عن الدلالة المادية الرئيسية لليسار

ضيف النداء – بقلم الاستاذ كسبار ديردريان

عن الدلالة المادية الرئيسية لليسار

سوف نتطرق في هذا المقال الى المنطلقات والدلالات، بصورة خاصة، التي تتعلق بتحديد مهام وبرامج قوى اليسار في يومنا هذا، علماً بأن المهام والبرامج تتطور مع الزمن،بين البارحة واليوم، ولكن الهدف الاساسي يبقى تحقيق النظام الاشتراكي، وهنا يظهر بوضوح تام زيف ما يسمى باليسار “الجديد” الذي انتقل من موقع يساري الى موقع يميني بـ”تجديد” (في الواقع بتغيير) الهدف الاساسي بدلاً من أن يجدّد البرامج، مثل من أخذ يصفق لاحتلال بلده في العراق.. أو من دخل صفوف “14 آذار” وكاد ان يصفِّق للعدو الصهيوني ـالامبريالي في حرب تموز 2006، وللعولمة الرأسمالية المتوحشة “محدِّداً” الهدف الاساسي لليسار بالتنازل عن النظام الاشتراكي وتبني النظام الامبريالي الرأسمالي المتوحش!

إن اليسار الحقيقي، البارحة واليوم، هو اليسار نفسه لا يتغير في هويته الاشتراكية، بل يصمد في موقعه، رغم العواصف والزلازل، ويجهد لتطوير برامجه وفق المتغيرات في المرحلة الراهنة. هو يسار المتضررين من وحشية وبربرية الامبريالية بجميع تجلياتها الأمنية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وخصوصاً الأخلاقية والبيئية. هو يسار الذين يناضلون من أجل تأمين عمل شريف ودائم، ودخل معقول يوفر للجميع حياة لائقة بالانسان، وحياة كريمة تشمل التعلم والطبابة والتأمينات العامة مع بيئة نظيفة!

بالمختصر، يسار الذين يناضلون من أجل إقامة النظام الاشتراكي والذين يناضلون في سبيل وطن حر علماني وديمقراطي ـ وطني ومقاوم للاحتلال الأجنبي، تنتهي فيه سلطة الملكية الخاصة لوسائل الانتاج والاستغلال والتمييز الطبقي والعرقي والجنسي كذلك!

هذا يعني ان الوعي الطبقي هو دلالات اليسار الحقيقي، الذي فقدته جماعة “اليسار الجديد” الميتافيزيائين، الذين تنكروا للبيان الشيوعي، حيث جاء “إن تاريخ أي مجتمع حتى الآن، ليس سوى تاريخ صراعات طبقية”، وبالتالي تنكروا للدور الطبيعي للطبقة العاملة (كل الكادحين العاملين بسواعدهم وأدمغتهم) في حركة اليسار، وكذلك لدور الحزب الشيوعي في توعية وتنظيم وقيادة الانتقال من الرأسمالية الى الإشتراكية، دون أن يحل الحزب محل طبقة الكادحين ويصبح البديل عنهم (كما حصل خطأً في الاتحاد السوفياتي!) بل أن يبقى الرافعة الأساسية لهم، وفصيلتهم الطليعية المنظّمة على اسس اللينينية.

اذاً، يساري البارحة لا يختلف عن يساري اليوم في جوهر هويته الاشتراكية، بل هو اليساري القادر على التطور نحو التقدم، لأن هوية اليساري هي عبارة عن عملية صيرورة مستمرة دائمة نحو التقدم، مما يتطلب نضالاً يومياً وواعياً لعدم الانحراف عن الهدف الأساسي. والمرء لا يكون يسارياً بمراسم معمودية دينية او بحلفان اليمين أو بقسم رسمي سياسي احتفالي أو بنيل شهادة خطية (بطاقة عضوية) أو وسام قبلي أو عشائري أو جماعتي! بل بالممارسة اليسارية اليومية، بنشر الأفكار اليسارية، بإتخاذ المواقف اليسارية، بالقيام بمهمات يسارية وبتطبيق المنهج اليساري لتحقيق مشروع تحرري يساري. هو يبقى يسارياً طالما يفكر ويعمل ويناضل كيساري دون الانحراف عن الهدف الأساسي لليسار. إنها عملية صيرورة دائمة!

