اليسار اللاتيني ويسار دول المركز الرأسمالي

اليسار اللاتيني ويسار دول المركز الرأسمالي

فيصل البيطار

2010 / 9 / 29 e

يمكن جمع اليسار اللاتيني على إختلاف تلاوينه ضمن معسكرين إثنين، الأول، وهو الذي تمكن من الوصول للسلطة عبر صناديق الإقتراع وتم إختبار أطروحاته بشكل حي، ويتكون من مجموعة من التحالفات ذات التوجه الإصلاحي المشترك الخاصة ببنية الإقتصاد والدولة ومنظومة الخدمات في الصحة والتعليم والإسكان، ومناهضة سياسية الجار الشمالي سواء داخل دول القاره أو على إمتداد العالم، يسار السلطة هذا ينطلق من قاعدة السيطره على الموارد الإقتصادية للدولة ومؤسساتها الخدمية في جانب، وفي جانب آخر، التوافق مع المؤسسات غير الحكومية الداخلية والشركات الأجنبية لتحسين مستوى معيشة شعوبها وتحقيق التنمية الإقتصاديه .

يسار السلطه هذا، يتكون بمعظمه، إن على مستوى قادته أو قواعده وجماهيره الداعمة، من السكان ذوي الأصول الأوربية .

أما المعسكر الثاني، فهو الذي يضم القوى التي تنتظم في صفوفها جماعات السكان الأصليين من الذين يدعون إلى حقهم في الأرض وتصدر العملية السياسية وقيادة البلاد . يسار السكان الأصليين على صدام مع الحكومات المحافظه وحكومات اليسار على حد سواء، ولا يمنع نشاطاته المعارضه أن يكون رئيس الدولة من السكان الأصليين، جوهر أطروحات هذا اليسار تتركز حول ما إذا كان يجب تطوير الموارد الطبيعية، وكيف يتم تطويرها، ومن يتخذ القرارات، ومن يسيطر على العوائد .

الطرف الأول يجري التعريف عنه عادة برموزه السياسية التي تمكنت من الوصول للسلطه عبر صناديق الإقتراع بين أعوام 2005 – 2006 غالبا، كإيفو موراليس رئيس بوليفيا في ولاية ثانية، وتاباريه فاسكيز رئيس الاوروغواي، وموريسيو فوينيس رئيس السلفادور، ولويس ايناسيو لولا دا سيلفا بولايته الثانية هو الآخر في البرازيل، وهوغو تشافيز بولاية ثالثة على رأس فنزويلا منذ عام 1998، ورجل الدين السابق، فرناندو لوغو مينديز رئيس البارغواي، الذي عمل في مناطق نائية بين الفقراء في الإكوادور لمدة خمس سنوات، إكتسب منها إنحيازه للفقراء وعطفه عليهم لكنه يحتفظ بعلاقات ودية مع واشنطن .

أما رئيسة التشيلي، الإشتراكية ميشيل باشيليت، فقد خسرت الرئاسه آذار هذا العام لصالح منافسها المحافظ سيبستيان بينيرا، وهو اول رئيس محافظ يصل إلى السلطه منذ إنتهاء الحكم العسكري عام 1990 . بينيرا يحتفظ ببعض المعاونيين والحلفاء ممن كانوا على علاقة بالعسكر، وقد بينت إنتخابات الجمعية الوطنية الفنزويلية يوم 26 من الشهر الحالي، حجم قوى المعارضة المحافظة التي تمكنت من حجب أغلبية الثلثين عن تكتل شافيز، وهو الذي من شأنه أن يعرقل تشريع بعض القوانين الهامة إلا بالتوافق معها .

المسار ذاته هو الذي تسير بإتجاهه وتأمل في تحقيقه، القوى المحافظه في كل من بوليفيا والهندوراس والإكوادور والبرازيل، وهو الذي يضع مصير جملة إصلاحات قادة هذه الدول على كف عفريت، فيما لو تمكن المحافظين من إختراق جبهة اليسار والوصول إلى مركز القرار وهو الأمر غير المستبعد على ضوء الأزمات الإقتصادية المستفحلة .

