وحدة الحركة الشيوعية فوق كل اعتبار

وحدة الحركة الشيوعية فوق كل اعتبار

عديد نصار

وحدة الحركة الشيوعية فوق كل اعتبار

( تذكروا أيها الرفاق أنكم أنتم، و أنتم وحدكم، الذين تنتجون الثورة الحقيقية للعالم)

إن على الشيوعي الاستمرار في إنتاج الفكر . فبناء على المنهج المادي، على الشيوعي أن يقدم و في كل مرة، تفسيرا علميا للظواهر الاجتماعية و السياسية و أن يحدد الأسباب و التوجه العام لحركة المجتمع البشري .

لقد انغمس الشيوعيون طوال عقود في وحول العمل السياسي ما أفقدهم القدرة على إنتاج الفكر و بالتالي القدرة على تفسير حركة المجتمعات و اتخاذ الموقف الموحد منها، فكانت النتيجة الحتمية ، قصور نظري و تباين في المواقف وصل إلى درجة التضارب و التضاد فأوغلوا في التفسخ و التشرذم حتى تحول الشيوعيون إلى فرق متنابذة و عاجزة عن أي تأثير لا في الفكر و لا في السياسة!

إنه لمن المؤسف و المحزن و ربما ما يثير الشكوك أن يرى الشيوعيون العالم كله يقاد إلى كارثة محتمة و معالم الطريق ترسم إليها بوضوح صارخ و على كافة الصعد و المستويات ، دون أن يكون عندهم القدرة أو ربما الجرأة على إطلاق نداء صارخ ، نداء جامع من أجل وحدتهم ، من أجل من يدّعون أنهم يمثلون، من أجل إنقاذ البشرية مما تسير إليه هائمة على وجهها، من مصير محتم.

إن الماركسية ، يا سادة ليست أيديولوجيا و ليست عقيدة ، و هي بالطبع ليست دينا له كهنته و معابده و معتنقوه ، إنها بخلاف كل هذا ، إنها منهج عمل و فكر يقوم على دعامتين راسختين : المادية الجدلية و المادية التاريخية. و عليه ، فنحن جميعا كشيوعيين ماركسيين مطالبون بإنتاج الفكر و تقديم التفسير اللازم لجميع الأحداث بناء على هذا المنهج ، فهكذا ، و هكذا فقط يمكن أن نوحد الحركة الشيوعية و نجعلها أداة حقيقية لإنقاذ البشر و إنتاج الثورة الحقيقية للعالم.

و الشيوعية ليست وجهة نظر أو حلما أو تخيلات رومانسية ، إنها مرحلة تاريخية من مراحل تطور البشر يحددها التطور المتواصل صعودا لوسائل الانتاج و الذي يفرض بدوره العلاقة بين الانسان والآلة و بين الانسان و الانسان. هذه المرحلة قادمة لا محالة شاء البعض أو رفض و لكنها ستصل لبشر حققوا انسانيتهم أكانوا كثرا أم مجموعات قليلة متفرقة بعد كارثة عظمى تحيق بالكوكب و بسكانه.

و عندما أتحدث عن حتمية الكارثة ، فإنني أقرأ ذلك في ما يجري منذ عقود من فشل الطبقة العاملة بقيادة طليعتها الشيوعية من فرض سلطتها على العالم ، إلى انهيار النظام الرأسمالي و حركات التحرر الوطني في بلدان الأطراف إلى سيطرة نظام الاستهلاك الجشع على العالم إلى سيادة الطبقة الوسطى التي لم تحكم قط و هيمنتها ، إلى التدمير الممنهج للمجتمعات التقليدية و الوطنية و تعميم طريقة التدمير الذاتي في هذه المجتمعات عن طريق الحروب الأهلية الطائفية و المذهبية و العرقية إلى نهب و تبديد ثروات الشعوب بسرعة قياسية إلى تدمير البيئات الطبيعية بسرعة أكبر إلى تهميش الإنتاج السلعي و كل من و ما يقوم عليه من طبقات و وسائل عيش.

إن سير البشرية على هذا الدرب و بهذه السرعة لا يوصل إلا إلى كارثة محتمة تقودنا إليها الطبقة الوسطى التي تعيش فوق الإنتاج و علاقات الإنتاج و وسائل الإنتاج و تتحكم بمصير البشر.

