تعميم سياسي رقم 15 الحزب الشيوعي اللبناني

تعميم سياسي رقم 15 الحزب الشيوعي اللبناني

07/10/2010
التعميم السياسي الشهري -15 صادر لجنة العلاقات الخارجية في الحزب الشيوعي

تسود العالم، عموماً، ومنطقة الشرق الأوسط على وجه الخصوص موجة عارمة من التصعيد العسكري، كما وتتعمق الأزمات الإجتماعية في البلدان الرأسمالية الكبرى وتزداد البلدان النامية والفقيرة فقراً، في ظل تعمق الأزمة الإقتصادية للرأسمالية التي لا تزال بعيدة جداّ عن مرحلة الحل، كما تدل كل المؤشرات.

ويرى الناظر إلى تطور الأحداث،، والدور الذي تلعبه الولايات المتحدة الأميركية في إثارة الحروب والأزمات، أن الأوضاع في المنطقة العربية سائرة نحو إنفجارات خطيرة تحضر لها واشنطن وتل أبيب للانتقام للهزائم المتعددة التي منيتا بها منذ العام 2003 (العدوان على العراق) وحتى اليوم.

سيتوقف التقرير السياسي عند دراسة هذه التطورات الخطيرة وما يمكن ان تؤسس له في المستقبل القريب، وذلك من خلال التوقف عند النقاط التالية:

أولا: الوضع العراقي، غداة “الانسحاب” العسكري الأميركي، والهدف من صفقات السلاح الأميركي إلى السعودية والكويت. ثانياً: العودة إلى صيغة المفاوضات “المباشرة” بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل، في ظل تسارع الخطوات الساعية لإعلان إسرائيل “دولة يهودية”

ثالثاً: الوضع السياسي المتفجر في لبنان، على وقع الحديث عن فتنة داخلية وعدوان إسرائيلي قيد التحضير.

رابعاً: الأزمة الاقتصادية في لبنان وسياسات “حكومة تحالف أمراء الطوائف”.

أولا ـ الوضع العراقي غداة ” الإنسحاب الأميركي

وأهداف صفقات السلاح إلى السعودية والكويت

لا بد، في هذا المجال، من قراءة سريعة لما جاء في خطاب الرئيس الأميركي باراك أوباما، عشية الإنسحاب العسكري الجزئي لقواته من العراق.

ففي الكلام الذي قاله، ركز الرئيس الأميركي على أن قوات بلاده أنهت مهماتها القتالية في العراق، غير أن لها مهمات أخرى لا تزال قائمة. وحدد أوباما تلك المهمات كالتالي: دعم القوات العراقية وتدريبها، ومشاركة العراقيين في “مهام مكافحة الإرهاب”، وهذا الهدف الأخير لا يشمل منظمة القاعدة فقط، بل يتعداها إلى إيران التي يقول عنها قائد القوات الأميركية في العراق، راي أودرنو، أنها “تمول جماعات متطرفة في العراق حتى لا يتحول إلى بلد ديمقراطي”….

ويدل الموقف المعلن لرئيس الولايات المتحدة، المدعوم ببقاء خمسين ألف جندي في مواقع إستراتيجية وقواعد تحمي حقول النفط التي تستثمرها الشركات البترولية الأميركية، أن الانسحاب من العراق يشكل، في الواقع، إعادة انتشار تؤمن هدفين ضروريين لواشنطن في المنطقة: الأول ، استخدام فائض القوات لتعزيز الوضع العسكري الأميركي في أفغانستان، وبالتحديد في شمال ـ شرق البلاد، حيث الحقول النفطية الجديدة (1.8 مليار برميل). أما الثاني، فيكمن في تقليص نقاط تواجد هذه القوات داخل العراق لتجنيبها، قدر الإمكان، العمليات التي يمكن أن توجه ضدها من قبل المقاومة… علماً أن الناطق باسم وزارة الخارجية الأميركية فيليب كراولي تحدث عن أن الخمسين ألف جندي سيدعمون بزيادة تواجد الشركات الأمنية (يقال إنها ستبلغ ستة الاف رجل أمن جديد)، ومنها بالتحديد “بلاك ووتر” التي بدأت تعود إلى العراق، على رغم الوعود التي قطعها الأميركيون خلافاً لذلك، والتي تستخدم من قبل عدة حكومات عربية (الأردن) لحمايتها.