يتفق اليسار اللاتيني على موقف سياسي موحد من الجار الشمالي الكبير، فجميع دوله تحكمها علاقات توصف بغير الوديه مع واشنطن، وتجهر بالمواقف المعادية لسياساتها الخارجيه وتدخلاتها وحروبها الجديده في آسيا، هذا الموقف يعكس نفسه على العلاقة مع دولة إسرائيل من جهة، ومع الأطراف التي تقف في مواقع ليست وديه معها ومع واشنطن من جهة أخرى، كالأنظمة الدينية في إيران وتركيا، وأنظمة الديكتاتوريات العربيه، فعلى الرغم من أن دول اليسار جميعا تمتلك علاقات دبلوماسيه مع دولة إسرائيل، إلا أن مواقفها تكون في العاده أقرب للشعب الفلسطيني، ومتضامنه معه في بعض محطاته، كما تم ملاحظته أثناء العدوان الإسرائيلي على قطاع غزه نهاية وبداية عامي 008 – 009 ، بوليفيا وفنزويلا قامتا مثلا، بطرد سفيري إسرائيل، وأدانتا العدوان بشده، وطالبتا منذ الأيام الأولى بوقفه الفوري، وكان لباقي دول اليسار مواقف رافضه للعدوان وتصريحات مندده به، وكما أثناء أزمة السفينة “مافي مرمره” عندما علقت نيكاراغوا على إثرها علاقاتها الدبلوماسية مع إسرائيل، وقد أدانت الموقف الإسرائيلي من حصار غزه ومن سفن ” كسر الحصار” جميع دول اليسار اللاتيني بنبرات ومواقف متباينه، وكان لها مواقف مندده شبيهه، إبان العدوان الإسرائيلي على لبنان صيف 2006 وداعم في المحافل الدولية لدولة وشعب لبنان .

بنفس الوقت، تحتفظ هذه الدول بعلاقات متينه، وتطلق المواقف والتصريحات الداعمه لأنظمة الديكتاتوريات في المنطقه، من إيران وحتى سوريا وليبيا والسودان واليمن، ولقوى الإرهاب السياسي الإسلامي في العراق وغزه، متسلحة بشعارات المعاداة للولايات المتحده الأميريكيه، وبعضها كفنزويلا والبرازيل يؤيد المشروع النووي الإيراني ويضع نفسه وسيطا بين إيران والمجتمع الدولي متعارضا مع قراراته الشرعية وتوجهات الوكالة الدولية للطاقة الذرية .

ومن موقع التحالف مع أنظمة الديكتاتوريات في المنطقه تحت راية العداء لأمريكا، تعمل دول اليسار اللاتيني على غض النظر عن جرائم ضد الإنسانية يقترفها النظام السوداني بحق شعوبه، وعن قمع النظام السوري للحركة القومية الكوردية السورية، وعن مصادرة الحريات وإنتهاك حقوق الإنسان، وسياسة إفقار شعوب دول المنطقه المتحالفة والمتضامنه معها، كما لا تشير من قريب أو بعيد إلى قمع الحكومة التركية المسلح للحركة الكوردية، ومصادرة الحقوق القومية السياسية والثقافية للقومية الكوردية هناك . وهو نفس الموقف الكوبي الداعم لنظام صدام حسين رغم كل الجرائم التي إقترفها بحق شعبه عربا وكوردا، وبحق دول مجاورة، ورغم ما الحقه من خسائر فادحة بمصير حركة التحرر الوطني العربية وقواها الديموقراطية على وجه الخصوص .

خارطة التحالفات السياسيه الخارجية لدول اليسار اللاتيني في منطقتنا، تقوم إذا على محور واحد، يختص بالموقف من واشنطن، وليس على موقف قادة دول المنطقة من شعوبهم، وهو الذي يجب أن تبنى عليه السياسة الخارجية لأي دولة ذات توجه ” يساري ” في جانب هام منها .

ذات السياسة إنتهجتها المنظومة الإشتراكية إبان ما تم تسميته بالحرب البارده وفي ظل ما أسموه بالإنتفال السلمي للإشتراكية، وكان من نتائجها، تدعيم وتقوية أنظمة الديكتاتوريات على حساب شعوبها وقواها الديموقراطية التي سحقت أمام أنظارهم ودون إعتراض عملي .

