية ربطاً بالتطورات والملفات الاقليمية، حيث جاءت ضمن نشاط وحركة سعودية بدأت من الولايات المتحدة الى مصر الى سوريا الى الاردن، وتحمل ملفات من العراق وايران الى فلسطين ولبنان. بما يجعل الموضوع الداخلي اكثر ترابطاً مع ملفات المنطقة.

– ان قراءة متأنية للوضع الداخلي في ضوء التطورات الاقليمية، سواء المتعلق منها بسقف التسوية التي يجري الاعداد لها على المسار الفلسطيني، وما تحتاج اليه من تغطية لامرارها، او نتيجة للتهديدات الاسرائيلية المستمرة ضد لبنان، او نتيجة استخدام المحكمة الدولية اداة لاحداث فتنة داخلية، تظهر ان لبنان قادم خلال الاشهر المقبلة على تطورات عاصفة وعلى اوضاع داخلية متأزمة، يساعد على ذلك استمرار الاستقطابات الطائفية والفئوية المرتهنة للخارج.

ـ لذلك ، فإن الحزب يؤكد مجددا على أهمية حماية السلم الاهلي وتحصين الوضع الداخلي في مواجهة المشروع الاميركي ـ الإسرائيلي بصفته الخطر الرئيسي في المنطقة، ويدعو في الوقت عينه للتنبه الى مخاطر جر لبنان الى صراعات وفتن داخلية طائفية او مذهبية هدفها اضعاف وتفتيت الساحة الوطنية وشرذمتها اكثر فأكثر، ما يسهل القضاء على مقاومته، وعلى موقع لبنان في الصراع الدائر في المنطقة.

ـ والحزب اذ يدعو الى ذلك، ينطلق من إعتبار العدوان الاسرائيلي والفتنة الداخلية وجهان لعملة واحدة، فهو ليس محايداً في هذا الصراع، بل هو في موقع المواجهة من موقعه الوطني الديمقراطي المقاوم. ويرى ضرورة ان يجري الاستعداد لتنظيم هذه المواجهة على أسس وطنية سليمة، تمنع او تعيق المشروع الاميركي ـ الاسرائيلي من تحقيق اهدافه وغاياته.

ـ وفي اطار المواجهة هذه، يرى الحزب ان لدى الشيوعيين من الكفاحية والإمكانيات والطاقات لان يلعبوا دوراً كبيراً في التصدي لاي عدوان اسرائيلي محتمل، وفي هذا المجال على مختلف هيئات الحزب الاستعداد ووضع الخطط اللازمة وتحضيرها على المستويات السياسية والقتالية والشعبية كي يكونوا جنباً الى جنب مع قوى المقاومة الاخرى في مختلف اشكال التنسيق والتعاون الممكن والضروري.

ـ اما في الموضوع الداخلي حيث يسعى المشروع الاميركي ـ الاسرائيلي الى احداث فتنة طائفية على خلفية القرار الظني للمحكمة الدولية بهدف جرى المقاومة الى اقتتال داخلي استناداً الى بنيتها المذهبية بهدف عزلها وضرب صدقية مشروعها واضعافها فان حزبنا:

ـ يرى ان المحكمة بصيغتها الراهنة لا تتوخى العدالة، بل تحولت الى اداة سياسية تسعى الولايات المتحدة، من خلال موقعها المهيمن على المؤسسات الدولية، لتوظيفها في خدمة اهدافها ومشاريعها، كما سقطت مشروعيتها على مدى السنوات الاربع الماضية في ما جرى ترويجه من اتهامات تبين عدم مصداقيتها. لذا فان اعادة الاعتبار الى المحكمة يقتضي محاكمة شهود الزور، واعادة النظر بقانونها والتحكم الدولي بها لسحب اليد الاميركية ـ الاسرائيلية عنها، والتوسع في تحقيقاتها لتطال العدو الصهيوني.

ـ يحذر الحزب من الإنزلاق الخطير والإنجرار الى الفتنة المذهبية لان في ذلك سقوط لمشروع المقاومة، وهو انجرار الى اقتتال زواريب لن ينتصر فيه سوى مروجي الفتنة ومدبريها.

ـ ان الفتنة لها مخطط واحد، لكنها لن تنفذ الا اذا سقط طرف ثان فيها. واصحاب الفتنة يدركون جيداً الفارق والاختلاف ـ في حزب الله ـ بين دوره المقاوم والبعد الوطني لهذا الدور، وبين بنيته المذهبية، فاذا كان المشروع الاميركي ـ الاسرائيلي يريد النيل من هذا الدور المقاوم لحزب الله فانه يعي تماماً ان توجه الفتنة لهذا الدور مباشرة لن يضعف المقاومة بل يعزز وضعها، وسيكون الضعف من نصيب ادواته ووسائله، ولن تكون هناك فتنة مذهبية مستترة، بل سيكون ذلك مشروعاً سياسياً متآمراً من السهل محاصرته وضربه وطنياً. لذلك يتوجه اصحاب الفتنة الى بنية حزب الله المذهبية لاستدراجها بهدف ضرب دوره المقاوم. من هنا مسؤولية مضاعفة على حزب الله تحديداً باعتباره هو من يقود عمل المقاومة اليوم ان يخفف من تاثير البنية على حساب الدور للمحافظة على مشروع المقاومة وتاكيد التفاف الشعب اللبناني حوله. اما طغيان البنية على الدور المقاوم، واستسهال ذلك، حتى لو كان رد فعل على استدراج او استفزاز فانه سيوقع الحزب في المحظور وسيجره الى حيث لا يشاء من المعارك.

