حول الشيوعية وبرنامجها التاريخي

حول الشيوعية وبرنامجها التاريخي

محمد المثلوثي

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?t=4&aid=230090

ان الشيوعية تبدأ كحركة معارضة لعبودية العمل المأجور، ذلك أن العمل المأجور هو الجوهر التاريخي للملكية الخاصة المعاصرة. بل إن الملكية الخاصة في شكلها الرأسمالي الحديث والعمل المأجور يشترطان أحدهما الآخر. فالرأسمال يشترط تاريخيا وجود طبقة تستولي على وسائل الإنتاج وتقوم بنزع ملكية المنتجين المباشرين الذين لا يبقى لهم سوى قوة عملهم التي تتحول هي نفسها إلى بضاعة، أي إلى جزء من الرأسمال. لكن ماذا يعني إلغاء العمل المأجور؟ انه يعني إلغاء ليس البورجوازية فقط، بل خاصة إلغاء البروليتاريا كطبقة اجتماعية. ومن هنا نستطيع القول أن بندا من بنود البرنامج الشيوعي هو الغاء العمل المأجور وهذا لا يعني سوى الإلغاء الذاتي للبروليتاريا.

أيضا تبدأ الشيوعية كحركة معارضة للتبادل، والتبادل في أرقى أشكاله التاريخية، أي التداول النقدي. فالتبادل يشترط وجود البضاعة، والبضاعة تشترط وجود العمل المأجور، والعمل المأجور يشترط الملكية الخاصة. وهكذا نجد أن الشيوعية لا تستطيع أن تعارض الملكية الخاصة إلا بمعارضة العمل المأجور والتبادل وقانون القيمة والمنافسة والإنتاج من أجل السوق والمردودية الاقتصادية…الخ، أي في الخلاصة معارضة كل الأصناف الاقتصادية للمجتمع الرأسمالي المعاصر. وإذا لم يكن ممكنا لنمط الإنتاج الرأسمالي أن ينبثق تاريخيا إلا بتجاوز الحدود الإقطاعية الضيقة والطوائف الحرفية المغلقة وذلك ببناء الدولة الوطنية، ذلك أن الإنتاج من أجل التبادل الذي يمثل جوهر هذا النمط من الإنتاج يشترط كسر تلك الحدود وفتح المجال أمام التجارة. بل إن نمط الإنتاج الرأسمالي يشترط تشكل سوق عالمية تكون مسرحا للمنافسة بين أقطاب رأس المال وتحول التبادل إلى واقع عالمي، فان إلغاء التبادل والمنافسة الرأسمالية وبالتالي إلغاء مفعول قانون القيمة العالمي والعمل المأجور، وفي النهاية إلغاء الملكية الخاصة من غير الممكن أن يتحقق هذا إلا على المستوى العالمي. وهكذا نصل إلى بند رئيسي آخر من بنود البرنامج التاريخي للبروليتاريا ألا وهو الأممية، أي أن الثورة الشيوعية غير ممكنة إلا على المستوى العالمي. وهذا البند غير قابل للمراجعة تحت أي تبرير، وإلا فإننا سنكون في تعارض مطلق مع البرنامج الشيوعي نفسه، كما لا يمكننا أن نعتبره شيئا يختص به قطاع خاص من قطاعات البروليتاريا دون آخر، أو مرحلة تاريخية دون أخرى، بل كتعبير عن وحدة البرنامج التاريخي لهذه الطبقة الاجتماعية حيثما وُجدت وفي كل مراحل تطورها التاريخي، فمنذ تُوجد طبقة بروليتارية فهي طبقة عالمية، ومنذ تُوجد فهي في تعارض مع الوطن والقومية…الخ.

أيضا، وبنفس المنهج، نستطيع أن نحدد موقف الشيوعية من الدولة. فهذه الأخيرة لم تظهر تاريخيا إلا كحارس للملكية الخاصة وكأداة من أدوات الاستغلال والسيطرة الطبقية. وإذا كانت الشيوعية تقف في تعارض مع الملكية الخاصة، وبالتالي في تعارض مع كل سيطرة طبقية فإنها ستكون في تعارض مطلق أيضا مع الدولة. فالبروليتاريا لا تطمح إلى إقامة سيادتها الطبقية بل إلى القضاء على كل سيادة طبقية، وبالتالي فان هدفها التاريخي ليس الاستيلاء على الدولة أو إصلاحها أو بناء دولة خاصة بها، بل إن هدفها هو إنهاء وجود الدولة نفسها أي إنهاء الحكم السياسي للبشر. فإذا كانت الملكية الخاصة هي الأساس المادي الذي تقوم عليه الدولة، وإذا كانت البروليتاريا تستهدف القضاء على هذا الأساس فمن غير المعقول أن نقول بأن البروليتاريا ستقيم دولة خاصة بها، أي دولة بدون أساس مادي لقيامها. وهكذا نستطيع أن نضيف تحطيم الدولة كبند من بنود البرنامج التاريخي للبروليتاريا.