هذه هي ملامح السياسة الخارجية لدول اليسار اللاتيني في منطقتنا، التحالف مع أنظمة ومشاريع تتناقض كليا مع المصالح الإقتصادية لشعوب المنطقه، وحقوقها في الديموقراطية وتداول السلطه والحريات الإجتماعية، وهي الحقوق التي يتمتع بها ذاك اليسار في بلدانه بالفعل، وتمكن عبرها من الوصول إلى قمة هرم الدولة .

لكن ماذا عن الإصلاحات الإقتصادية والإجتماعية ؟

في فنزويلا،عملت الدولة على وضع اليد على بعض قطاعات الإنتاج الكبيره، وإشتغلت على تطوير البنى التحتيه في بعض قطاعاتها، ومحاولة الإصلاح في المجال الزراعي والرعاية الصحية المجانية للفقراء والتعليم والسكن . لكن الفوارق في مستويات المعيشة مازالت واسعه، ونسبة التضخم لم تنزل عن 30% الأمر الذي دفع لإنتشار الجريمة على نطاق واسع ( للجريمة دائما مسببات إقتصادية ) وتورط أجهزة الدولة الأمنية بنسبة عالية في عدد الجرائم قد تصل إلى ما نسبته 50% ، رغم أن وزير داخليتها أكد ذات مرة أنها لاتتجاوز ال 25% !! …. تجارة المخدرات والسلاح والإتجار بالجنس والعملة والسطو المسلح والقتل على نطاق واسع، يبدو طاغيا الآن على الحياة اليومية خصوصا في العاصمة كراكاس، ومازالت السلع الغذائية الرئيسية تباع في السوق السوداء رغم سياسة الدولة المعلنة حول توفير الغذاء للفقراء بأسعار مخفضه .

في الإكوادور ، أعيد إنتخاب روفائيل كوريا رئيسا للجمهورية للمره الثانية على التوالي، وهي دولة تنتج 470 الف برميل من النفط يوميا، ومن المقرر أن تعمل الحكومة إبتداء من 23 آب الماضي وعلى مدى خمسة أشهر قادمة، على التفاوض مع الشركات متعددة الجنسيات حول 33 عقدا ينظم تلك الإستثمارات، بهدف رفع الحصة النفطية إلى ما لايقل عن 85 % من بترولها بدلا عن الحصة الحالية البالغه 65 %، الكمية المنتجه من النفط لا تتسم بالثبات بسبب من الإضطرابات السياسيه ، هذا البلد يعاني نقصا في السيولة وإتساع حجم الشرائح الفقيره مع ضعف الخدمات المقدمة لها، أما في نيكاراغوا فقد توقفت برامج الإصلاح الزراعي بفعل مقاومة كبار الملاك وما زال أمام الحكومة تحديات كبيره في توفير الغذاء والماء والرعاية الصحية ومكافحة الفساد .

رئيس البارغواي مينديز يوصف بالنزاهة والرغبة في الإصلاح، لكنه فشل في تحقيق ما وعد به من إصلاحات، ولم تحقق إشتراكيته ” المعدلة ” أية مكاسب للفقراء الذين يشكلون مانسبته 40% من السكان، مما خيب آمالاهم وفسح المجال واسعا أمام اليمين الكولورادي للدعاية والنشاط في صفوفهم، لكنه يحتفظ بعلاقات ودية مع واشنطن على الرغم من ملاحقة حزب كولورادو اليميني له ومعه بعض قادة الجيش الذين تعرضوا للإقالة أكثر من مرة، وواحدة من الأمور التي تثار حوله، هي تلك العلاقات الجنسيه التي مارسها اثناء كهنوته وقد إعترف بواحده منها، ويرفض الخضوع للفحوصات المختبرية في دعاوى من نساء عديدات يدعين أبوته لأولادهن من علاقات غير شرعية .