ـ اكثر من ذلك، وأبعد من المحكمة الدولية وقرارها الظني، يرى الحزب ان البلاد اليوم تعيش اجواء مولدًة للفتنة من دون قرار ظني. فحالة الاستقطاب الطائفي الحاد والإنقسامات وإثارة النعرات والغرائز تخلق مناخاً مولداً للفتنة المذهبية على اتفه الاسباب. وربما لم يعد المشروع الاميركي ـ الاسرائيلي بحاجة الى القرار الظني وملابساته لاحداث الفتنة بوجود ادوات بديلة، وما احداث برج ابي حيدر الا خير دليل على ذلك، فهي احتوت كل عناصر الفتنة ومراميها بما رسمته من مسار يمكن أن تتخذه الأحداث، حيث بسرعة تحولت من اشكال تافه الى معركة شوارع وزواريب، كادت تخرج عن السيطرة، ومن حادث محصور بين اخوة واصدقاء الى دخول اخرين مندسين ومصطادين، ومن اشكال بسيط الى سعار طائفي، ومن قضية ركن سيارة الى قضية مدينة، ومن استهداف مكان في الشارع الى استهداف طائفة. وتحول سلاح المقاومة من سلاح مشروع الى خارج على القانون وسلاح ميليشيا يجب استئصاله، حتى يرتفع شعار “بيروت منزوعة السلاح” بشكل منظم ومدروس بهدف النيل من سلاح المقاومة.

ـ في هذا المشهد يرى الحزب ان الفتنة الطائفية هي أخطر ما يصيب مشروع المقاومة بمصداقيته، مهما كانت طبيعة القوى التي تقف خلف الفتنة ونوعية هذه القوى، فانها لن تكون الا فتنة طائفية ينبغي عدم الانجرار اليها اوالوقوع في آتونها. وهو لن يكون جزءاً منها، لان الاقتتال الطائفي اوالمذهبي لا افق سياسياً له، بل افقه الوحيد المزيد من الخسائر والدمار وتعزيز الضغائن والاحقاد، والمزيد من الانقسام المجتمعي والاصطفاف على اساس غرائزي وعصبوي، لا تمييز فيه بين المقاوم والعميل وبين الوطني وغير الوطني، ثم الجلوس مجدداً الى طاولة المحاصصة الطائفية بتوبيس اللحى تمهيداً لجولة جديدة بعناوين طائفية جديدة.

ـ من هنا يرى الحزب ضرورة تلازم مشروع المقاومة مع مشروع التغيير الديمقراطي في الداخل، وهو ما يشكل عنصر تمايزه، ويدعو الى تبني مشروع اصلاح سياسي ديمقراطي يعيد تنظيم الانقسام في البلد على اسس وطنية بديلاً للانقسامات الطائفية القائمة التي تحاصر المقاومة وتعزلها، اوتحرمها من قوى وفئات ستكون الى جانبها لو ان الانقسامات كانت على اسس وطنية. هذا البرنامج يؤمن البعد الوطني للمقاومة في مواجهة اي عدوان اسرائيلي جديد، وفي مواجهة أي فتنة طائفية أو مذهبية داخلية جديدة ، وهو الذي يشكل الضمان لسلم اهلي حقيقي.

ان الحزب، رغم امكانياته المحدودة في التاثيرعلى موازين القوى الطائفية، لن يكون محايداً، بل سيسعى، من موقعه المقاوم ومن رؤيته الوطنية الشاملة لموجبات مواجهة المشروع الاميركي ـ الاسرائيلي، كي يكون هذا المشروع مشروعاً وطنياً جامعاً من خلال:

ـ اجراء حملة صلات سياسية واسعة تشمل جميع القوى والفعاليات لوضعها امام مسؤولياتها بهدف تحصين الوضع الداخلي في مواجهة المؤامرات والمشاريع الاميركية ـ الاسرائيلية، سواء استخدمت أداة الفتنة داخلية ام أداة العدوان الاسرائيلي.

ـ العمل مع القوى الوطنية التي تلتقي معنا على مواجهة المشروع الاميركي ـ الاسرائيلي لتبني هذا المشروع والتجميع على اساسه.

ـ العمل لخلق مناخ سياسي وشعبي ضاغط من اجل منع إحداث فتنة طائفية والتحذير من مخاطرها على الوطن والمقاومة، والكشف عن حقيقة إستخدام المحكمة الدولية كأداة في خدمة اهداف المشروع الاميركي- الاسرائيلي، وإبقاء قراراتها الظنية سيف مسلط على لبنان ومقاومته ووحدته، وعلى سلمه الاهلي.. وذلك من خلال تحرك للحزب على عدة مستويات: القوى السياسية ـ المثقفين ـ مؤسسات المجتمع المدني ـ والمستوى الشعبي، واستخدام كافة الاشكال من العريضة والبيان والاعتصام والتظاهر وصولاً الى عقد مؤتمر وطني من اجل منع الفتنة.

