مناهضة الرأسمالية و العدالة المناخية

مناهضة الرأسمالية و العدالة المناخية

المناضل-ة

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?t=4&aid=229076

إسثير فيفاس

إن تغير المناخ هو اليوم واقع لا يمكن إنكاره. و لعل الصدى السياسي، الاجتماعي و الإعلامي لقمة “كوبنهاغن” في ديسمبر 2009 دليل قاطع على ذلك. لقد أظهرت هذه القمة عجز النظام الرأسمالي على إعطاء جواب ذي مصداقية للأزمة التي كان هو ذاته مسببها.

و إن كانت الرأسمالية الخضراء قد ارتمت في سباق تبدل المناخ، فإنها تأتي بحلول تكنولوجية (طاقة نووية، تخزين الكربون من الجو، وقود حيوي، الخ) ذات عواقب اجتماعية و بيئية أخطر. إنها حلول زائفة لتغير المناخ تحاول طمس الأسباب البنيوية التي أدت إلى الأزمة الراهنة، و تسعى الى الافادة منها. وت وضح تلك الحلول التناقض بين حسابات الرأسمال قصيرة الأمد والوتائر الطويلة للتوازن البيئي.

في هذا السياق، ثمة حاجة ملحة الى حركة قادرة على تحدي خطاب الرأسمالية الخضراء السائد، وعلى ابراز أثر ومسؤولية النموذج الحالي الرأسمالي للإنتاج و التوزيع و الاستهلاك ، و كذا على ربط الخطر المناخي الاجمالي بالمشكلات الاجتماعية. كان ما شهدت “كوبنهاغن” التعبير الأكبر عن الحركة من أجل العدالة المناخية، وقد صادف الذكرى السنوية العاشرة للتعبئات ضد المنظمة العالمية للتجارة في سياتل. يعبر هذا الاحتجاج، تحت شعار “تغيير النظام، وليس المناخ”، عن العلاقة بين المناخ و العدالة الاجتماعية، وبين الأزمة الاجتماعية والأزمة البيئية. ولكن نجاح الاحتجاجات في “كوبنهاغن” يتناقض مع ضعف المظاهرات على الصعيد العالمي ، ما خلا استثناءات مثل لندن.

تطرح الأزمة الحالية في المقام الأول الحاجة الملحة لتغيير، تغييره على قاعدة مناهضة للرأسمالية واشتراكية بيئة راديكالية. إن مناهضة الرأسمالية والعدالة المناخية هما نضالان يجب توحيدهما على نحو وثيق. و إن كل منظور قطع مع النموذج الاقتصادي الحالي لا يعتبر طابع الازمة البيئية المركزي محكوم بالفشل. وإن كل منظور بيئي بلا توجه مناهض للرأسمالية يقطع مع النظام الحالي يظل عند سطح المشكل ، ولن يكون في الختام غير أداة في خدمة سياسات التسويق الخضراء.

إن كبح تغير المناخ يستدعي تغيير النمط الحالي للإنتاج والتوزيع والاستهلاك. أما اللمسات التجميلية و السطحية فلا تجدي نفعا. تستلزم الحلول للأزمة البيئية مهاجمة أسس النظام الرأسمالي. و إذا كنا نريد تفادي تبدل المناخ فيجب تبديل النظام. يستتبع هذا منظورا اشتراكيا-بيئيا، أو منظورا شيوعيا-إيكولوجيا كما قال دانيال بن سعيد في واحدة من مقالاته الأخيرة.

كما يجب ان نحارب الأطروحات “المالثوسية الجديدة الخضراء” التي تلقي اللوم على دول الجنوب لمعدلاتها نمو سكانها المرتفعة، و تسعى إلى التحكم بأجساد النساء بتقويض حقنا في التقرير في أجسادنا. إن مكافحة تغير المناخ يستوجب مكافحة الفقر، فبقدر اتساع التفاوت الاجتماعي، تزداد قابلية المناخ للتضرر. يجب تحويل القطاعات الإنتاجية ذات الأثر البيئي الخطير ( الصناعة الحربية ، صناعة السيارات، الصناعات الاستخراجية، الخ)، و خلق فرص عمل في القطاعات الاجتماعية والبيئية العادلة مثل الزراعة المراعية للبيئة، والخدمات العامة (الصحة والتعليم والنقل)، الخ.