طبعا نستطيع بهذه الطريقة أن نضيف نقاطا برنامجية أخرى مثل تعارض حركة الشيوعية مع أجهزة الدولة السياسية والاجتماعية، مثل تعارضها مع البرلمان، النقابات، الأحزاب، أو تعارضها مع المدرسة والعائلة والدين…الخ، لكن هذا يستوجب مستويات مختلفة من التحليل ولا يمكن بأي حال استعراضها بشكل تفصيلي وتحليلي ضمن عرض واحد. لكن هذه الطريقة في العرض للبرنامج الشيوعي، وان كانت تنسجم مع الفهم المادي للتاريخ، أي فهم الشيوعية كحركة واقعية يفرزها التطور المتناقض للمجتمع الرأسمالي، فإنها تحمل سلبية أنها تعرض الشيوعية فقط كنقيض لما هو قائم، أي كحركة نفي، كحركة تهديم وتقويض، ولا تكشف وجهها الايجابي، أي أنها لا تقدم تصورا لما يمكن أن تقيمه البروليتاريا خلال نهوضها الثوري ضد النظام الاجتماعي السائد. وفي الواقع فانه من الطبيعي أن لا نعثر على تراث نظري شيوعي كبير في هذا الجانب، ذلك أن التجارب التاريخية للبروليتاريا لم تقدم إجابات عملية حاسمة بالنظر لهزائمها السريعة والتي لم تترك الفرصة ولا الوقت الكافي لتبين الخطوات العملية في إعادة تنظيم المجتمع على أساس شيوعي. فتجربة الكمونة لم تدم أكثر من بضعة أشهر، بينما الموجة الثورية 1917 – 1923 التي خضّت العالم وخاصة في روسيا فإنها قد قُبرت تحت وطأة الثورة البلشفية المضادة (لنا عودة لهذه النقطة لاحقا). لكننا إذا وجّهنا نظرنا صوب المستقبل فإننا يجب أن لا ننظر له من خلال التأمل أو نسج الخيالات أو بناء النماذج الذهنية، بل من خلال الفهم المادي للتاريخ. وهذا يعني أننا يجب أن ننظر للمستقبل من خلال الوجود المادي للبشر وليس من خلال إرادة هذا الحزب الثوري أو ذاك القائد الفذ الذي سيغيّر التاريخ. فعناصر المستقبل لا تقبع في الأذهان الإيديولوجية بل في الواقع التاريخي كما هو متحقق والإمكانيات التاريخية التي يطرحها لا غير. ومهما كانت استشرافاتنا مبنية على أساس تحليل مادي، وربما انطلاقا من هذا الأساس بالذات، فانه لا يمكن لنا أن نجزم بصحتها المطلقة. لكن المهم في كل هذا هو أننا لسنا بصدد تقديم مشاريع لإصلاح العالم، ولا نحن بصدد عرض برنامج حزبي على البروليتاريا لتقتنع به وتنفذه، بل بالعكس فكل ما نستطيع تقديمه هو خلاصة نظرية لحركة البروليتاريا نفسها وأهدافها التاريخية بكل المحدودية التاريخية لهذه الحركة وجوانب ضعفها كما لحظات قوّتها.

بعد هذا التوضيح المنهجي نمر لتوضيح بعض ملامح الإشكاليات النظرية/العملية التي يطرحها النظر للمجتمع الشيوعي كمشروع تاريخي للبروليتاريا الثورية.

يجب أولا فهم الطبيعة المزدوجة للحركة الشيوعية، أي وجهها السياسي ووجهها الاجتماعي. فالشيوعية تهدف مثلما أسلفنا إلى تحطيم الدولة وهذا العمل هو في جوهره عمل سياسي (بالمعنى العام للكلمة). لكن تحطيم الدولة غير ممكن بدون القضاء على أساسها المادي، أي الملكية الخاصة. وهذا لا يمكن أن يعني سوى القدرة على إعادة تنظيم المجتمع، وهذا العمل هو في جوهره ذو طابع اجتماعي. وهكذا نجد أنفسنا أمام مهمتين متلازمتين، فإلغاء التنظيم السياسي للمجتمع (الدولة السياسية) يفترض انبثاق تنظيم اجتماعي جديد لا يخضع للحكم السياسي، أي لا يخضع لحكم فئة اجتماعية لفئة أخرى. وقيام تنظيم اجتماعي جديد يفترض تحطيم الأداة التي تحمي التنظيم القديم، أي الدولة. نلاحظ كيف أن كل مهمة تشترط الأخرى ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن تنجز البروليتاريا مهمة بدون تحقيق تقدم في انجاز المهمة الأخرى. بل إن أي تأخّر في انجاز إحدى المهمتين سيعني بالضرورة قطع الطريق أمام استكمال انجاز الأخرى، أي الهزيمة المحققة للثورة. وفي أهم تجربتين تاريخيتين للبروليتاريا (الكمونة وانتفاضة البروليتاريا في روسيا) نلاحظ كيف أن البروليتاريا لم تستطع أن تزاوج بين هاتين المهمتين. ففي حين كانت الكمونة قد خطت أشواطا عظيمة في إعادة تنظيم المجتمع إلا أنها قد عجزت على تطوير نضالها ضد الدولة واكتفت برقعة جغرافية محدودة بما سمح للدولة بإعادة تنظيم صفوفها والإجهاز على الثورة لاحقا. بينما البروليتاريا في روسيا فقد استطاعت تحطيم أجهزة الدولة، ولم تكن الحكومة المؤقتة التي أقامتها البورجوازية قادرة على الوقوف في وجه السوفياتات التي أنشأتها، إلا أن البروليتاريا لم تقدر على التقدم كثيرا في إعادة تنظيم المجتمع واكتفت باستيلاءات مُشتّتة على المصانع والأراضي، وهو ما سمح للرأسمالية أن تعود لابسة لُبوس الإدارة العمالية لرأس المال، أو ما يُسمى برأسمالية الدولة. وهكذا تُبين لنا هاتين التجربتين كيف أن انتصار الثورة بشكل حاسم وبدون خطر الانتكاس لا يمكن أن يكون إلا بالتقدم بشكل متوازي في تحطيم الدولة من جهة وفي إعادة تنظيم المجتمع على أسس اقتصادية واجتماعية جديدة. وان نجاح الثورة هو بالضبط نجاح البروليتاريا في فرض أسلوب إدارة جديد للمجتمع وإنهاء إدارة المجتمع بشكل سياسي.

