السفير:هل تملك الرياض مصلحة في تأجيل القرار الظني؟

«حزب الله» المطمئن يستعرض جبهة الحلفاء ويحاصر المحكمة قبل أن تحاصره

هل تملك الرياض مصلحة في تأجيل القرار الظني؟

عماد مرمل

خلعت المواجهة بين «تيار المستقبل» و«حزب الله» حول المحكمة الدولية الخاصة بلبنان كل قفازاتها وأقنعتها، بحيث باتت تدور بشكل مكشوف ومباشر.

من اللحظة الأولى لإطلاق مشروع المحكمة، لم يتحمس «حزب الله» له، لأسباب سياسية وشرعية.. رغب الحزب بمحكمة لبنانية أو عربية أو إسلامية، وهو صارح آل الحريري بذلك، منذ أن بادر السيد حسن نصر الله الى زيارتهم في قريطم معزياً ومتعهداً بأن يقوم الحزب بكل ما يمكنه من الوصول الى الحقيقة. تجاوبت العائلة، مع «السيد» ولكن عندما أصبح القرار خارج إرادتها، بعثت اليه بجوابها الواضح. «الظاهر أنهم يريدون محكمة دولية». أسقط من يد الحزب أن يكون شريكاً في مسيرة الوصول الى كشف المجرمين، واتخذ الأمر منحى وضع لبنان وأمنه في مهب حسابات «الدول»، وعندما قيل للسيد نصر الله من أحد الوسطاء إن المحكمة الدولية ستكون عادلة ويمكن وضع ضوابط لها أجاب إننا من حيث المبدأ ضدها لأن شرعنا لا يسمح لنا أن نضع رقابنا ومصائرنا بيد قضاة ومحققين لا نعرف من هم ولا دينهم ولا اتجاهاتهم. وما الذي يمنع أن يكون هناك إسرائيليون. هذا أمر يتنافى وشرعنا».

لاحقاً جرت محاولات لإقناع الحزب مجدداً بإمكان وضع ضوابط وعقدت لهذه الغاية جلسة أولى بين الوزير بهيج طبارة والحاج حسين الخليل بحضور مصطفى ناصر، وتم الاتفاق على جلسة ثانية، بين طبارة والسيد نصر الله بحضور الخليل وناصر، من أجل التداول في مسألة الضوابط التي يمكن أن تحمي حتى خيار المحكمة الدولية.. سقط جبران تويني ورفض فؤاد السنيورة إعطاء مهلة يومين للقاء نصر الله ـ طبارة، وقرر إرسال مشروع المحكمة الى الأمم المتحدة… قاطعاً الطريق على أي مسعى محلي لوضع ضوابط.

اعتكف وزراء المعارضة، ولاحقاً بعد أن توفر المخرج لعودتهم، اضطر «حزب الله» الى مسايرة «المحكمة» على مضض، في إطار الحرص على تفادي خطر الفتنة الداهمة وبالتالي احتواء الموجة السياسية والعاطفية الجارفة التي ضربت البلد بعد اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري. ابتلع الحزب مبدأ تشكيل المحكمة إلا أنه لم يستطع ان يهضمه، وراح يسعى عند كل مناسبة متاحة لإدخال تعديلات جوهرية على تفاصيل النظام الأساسي حيث تكمن الشياطين.

أخفق الحزب في تصويب المسار، واستقال من حكومة فؤاد السنيورة احتجاجاً على إهمال الملاحظات المقدمة منه ومن حركة أمل، فيما تمت ولادة المحكمة عبر جراحة دولية في مجلس الامن، بعيداً عن الممرات الدستورية وحتى السياسية اللبنانية.

ومع ذلك، أبقى الحزب على شعرة معاوية مع المحكمة لإدراكه مدى حساسية سعد الحريري والطائفة السنية حيالها، فلم يعترض عليها لا في البيانات الوزارية المتعاقبة ولا قبلها في هيئة الحوار الوطني (2006).. الى أن بدأ السكين يقترب من رقبته. عندها، أطلق الحزب هجومه المضاد والمتدرج، متخلياً عن سياسة ضبط النفس. الصليات الأولى أصابت القرار الظني ثم راحت صواريخه السياسية البعيدة المدى تستهدف تدريجياً العمق الحيوي للمحكمة.