و الطبقة الوسطى ، أيها السادة ، كانت موجودة دائما خلال مراحل التاريخ المتلاحقة، غير أنها كانت حقيرة متواضعة تخضع لرغبات و هيمنة الطبقة السائدة . و لكنها تنامت في مرحلة الانتاج الرأسمالي لما لعبته من دور في إنتاج الخدمات و توسعتها. لم تسطع هذه الطبقة أن تحكم إلا في المجتمعات التي طغى فيها الطابع البدوي على الحياة الحضرية كبلاد العرب. فقبائل البدو كانت تفرض سيطرتها على طرق المواصلات و تبسط حمايتها على القوافل و الحواضر فتجبي الخوات ثمنا لحمايتها . و كانت كما تفعل اليوم الطبقة الوسطى المسيطرة على العالم ، تمتهن أو تحتقر العمل الإنتاجي كالزراعة و الصناعة و تعتبرها مهنا وضيعة بينما الحماية و الغزو هما طريقة العيش الكريمة و رمز السيادة. ( مهنة و مهانة من نفس الجذر، امتهن = احتقر)

لقد استفادت إمبريالية الرأسمال الصناعي من السيطرة الاستعمارية في بسط سيادتها على معظم العالم و بالتالي فرض تقسيم عمل دولي يناسبها، و في اعتقادي أن الطبقة الوسطى اليوم، و المتحدرة في معظمها من الطبقة الرأسمالية السابقة المنهارة، قد استطاعت أن تسخر ما توصلت إليه الإمبريالية الصناعية و بنفس الأدوات أن تفرض هيمنتها على العالم و بالتالي تحدد معالم تقسيم جديد للعمل الدولي. و لكن الواضح أن افتقار هذه الطبقة للقيم المادية و اقتصار اعتمادها على القيم الافتراضية و على رأسها النقد البحت ( الدولار غير المستند إلى إنتاج اقتصادي ) جعلها مضطرة إلى الخوض في حروب ” استعراضية ” و لكنها تدميرية بكافة المقاييس، من أجل دوام هيمنتها أطول مدة زمنية ممكنة.

أين الشيوعيون من كل هذا؟ أين هم من نقد الفكر السياسي و نقد الاقتصاد السياسي ؟ أين هم من تصفية الحساب مع المرحلة السابقة، مع مرحلة مرت و انقضت بعد أن شهدت صعود و انهيار المشروع اللينيني؟ أين النقد و أين التقييم و أين القطع مع تلك المرحلة؟ و كيف نخرج من فك الماضي لنتصدى للمرحلة الصاعدة كأصحاب منهج علمي و فكر و قضية همّها تحقيق إنسانية الإنسان؟

لقد غلب على الشيوعيين اليوم تأثرهم بانهيارالمشروع اللينيني فغدوا أكثر امتهانا للعمل السياسي ( اتخاذه مهنة ) و بعدا عن المنهج، لهذا ترى كل مجموعة و ربما أفرادا يُخضعون النظرية لمواقفهم السياسية و ربما لمصالحهم و عليه كانت الشرذمة و الاحباط و الضياع و انعدام الفاعلية و الرؤية و الفكر. فلا عجب إذ ذاك ، أن نرى شيوعيين يؤيدون ” تحرير العراق من الطاغية ” على يد الأمريكيين ، و شيوعيين منخرطين في مقاومة ” الاحتلال الأمريكي ” للعراق! كما تبنى البعض خط المقاومة التي يقودها إسلاميون و اعتبر البعض الآخر ” الأصولية الإسلامية ” عدوهم الوحيد يجب التحالف مع الأمريكي لمحاربته و التخلص منه .

إن الشيوعيين بذلك يتبنون مواقف الآخرين تماما كما فعل الاشتراكيون الديمقراطيون خلال الحرب العالمية الأولى حين تبنوا مواقف الحكومات الامبريالية و انخرطوا في حربها . إنهم يحاولون تطويع الموقف النظري لينسجم مع الموقف السياسي فضاع المنهج و ضاعت السياسة!

الاتحاد العالمي للحركة الشيوعية

مدخل لا بد منه

لا يمكن بأي حال من الأحوال أن نطلب من القوى و الأحزاب الشيوعية القائمة أن تتخلى عن مشاريعها و طروحاتها السياسية هكذا مرة واحدة ، كما أنه لا يمكن لموقف أو لبرنامج سياسي مهما كان، أن يشكل قاعدة حقيقية لوحدة القوى و الأحزاب الشيوعية . لذا فإن تأسيس الاتحاد العالمي للحركة الشيوعية مدخل لا بد منه من أجل توحيد العمل الشيوعي إنطلاقا من اعتماد المنهج المادي الماركسي كخيار جامع لإطلاق ورشة عمل فكرية شاملة تعيد العربة إلى السكة فيكون السياسي خاضعا للنظري و ليس العكس.