وتجدر الاشارة هنا الى ان الصراع الطبقي بين طبقة الاكثرية المستغَلة والاقلية المستغِلة هو صراع تناحري.. لا مجال فيه لأوهام التفاهم والتفهم بين الطبقتين، لأن مالكي وسائل الانتاج في النظام الرأسمالي (مستغلو الطبقة الكادحة) لن يتنازلوا طوعاً عن إمتيازاتهم البرجوازية التي سلبوها من خلال استغلالهم للطبقة الكادحة.. ومن هنا ضرورة الثورة (المسلحة او غير المسلحة!) وأهمية ديكتاتورية البروليتاريا (شمولية الأكثرية المستغَلة على الأقلية المستغِلة!). فالثورة ضرورية لا بسبب دموية الطبقة الكادحة بل بسبب فاشية وشمولية الطبقة الرأسمالية البرجوازية مهما زعمت زوراً بأنها طبقة “ديمقراطية” لأن الديمقراطية الحقيقية تعني “إدارة الأكثرية” لا إدارة الأقلية المستغِلة!

فالنضال ضد هذا النظام الاستغلالي أمر ينجم عن طبيعته البربرية. ألا نرى انه بجشعه ونهبه شعوب العالم سبب الدمار الشامل في انحاء العالم بواسطة الحروب “الاستباقية” البربرية في أوروبا (يوغوسلافيا!) وآسيا (أفغانستان!) والشرق الاوسط (العراق وفلسطين ولبنان!) ولكن ذلك لم ينقذه من أزمة مالية واقتصادية شديدة في قلعة الرأسمالية نفسها! التي لا تزال تداعياتها الباهظة مستمرة في أميركا كما في أوروبا (اليونان، إسبانيا، المانيا!) والعالم بأسره. هذا ما دعا ماركس الى القول: “إن الانسانية مدعوة لتختار بين الاشتراكية والبربرية”..

ان مصطلح اليسار، من حيث منطلقاته ودلالاته، لم يتغير بعد ولن يتغير في المستقبل القريب، رغم محاولات التشويه التي تقوم بها الدعاية الامبريالية في العالم، ومن نتائجها المباشرة مثلا مصطلح “اليسار الجديد” ومنها التشويه الفظ.. عندما يعتبرون حزب “الديمقراطيين” في دولة الشرطي الامبريالي الدولي (أميركا) حزباً “يسارياً”، أو حزب الصهيوني شيمون بيريز (حزب العمل) حزباً “يسارياً” في الكيان الصهيوني! كما هو الحال مع حزب الطوراني العنصري بولاند آجاويد، الذي قاد بنفسه الاحتلال التركي لشمالي قبرص ولكنه يعتبر زوراً من الاحزاب “اليسارية” في تركيا! والتشويه الأكبر يأتي من إعتبار أحزاب “الأممية الثانية” أحزاباً “إشتراكية يسارية” مما يشكل تشويهاً مزدوجاً لليسار الحقيقي وللاشتراكية العلمية. وعلى قياس هذا التشويه يمكننا ان نتحدث عن “عنصرية يسارية” و”امبريالية يسارية” و”يمينية يسارية”.. وهذا ما دعا المفكر والباحث الاوسترالي “مايكل باركر” الى كتابة المؤلف بعنوان “إمبريالية ديمقراطية” (Michael Barker, Democratic Imperialism, Sidney, 2009)!!

فمفهوم اليسار الحقيقي (غير المشوه) لم يتبدل منذ نشأته بوصفه التزام التغيير الثوري للأنظمة الاستغلالية والاستبدادية بجميع اشكالها وأنواعها وإنحيازاً الى الطبقة الكادحة المستغَلة والمهمّشة.

إن الدلالة السياسية الأولى لمصطلحي “يمين” و”يسار” خلال الثورة الفرنسية (البرجوازية)، وبدقة أكثر في آب سنة 1789، عندما إنقسم أعضاء الجمعية التأسيسية بين مؤيدي طلب تقييد سلطة الملك (الذين أعتبروا اليسار) وبين أنصار الحفاظ على الوضع القائم (إعتبروا اليمين). فإنتصر اليساريون الثوريون على اليمينيين الممحافظين وأصبحت شعارات الثورة “حرية ومساواة وإخاء”! وفي ثورة تموز سنة 1830، تحوّل هذان المفهومان، وارتبطا بمصطلحين جديدين هما “البرجوازية” (اليمين) و”البروليتاريا” (اليسار) وباتا يعبرّان بكل وضوح، عن التعارض والتخاصم والتناقض التناحري القائم بين قوى تسعى الى الحفاظ على أشكال النظام الاستغلالي معتبرتها “أنظمة طبيعية” (بمباركة مؤسسة الكنيسة!) وقوى ثورية يسارية تسعى من أجل التصفية النهائية للأنظمة الاستغلالية الناتجة عن الاستغلال الثلاثي: الطبقي والعرقي والجنسي!