وإذا ما أضفنا إلى كل ما تقدم ما جاء على لسان رئيس أركان الجيش العراقي حول عدم جهوزية القوى الأمنية العراقية قبل العام 2020، وما يحكى عن انتشار عناصر المخابرات الإسرائيلي (الموساد) في منطقة كردستان ـ العراق، وإذا ما تذكرنا التصريحات التركية القائلة بتأييد واشنطن للمشروع التركي القاضي بإقامة شريط أمني “تركي” داخل العراق تحت ستار مواجهة تواجد حزب العمال الكردستاني في شمال العراق، لاستنتجنا أن ما يتم استهدافه كذلك، بالإضافة إلى تخفيف الإصابات داخل القوى العسكرية الأميركية، هو إعادة تنظيم الوضع العسكري في تلك المنطقة الاستراتيجبة وتشديد الحصار العسكري والأمني حول إيران. وتدخل في هذا المجال صفقة صواريخ باتريوت (900 مليون دولار) التي بيعت للكويت “لحمايتها من الخلايا التخريبية الإيرانية” (حسب صحيفة القبس الصادرة في 22 أب الماضي)، وكذلك الصفقة الضخمة التي عقدت مع السعودية (تجاوزت 60 مليار دولار)، إلى جانب الإتفاق الأميركي مع كل من السعودية ومصر لتطوير هياكلهما الأمنية، كما قيل. وتجدر الإشارة إلى أن صفقة السلاح إلى السعودية قد تمت تحت شعار واضح هو “مواجهة إيران والحوثيين”، في وقت لا تزال واشنطن تسعى فيه للضغط على روسيا ومنعها من وضع صفقة السلاح الروسي إلى إيران موضع التنفيذ. وهكذا يظهر أن باراك اوباما، الذي أغدق الوعود “السلمية”، فشل في تحقيق الوجهة التي طرحها في برنامجه الإنتخابي، أو أنه، على الأرجح، إنما طرحها فقط من قبيل ذر الرماد في العيون لتغطية مواصلته تنفيذ سياسة وضع اليد ـ التي أقرها سلفه جورج بوش والقوى الاقتصادية من ورائه ـ على المنطقة الممتدة من الخليج العربي حتى تخوم روسيا والصين، والتي تشكل العراق القلب النابض لها. هذا، في وقت تحاول فيه دول الجوار الكبرى الثلاث، السعودية (ومعها مصر كعنصر مستجد) وإيران وسوريا، الاستفادة مما خلفه الاحتلال الأميركي من انقسام وشرذمة طائفيين للتدخل السافر في تحديد المسار السياسي المستقبلي لهذا البلد المنقسم على ذاته، إن عبر مسألة تشكيل الحكومة وتوزيع الحصص، في حال الموافقة على عودة نوري المالكي الذي يحظى بدعم كامل من قبل واشنطن وكذلك إيران (على الرغم من الهوة التي تفصل بين البلدين)، أم عبر تسعير الصراع، في حال الفشل في التوصل إلى تفاهم. ويلاحظ في هذا المجال أن التوافق الذي نشأ حول المالكي، بدءا بتحول نصف كتلة “الائتلاف الوطني العراقي” ووصولا إلى تحالف الكتل الكردية، لا يزال ناقصا، خاصة وأن “القائمة العراقية” التي يقودها إياد علاوي (والتي نالت أكثرية الأصوات) لم تتراجع عن موقفها الرافض للمالكي وللمشاركة في أية حكومة قد يشكلها.