بشكل عام، يمكن القول، أن ما يسمى بيسار أمريكا اللاتينية أو بإشتراكية القرن الواحد والعشرين، ليس أكثر من مجموعة من الإصلاحات الإقتصادية والإجتماعية الطموحة، في مجالات الصحة والتعليم والبطالة والإسكان وقطاعي النفط والزراعة، ومعارضة سياسات البنك الدولي والجار الشمالي، لكن كل هذا بتعثر وقصور .

شبيه بهذه الإصلاحات، تم التعرف عليه في منطقتنا العربيه منذ مايزيد على نصف قرن مع مجيئ أنظمة الإنقلابات العسكريه وتفريخاتها الديكتاتوريه، ففي العراق ومع إسقاط الملكية وتأسيس الجمهورية الأولى، تم إعادة بناء العقيده العسكرية بالإعتماد على التسلح والتدريب السوفيتي، وسن وتطبيق قانون للإحوال الشخصية إعتبر وحتى فترة متأخرة، من أفضل قوانين الأحوال الشخصية، وإصدار قانون رقم (80) الذي إنتزع من الشركات النفطية الإحتكارية مايزيد عن 80% من الأراضي التي بحوزتها، وإصدار قانون الإصلاح الزراعي، وبالإعتماد على المساعدات والخبره السوفيتية، جرى توسيع قاعدة البنى التحتية في الصناعة والزراعه والمواصلات، وقفزت مستويات الخدمات في الكهرياء والماء والإسكان والصحة والتعليم المجانيين إلى مستويات غير معهوده في المنطقه، مع هامش واسع من الحريات الديموقراطية، هو بدوره كان غريبا عن العراق والمنطقه، بإجازة الإحزاب وصحفها وحرية التعبير بالتظاهر، وتأسيس النقابات العمالية والجمعيات المهنية والفلاحية، كل هذا مع عداء شديد لقوى اليسار المتمثل بالحزب الشيوعي العراقي، وعداء شديد لحقوق القومية الثانية في البلاد واللجوء إلى السلاح على نطاق واسع لحل إشكالاتها . الأنظمة التالية عملت بدورها على الحفاظ وتطوير منجزات الجمهورية الأولى حتى تموز 1979 ، بالطبع في ظل نفس العداء والقمع للحركتين الشيوعية والقومية الكوردية وكل الإتجاهات الديموقراطية، وعندما تولى صدام حسين المسؤولية الأولى بإنقلابه الدموي، جرى التراجع عن كل مكتسبات الشعب العراقي عبر قرنين من الزمن، كل هذا، ودائما، بالهروب إلى الأمام نحو المسألة القومية الفلسطينية بشعارات ومواقف مخادعة هي بدورها لم تصمد طويلا .

وقريبا من هذه الإنجازات وعلى نحو أقل شمولية وجذرية، جرى تطوير وتوسيع قاعدة البنى التحتية ونظام الخدمات على يد عبد الناصر الذي أشغل شعبه هو الآخر بمعارك قومية وتدخلات في شؤون الدول الداخلية والتآمر على أنظمتها (عراق قاسم مثلا) مع قمع شديد لليسار الشيوعي المصري والسوري، والعمل على حل الحزبين إبان الوحده، لكنه لم ينجح مع السوري كما نجح مع المصري، معارك عبد الناصر القوميه، جرّت الخراب على الشعب المصري وشعوب أخرى في المنطقه، كانت نهايتها حرب حزيران 67 التي مازال الفلسطينيون يعانون من نتائجها حتى الآن، وكما أرتبطت إصلاحات البنى التحتية والمنجزات الإجتماعية بالفرد القائد في العراق، كذلك كان إنهيارها، حصل هذا في مصر مع موت عبد الناصر، وعلى يد قادة الحقبة المباركية على وجه أشمل، جرى بيع المال العام على نطاق واسع، مع ترد غير مسبوق بنظام الخدمات الصحية والتعليم والسكن وإنتشار البطالة، صاحب كل هذا نمو طغمة مالية واسعة الثراء من داخل النظام وحزبه الحاكم .