2 ـ الأوضاع الاقتصادية-الاجتماعية

لقد روّج أهل الحكم طويلا للوعود التي تضمنها البيان الوزاري، وإنتظر المواطنون تجسيد أوّل ترجمة فعلية لتلك الوعود في مشروع موازنة عام 2010. إلا أن التوجهات الاقتصادية والاجتماعية الأساسية التي إنتظمت هذا المشروع، ظلّت محكومة الى حدّ كبير بشبكة المصالح الطبقية والفئوية المتحيّزة ضد الفئات المتوسطة والفقراء. ولم يغيّر الشيء الكثير في هذه التوجهات، بروز بعض الجوانب الجديدة نسبيا في مشروع الموازنة، والتي جاءت كنتيجة لتوازن القوى المستجدّ داخل التركيبة الحكومية

أ ـ الموازنة: بيان محاسبي لموازنة طبقية

لقد طغى على مشروع الموازنة طابع “البيان المحاسبي” الذي يخفي، إن لجهة بنية أبواب الأنفاق أو لجهة بنية مصادر الإيرادات، إستمرار عملية إعادة إنتاج المصالح الطبقية للتحالف الممسك بالسلطة، ومتعاون مع اصحاب المصارف وزعماء الطوائف. ويعتبر المشروع في أفضل الحالات محاولة لـ”تدبير الأحوال”، ولا يرتقي بالتالي إلى مرتبة التأسيس لمرحلة جديدة، بحسب ما وعد به البيان الوزاري. وهو يثير مخاوف جدية من إحتمال مفاقمة أزمة الدين العام وخدمته، التي لطالما إستخدمت كحجّة للإبقاء على معدلات الفائدة المرتفعة وللترويج الفظّ ل”فوئد الخصخصة ومعجزاتها”، في وقت تراجعت فيه الفوائد عالميا الى أدنى مستوياتها، وإنحسرت موجات الخصخصة الى أضيق نطاق. ومن الواضح أن مشروع الموازنة يعد بقدر أكبر من المعاناة لفقراء شعبنا، وبمزيد من الهجرة للشباب الباحثين عن العمل، ويعزّز إستمرار المحاصصات الفوقية بين أطراف الحكم والمتنفذين من رجال الأعمال، كوسيلة للإبقاء على سيطرة الزعامات الطائفية – الطبقية على “جماهيرها”.

ب ـ مليارات الدولارات من الضرائب غير المباشرة تذهب الى قلّة من الميسورين

إن اسوأ ما في مشروع الموازنة هو استمرار إرتفاع خدمة الدين العام، المقدّرة بنحو ٤٫٤ مليار دولار أي ٣٥٪ من مجموع الإعتمادات، مما يعكس تقصير وتواطؤ الدولة إزاء وجوب إعادة التفاوض مع المصارف لكسر معدلات الفائدة وهوامشها. ومع النمو المطرد في خدمة الدين، من الطبيعي أن يتواصل الإرتفاع في حجم الإقتطاع الضريبي، مصحوبا بتعمّق الخلل في أسس ومرتكزات السياسة الضريبية. فقد ارتفعت الإيرادات الضريبية بمعدل الضعفين كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي خلال العقدين المنصرمين، واستمر الفقراء وأبناء الطبقة الوسطى في المدن والأرياف يتحملون الجزء الأكبر من عبء هذه الايرادات، في شكل ضرائب ورسوم متنوعة على الإستهلاك. وقد شكّل بندا الضريبة على القيمة المضافة والضريبة على الاستيراد والتجارة وحدهما نحو ٦٠٪ من إجمالي الايرادات الضريبية، وهذا ما يعتبر من أعلى السقوف عالميا بعد إضافة الرسوم الأخرى غير المباشرة مثل الرسوم على الإتصالات والمحروقات. وفي المقابل بقيت ضريبة الدخل، لا سيما الضريبة على أرباح الأغنياء، مستقرة عند حدود متواضعة لا تزيد إلا قليلا عن عتبة ٢٠٪. كذلك فإن الضريبة على الأملاك المبنية لم تتجاوز في مشروع الموازنة عتبة ١٠٪ من إجمالي الواردات الضريبية، في بلد يشكل فيه الإستثمار العقاري نحو 70% من إجمالي حركة الاستثمار . أن هذه البنية الضريبية المتحيزة ضد الطبقة العاملة والشرائح الواسعة من الطبقة الوسطى والفقيرة، والمتزامنة مع بنية غير منتجة للنفقات العامة، تنطوي على عملية إعادة توزيع رجعية للثروة والدخل، في صالح تحالف أطراف السلطة الحاكمة وأركان الطغمة المالية المهيمنة على مفاصل الإقتصاد الوطني. .

ج. خرق الدستور لمصلحة الاغنياء

لقد تزامن إقرار مشروع الموازنة وبالتحديد المادتين ٣١ و ٣٢ منه – اللتين تمنحان الشركات، بما فيها الشركات العقارية، إعفاءات ضريبية كبيرةً على عملية إعادة تقويم أسعار أصولها – مع محاولة لخرق الدستور، حين اقترحت السلطة خفض الضريبة على الأرباح الناتجة عن عملية اعادة تقييم اسعار الاصول من ١٥٪ إلى ٣٪، بما يشبه هدية بمئات ملايين الدولارات للشركات العقارية. فشركة «سوليدير» مثلاً، تمتلك نحو ١٫۹ مليون متر مربع من الأراضي القابلة للبيع أو التطوير، وبعضها استُملك بأسعار يبلغ متوسطها ٦٠٠ دولار، فيما البعض الآخر الناجم عن ردم البحر لم تتجاوز كلفته ١٥٠ دولاراً. وقد ارتفعت أسعار الأراضي بوتيرة خيالية في السنوات الأخيرة لتبلغ اليوم آلاف الدولارات للمتر الواحد تبعاً لموقعه وطبيعته. وقد أسفر القطب المسيطر في السلطة مرة اخرى عن وجهه الجشع-القبيح وأكد مرة اخرى انه يضع في سلم اولوياته، بل يكاد يحصر اولوياته، في الدفاع عن الاغنياء من زعماء الطوائف واصحاب المصالح العقارية والمالية.