تُقدم الحركة الأناركية نفسها باعتبارها العدو اللدود للدولة وتُقيم تعارضها مع “الماركسيين” على أساس أن هؤلاء يدعون لإقامة الدولة بينما هي تدعو إلى تحطيمها. لكن هذه الحركة تقف عاجزة تماما على النظر لمهمة تحطيم الدولة بشكل واقعي، حيث أنها لا تطرح مهمة القضاء على الأساس المادي الذي تقوم عليه الدولة، أي الملكية الخاصة في شكلها المعاصر (الرأسمال وقوانينه الاقتصادية)، وهي في أحسن أحوالها تطرح التسيير الذاتي للرأسمال من طرف العمال، وهذا طبعا يعود إلى فهم خاطئ لطبيعة الرأسمال نفسه كعلاقة اجتماعية. أما الحركة “الماركسية” فإنها تُقدم نفسها باعتبارها تطمح إلى القضاء على الرأسمال ونظامه من خلال إقامة دولة العمال أو ديكتاتورية البروليتاريا التي ستقوم ببناء المجتمع الشيوعي عبر مراسيم تصدرها الدولة السياسية. وهذه النظرة تحمل تناقضا مستعصيا، إذ أن الدولة (أي دولة) لا يمكن لها أن تعيش ولو ليوم واحد بدون استغلال طبقة اجتماعية لأخرى، بدون امتلاك فئة اجتماعية لوسائل الإنتاج في مقابل انتزاعها من فئات اجتماعية أخرى. فهل ستقوم البروليتاريا باستغلال طبقة اجتماعية أخرى، أم أنها ستقضي على كل استغلال طبقي؟ هل ستقوم البروليتاريا باحتكار وسائل الإنتاج لصالحها كطبقة وتنزعها عن فئات اجتماعية أخرى، أم أنها ستجعل ملكية وسائل الإنتاج ملكية جماعية لكل أفراد المجتمع؟ وهل ستقيم البروليتاريا سيادة طبقية جديدة لصالحها، أم أنها ستقضي على كل سيادة طبقية؟ وإذا كان هدف البروليتاريا التاريخي هو إلغاء العمل المأجور، فهل ستُبقي على نفسها كطبقة، والحال أن وجودها كطبقة غير ممكن إلا بوجود العمل المأجور نفسه، ووجود العمل المأجور (حتى وان كان المُؤجر هو الدولة) لا يمكن أن يعني سوى وجود الملكية الخاصة (حتى وان كانت ملكية الدولة، أو الملكية المُؤمّمة)، وهذا سيعني عودتنا لدائرة المجتمعات الطبقية وكل الأصناف الاقتصادية الخاصة بالرأسمالية. وهكذا نجد أننا إذ نتحدث عن دولة البروليتاريا إنما نتحدث إما عن دولة بلا أساس مادي (الملكية الخاصة، الاستغلال الطبقي…الخ)، أي دولة غير قابلة للوجود إلا في الأذهان الإيديولوجية (دولة المجتمع كله)، وإما عن دولة استغلال طبقي تكون البروليتاريا على رأسها وهذا لا يعادل سوى القول بوجود البروليتاريا بدون عبودية العمل المأجور.

يتبين لنا إذا كيف أن الأناركية و”الماركسية” لا تقدم كلتاهما سوى تصوّر إيديولوجي للشيوعية، لأن كلتاهما لا تنطلق من نظرة مادية سواء للدولة أو للحركة التاريخية لتجاوزها.

الخطأ العام للحركة “الماركسية” في علاقة بالدولة هو في مماثلة الدولة بالعنف والإكراه الاجتماعي، أي النظر للدولة باعتبارها أداة لممارسة الهيمنة السياسية بالقوة لطبقة ضد طبقة أخرى. هذه النظرة تقود الماركسيين إلى المماثلة بين العنف الثوري الذي تمارسه البروليتاريا، والذي لابد لها من ممارسته من أجل انتزاع وسائل الإنتاج من الطبقات السائدة وتحويلها إلى ملكية اجتماعية مشتركة، وبين الدولة نفسها. لذلك فإنهم لا يرون أفقا لعنف حركة البروليتاريا إلا بواسطة وداخل الدولة السياسية. لكن الجوهر التاريخي للدولة ليس العنف، حتى وان كان ذلك سمة ملازمة لها، بل إن أساسها المادي الفعلي هو الاستغلال الطبقي. فالعنف ليس سوى وسيلة الدولة وليس ماهيتها التاريخية. وتعارض الشيوعية مع الدولة ليس تعارضا مع وجهها العنيف فحسب بل معها كأداة استغلال طبقي. والشيوعية لا تعني انتهاء العنف الاجتماعي (أو الإكراه الاجتماعي بأشكال متنوعة)، فالمجتمع سيُمارس دائما نوعا من الإكراه على الأفراد لضمان استمرار المجتمع البشري نفسه وضمان بقاء وحدته، بل تعني انتهاء الاستغلال الطبقي، أي انتهاء المُبرّر والأساس التاريخي للدولة. فالإكراه الاجتماعي سمة ملازمة للمجتمع البشري، بينما الدولة هي ظاهرة تاريخية طارئة. وإذا كان المجتمع البشري منذ بداية وجوده يعتمد على الإكراه في تنظيم نفسه وإجبار كل أفراده على الانصياع إلى التنظيم الاجتماعي والقيام بواجباته لفائدة الجماعة وسيبقى الأمر كذلك مادام هناك مجتمع بشري، فان الدولة قد ظهرت تاريخيا بظهور تناقض غير قابل للحل بين فئات اجتماعية يستغل أحدها الآخر. إذا فالظهور التاريخي للدولة لم يكن استجابة لحاجة المجتمع إلى فرض سلطته على أفراده، فسلطة المجتمع على الأفراد كانت تقوم في المجتمعات المشاعية الأولى من خلال تنظيم اجتماعي بدون حاجة اجتماعية للدولة أو السلطة السياسية، إنما الدولة ظهرت كوسيلة استعباد واستغلال لطبقات اجتماعية من طرف طبقات اجتماعية أخرى. والشيوعية لا تهدف إلى القضاء على سلطة المجتمع على أفراده (سلطة تنبع من الوحدة الاجتماعية نفسها وليس من انقسام المجتمع إلى طبقات)، بل تهدف إلى القضاء على استغلال طبقة لأخرى، وهذا لا يعني سوى القضاء على أداة هذا الاستغلال، أي على الدولة.