الأمثلة عديده إن في المنطقه العربيه أو في أفريقيا وآسيا، على إنجازات البورجوازية وسرعة إنهيارها طالما ظلت مرتبطة بالفرد المهيمن على حزبه وقواته المسلحه وليس من ضامن جماهيري لحمايتها ولإتساع رقعتها وديمومتها يتمثل بالقوى اليسارية الثورية المنظمه .

ولا تخلو أنظمه تتسم بشيئ من الديموقراطية في تونس والجزائر والمغرب والأردن ودول أخرى عديده نامية من إصلاحات شبيهه، مع الفارق في حجمها وإمتداداتها بالطبع .

وبكل الأحوال، لا يمكن وصف نظام قاسم وعبد الناصر القمعيين ودول أخرى باليسارية رغم إصلاحاتها، سواء التي طالت البنى التحتيه أو الفوقيه، حتى نصف بعض دول أمريكا اللاتينيه ممن ينهج نفس النهج الإصلاحي باليسار .

لكن خطورة المراهنة على هكذا ” يسار ” لا تكمن فقط في إنخفاض سقف مشاريعها الإصلاحية، إنما وأيضا بإنعدام أية ضمانة في أن تستمر إستنادا لمبادئ اللعبة الديموقراطية التي أسقطت أورتيغا مرة في نيكاراغوا وأسقطت شاليت في التشيلي ومنعت تكتل شافيز من الحصول على أغلبية الثلثين في الجمعية الوطنية، وتهدد بقاء اليسار على قمة هرم السلطة في البرازيل ودول أخرى .

هذا الأمر يطرح من جديد موضوعة من يقود الدولة وحل معضلات تطورها لصالح كادحيها، وضمن أية آليات، ديموقراطية أم ديكتاتورية ؟

**********************

هناك بون شاسع يفصل دول المركز الرأسمالي عن دول اليسار الأمريكي اللاتيني، إقتصاديا وإجتماعيا، ويتميز اليسار اللاتيني بقيادات مازالت في مواقع لم يتم حسمها نهائيا لصالح شعوبها، وهو ما يمكن تأشيره بالنزعة الديكتاتورية لبعض قادته وهامش الإصلاحات المتواضع داخليا وإنتقائية في السياسة الخارجية، وبإستباق شعوب القاره لقادة دولهم في خيارهم اليساري وخصوصا على مستوى السكان الأصليين، الأمر الذي يجب أن يوحي بضرورة نهوض قوي اليسار في دول المركز الرأسمالي من باب أولى وخصوصا الأوروبي، وكإمتداد لتاريخ نضالي فاعل وطويل تجلى على نحو خاص بالمقاومة الشعبية التي خاضتها قوى اليسار ضد الفاشية والنازية إبان الحرب الكونية الثانية، ومنها إستمدت حضورها الطاغي لاحقا، وعملت على تطويره بما أنتج يسار شيوعي ذو وجود حقيقي ومؤثر في عدة بلدان أوروبية كبيرة، وأيضا، كنتيجه لما تعرضت له الفئات الشعبيه، ومازالت، من بطالة وخسائر فادحة في الممتلكات السكنية والأرصده وغيره، كنتيجة لأزمات الرأسمالية الدورية، وخصوصا الأخيره مما أسموه بأزمة “المشتقات” بعد أن تجاوزت المؤسسات المصرفيه لتتحول إلى أزمة إقتصادية شاملة لم تقف حدودها عند بلدان المركز الرأسمالي، إنما طالت شرائح واسعه من البشر على إمتداد رقعة المعمورة، وأيضا، كنتيجه لقصور قوانين الضمان الإجتماعي والصحي ومحدودية نتائجها في حل جزء من معاناة تلك الفئات، بالرغم من هذه المعطيات الهامة والمحفزة، إلا أننا لا نشهد مثل هذا الحضور بحدود مجدية وفاعلة، وإن كان هناك في بعض الأحيان حراكا خجولا وعديم الأثر غالبا، كحراك الفئات الشعبية اليونانية على أثر أزمتها الإقتصادية الأخيره أو في بعض إضرابات التوقف عن العمل في فرنسا وايطاليا ولم نشهده في أمريكا على مستوى الشارع المتضرر من أزمات النظام الرأسمالي المتكرره .