د. الخصخصة وعملية نهب وافساد القطاع العام

إن الطغمة المالية وزعماء الطوائف الذين نهبوا الدولة وأفلسوها على مدى عشرين عاماً، واغرقوها بالمحاسيب من اتباعهم غير الكفوئين – الذين شاركوهم الغنائم مقابل الولاء – يكتشفون اليوم ان القطاع العام غير مؤهل لادارة الخدمات الرئيسية للدولة، وهم تبعا لذلك لا يعدمون وسيلة إلا ويستخدمونها لتسويق وتنفيذ فكرة خصخصة هذه الخدمات. وقد ثابروا على بذل الجهود في هذا الإتجاه منذ أواسط التسعينات، ولكنهم لم يفلحوا في النفاذ الى كامل أهدافهم، بسبب إعتراض العديد من القوى السياسية والإجتماعية والنقابية، بما في ذلك بعض الممانعين من داخل التركيبة الوزارية الراهنة. ومع تضاؤل فرص التجسيد العملي لمشاريع الخصخصة راهنا، إنتقلت الفئة المهيمنة داخل الحكم الى تسويق خيارات بديلة، قد تبدو مقبولة في الشكل ولكنها تنطوي على مخاطر أكبر وأكثر جذرية في الجوهر. وتبرز في طليعة هذه الخيارات حاليا، عملية الترويج الواسعة النطاق لمشروع “الشراكة بين القطاعين العام والخاص”، تحت ستار أن القطاع العام يفتقد في تنفيذ مشروعاته الإنمائية الى التمويل، في الوقت الذي تعاني فيه المصارف من فائض الأموال المودعة لديها، والتي لا تجد مجالات مجدية للتوظيف. وهكذا يكمل “هذا الزواج الإستثماري” المزعوم بين الدولة والمصارف، ما سبق أن حققه هذان الأخيران من “زواج مالي- نقدي” في معرض إدارتهما المشتركة لأزمة الدين العام وخدمته، عبر إصدارات سندات الخزينة. وفي المطاف الأخير، إذا كانت الخصخصة ترتدي طابعا موضعيا محددا وتطال مرفقا عاما أو جزءا من مرفق، فإن نطاق الشراكة بين القطاعين لا يقف عند حدّ وهو يغطي مجمل مكونات الدولة اللبنانية، بالجملة وليس بالمفرق.

هـ نحو برنامج للتحرك الإقتصادي ـ الإجتماعي

ان مواجهة التحديات التي تعترض عملية النهوض بالإقتصاد والمجتمع، تتطلب تعبئة واسعة للقوى الإجتماعية المتضررة من نهج السياسات العامة، الذي ما إنفك يعتمده تحالف الطغمة المالية وزعماء الطوائف. واضافة الى وظيفتها الاجتماعية، ترتدي هذه التعبئة في الظرف الراهن أهمية إستثنائية، كونها تشكل الأداة التي تجمع اللبنانيين على اساس مصالحهم الطبقية في مواجهة انقساماتهم الطائفية والمذهبية التي تبشرنا بها ملامح الفتنة المطلة براسها. وتقتضي عملية التعبئة هذه، الإنكباب على معالجة أسباب الغياب الملحوظ للاتحاد العمالي العام، الذي يعاني من التشرذم والضياع في زواريب المذهبية وفي الولاءات الملتبسة تجاه السلطة وأطراف البرجوازية. ويرتّب تردي هذا الوضع النقابي مسؤولية مضاعفة على الاتحاد الوطني في إستعادة دوره الفاعل في الدفاع عن مصالح الفئات الشعبية. وفي معرض تعبئة وتجميع هذه القوى، ينبغي الإستفادة من الدروس والعبر التي إنتهت اليها التجربة النضالية الناجحة التي حققها اساتذة التعليم الثانوي بانتزاعهم جزءاً من حقوقهم رغم شراسة السلطة وتآمرها بكل اركانها على اداتهم النقابية.

إن المجال لا يتسع هنا لتفصيل برنامج التحرك الإقتصادي-الإجتماعي، الذي يفترض أن تنضوي تحت لوائه نضالات القوى الإجتماعية المتضررة. ولكن أبرز مكونات هذا البرنامج، كما يراها الحزب الشيوعي اللبناني، تتحدد في الآتي:

 الشروع في إصلاح متدرج لأوضاع الإدارة العامة، بما يطال أطرها التشريعية والمؤسسية والبشرية والإدارية والتنظيمية والرقابية، إضافة الى آليات العمل والمحاسبة والمساءلة، وصولا الى تحديث القطاع العام على اسس مهنية وطنية عادلة وفعّالة. وهذا النوع من الإصلاح هو الشرط الأساسي لتعزيز قدرات هذا القطاع على الإدارة الكفؤة لمنشئات الدولة ومرافقها وممتلكاتها.