لكن إذا قلنا بأن تحطيم الدولة هو نقطة برنامجية أساسية في البرنامج التاريخي للبروليتاريا، فلنا أن نسأل: كيف تستطيع البروليتاريا القضاء على الدولة؟ ما هو المغزى التاريخي لمقولة تحطيم الدولة؟ هل أن حلّ الجيش الرسمي وتعويضه بميلشيات شعبية تقوم على التجنيد الاختياري بدل التجنيد الإجباري وتعيين القيادات بالانتخاب، أو حلّ الجهاز الإداري البيروقراطي واستبداله بكمونات للتسيير الإداري، أو حلّ البرلمان وطرد الحكومة وكسر مقاومة الثورة المضادة عسكريا، هل أن مُجمل هذه الإجراءات ذات الطابع السياسي يمكن لها أن تحطم الدولة نهائيا؟ في اعتقادنا فان هذه الإجراءات مهما كانت جذريتها، ورغم أنها ضرورة ثورية للبروليتاريا، فإنها لا تستطيع أن تُنهي وجود الدولة طالما أنها لم تتجه بالتوازي وفي نفس الوقت إلى إعادة تنظيم المجتمع على المستوى الاقتصادي والاجتماعي. فإذا ما بقي الأساس المادي للدولة (الاستغلال الطبقي) موجودا فإننا سنُبقي الباب مفتوحا لعودتها ولو متخفية باسم السوفياتات أو المجالس العمالية أو حتى باسم الكمونة نفسها. وإذا لم تتقدم البروليتاريا في القضاء على هذا الأساس المادي للدولة فان تغيير الأسماء لا يُغيّر من طبيعة الأجهزة الدوْلتيّة. وهنا بالضبط يتضح لنا الوجهان المتلازمان للثورة الشيوعية: تدمير الأجهزة السياسية للدولة وتدمير أساسها المادي، أي الملكية الخاصة والعمل المأجور والتبادل والنقد وقانون القيمة والإنتاج البضاعي…الخ. لذلك فان البروليتاريا مضطرة إلى مباشرة تحويل الإنتاج والتوزيع على أسس جديدة في نفس الوقت الذي تباشر فيه تحطيمها للأجهزة السياسية للدولة (جيش، بوليس، سجون، محاكم…الخ)، وهاتين العمليتين، التحويل الاقتصادي الاجتماعي والمواجهة السياسية للدولة، لا ينفصلان، ولا يمكن التقدم في واحدة بدون التقدم في الأخرى، بل إن أحدهما يشترط الآخر. وهذا طبعا لا يمكن انجازه في ضربة واحدة، ولا يمكن تصوّره كانقلاب سياسي يتم بمقتضاه استبدال حزب سياسي بآخر، أو حكومة بدل حكومة أخرى، بل باعتباره سيرورة تاريخية ستمتد لزمن لا أحد قادر على التنبّؤ بطوله بدقة، لكننا بالتأكيد نستطيع القول بأنه ذاك الوقت الذي ستحتاجه الثورة للانتصار الكامل.

هنا نصل بنقدنا لمقولات مثل “المرحلة الانتقالية”، و”الطور الأدنى للشيوعية” و”الطور الأعلى للشيوعية”.

وصلنا في بحثنا السابق إلى نتيجة مفادها أنه من غير الممكن الحديث عن ثورة شيوعية بدون الحديث عن تقدم البروليتاريا في فرض أسلوبها الجديد في تنظيم المجتمع. وهذا يعني أننا لا نرى للثورة الشيوعية كتعاقب لمرحلتين تقوم البروليتاريا (الحزب الشيوعي) في الأولى بالاستيلاء على السلطة السياسية وفي مرحلة ثانية بتطبيق مراسيم اقتصادية واجتماعية. ذلك أنه حسب هذه الرؤية فان الدولة (دولة البروليتاريا) هي من سيقود المجتمع إلى الشيوعية عبر مراحل تحددها الإرادة السياسية للحزب الحاكم باسم العمال. فنحن، ومثلما أسلفنا، نرى للثورة الاجتماعية كسيرورة لانتصار أسلوب جديد في تنظيم المجتمع (الإنتاج، التوزيع..)، ولا نعني باندلاع الثورة الشيوعية سوى اندلاع نضال العمال من أجل فرض هذا الأسلوب التاريخي. أي أن مباشرة الثورة من طرف البروليتاريا يعني بالضرورة مباشرتها ليس في تدمير الدولة وأجهزتها فقط (الوجه السياسي للثورة)، بل في خلق أشكال التنظيم الاجتماعي الجديد (الوجه الاجتماعي للثورة). وتقدُّم الثورة هو بالضرورة التقدم في انجاز هاتين المهمتين المتلازمتين. من هنا يتبين لنا أن ما يُسمى بالمرحلة الانتقالية، حيث تكون السلطة السياسية بيد العمال بينما يكون أسلوب الإنتاج أسلوبا رأسماليا، أو أسلوبا وسطيا، إنما هي مقولة إيديولوجية أساسها هو النظر للتنظيم السياسي للمجتمع كشكل مطلق وطبيعي وليس كوجود تاريخي عابر. فمن ناحية يكون القول بإمساك البروليتاريا بالسلطة السياسية مناقضا لنفسه. فكأن العبيد يمكن لهم أن يمسكوا بالسلطة السياسية بصفتهم كطبقة من العبيد، أي كأن العبيد يمكن أن يسودوا سياسيا بدون تحررهم في الواقع المادي، فإمساك العبيد بالسلطة السياسية لا يعني سوى نهايتهم كطبقة اجتماعية، أي إنهاء العبودية نفسها. وبالمثل كأن البروليتاريا يمكنها أن تسود سياسيا بصفتها كبروليتاريا، والحال أن البروليتاريا هي كذلك فقط باعتبارها طبقة مَسُودة ومُستعبَدة، وكل خطوة تخطوها هذه الطبقة في سبيل تحررها إنما يعني بالضرورة نضالها ضد وجودها كطبقة اجتماعية. لكن مقولة “البروليتاريا في السلطة” تجد أساسها النظري في مماثلة الثورة الشيوعية الاجتماعية مع الثورات السياسية التي قامت بها البورجوازية. ففي هذه الثورات السياسية قامت البورجوازية بالفعل بالاستيلاء على السلطة السياسية بصفتها كطبقة، بل لتجسيد وجودها الطبقي ذاك. لكن الاختلاف الجوهري بين البروليتاريا والبورجوازية يكمن في أن هذه الأخيرة لم تُوجد تاريخيا إلا كطبقة مستغِلة ومالكة لوسائل الإنتاج، وثورتها السياسية إنما هو نقل سيطرتها الاقتصادية إلى المستوى السياسي. بينما البروليتاريا فإنها لا تُوجد إلا كطبقة مستغَلة ومحرومة من وسائل الإنتاج. لذلك ففيما كانت هناك إمكانية تاريخية لسيادة البورجوازية السياسية كتأكيد لسيادة مادية مُسبقة، فان سيادة البروليتاريا السياسية تحمل في ذاتها عدم إمكانية التحقق التاريخي، لأن البروليتاريا لا تملك أية سيادة مادية في المجتمع، وتحررها يكمن فقط في إنهاء كل سيادة. لذلك فان العمل التاريخي الوحيد للبروليتاريا، والذي يمكن وصفه بالسياسي، هو تدمير الدولة السياسية والتنظيم السياسي للمجتمع واستبداله بتنظيم اجتماعي. ومن ناحية أخرى فان القول بأن الشيوعية ستكون تطبيقا لمراسيم تُصدرها دولة البروليتاريا يحمل في ذاته رؤية سياسية للتاريخ، أي كأن التاريخ يتحرك وفق الإرادة السياسية وليس وفق تطور قوى المجتمع المادية وما تحمله من تناقضات اجتماعية. فمن سيضمن لنا بأن الدولة البروليتارية ستطبق “سياسة شيوعية”؟ لا شيء سوى الإرادة الطيبة للحزب الشيوعي، وتعلقه بمبادئ إنسانية أو أخلاقية أو فلسفية. وهل ستتغير طبيعة الدولة فقط بتغيير اسمها، أو باستبدال هذا القائد بذاك، أو هذه الحكومة بتلك؟ وهكذا تتحول حركة التاريخ إلى حركة إرادات فردية أو سياسية. ومن ناحية أخيرة، فان هذه الرؤية السياسية للثورة الاجتماعية تقدم الشيوعية كمخطط نظري ستطبقه البروليتاريا، أو كأن الشيوعية شيء ستبتدعه البروليتاريا في ثورتها، والواقع، ومثلما أسلفنا، فالشيوعية هي حصيلة تاريخية لتطور الرأسمالية نفسها، حصيلة لتطور قوى الإنتاج المادية، وما البروليتاريا سوى فاعلها التاريخي الواعي.