إن وقف تغير المناخ يستدعي التأكيد على حق الشعوب في السيادة الغذائية. إن النموذج الحالي الزراعي-الصناعي (المرحل، و الكثيف، و المكلف نقلا كثيرا، و المعتمد على النفط) هو واحد من أكبر أسباب غازات الاحتباس الحراري. إن المراهنة على زراعة محترمة للبيئة، ومحلية، تكون زراعة فلاحين في دوائر تسويق قصيرة، كما تطالب منظمة “بيا كامبيسينا”، سيتيح خفض حرارة كوكب الأرض. كما ينبغي دمج مطالب الشعوب الأصلية، وتحكمها في أراضيها و في المواد الطبيعية، و ما لديها من فلسفة احترام “الباتشاماما” أو “الأرض الأم”، والدفاع عن الحياة الجيدة. إن تثمين هذه المساهمات التي تتقدم بطراز جديد من العلاقات بين الإنسان والطبيعة أمر جوهري لمواجهة تغير المناخ و تسليع الحياة والكوكب.

و من منظور علاقات بلدان الشمال وبلدان الجنوب، تستوجب العدالة المناخية إلغاء غير مشروط لديون بلدان الجنوب، تلك الديون غير القانونية و غير الشرعية، والمطالبة بالاعتراف بالدين الاجتماعي،و التاريخي و البيئي الذي بذمة الشمال إزاء الجنوب، والناتج عن قرون النهب و الاستغلال. و في حالات الكوارث، يجب تعزيز آليات “الإغاثة الشعبية”. لقد رأينا كيف يفاقم تغير المناخ قابلية القطاعات الشعبية للتضرر، لا سيما في بلدان الجنوب. و لعل زلزالي “هايتي” و “شيلي” اثنتان من أحدث الحالات. وبوجه هذه المخاطر، لا غنى عن شبكات التضامن العالمي للحركات الاجتماعية التي تتيح توجيه مساعدات فورية وفعالة للسكان المحليين. و يجب ألا تظل المبادرة بأيادي “إنسانوية” دولية بلا مضمون سياسي.

إن الكفاح ضد تغير المناخ يستوجب محاربة النموذج الحالي للإنتاج الصناعي المرحل، و العامل بمنهجية “في الوقت بالضبط”، و الكثيف، المعتمد على الموارد الأحفورية، الخ. عملا بنزعة ذيلية تضفي البيروقراطيات النقابية الشرعية على سياسات “الرأسمالية الخضراء” موحية ان “التكنولوجيا الخضراء” تخلق فرص عمل و رخاء أكبر. يجب تقويض هذه الخرافة. يجب على اليسار النقابي أن يضع موضع السؤال النموذج الحالي للنمو بلا حدود، ويؤكد نموذج “تنموي” آخر مطابق لموارد الكوكب. يجب أن تكون المطالب البيئية وضد تبدل المناخ محورا مركزيا للعمل النقابي الكفاحي. لا يصح أن يرى النقابيون في البيئيين أعداء لهم، ولا ان يعتبر البيئيون النقابيين اعداء. فالجميع يعاني من عواقب تغير المناخ، وعلينا ان نتحرك بشكل جماعي.

إنه من الخطأ اعتقاد إمكان مكافحة تبدل المناخ بتغيير السلوكات الفردية وحسب، لا سيما عندما يعيش أكثر من نصف سكان العالم في ظروف ” نقص استهلاك مزمن”. كما لا يصح الاعتقاد بامكان مكافحة تغير المناخ بإيجابات علمية و تكنولوجية فقط. فلا بد من تغييرات بنيوية لنماذج إنتاج السلع و الطاقة ، الخ. وفي هذا الصدد، تكتسي المبادرات المحلية التي تتقدم بممارسات بديلة للنموذج السائد للاستهلاك والإنتاج والطاقةإ طابعا إثباتيا يتيعن دعمه. وطبعا يستلزم النقاش حول كيفية مواجهة تغير المناخ بحث مسائل الاستراتيجية، و التنظيم الذاتي، والتخطيط و ما ينتظرنا من لمهام ، إن كنا نعتبر أنفسنا مناهضين للرأسمالية.

العنوان الأصلي للمقال باللغة الانجليزية: Anti-capitalism and climate justice الموقع الالكتروني لمجلة “وجهة نظر أممية”: http://www.internationalviewpoint.org

Advertisements

About منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني

موقع منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني
هذا المنشور نشر في الماركسية وكلماته الدلالية . حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s