 العمل على بلورة وتنفيذ خطة وطنية لتطوير وإعادة تأهيل مرافق البني التحتية، لا سيما شبكات الطاقة والمياه والصرف الصحي والنقل العام والخارطتان التربوية والصحية، وذلك بالإستناد الى نتائج دراسة “المخطط التوجيهي لترتيب الأراضي اللبنانية” والى الخطط الإنمائية القطاعية الأخرى المتاحة. وتجسيد هذه الخطة الوطنية من شأنه توسيع فرص التنمية القطاعية والتخفيف من حدّة التفاوت بين المناطق وزيادة تكاملها، وتعزيز فرص العمل امام الشباب اللبناني، وصولا الى تحسين آليات توزيع الدخل والثروة في البلاد.

 إعادة النظر جذريا في السياسة الضريبية المتبعة، مع إتجاه واضح نحو بلوغ توازن أكبر في توزيع العبء الضريبي ما بين المكونات الثلاثة الأساسية – الإستهلاك والدخل والثروة – بدل إستمرار تركيز هذا العبء بشكل شبه حصري على الإستهلاك فقط. وهذا يعني تأكيد الطابع التصاعدي على ضريبة الدخل، لا سيما أرباح المصارف، وإسباغ نوع من التصاعدية على الضرائب غير المباشرة التي تطال إستهلاك السلع الكمالية، وإستحداث ضريبة على التحسين العقاري، وإستئصال التعديات على الأملاك البحرية والنهرية وسائر أملاك الدولة والمشاعات البلدية، وتوحيد مصادر دخل الأسرة في وعاء ضريبي واحد بدل الضرائب النوعية المطبقة على كل من هذه المصادر، على حدا.

 التصدي للمشكلة الإجتماعية المتفاقمة، عبر إستراتجية وطنية شاملة تستند الى المرتكزات الأساسية التالية:

– توحيد أنظمة التأمين الصحية العامة وشبه العامة، لا سيما الإستشفائية منها، وتوسيع تغطيتها بحيث تشمل جميع اللبنانيين، وتمويل هذا النظام الموحد من مصادر ضريبية بدلا من الإشتراكات، على أن يترافق ذلك مع خطوات إصلاحية أخرى من شأنها خفض الفاتورة الصحية، مثل كسر إحتكار القلة الذي يمارسه كبار مستوردي الأدوية والتجهيزات الصحية ومعالجة الفجوة بين العرض الصحي والطلب على الخدمات الصحية؛

– الإرتقاء بمستوى ونوعية التعليم الرسمي، عبر تجميع المدارس وفروع الجامعة الوطنية، وتنفيذ الخارطة المدرسية وتحسين التجهيزات والنظم الإدارية وبرامج التعليم والموارد البشرية وأنشطة التأهيل والتدريب المستمرين لرأس المال البشري، مع إضطلاع روابط المعلمين في القطاعين الابتدائي والمتوسط والثانوي والجامعي بدور فاعل في تحقيق هذه الأهداف؛

– الإصلاح الشامل للصندوق الوطني للضمان الإجتماعي، بما يطال أطره التشريعية والمؤسسية والبشرية والتقنية والإدارية والتنظيمية والمعلوماتية؛ وإحلال نظام وطني للتقاعد مكان فرع تعويضات نهاية الخدمة، على أن يراعي هذا الإحلال مبدأ “الشروط العليا” للمكاسب وليس “شروطها الدنيا”، وأن يتضمن أبعادا توزيعية صريحة وواضحة – عبر الحد الأدنى المضمون للمعاش التقاعدي – بدل الإقتصار فقط على مبدأ الرسملة؛

– العمل على إيجاد حلّ عادل وواقعي لعقود الإيجار القديمة، يراعي مبدأ التدرج في تطبيق البرنامج الزمني لهذا الحل، والحصول على تعويضات منصفة للأطراف المعنية بهذه العقود، وتطوير برامج إستهداف توفر القروض الميسرة لقدامى المستأجرين، وتشجيع إستخدام الأراضي المملوكة من الدولة والبلديات والأوقاف الدينية لبناء مساكن بديلة للفئات الأكثر فقرا التي لا تحظى بفرصة الحصول على قروض سكنية نظامية من المصارف؛

– النضال من أجل تحسين القوة الشرائية للأجور، عبر ربط الأجور بتطور كلفة المعيشة من جهة، وبتطور إنتاجية العمل من جهة أخرى، بما يضمن دوام الإستقرار الإقتصادي والإجتماعي، ويعوّض الأجراء عن إستمرار ضعف حصتهم من إجمالي الناتج المحلي القائم. والنضال كذلك من أجل مكافحة الفقر في ضواحي المدن وفي الأرياف، وبخاصة في صفوف الفئات الأكثر عرضة للتهميش والإقصاء، لا سيما المعوقون، والنساء ربات الأسر، والعمال الزراعيون، والصيادون، والفقراء المتعطلون عن العمل والأطفال العاملون وأطفال الشوارع.