بالطبع، لا تخلو دول المركز الرأسمالي من “ظاهرات” يساريه واضحة، إن في النتاج الفكري النظري أو الصحافي أو الأدبي والفني أو التظاهر والإعتصام وغيره، ولكن، كل هذا لا يعدو عن كونه ظاهرات فردية، مبعثرة الجهد، متقطعه، تخاطب العقول بدلا عن المصالح في جانب منها، وفي جانب آخر تتسم بالجماعية، لكنها تفتقر للشمولية والإستمرار في القطاعات المختلفة، ولا يمكن مقارنتها بما كان عليه النفوذ الجماهيري والسياسي لأحزاب اليسار الأوروبي في معظم عقود القرن المنصرم، كالحزب الشيوعي الإيطالي والفرنسي والإسباني، واليوناني والقبرصي على نحو أقل، وحراك قوى التقدم ستينات وغالبية عقد السبعينات من العقد المنصرم، إن فيما يتعلق بحقوق زنوج أمريكا وأقليات السكان الأصليين ومن هم من أصول الحديقة الخلفية، أو في ذلك الحراك الواسع والمنظم، الخاص بمعارضة الحرب الأمريكية في الفيتنام، وإنتفاضات الطلبة في أوروبا وحراكات النقابات العمالية، وحراكات دعم حركات التحرر ومنها المقاومة الفلسطينية، بل وحتى ظهور تيارات مسلحه البعض منها عدمية ومغامره، في المانيا وإيطاليا واليابان وأمريكا اللاتينية وأفريقيا، ويجب فهمها جميعا ضمن ظاهرات الحراك المعادي للرأسمالية وتوحشها في بلدان ” الجنوب ” .

لايمكن رد تراجع دور قوى اليسار الأوروبي وحراكه الأمريكي، لشراسة هجمة الليبرالية الجديده وإنهيار الإتحاد السوفيتي وتوابعه من الدول، وإلا كيف سنفسر نمو ظاهرة ما أسموه باليسار اللاتيني في مثل هذه الظروف بالذات، حيث لا مركز يساري دولي داعم ورادع في ظل حرب بارده، ولم تغادر الليبرالية الجديده مواقعها المتوحشة في نهب ثروات الشعوب وإحتكار أسواقها لمنتجاتها البضاعية والخدمية ؟ إذا، هناك عوامل أخرى غير العاملين أعلاه، لعبت الدور الحاسم في تراجع دور اليسار في دول المركز الرأسمالي الأوروبي والأمريكي، ونقصد هنا، الأحزاب الشيوعية الأوروبيه، وتلك الحراكات المؤثرة التي عرفتها أوروبا والولايات المتحده عقدي الستينات والسبعينات خارج إطار الأحزاب الشيوعية .

الحزب، بنية الحزب الطبقية وآليات عمله الداخلية، وفشل قياداته في صياغة إستراتيجيه وخطة عمل ذات فهم واضح ومتطور لحركة الرأسمالية وتجدد آليات ديمومتها، الفشل في عدم القدرة على تلمس مصالح الطبقه العاملة وحلفاءها المرحلين، إستنادا للماركسية كأداة للتحليل لا تعرف الجمود والثبات طالما أن الحركة سمة من سمات المادة والحياة، هذا هو الذي يقف خلف تراجع دور اليسار الماركسي بما أدى من نمو لأحزاب الفاشية والنازيه والمسيحية واليمين المتطرفين في واحده من نتائجه، وليس توحش الليبرالية الجديده وإنهيار الإتحاد السوفيتي كعامل حاسم .

ولكن، هل كانت الرأسمالية غير متوحشة أصلا منذ أن ظهرت مع الثورة الصناعية في بريطانيا في القرن 18، حتى نميز توحش النيوليبرالية منذ السبعينات، عن توحش الرأسمالية منذ ولادتها ؟ رأس المال لا ينمو إلا مع إستغلال قوة عمل الطبقه العاملة ونهب ثروات الشعوب في دول الجنوب دون أن يولي أهمية تذكر لتحسين أوضاع الفقراء في مركزه الرأسمالي في العمل والحياة، إلا ما جرى فرضه من إصلاحات بسلسله طويلة من النضالات وعبر عقود طويلة .