و الاتحاد العالمي للحركة الشيوعية ليس حزبا و لا منظمة سياسية ، رغم أن كل اجتماع منظم هو اجتماع سياسي، غير أنه لا يمتلك لا برنامجا سياسيا و لا يهتم بإطلاق المواقف السياسية من حدث أو آخر، إنه إطار عمل تنحصر مهامه في:

– نفض الغبار عن المنهج الماركسي المادي و تطوير الفكر العلمي ما يمكنه من تفسير الظواهر الاقتصادية و الاجتماعية و السياسية و القطع مع المرحلة التاريخية التي ابتدأت مع المقدمات التاريخية لثورة أكتوبر مطلع القرن العشرين و صولا إلى انهيار المشروع اللينيني أواخر ذلك القرن.

– تحديد طبيعة المرحلة الحالية و الصاعدة بأنظمتها الاقتصادية و الاجتماعية و صراعاتها و أطراف هذه الصراعات و تبيان أوجه الصراع الطبقي فيها و بالتالي معرفة الموقع الذي على الشيوعيين احتلاله و إطلاق نضالهم الطبقي منه.

– إطلاق الدعوة الملزمة لوحدة الحركة الشيوعية العالمية في إطار نضالي متماسك و مهيأ ل:

1- إنتاج بيانه الشيوعي اللازم للمرحلة الحالية و الصاعدة،

2- السير في استنهاض الطبقة العاملة و توحيدها .

3- تشكيل أوسع تحالف طبقي داعم في عملية الصراع.

4- توحيد جهود الشعوب المضطهدة و الفئات المهمشة تحت قيادة الطبقة العاملة من أجل تحقيق الأهداف المرسومة.

ممن يمكن أن يتشكل الاتحاد العالمي للحركة الشيوعية؟

لا شك أن تشكيل الاتحاد العالمي للحركة الشيوعية همّ ينبغي أن يقع في الأساس على كاهل المفكرين الشيوعيين المهتمين بوحدة الحركة الشيوعية من جميع البلدان، هذا لا يمنع الأحزاب و القوى الشيوعية مهما كان بينها من اختلاف، أن تشارك بواسطة كبار مفكريها دون أن يكون لهم أية امتيازات على سائر المفكرين، منضوين و مستقلين، الشرط الوحيد الذي أفترض أن يتوفر في العضو المنتسب إلى هذا الاتحاد هو التزامه الأكيد بالمنهج المادي الماركسي و تقيده بمبدأ حرية النقاش و ديمقراطية القرار.

لقد أصبح باستطاعة الجميع اليوم أن يشاركوا في الاجتماعات و الندوات و الحوارات عبر الشبكة العنكبوتية بكل يسر و سلاسة، كما يمكننا أن نؤسس لموقع و منتدى للاتحاد تتم بواسطته كل هذه الأمور.

صحيح أن الطبقات المنتجة قادرة، في الزمان و المكان الضروريين، أن تفرز من ذواتها طلائعها المناضلة التي تقودها في مجمل صراعها الطبقي، فهي لا تنتظرنا لنوحد قوانا الشيوعية لتنطلق في نضالها، و لكن ما نراه من كارثة محتمة يتجه إليها العالم يدفعنا إلى إطلاق هذا النداء لكل شيوعي متمسك بشيوعيته في هذا الزمن الملتبس حيث يتوجب علينا أن نحدد الموقع ونتبين الطريق بكل وضوح و صرامة، فالعاصفة قد لا تنتظر طويلا.

إنني أعتبر هذا المقال دعوة لكل مفكر و مثقف شيوعي حريص على وحدة الحركة الشيوعية لأنْ ينخرط في هذا العمل الذي لا غنى عنه في سبيل إنقاذ البشرية مما يتهددها و يحيق بها من كوارث و إنقاذ الإنسان من سلطان الاستغلال و الهيمنة و الفساد .

Advertisements

About منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني

موقع منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني
هذا المنشور نشر في الماركسية. حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s