بهذا المعنى، سقط «تابو» المحكمة، واستطاع الحزب – ولعله تعمد ـ ضرب «قدسيتها»، بعدما كان البعض في 14 آذار يتباهى بأنه استطاع ضرب قدسية سلاح المقاومة.

نجح الحزب من خلال حملته المتصاعدة والمبرمجة في تهشيم صورة المحكمة التي لم يعد الهجوم عليها من المحرمات او المحظورات، لتتحول بالنسبة الى جزء كبير من الرأي العام الى مؤسسة فاقدة للمصداقية والشرعية.

وهكذا، بات «حزب الله» يشعر الآن بأنه تمكن من محاصرة المحكمة التي كان يراد لها أن تحاصره، وأنه نجح في إنهاك القرار الظني واستنزافه، فيما يرفض سعد الحريري أي تسوية بشأن هذين الأمرين، بل إن بعض المقربين منه يجزمون بأنه لم يعد لديه ما يقدمه بعد كلامه المتطور لجريدة الشرق الاوسط وأنه يجب عدم انتظار خطوات إضافية منه، لا سيما أن مبادرته الإيجابية قوبلت بتصعيد الحملات ضده.

وعليه، لا يلوح في الأفق أي مؤشر الى احتمال إيجاد معالجة عاجلة للأزمة، وهناك من يتساءل في هذا الإطار: ماذا يدفع السعودية الى بذل جهد حقيقي من أجل إلغاء او تأجيل قرار ظني، تعتقد انه سيبتر ما تفترض أنها «ذراع» طهران في لبنان المتمثلة في «حزب الله»، بما يوجه ضربة موجعة الى المشروع الإيراني الذي تعتبر الرياض انه يشكل الخطر الاستراتيجي الأكبر على مصالحها في لبنان والمنطقة؟

وإذا كانت الرياض راغبة فعلاً في المساعدة، فهل تملك القدرة، ولماذا تتجاوب معها الولايات المتحدة الاميركية التي تجد في القرار الظني والمحكمة الدولية فرصة نموذجبة لضرب المقاومة بعدما عجزت عن ذلك الحروب الإسرائيلية المتكررة والضغوط المحلية؟

من هنا، يتصرف «حزب الله» على أساس الاستعداد لأسوأ الاحتمالات، مع ما يتطلبه ذلك من ترتيب لكل أوراق القوة التي تمثل تحالفاته إحداها. وفي هذا السياق، يبدي الحزب ارتياحه الى تماسك جبهة حلفائه في مواجهة تحديات شهود الزور والقرار الظني والمحكمة الدولية، برغم رهان الفريق الآخر على تناقضات افتراضية بين قيادات المعارضة او بين «حزب الله» وسوريا.

ولا يتردد أحد قياديي الحزب بالتأكيد أن المعارضة هي في أحسن أحوالها هذه الأيام، وأن العلاقة مع دمشق لم تكن مرة أكثر متانة مما هي عليه حالياً، وذلك استناداً الى القراءة الآتية لسلوك الحلفاء ولسلوك رئيس الجمهورية والنائب وليد جنبلاط ودمشق وطهران:

ـ الرئيس نبيه بري: يشعر «حزب الله» بأن مواقف الرئيس بري ممتازة، آخذاً بالاعتبار انه لا يجب ان يُنتظر منه التماهي مع الحزب في كل التفاصيل، وإنما ينبغي ان تُراعى خصوصياته، كما حصل على سبيل المثال في قضية اللواء جميل السيد والاستقبال الذي أعده له الحزب وعدد من أطياف المعارضة في المطار.

يدرك الحزب ان هناك حساسيات مزمنة بين بري والسيد لا يمكن القفز فوقها بسهولة، ولكن ما يهمه وما يقدره في رئيس المجلس أنه لم يجعل هذه الحساسيات تؤثر على جوهر مقاربته للأمور. يعارض بري المحكمة الدولية على طريقته التي تتكامل في نهاية المطاف مع موقف الحزب. وإذا كان الأخير يهاجم المحكمة من خاصرتها السياسية الرخوة على قاعدة انها مشروع أميركي ـ إسرائيلي، كما قال السيد حسن نصر الله في أحد خطاباته، فإن رئيس المجلس يركز على ان المحكمة غير دستورية لأنها وٌلدت خارج المؤسسات، في تجاوز لدوري مجلس النواب ورئيس الجمهورية.