ثانياً: الوضع الدولي والاقليمي

في اطلالة سريعة على الوضع الدولي والاقليمي يمكن التوقف عند المسائل التالية:

• ان الزلزال الذي أصاب الرأسمالية والعالم الرأسمالي اظهر اخيراً امتداده الى دول الاتحاد الاوروبي. فبعد الازمة التي عصفت باليونان يبدو ان دولاً اخرى مثل البرتغال واسبانيا وايطاليا تدخل عنق الزجاجة، بمعنى ان الأزمة في طريقها من الدول الرأسمالية الضعيفة الى الدول الاغنى في منطقة اليورو: فالأوضاع العامة في الإتحاد الأوروبي تتميز بالتفاقم والإنكماش، نتيجة السياسات الإقتصادية والمالية للإتحاد الأوروبي التي تتخبط في اتجاهات مختلفة، لعل أخطرها كان القرار الذي اتخذ بإدخال صندوق النقد الدولي طرفاً ً في التوجه والتمويل لحل الأزمة التي تعصف باليونان.

لقد كشفت الازمة التي ضربت في اليونان هشاشة الوحدة الاوروبية بسبب احجام الدول الغنية (ولو انها وافقت مؤخراً بشكل جزئي) عن دعم الدول الضعيفة في الاتحاد لاعتبارات داخلية او لعدم التورط في الازمة ونقلها لبلدانها، مما يؤكد ان تفاقم الازمة وتوسعها سيجعل من احتمال انفجار الإتحاد الأوروبي وتشظيه امراً واقعاً، إنطلاقاً من زعزعة وحدته الإقتصادية ووحدته النقدية، فضلاً عن ان دخول صندوق النقد الدولي (ومن خلفه الولايات المتحدة) عنصراً مقرراً في أي تدبير اقتصادي او مالي سيتخذ في المستقبل، ليس في اليونان وحدها، إنما كذلك على الصعيد الأوروبي العام، يحمل معه التأثير على ما تبقى من استقلالية في القرار السياسي.

•اما في الولايات المتحدة فلا تزال الأزمة تتجه صعوداً على الرغم من كل المحاولات التي بذلت منذ العام 2008، حتى اليوم، وتشير كل الدراسات الى ان معظم المؤشرات لا تنذر فقط باستمرار الأزمة، أو مراوحتها، بل باحتمال حصول إنهيارات جديدة على غرار تلك التي جرت منذ عامين.

فالنمو في الولايات المتحدة لا يزال شبه معدوم، وعجلة الاقتصاد تتحرك ببطء شديد، وتستمر معدلات التضخم على حالها في ظل تأرجح كبير لسعر صرف العملتين الاساسيتبن: اليورو والدولار. كذلك يستمر التعثر في عدد من المصارف الأميركية الكبرى، وتخوفات من انهيارات جديدة أطلقها رئيس المصرف الفدرالي المركزي كما تتفاقم الازمة في سوق العمل، ليس فقط في الولايات المتحدة بل كذلك في الاتحاد الاوروبي

كل ذلك يشير الى أن الإستراتيجيات الإقتصادية الأميركية للعقد المقبل،القاضية بتوسيع رقعة المناطق التي تسيطر عليها واشنطن، لم تعد واقعية الا في حال حدوث حروب استعمارية جديدة، فالعديد من البلدان الرأسمالية النامية قد بدأت تتخذ تدابير لإقفال أسواقها أمام البضائع الأميركية في محاولة وقائية لحماية منتجاتها. من هنا نفهم السعي المستمر من قبل الإمبريالية الأميركية لإعداد الخطط العدوانية: في هذا السياق يأتي التصعيد “الكولومبي” ضد فنزويلا، كما تستمر التوجهات العدوانية في الخليج العربي وأفغانستان، وكذلك في بعض أجزاء القارة الأفريقية.

هذه المؤشرات وهذه التوقعات، مضاف إليها التضخم المطرد في ديون الولايات المتحدة وكل الدول الأوروبية، بدون استثناء تؤشر الى سعي الامبريالية الى تسعير الحروب والفتن المحلية في كل مناطق جنوبي الكرة الأرضية، في محاولة لإعادة تنظيم وضع اليد على الأسواق التي تحاول الإفلات من قبضتها… دون أن ننسى أهمية تلك الحروب في تشغيل وإنتاج وبيع الأسلحة في الدول الرأسمالية الكبرى.

الشرق الاوسط: مازق اميركي متعدد الاوجه

تجهد الادارة الاميركية الجديدة لايجاد مخرج للتركة ـ الازمة التي خلفتها ادارة الرئيس السابق جورج بوش وفشلها في حربها الامبراطورية. الا ان استحالة العودة الى ما قبل الحرب على العراق وافغانستان تجعل الولايات المتحدة امام خيارين مرين لا حلو بينهما: استحالة الانسحاب من المنطقة وهي تجر أذيال الهزيمة، او الاستمرار والمضي في هذه الحرب بكلفة عالية غير مضمونة النتائج، سياسيا وعسكريا واقتصادياً (الحفاظ على البترول والغاز)، والارجح ان تكون سبباً لفشل جديد، وبين اقامة تسويات تفرض عليها تقديم تنازلات لا تقل كلفة او خسارة على ضوء الوضعية القائمة.

1 ـ افغانستان: نحو مزيد من التصعيد

ـ لقد فشلت الخطة الاميركية الجديدة التي قضت بارسال 30 الف جندي اضافي الى افغانستان ولم تعدل من الوقائع، بل بالعكس ازدادت العمليات على قوات الاطلسي وازدادت الخسائر. كما فشلت الخطة الاميركية في جذب حركة طالبان اواحتوائها.الامر الذي زاد من الصعوبات الاميركية.