ويقدم “الماركسيين” المرحلة الانتقالية أو “الطور الأدنى من الشيوعية” باعتبار أن قانونها الأساسي في التوزيع هو “لكل حسب عمله”. فماذا يعني هذا القانون، وهل يختلف عن قانون فائض القيمة الخاص بالعمل المأجور؟

إذا كان المقصود ب”لكل حسب عمله” أن المنتج سيتحصل على كل إنتاجه فهذا مستحيل، لأن الإنتاج الاجتماعي يفترض أن المجتمع سيأخذ نصيبا من الإنتاج سواء لتغطية الاحتياجات الاجتماعية العامة (رعاية صحية، التكفل بالأصناف الاجتماعية التي لا تشارك في الإنتاج مثل الأطفال والشيوخ، التعليم، تطوير “البنية التحتية”…الخ) أو لضمان ديمومة الإنتاج من خلال تجديد الآلات والبناءات والتطوير التقني…الخ. لذلك فان المنتج سوف لن يتحصل إلا على جزء من إنتاجه المباشر. أما إذا كان المقصود ب”لكل حسب عمله” أن المنتج سيتحصل على وصل ورقي يؤمن له التزود بما يحتاجه طبقا لقيمة ذلك الوصل، ووفقا لعدد ساعات العمل التي أداها، فان ذلك لا يعدو أن يكون العمل المأجور نفسه، حيث تكون قيمة الوصل الورقي بمثابة الأجر، ويكون الوصل الورقي بمثابة ورقة نقدية أو تمثيل لقيمة نقدية. ولو عدنا لأسلوب الإنتاج الرأسمالي، أليس العمل المأجور هو تطبيق لقانون “لكل حسب عمله”؟ فالرأسمالي عندما يشتري قوة عمل العامل إنما يعطيه في المقابل أوراقا مالية حسب عدد ساعات العمل التي يؤديها، وستمكن تلك الأوراق المالية العامل من اقتناء احتياجاته حسب قيمة تلك الأوراق. فما هو الفرق بين أن يكون الرأسمالي المفرد هو من يستأجر قوة عمل العامل أو أن تكون الدولة (بما في ذلك الدولة العمالية) هي من يقوم بذلك؟ هل سيُغيّر ذلك من طبيعة هذه العملية كونها لا تمثل سوى عبودية الأجر نفسه؟