هذا يعني أن قوى اليسار تناضل من أجل إزالة اللامساواة بين الطبقات في المجتمع الطبقي، واللامساواة بين الامم والشعوب في العالم واللامساواة بين المرأة والرجل في العائلة والمجتمع.

وعليه، فالنضال من أجل إقامة النظام الاشتراكي على اسس الاشتراكية العلمية يبقى الهدف النهائي لليسار تاريخياً وفي الوقت الراهن! وهذه هي الدلالة الحاسمة والمنطلق المادي الرئيسي لتعريف اليسار الحقيقي في المرحلة الراهنة ايضاً.

وأخيراً، لا آخراً، يقول العالم الشهيد الرفيق حسين مروة “لا إنقطاع في صيرورة تطور التاريخ لأن التطور هو وحده القانون المطلق” وكل شيء يتطور وكذلك الفلسفة الماركسية. “إن الفلسفة الماركسية ليست عقيدة جامدة، بل مرشدة للعمل. فكل تعليم ماركسي قابل للتطور وثقافات بلدان الشرق وفلسفتها هي من المصادر لتحقيق مثل هذا التطور، بتطبيق التعليم على العلاقات الاجتماعية الواقعية، التي يمكن ان تضيف الى الماركسية صيغاً جديدة تزيدها غنى وخصباً.. إن دراسة التراث العربي ـ الاسلامي الفكري، بالارتباط مع قاعدته الاجتماعية ـ الاقتصادية وفق منهج البحث الماركسي، هي شكل من أشكال هذا التطبيق” (إنظر: حسين مروة، النزعات المادية في الفلسفة العربية ـ الاسلامية، الجزء الاول، 1985، دار الفارابي، ص 130). ومنهج البحث الماركسي هو منهج المادي التاريخي والجدلي الذي هو نتيجة تطور تاريخي وليس إكتشاف كارل ماركس وحده،لأن “كل فيلسوف عظيم يقف على أكتاف سابقيه من الفلاسفة وأفكارهم. فهؤلاء هم المداميك في عمارة فلسفة عظيمة” (المرجع السابق، ص 160).

إن الماركسية هي الخلاصة العلمية البارعة والمرشدة للاكتشافات السابقة في تاريخ البشرية، واللينينية أغنت الماركسية عبر تطبيق المنهج المادي التاريخي والجدلي في مجالات جديدة. ولا شيء يمنع “التجديديين” من إكتشافات مماثلة في مجالات أخرى، اذا توافرت لديهم القدرة الفكرية اللازمة لذلك! وهذا ما حاول القيام به الرفيقان الشهيدان حسين مروة ومهدي عامل، لأن الماركسية ـ اللينينية لا تزال تحافظ على حيويتها، ولا تزال مرجعية اليسار، بوصفها مرشدة للعمل الجدي، ولا تزال حقلاً علمياً وفلسفياً نقدياً وتحررياً ثورياً إفتتحه ماركس وسيبقى مفتوحاً على إكتشافات جديدة.

وهذا ما أكده فريدريك أنغلز في بحثه القيم “إصول العائلة والملكية الخاصة والدولة” (1844)، حيث قال في مقدمته (للطبعة 1891) انه اعتمد، في بحثه هذا، أولاً، على إكتشافات الانتروبولوجي الأميركي المادي “لويس هنري مورغان” (1881 ـ 1818) في بحثه بعنوان “Ancient History” (1877)، أي “التاريخ القديم”، وثانياً على إكتشافات كارل ماركس نفسه، وثالثاً على إكتشافات العالم الاجتماعي الفرنسي “شارل فورييه” (1837 ـ 1772)، ورابعاً وأخيراً على إكتشافاته الشخصية!

وهذا هو التحدي الكبير أمام المفكرين الثوريين الحقيقيين القادرين والمتواضعين!

Advertisements

About منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني

موقع منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني
هذا المنشور نشر في الماركسية. حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s