على مدى ثلاثة قرون منذ نشوؤها، خاضت الرأسمالية حروبا عسكرية تنافسية طاحنه فيما بينها لوضع اليد على مصادر المواد الأولية وأسواق التوزيع لمنتجاتها، وأخرى مع الشعوب من أصحاب هذه الثروات بوضع اليد عليها من خلال الإحتلال المباشر، وقدمت البشرية ملايين من الضحايا الفقراء ممن ليس لهم مصلحة إقتصادية أصلا في كل هذه الحروب، كان أبرزها الحروب العالمية التنافسية التي قتلت مايزيد على 60 مليون من البشر في عشر سنوات دامية جرى فيها تدمير وخراب الممتلكات الخاصه والعامة، واستعملت فيها اسلحه قذرة لمرتين خلال اربعة أيام . ولم تتوقف حروب الرأسمالية إلا مع إنتهاء الحرب الإميركية – الفيتناميه أواسط السبعينات .

كانت التقديرات تشير إلى أن تلك الحرب، هي آخر حروب الرأسمالية في التدخل المباشر، وهي كذلك، لولا بروز مستجدات دولية تمثلت بظاهرة الإسلام السياسي كقوه وازنه وقفت الرأسمالية خلف تأسيسه مع انظمة محافظه في المنطقة وفقا لقوانين الحرب البارده آنذاك، وهي الظاهرة التي إنقلبت على صانعها وباتت تملك ما تهدد به أمن المجتمعات الرأسمالية في عقر دارها وليس مصالحها الإقتصادية في المنطقة بكل تأكيد، الدعم الرأسمالي ( في قطاع غزه – تواطؤ إسرائيلي فاضح مع حركة حماس ) لمنظمات الإسلام السياسي وعجز أحزاب اليسار عن حل مشكلات الحياة والفقر المتزايد التي تعيشه شعوب المنطقه هو الذي يقف خلف نمو وإتساع هذه الظاهرة الغريبة عن المجتمعات الإسلامية والعربيه .

ماذا كانت ردة فعل الرأسمالية على سقوط إحدى قلاعها الموردة للنفط بيد الإسلام السياسي في إيران وكيف كانت ظوهر توحشها ؟

بداية، ليس أكثر من محاولة أمريكية عسكرية نزقه وفاشلة لإنقاذ رهائنها المحاصرين في السفارة الإمريكية في طهران، أعقبها تجميد الأصول الإيرانية في الولايات المتحده وحظر إستيراد النفط من إيران، تلك العقوبات التي سرعان ما رفعت مع إطلاق سراح الرهائن بعد سنة من محاصرتهم، لكنها إستعاضت عن تدخلها المباشر بإشعال فتيل حرب عراقية – إيرانية إستمرت لثمان سنوات عجاف ، وهي الحرب التي أملتها ظروف التخوف من توسع الإسلام الشيعي مع شعارات جديده لم تكن معروفه مسبقا خاصة بولاية الفقيه وبتصدير الثورة، وهو ما تعمل عليه الثيوقراطية الدينية الإيرانية حتى هذه اللحظه وحققت بإتجاهها نجاحات ملحوظة في قطاع غزه ولبنان واليمن وسوريا والسودان وأفغانستان ودول الخليج .

توحش الرأسمالية لم يتوقف منذ أن ظهرت للوجود، لكنه يتسم دائما بتعبيرات وظواهر متغيرة الأشكال وفقا للظروف الخاصة بالضحية ووفقا لمستجدات كل مرحلة، ولا يمكن رد تراجع دور قوى اليسار الدولي لهذه السمة التي تطبع الرأسمالية في كل عصورها ولكن بأشكال مختلفه .

سبب تراجع دور اليسار، جوهري، داخلي، يكمن في بواطن أحزابه، ولا ننفي هنا أهمية العامل الخارجي بالطبع .

Advertisements

About منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني

موقع منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني
هذا المنشور نشر في حول العالم. حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s