ويبرّر “الماركسيين” ضرورة هذه المرحلة الانتقالية التي تقوم على قانون “لكل حسب عمله” بأن المجتمع في هذه الفترة لايزال فيما تُسمى بمرحلة النُدرة، وأنه للوصول إلى مرحلة “لكل حسب حاجته”، يجب أن يمُرّ المجتمع إلى مرحلة الوَفرة. وهذا التبرير يناقض نفسه في أكثر من وجه. فإذا كان قانون “لكل حسب عمله”، والذي عرفنا الآن أنه لا يعدو كونه قانون فائض القيمة في ثوب دوْلتي، ضرورة اجتماعية لا يمكن تجاوزها، فهذا لن يعادل سوى القول بأن قانون فائض القيمة ضرورة اجتماعية لا يمكن تجاوزها إلا بمزيد تطوير قوى الإنتاج. لكن الرأسمالية طوّرت ولا تزال قوى الإنتاج بأشكال لم تكن مُتصورَة في السابق ورغم ذلك فان هذا التطوير اليومي لقوى الإنتاج لم يُمكِّن من تجاوز قانون فائض القيمة أو “لكل حسب عمله” بل يُدعّم وجوده ويؤكد ضرورته الاجتماعية في كل يوم. فما الذي سيُبرّر أن تطويرا إضافيا لقوى الإنتاج على يد دولة عمالية سيلغي هذا القانون أو سيلغي ضرورته الاجتماعية؟ لا شيء سوى الإرادة الطيبة للدولة. وفي جانب آخر فان النُدرة أو الوفرة لا تتعلق بتطور قوى الإنتاج فقط، بل أيضا بعوامل طبيعية تخرج في كثير من الأحيان عن إرادة البشر وقدراتهم التقنية. فموسم مُجدب لا يمكن أن يُوفر نفس الكمية من الإنتاج الفلاحي لموسم جيّد مهما كانت وسائل الإنتاج متطورة. كذلك فزلزال قوي أو تفجّر بُركان يمكن أن يعطّل جزئيا الإنتاج وسيجعلنا في مرحلة نُدرة بالمقارنة مع الفترة السابقة. والوفرة والنُدرة من الأصل مسألة نسبية، أي اجتماعية. ففي مجتمع يعتمد السيارات الفردية مثل عصرنا الحالي، ستكون هناك دائما نُدرة نسبية في السيارات، بينما في مجتمع يعتمد أكثر على وسائل النقل العمومي ستكون هناك وفرة في السيارات الفردية بما أن قلة ستعتمد هذه الوسيلة في التنقل. ومجتمع تنفصل فيه الأغلبية من البشر عن أدوات إنتاجهم سيعتمد بالضرورة على الاستهلاك الجماهيري المُعمَّم، أي ارتهان حياة أغلبية الناس إلى الإنتاج الكبير للمواد الاستهلاكية المباشرة، وهذا سيقود حتميا إلى نُدرة مُعمّمة بمجرد ظهور بعض العوائق الخارجية عن الإنتاج، مثل العوامل الطبيعية. لكن الأهم في الموضوع هو أن النُدرة أو الوفرة لن تمثل مشكلة اجتماعية إذا كان الجميع سيتقاسم الإنتاج طبقا لحاجاتهم الاجتماعية. فإذا كان المجتمع في السابق يحتاج لألف وحدة من منتوج مُعيّن لكن ظروف الإنتاج لم تسمح إلا بإنتاج تسع مائة وحدة فقط فان الحاجة الاجتماعية ستنخفض إلى حدود تلك التسع مائة وحدة. أي أن المجتمع سيقتسم النُدرة أو الوفرة وستخضع احتياجاته الاجتماعية لهذه أو لتلك. لكن موضوع النُدرة أو الوفرة يتحول إلى معضلة اجتماعية غير قابلة للحل، مثلما هو حاصل الآن، إذا كان قسم من المجتمع يستأثر بالحصة الأعظم من الإنتاج الاجتماعي، بينما يجد قسم آخر نفسه محروما من الأشياء الضرورية.

لكن موضوع التوزيع الاجتماعي للثروة لا يمكن فصله عن طبيعة الإنتاج. بل إن طبيعة الإنتاج هي من يحدد طبيعة التوزيع. فمثلما أن أسلوب الإنتاج العبودي كان يحدد طبيعة توزيع الثروة الاجتماعية بين طبقتي الأسياد والعبيد بطريقة محددة، حيث كان العبيد يحصلون على احتياجاتهم الاستهلاكية بصفتهم جزء من وسائل الإنتاج (العبد هو مثل المواشي التي يستعملها السيد في حراثة الأرض)، فان أسلوب الإنتاج الإقطاعي كان يحدد توزيع الثروة بين طبقة النبلاء والأقنان بطريقة مختلفة، حيث عادة ما يحصل القن على جزء من إنتاجه ويفرط في جزء للإقطاعي، نظرا لكون القن، على عكس العبيد، يمتلك جزئيا وسائل الإنتاج. أما أسلوب الإنتاج الرأسمالي فانه يحدد توزيع الثروة الاجتماعية من خلال التحديد الاجتماعي لقيمة قوة العمل، وعلاقة العرض والطلب ومواجهة البضائع بعضها لبعض في السوق من خلال التبادل المتساوي للقيم، وتوزّع الربح إلى دخل وفائدة وريع. وهكذا فكل تغيير في أسلوب الإنتاج يصاحبه بالضرورة تغيير في أسلوب التوزيع. وإذا كانت البروليتاريا ستغير في أسلوب الإنتاج (إلغاء العمل المأجور) فان ذلك سيقود حتميا إلى تغيير طريقة توزيع الثروة الاجتماعية. ويصبح بذلك القول بتغيير أسلوب الإنتاج مع إبقاء طريقة التوزيع القديمة “لكل حسب عمله” شيء هو نظريا متناقض وهو واقعيا وتاريخيا بلا معنى.

أما التبرير الإيديولوجي الآخر لما يسمى بالمرحلة الانتقالية فيتعلق بالقول بأن البروليتاريا إذا كانت قادرة على الاستيلاء على الإنتاج الكبير وتحويله بشكل سريع إلى ملكية جماعية، فان الإنتاج الصغير سوف لن يتم القضاء عليه إلا بعد فترة تاريخية طويلة وسيستوجب ذلك وجود قوة سياسية (دولة البروليتاريا) للقيام بذلك. ومادام هناك إنتاج صغير فان ما يُسمى بالحق البورجوازي سيبقى، وستظل هناك صراعات طبقية تستوجب من البروليتاريا امتلاكها لسلطة سياسية.