ـ هذا الوضع انعكس داخل المؤسسة العسكرية الاميركية خلافاً حول كيفية التعامل مع الوقائع بين من يعتبر انه لا مجال لتحقيق انتصار عسكري، وبالتالي يجب وضع روزنامة للانسحاب، وبين من يرى ضرورة زيادة القوات والبقاء الى حين تمكن القوات الافغانية من الامساك بالوضع. في هذا السياق كانت استقالة قائد القوات الاميركية هناك تعبيراً عن ذروة هذا الخلاف والارتباك.

ـ ان سعى الولايات المتحدة للمحافظة على بقائها في افغانستان، خصوصاً بعدما تم اكتشاف موارد طبيعية فيها تقدر بمليارات الدولارات، سيضطرها الى مزيد من ارسال القوات والمزيد من العمليات العسكرية، مع ضرورة التكيف والمرونة وتقديم التنازلات لكل من روسيا وايران لتسهيل عمل قواتها.

2 ـ العراق: بين الفتنة وبقاء القوات الاميركية

ـ اما في العراق فان الادارة الاميركية سعت كي تاتي الانتخابات العراقية الاخيرة بحكومة تابعة لها، تستطيع معها اعادة ترتيب وجود قواتها، وفق مصالحها ورغباتها. الا ان الانتخابات العراقية خلطت الاوراق جميعاً وجعلت الادوار متساوية بين ايران واميركا وسوريا.

ـ هذه النتائج فوتت على الولايات المتحدة فرصة الامساك بالوضع العراقي منفردة قبل حلول الموعد المعلن لبدء سحب قواتها منه، مما فرض عليها الالتزام شكلاً بالموعد لسحب بعض قواتها واستعاضت عنها باعداد كبيرة من المرتزقة (المقاولون الامنيون)، التي تخفف عنها الخسائر المباشرة، وتمكنها من لعب ادوار امنية وتخريبية واسعة، وتجدد بها الفتنة الداخلية وتذكي الصراعات الطائفية والمذهبية لاعادة خلط الاوراق من جديد لفرض سلطة تابعة لها ولتبرر استمرار احتلالها.

3 ـ ايران: سياسة العصا والجزرة

ـ من المتوقع أن يستمر التردد الاميركي في التعامل مع ايران الناجم عن الحاجة الي التعاون معها في افغانستان والعراق، من جهة، والتصادم والصراع معها على المصالح والنفوذ، من جهة ثانية.

ففي اطار سعيها للحفاظ على وجودها في المنطقة ستبقى الادارة الاميركية تعمل على خطين مع ايران( سياسة العصا والجزرة): خط التفاوض والمساومة (وهذا يتطلب اقراراً اميركياً بدور ايراني يبدو انه في ظل المأزق الاميركي الراهن كبير وغير مقبول) ، وخط الضغط والحصار والتهديد والاستعداد لتوجيه ضربة عسكرية لها، وهذا يتطلب دوراً عربياً مساعداً وحاضناً (وهذه ايضاً رغبة عرب اميركا) لن يكون ناضجاً دون انهاء الصراع العربي الاسرائيلي من اجل نقل المعركة وتحويلها في مواجهة ايران.

4 ـ أ ـ القضية الفلسطينية: المشروع الاسرائيلي الى الواجهة

لقد انعش التعثر والفشل الاميركي في الشرق الاوسط اعادة الاعتبار للدور والوظيفة الاسرائيليين في المنطقة، لذا نشهد مزيداً من الاهتمام الدولي بمكانة اسرائيل: تصريحات ساركوزي ـ برلسكوني ـ ثاباتيرو ـ الالمان ـ الولايات المتحدة.

اسرائيل التي تشعر بالمزيد من الاهتمام الدولي بها والحاجة لوظيفتها، قررت، بالاستناد الى وضعها الداخلي المتشدد، استغلال المازق الاميركي في المنطقة من اجل الحصول على المزيد من الدعم لاستعادة وظيفتها ودورها بعد هزيمتها في لبنان وغزة. فدفعت مشروعها قدماً في تقويض وانهاء القضية الفلسطينية حيث وسعت من عملية تهويد القدس بهدم وقضم أحياء بكاملها، وفي احراق قرى فلسطينية وتهجير أخرى (خاصة في منطقة النقب)، وهي تتابع بناء جدار الفصل العنصري، وتتهيأ لطرد عشرات آلاف الفلسطينيين خارج الضفة الغربية المحتلة، مستفيدة من الانقسام الفلسطيني-الفلسطيني، كما وتجري الاستعدادات المكثفة للقيام بعدوان جديد لن تتاخر عن تنفيذه لحظة واحدة عندما تجد الفرصة سانحة له.

اما بشان المفاوضات على المسار الفلسطيني، فقد نجحت اسرائيل، في اخضاع الادارة الاميركية لسقفها ولشروطها، مستفيدة من التردي العربي، ودور “عرب اميركا” الممالىء لها، ومن الانقسام الفلسطيني والتراجع الكبير لدى السلطة الفلسطينية عن الثوابت والحقوق الفلسطينية ومستلزماتها. مما ادى الى اذعان السلطة الفلسطينية لورقة الجلب الاميركية بالعودة الى حظيرة المفاوضات المباشرة مع العدو الاسرائيلي من دون شروط اوخطة أو مشروع، وبتغطية مكشوفة من الجامعة العربية وعرب اميركا، مما يعني مزيداً من الضغط الاسرائيلي- الاميركي، ومزيداً من فرض الشروط الآحادية وتقديم التنازلات على حساب القضية وحقوق الشعب الفلسطيني، انسجاماً مع مشروع الدولة اليهودية ولاءات ناتانياهو الثلاث.

