الشيوعية “التحررية” : لا ديكتاتورية , بل أقصى حرية للمنتجين

الشيوعية “التحررية” : لا ديكتاتورية , بل أقصى حرية للمنتجين

 

تاريخيا لدينا نموذج طاغي يفسر كل شيء يرتبط بالشيوعية ألا و هو النموذج السوفيتي , الذي قد يختلف البعض على تسميته باللينيني أو الستاليني , و لذلك عندما يصف الأستاذ مصطفى حقي الشيوعية نجده يكرر صفات ذلك النموذج , عندما تهيمن سلطة مركزية على كل شيء باسم الثورة و العدالة و تدير كل شيء لصالحها في نهاية الأمر , كان نظام صدام و الأسد الأب , و من قبلهما عبد الناصر , النموذج المحلي “القومي الاشتراكي” عن هذه السلطة البيروقراطية الشمولية التي عممت القهر و النهب على كل المنتجين و البشر بحجج مختلفة , في الحقيقة إن الشيوعية هي مجتمع المنتجين الأحرار , القائم على التضامن و المساعدة المتبادلة , و أولا و قبل كل شيء على أقصى حرية ممكنة لكل المنتجين , للجميع , في الديمقراطية البرجوازية تنحصر القضية في الاختيار , كل عدة سنوات , بين احتمالين أو أكثر قليلا , في اختيار الاحتمال الأقل سوءا بين المرشحين , ليس هذا فقط , فقد وجدنا المفكرين المعاصرين كغي ديبورد و ميشيل فوكو و جيل دولوز و جان بودريار غيرهم يصفون آليات الضبط العالية الجديدة التي تمكنت الرأسمالية من استخدامها ضد الناس , ضد المنتجين كوسيلة مزيفة لإنهاء تناقضاتها الداخلية , خاصة مع المنتجين , و لإبقائهم في حالة سلبية , في وضعية المتفرج السلبي على واقعه و المستسلم لسطوة القوة السائدة , لكن المجتمع الإنساني ليس مجالا لقوانين البقاء للأقوى الداروينية إلا ضمن وقائع تاريخية اجتماعية محددة بل إن تطوره اقتضى أقصى درجة من التضامن بين أغلبية البشر في إطار سعيهم لتحسين ظروف حياتهم , تؤكد فترة التراكم الأولي للرأسمالية أن الجشع غير المحدود , إلى درجة الجرائم ( مصير الهنود الحمر في أمريكا الشمالية و الوسطى و الجنوبية , حياة العمال الأوائل و مصيرهم , ضحايا حروب الأفيون ضد الصين و من ثم الحربين العالميتين الأولى و الثانية وصولا إلى الحروب المعاصرة ) , كان هو وراء عملية التراكم الأولي لرأس المال ( و حتى كل قفزة في تطور الرأسمالية ) التي ربما كانت أكثر أحداث التاريخ وحشية , و التي لا تقل همجية و رعبا عن غيرها من “الفتوحات” أو الحروب في العصور القديمة , هناك منطق مختلف في الرأسمالية هو ارتباطها العضوي بتقنية عالية للإنتاج و للحياة لكن هذه التقنية في معظم استخداماتها تعد لتلبي حاجات الأقلية التي تملك و تحكم , إن الرأسمالية تفرض على المليارات أن تعيش في الظل , محرومة من أغلب منتجات التقنية الأخيرة , و في حالة سلبية أبعد ما تكون عن مناقشة و اتخاذ القرارات التي تتعلق بحياتها , ليس فقط طبقة السياسيين المحترفين الفاسدة التي ترتبط عضويا بالطبقة الرأسمالية المالكة و طبقة كبار البيروقراطيين الذين يخدمونها و التي تزعم الديمقراطية البرجوازية أنها “تمثل” الناس و تفكر نيابة عنهم , بل كل المؤسسات التي تسيطر على حياة الناس و التي يجري تشكيلها و تأليفها بشكل فوقي و غير ديمقراطي بأوامر من السلطة القائمة : الشرطة , أماكن العمل , المحاكم , الوزارات و الهيئات العديدة التي “تقونن” حياة الناس أي التي تصدر القوانين التي تنظم حياة الملايين , كلها غير منتخبة و تخضع مباشرة للسلطة القائمة , التي تعبر في النهاية عن الطبقة السائدة و مصالحها , في أيام الزخم الثوري و انهيار سلطة الطبقات السائدة اخترعت الطبقات المسحوقة نظاما أو شكلا مختلف تماما لإدارة المجتمعات , تتمثل في المجالس العمالية , أو المجالس الشعبية , ليس فقط في روسيا بعد ثورتي 1905 و 1917 أو ألمانيا 1918 أو إيطاليا 1920 – 1922 أو إسبانيا 1936 أو هنغاريا 1956 , بل حتى في العراق بعد انتفاضة 1991 في الجنوب و الشمال , عندما فرضت أشكال جماهيرية من التنظيم الجماعي للحياة في المناطق المنتفضة وسط غياب شبه كامل للقوى السياسية القومية أو الأصولية أو غيرها من القوى التي تدعو إلى شكل سلطوي فوقي يقوم على التراتيبة الهرمية , هذه المجالس المنتخبة مباشرة من الجماهير و التي تمارس عملها تحت رقابة و بمشاركة مباشرة من كل المنتجين كانت إبداعا جماهيريا بالكامل و لم ترد في أي مخطط مستقبلي عن الشيوعية رسمه أي مفكر أو مصلح مزعوم , ما سيجري هنا هو أن كل جانب من جوانب الحياة , و أية مؤسسة قائمة سيخضع مباشرة لإرادة و تنظيم المنتجين الذين على علاقة مباشرة بها , هنا تتشكل السلطة من الأسفل إلى الأعلى , بانتخاب مندوبين من المجالس الأدنى إلى المجالس الأعلى فالأعلى , و تبقى الهيئات الأعلى خاضعة للهيئات القاعدية لا العكس , هكذا نشأت السوفييتات في روسيا في سياق ثورتي 1905 و 1917 , لا العكس , عندما سيطرت نخبة محدودة على القرار السياسي و تحولت بسرعة إلى بيروقراطية حاكمة تدير ديكتاتورية البيروقراطية الحزبية و العسكرية على البروليتاريا , لا وجود لمساواة اعتباطية و مفروضة و أوتوماتيكية في الشيوعية التي تعني مجتمع المنتجين الأحرار , المساواة المطلقة ليست هدفا , و لا وجود لعسكرة جماعية , بل هناك درجة غير مسبوقة من الحرية لكل فرد ليناقش , ليفكر , و الأهم , ليشارك في تقرير حياته و حياة المجموعات التي ينتمي إليها , و لن يكون المطلوب فرض شكل ما على الجميع بقوة تابعة لسلطة ما , بل سيكون كل قرار نتيجة إبداع حقيقي للجميع و لصالحهم في حقيقة الأمر , هذا ليس مجرد يوتوبيا سعيدة , و لا حل خال من التناقضات , بل هو إبداع الجماهير عن صورة بديلها , بديل كل ضحايا الرأسمالية , عن الاستغلال الحالي و عن واقع التهميش الحالي لهذه الجماهير………..

 

مازن كم الماز

Advertisements

About منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني

موقع منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني
هذا المنشور نشر في نظريات وحركات يسارية وثورية. حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s