طبعا ليس هناك من يتوهم أن المجتمع الجديد سينبثق دفعة واحدة وبضربة سحرية. ولا يمكن تصور الثورة كعملية عسكرية خاطفة تقضي في يوم وليلة على المجتمع القديم. وتحليلنا السابق يؤكد أن الثورة ليست انقلابا سياسيا ستقيم البروليتاريا على إثره أسلوبا جديدا في الإنتاج والتوزيع. فالثورة لا شك ستحتاج لفترة زمنية لا أحد يمكن له أن يتكهن بطولها. لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو كيف سيتم القضاء على بقايا المجتمع القديم؟ هل سيكون ذلك عبر قرارات سياسية من دولة مركزية؟ هل سيكون ذلك عبر سنّ القوانين التي تمنع الملكية الخاصة والعمل المأجور؟ طبعا إذا ما أجبنا بنعم، فسنكون قد حوّلنا التاريخ إلى سلسلة من القرارات السياسية أو سلسلة من القوانين، ونكون قد حوّلنا التطور التاريخي إلى تطوّر للإرادة السياسية أو لإرادة مُشرّعي القوانين. فمثلما يرى مشرّعو القوانين أن إصدار قانون جديد سيغيّر من طبيعة العلاقات المادية بين البشر، فان السياسيين يعتقدون من جانبهم أن التاريخ يمكن أن يتغير بمجرد وجود إرادة سياسية لهذا التغيير، وبالنسبة لهم يكفي أن نستبدل سياسة حكومة بسياسة حكومية أخرى فان ذلك كفيل بتغيير علاقات الإنتاج المادية وسيُسوّي النزاعات الاجتماعية التي تشقّ المجتمع. بنفس هذه المنهجية يعتقد “الماركسيين” أن إنهاء الإنتاج الصغير والملكيات المتوسطة والصغيرة لوسائل الإنتاج كذلك أشكال العمل المأجور التي سترثها الثورة ولو بشكل متناثر وأحيانا مُقنّع بألف قناع، أن إنهاء كل هذه النزاعات الاجتماعية سيكون من خلال سياسة رشيدة أو “شيوعية” لدولة العمال، ومن خلال إصدار القوانين. وكأن إصدار قانون يمنع العمل المأجور سيقضي فعليا على العمل المأجور. وكأن بعث بوليس لملاحقة من يُشغّل غيره بأجر، أو من يتحوّز على رقعة أرض سيكون كفيلا بمنع ظهور أشكال تملّك مُقنّعة. فهل استطاعت أساطيل القوانين التي تمنع تشغيل الأطفال من القضاء على هذا الشكل من العمل؟ وهل استطاعت كل قوانين المساواة بين الرجل والمرأة من تحقيق مساوتهما الفعلية؟ وهل منعت القوانين ضد السوق السوداء من تصدّر هذه السوق المساحات العامة أمام نظر البوليس نفسه؟

لاشك وأن الأسلوب الجديد في تنظيم المجتمع لن يبسط سيطرته مباشرة على كل دوائر الإنتاج والتوزيع. فالبروليتاريا ستقوم مثلما فعلت في محاولاتها الثورية السابقة بمباشرة استيلاءها على القطاعات الإستراتيجية في الاقتصاد الرأسمالي (مراكز الإنتاج الكبير، مسالك التوزيع الهامة، مراكز الاتصال الكبيرة…الخ) وهذه العملية ستكون من خارج وضد أجهزة الدولة. وهي إذ تقوم بذلك فان البروليتاريا ستقوم بإعادة توجيه الاقتصاد في أهم مفاصله ليس من أجل الربح والتبادل بل من أجل تلبية الحاجات الضرورية لعموم الكادحين، أي مباشرة إلغاء قانون القيمة في أهم مراكز سريانه. لكن هذه العملية التاريخية تستوجب خلق أشكال تنظيم اجتماعي جديدة، مبنية على أسس جديدة، وهذا يجب أن لا ينحصر في رقعة جغرافية واحدة ولا أن ينعزل ضمن دائرة إنتاجية، كما يجب أن لا تستقل دوائر التنظيم الاجتماعي بعضها عن بعض بحيث تتحول إلى وحدات إنتاجية منفصلة تتبادل فيما بينها إنتاجها الخاص، فذلك لن يؤدي إلا إلى عودة الإنتاج من أجل التبادل، بل يجب أن تتطور العملية الثورية نحو اكتساح بقية دوائر التنظيم الاقتصادي والاجتماعي وربطها بعضها ببعض من خلال أشكال تنظيم اجتماعي أشمل وأعم. وهكذا فان تقدم الثورة إنما هو تقدم البروليتاريا في إعادة تنظيم المجتمع على أسس جديدة، وهذا التقدم لن يتم إلا بمواجهة الدولة وتعويض أشكال التنظيم السياسي بأشكال جماعية في الإدارة. لذلك فيجب أن لا نفهم الثورة الاجتماعية كسلسلة من القرارات السياسية أو سنّ مجموعة قوانين، بل كفعالية اجتماعية تقوم في كل مرحلة من مراحل تقدمها بجرّ قطاعات اجتماعية جديدة إلى دائرة التنظيم الجديد. ونجاح هذه السيرورة الاجتماعية مرتهن بمدى نجاح البروليتاريا ليس في فرض سلطة سياسية بل في توسّع دائرة نشاطها الثوري ووصوله إلى قطاعات جديدة من البروليتاريا أولا ثم بقية فئات المجتمع الأخرى. وإذا ما قبلنا بمفهوم “ديكتاتورية البروليتاريا” فلن نفهمه إلا بمعنى أن السيرورة الثورية ستحتاج من البروليتاريا توجيه عنفها الطبقي ضد كل أشكال وجود الدولة السياسي من جهة ومن أجل إجبار القطاعات الاجتماعية الأخرى على قبول التنظيم الاجتماعي الجديد. لكن مفهوم “ديكتاتورية البروليتاريا” حتى إن فهمناه بهذا الشكل فانه نظريا لا يقدم شيئا سوى الغموض والتشويش وبث الوهم السياسي في صفوف البروليتاريا الثورية، وخاصة أن “ديكتاتورية البروليتاريا” اليوم أًصبحت تعني في تداولها العام الدولة السياسية للبروليتاريا وهذا بالضبط ما حاولنا إبراز خطأه النظري وخطورته العملية. ورغم أن الموضوع ليس موضوع تسميات بل موضوع مضمون نشاط اجتماعي، فإذا أردنا أن نتحدث عن الأدوات التي ستستعملها البروليتاريا لقمع الثورة المضادة فإننا نقترح مثلما اقترح أنجلس “الاستعاضة في كل مكان عن كلمة (الدولة) وتعويضها بكلمة (المشاعة) وهي كلمة ألمانية قديمة ملائمة تعادل كلمة (كمونة) الفرنسية”.