ب ـ مخاطر جدية امام القضية الفلسطينية

ـ رغم كل التضحيات التي قدمها الشعب الفلسطيني تواجه القضية الفلسطينية اليوم اخطر مرحلة في تاريخها، تتهددها بالضياع، بسبب الانقسام الفلسطيني من جهة، والتخلي عن الثوابت والحقوق واللهاث وراء المفاوضات دون اية اوراق او عناصر قوة.ـ والمعيب الاكبر في ذلك هو هذا التراجع للقضية الفلسطينية في وقت يتعثر فيه المشروع الاميركي في المنطقة، وتهزم فيه اسرئيل في حربين متتاليتين خاضتهما بكل امكانياتها.

لذا ينبغي على القوى الوطنية الفلسطينية، واليسارية بشكل خاص، اعادة تقويم لادائها ولشعاراتها، في ضوء الوقائع الجديدة للوضع الفلسطيني، آخذين بعين الاعتبار الملاحظات التالية:

ـ ان القضية الفلسطينية اليوم تضيع بين سلطتين غير قادرتين (من حيث طبيعتهما ومشروعهما) على تامين الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.

ـ فمن جهة، تتبنى سلطة محمود عباس (ابو مازن) خيارات وصلت منذ اوسلو حتى الآن الى الحائط المسدود، وهي مستمرة بها غير آبهة بما ستؤول اليه القضية مقدمة التنازل تلو الآخر.

ـ ومن جهة ثانية فان حركة حماس رغم تمايزها واختلافها عن سلطة ابو مازن الا انها في الممارسة العملية تحول القضية الفلسطينية الى امارة في غزة بمعناها السلطوي لا بمعناها المقاوم.

ـ ان الانقسام الفلسطيني الراهن المتمحور بين سلطة حماس وسلطة ابو مازن غير قابل للتوحيد في ظل الاستقطاب السياسي والجغرافي القائمين وارتباطاتهما الخارجية.

ـ بناءً عليه لا يبدو ان افقاً للمفاوضات بين حماس وابو مازن لاعادة توحيد القوى الفلسطينية على اسس الثوابت الفلسطينة لانه في احسن الاحوال ستصل المفاوضات الى تقاسم سلطوي وهذا ما تؤكد عليه التجارب السابقة.

ـ في ظل هذا الوضع تظهرالحاجة الماسة لان يقوم اليسار الفلسطيني بدوره، مدعوماً من اليسار العربي، في حمل القضية والخروج من اسر المفاوضات تلك، والتقدم بمشروع وطني جامع يتجاوز حالتي الانقسام والتنازلات قوامه اعلان الدولة الفلسطينية من طرف واحد، والتحرك من أجل الاعتراف بها عربيا ودوليا، كمقدمة لرفع شعار تحريرها من الاحتلال وللتأكيد على انفاذ حق العودة.

المهمات على الصعيد العربي والدولي:

• من هنا بادر الحزب للتحرك بالتنسيق مع الحزب الشيوعي السوري والحزب الشيوعي الأردني وحزب الشعب الفلسطيني بالدعوة الى اجتماع للأحزاب الشيوعية العربية (انعقد في دمشق، في أواخر تموز الماضي) تحت عنوان مواجهة الفصل الجديد من المؤآمرة الأميركية – الصهيونية على فلسطين، ومن ضمنها استمرار الحصار المفروض على غزة، وتقرر وضع خطة لمواجهة عودة السلطة الى المفاوضات المباشرة ولدعم “المقاومة الشعبية” التي دعت اليها كل من الجبهة الشعبية والجبهة الديمقراطية وحزب الشعب.

• كما وجه الحزب رسالتين الى الأحزاب الشيوعية والعمالية المنضوية في “مجموعة العمل” ركز فيهما على الشكل الجديد التي تتخذه المؤآمرة الأميركية-الصهيونية ضد لبنان، ودور الفتنة كمدخل اليها، وطلب من الحزب الشيوعي القبرصي التعاون لعقد اللقاء الأورو-متوسطي في لبنان كشكل من أشكال الدعم، تحت شعار مواجهة العدوان.

• كما يجري التحضير لعقد اللقاء اليساري العربي في آخر ت1، بالتزامن مع عيد الحزب، لاستكمال الوجهة التي طرحت في أيار العام 2007 والقاضية ببلورة مشروع سياسي مقاوم، يجمع بين مقاومة كل أشكال العدوان والاحتلال والتغيير الديمقراطي.

• ويعمل الحزب على الاستفادة من كل اللقاءات الدولية لطرح موقفه والدعوة الى التضامن مع قضايا الشعب اللبناني وامتنا العربية.

اللجنة المركزية- الحزب الشيوعي اللبناني

أول أيلول2010

Advertisements

About منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني

موقع منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني
هذا المنشور نشر في الحزب الشيوعي اللبناني. حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s