ـ العماد ميشال عون: من الواضح ان التناغم بين «حزب الله» والعماد عون هو في ذروته هذه الأيام، بل إن الأول يشعر بأن الجنرال يسبقه أحياناً في خطابه ويقول بعض ما لا يستطيع هو ان يبوح به. ويسجل الحزب للعماد عون طلبه من قياديي التيار الحر المشاركة الكثيفة في استقبال اللواء السيد متجاوزاً جرح أحداث 7 آب التي يعتبر العونيون أن السيد مسؤول عنها بدرجة كبيرة.

ـ الوزير سليمان فرنجية: ينظر «حزب الله» بارتياح كبير الى المواقف الواضحة والقاطعة التي أدلى بها رئيس تيار المردة في مقابلته التلفزيونية الاخيرة، والتي وجهت ضربة مؤلمة الى من توهم في 14 آذار بأن هناك تمايزات جوهرية بين طرح زعيم المردة وطرح «حزب الله». وبعد انتهاء المقابلة، كان أحد قياديي الحزب من اول مهنئي فرنجية، في حين بدا الرئيس سعد الحريري من أكبر الخائبين، بعدما كان يفترض ان الاتصال الهاتفي الذي أجراه به قبل ان يطل عبر الشاشة سيساهم في دفعه نحو اتخاذ مواقف معتدلة.

ـ رئيس الجمهورية: يعتبر «حزب الله» أن ما أدلى به الرئيس ميشال سليمان حيال المحكمة الدولية والقرار الظني مؤخراً جيد جداً، آخذاً بالاعتبار انه لا يمكن توقع المزيد منه انطلاقاً من طبيعة موقعه كرئيس للدولة الذي يفرض عليه اختيار عباراته بدقة.

ـ النائب وليد جنبلاط: لا يتوقع الحزب من النائب جنبلاط أكثر مما يقوله ويفعله في هذه المرحلة، مدركاً أن زعيم المختارة لا يستطيع في نهاية المطاف اختراق السقف السعودي والتملص من علاقته مع الحريري، إلا إذا كان المطلوب منه الانضمام الى مجلس الشورى.

بالنسبة الى الحزب، فإن مجرد مغادرة جنبلاط صفوف 14 آذار- مع ما واكب ذلك من تغييرات في خطابه السياسي – شكل نقلة نوعية أضعفت الفريق الآخر، ولو انه لم ينتقل الى 8 آذار. صحيح ان الحزب سيكون مسروراً كثيراً إذا وقف وزراء اللقاء الديموقراطي في مجلس الوزراء او مجلس النواب معترضين على تمويل المحكمة، ولكن هذا لا يعني ان طروحات جنبلاط الراهنة لا تحظى بالرضى والتقدير.

ـ الموقف السوري: يبدو «حزب الله» شديد الاطمئنان الى «الظهير السوري»، واثقاً من أن ما يردده بعض منظري 14 آذار حول إمكانية انخراط دمشق في صفقة إقليمية أو دولية على حساب الحزب ليس سوى أضغاث أحلام. ليس صعباً تلمس قناعة الحزب الجذرية بأنه من المستحيل ان تتخلى عنه سوريا أو أن تترك المحكمة الدولية تستفرد به، لا سيما أن دمشق هي صاحبة تجربة مريرة مع هذه المحكمة.

وقد جاء موقف وزير الخارجية السوري وليد المعلم ليثبت صوابية قراءة الحزب لاستراتيجية القيادة السورية التي تدرك جيداً أن سلوك «حزب الله» خلال السنوات الخمس الماضية كان من بين أبرز أسباب صمود النظام في مواجهة محاولات إسقاطه.

ـ موقع إيران: يعتقد الحزب أن قول الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد بأن المحكمة الدولية هي شأن لبناني لا تتدخل طهران فيه، إنما يشكل الموقف الأنسب الذي يخدم الجمهورية الإسلامية والحزب في هذه المرحلة، ويتيح خوض المواجهة برشاقة أكبر.

Advertisements

About منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني

موقع منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني
هذا المنشور نشر في أخبار من الصحف. حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s