أما التبرير الإيديولوجي الآخر لما يسمى بالمرحلة الانتقالية فيتمثل في القول بأن الأشكال الإيديولوجية للمجتمع القديم ستواصل بقاءها بعد الثورة، وبالتالي فمن الضروري وجود سلطة سياسية “بروليتارية” لتربية المجتمع وقيام أجيال جديدة تحمل “عقليات” جديدة وهذا هو الأساس للوصول إلى الطور الأعلى من الشيوعية، وفقط ساعتها، عند ولادة جيل قد تخلص نهائيا من الإيديولوجيات البورجوازية المتوارثة، سيكون من الممكن تطبيق شعار “من كل حسب طاقته ولكل حسب حاجته”. ويعتمد هذا التبرير على مقولة البنية الفوقية والبنية التحتية والاستقلالية “النسبية” للأولى عن الثانية، وبالتالي إمكانية بقاء أشكال إيديولوجية خاصة بتشكيلة اجتماعية سابقة ضمن تشكيلة اجتماعية جديدة.

لكن لو طرحنا السؤال: كيف يطوّر ويغيّر الناس أفكارهم؟ هل عن طريق التعليم والتربية؟ لو جزمنا بذلك لحكمنا باستحالة تملّك البروليتاريا لأي وعي ثوري. فكل أجهزة التعليم والتربية في المجتمع السائد تقوم بتلقين الناس كيفية خضوعهم لهذا النظام. وكل الأجهزة الإيديولوجية لا تفعل سوى إقناع العمال بأبدية الملكية الخاصة وبأن وجود طبقة بورجوازية وأخرى بروليتارية هو أمر طبيعي مثلما كان أرسطو يقول بأن العبودية هي نتيجة طبيعية للاختلاف البيولوجي بين الأجناس البشرية. فأية معجزة ستخلق الوعي الثوري بين العمال؟ وأية عصا سحرية ستدفعهم للثورة على النظام القائم؟ كيف “لعقلياتهم” أن تتبدل من الخضوع لرأس المال إلى الثورة ضده؟ هل ستنشأ “مدارس” لتعليم العمال ضرورة الشيوعية، وأن خلاصهم لن يكون إلا من خلالها؟ ثم من سيخلق هذه المدارس “الشيوعية”، ومن أين أتى هؤلاء “المعلمون الشيوعيون” بعلمهم؟ أية عبقرية ستجعل مجموعة من “الشيوعيين” يتملكون على وعي ثوري بدون مدرسة ولا معلم ليقوموا بنقله إلى البروليتاريا؟ ولو افترضنا إمكانية وجود بعض العباقرة الذين سيتوصلون إلى الوعي الشيوعي عبر الحدس أو حتى عبر البحوث العلمية، فما الذي سيجعل هؤلاء العباقرة قادرين على مقارعة ملايين المدارس والمساجد والكنائس ووسائل الإعلام التي تعمل ليلا نهارا على تدجين وعي العمال، أية وصفة سحرية ستجعلهم ينتصرون على هذا الجيش العرمرم ويثبّتوا في عقول البروليتاريا علمهم الثوري ذاك؟

إن وجود وعي لدى فئة اجتماعية بضرورة الثورة على الأوضاع القائمة يشترط سلفا وجود حاجة مادية اجتماعية تدفعهم إلى التناقض مع الأوضاع القائمة. فالوضع الاجتماعي للبروليتاريا كفئة اجتماعية تنتج الثروة ولا تحصد سوى مزيد البؤس المطلق أو النسبي يدفعها للنضال ضد وضعها الاجتماعي ذاك. لكن البروليتاريا وهي تتقدم في نضالها العملي إنما تُطوّر وعيها وفهمها للعالم والتاريخ ولحركتها العملية تلك من حيث المضمون الاجتماعي والأهداف التاريخية. وهكذا فالبروليتاريا لا تغير في ثورتها العلاقات المادية للمجتمع فقط بل تغير أيضا وعيها. وكل تقدم فعلي في الثورة يعني بالضرورة تغييرا في طريقة وعي الناس بأنفسهم وبعلاقاتهم المادية وظهور أفكار اجتماعية جديدة تعارض الأفكار القديمة وتحيلها إلى متحف التاريخ. وكل توسّع للإدارة الكمونية لتكتسح دوائر اجتماعية جديدة إنما سيعني اكتساح الأفكار الجديدة للمجتمع وتحولها إلى أفكار عمومية. وهكذا ففي حركة النضال الثوري نفسه ينبثق الوعي بضرورة تغيير أسلوب إدارة المجتمع وليس عبر تعليم مدرسي تقوم به الدولة. فما الذي سيجعل الدولة تقوم بتعليم الناس ضرورة إنهائها كدولة؟ لا شيء سوى الإرادة الطيبة للمسؤولين السياسيين.

من الطبيعي أن أولائك الذين يتصورون الثورة كعملية استيلاء على السلطة السياسية من طرف حزب سياسي يجدون أنفسهم مجبرين على ابتداع مرحلة انتقالية تقوم فيها الدولة بتعليم الناس وتغيير “عقلياتهم”. أما إذا نظرنا للثورة الشيوعية كثورة اجتماعية، فان الجماهير التي ستنخرط في تغيير أسلوب إدارة المجتمع ستجد أفكارها تتغير. الجماهير التي ستهاجم الملكية الخاصة وتحولها إلى ملكية اجتماعية وتديرها لا وفق قانون الربح بل وفق الاحتياجات العامة لتقدم ثورتها ستجد نفسها قد تخلت عن قدسية الملكية الخاصة. وستتحول الملكية الخاصة بتقدم الثورة الاجتماعية شيئا مستهجنا اجتماعيا. أما القول بأن الدولة ستنتزع قدسية الملكية الخاصة من رؤوس البشر بالتعليم والتربية فهو لا يعادل سوى القول بانتزاع قدسية الدين من رؤوس البشر بدون أن يكون هؤلاء البشر قد تقدموا عمليا في النضال ضد الأساس المادي للاغتراب الديني، أي تقدمهم في النضال ضد اغترابهم الاقتصادي. وهكذا فان الوقت الذي ستحتاجه الثورة لفرض أسلوب إدارتها الجماعية الجديد هو نفسه الوقت الذي سيغير فيه البشر أفكارهم الاجتماعية. هذا طبعا إذا انطلقنا في بحثنا للموضوع من زاوية الفهم المادي للتاريخ. أي من زاوية أن الوجود الاجتماعي (المادي) للناس هو الذي يحدد وعيهم الاجتماعي وليس العكس.

Advertisements

About منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني

موقع منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني
هذا المنشور نشر في الماركسية. حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s