ثانيا- المفاوضات “المباشرة” والدولة “اليهودية”

أما على صعيد قضية فلسطين، فتجدر الإشارة إلى أن موافقة السلطة الفلسطينية على العودة إلى المفاوضات المباشرة قد أمنت لواشنطن ومعها تل أبيب، في ظل التغاضي عن سياسة الاستيطان التي لم تتوقف يوما، نصرا مجانيا لتخطي بعض مشاكلهما. فالإدارة الأميركية، الغارقة في رمال العراق وأفغانستان، كانت تحاول جاهدة أن تحقق انتصارا ما، ولو كان جزئيا، قبل الدخول في خضم الانتخابات النصفية للكونغرس، أواخر شهر تشرين الأول الحالي… خاصة وأن وضع الحزب الديمقراطي، الذي ينتمي إليه باراك أوباما، غير مستقر. فهو، من جهة، يملك أكثرية غير مريحة؛ وهو، من جهة أخرى، يتخبط في تحركه لإيجاد الحلول المرحلية التي تخرجه من الأزمة الرأسمالية المتفاقمة؛ وهو، من جهة ثالثة، يساهم في زيادة التكاليف الباهظة للحروب الأميركية الدائرة في أكثر من قارة والتي، إلى جانب كلفتها، لم تعط، حتى الآن، مؤشرا واحدا على إمكانية تحقيق نجاحات فعلية.

كيف يمكن تحليل هذه المفاوضات الجديدة، والى ما ترمي؟

لقد حدد بنيامين نتانياهو، في رده على وزيرة الخارجية الأميركية التي تحدثت عن ضرورة دخول هذه المفاوضات “دون شروط مسبقة”، أن لإسرائيل شروط وأهداف من وراء الدخول فيها. وتمحورت هذه الشروط حول نقاط ثلاث تنطوي على مخاطر واضحة بالنسبة لمستقبل فلسطين وشعبها، هي:

1- الوصول إلى “اتفاقات أمنية” بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية. 2 – اعتراف السلطة الفلسطينية بأن إسرائيل هي “دولة الشعب اليهودي”.3 –

وضع “حد نهائي” للصراع الفلسطيني-الإسرائيلي. هذه النقاط الثلاث تعني، في حال تمت الموافقة عليها أو حتى على واحدة منها، أن الفلسطينيين قد تخلوا عن الحقوق الثابتة التي أقرت لهم بها القرارات الدولية، بدءاً بالقرار 194.

• لقد سبق لإسرائيل أن ضمّنت إتفاقات أوسلو” إتفاقات أمنية”، أو شروط أمنية، تقضي بحقها في الدخول ساعة تشاء وكيفما تشاء إلى داخل مناطق الضفة الغربية، عدا عن الحصار الفعلي الذي تفرضه على الخروج والدخول من وإلى المناطق الفلسطينية المحررة. يضاف إلى ذلك أن ما تسعى إليه إسرائيل، كذلك، هو خنق الانتفاضة الشعبية وحمل السلطة الفلسطينية على تنفيذ وجهة إسرائيل بوقف كل عمليات المقاومة (بما فيها العسكرية) التي يواجه عبرها الشعب الفلسطيني العدوان المستمر عليه والذي يتجسد في استمرار الاغتيالات والقتل وتدمير المنازل وبناء المستوطنات…

وفي هذا المجال الأخير، لا بد من الإشارة إلى ما أعلنه “المكتب المركزي للإحصاء” في إسرائيل بأن حكومة نتانياهو سمحت، أثناء فترة التجميد السابقة (التي انتهت في 28 أيلول مبدئياً)، ببناء 2517 وحدة استيطانية. وهذه الأمور، مجتمعة، تعزز القناعة بأن وجهة “تهويد” الأراضي الفلسطينية مستمرة ومتدرجة، بحيث يتم الاستيلاء على أرض فلسطين دون إثارة ردة فعل واحدة، خاصة وأن إسرائيل قد أصبحت، اليوم، محاصرة من قبل فئات واسعة من الرأي العام العالمي وأن الكثير ممن كانوا من مؤيديها قد اقتنعوا بأنها دولة إرهابية بكل ما للكلمة من معنى.

• أما مسألة الاعتراف بان إسرائيل هي “دولة للشعب اليهودي”، فهي تهدف، أولاً وأخيراً، إلى إلغاء المطالبة بحق العودة، عدا عن أنه يؤسس إلى “ترانسغير” جديد لمئات ألاف العائلات الفلسطينية المتواجدة في أراضي 1948. وقد عبر أفيغدور ليبرمان بوضوح عن هذه المسألة عندما تحدث عن إمكانية إجراء “تبادل” بدأته حكومته بإحراق العديد من القرى الفلسطينية وطرد سكانها بقوة السلاح وتدمير مبان ومساكن في القدس ومنطقتها اللتين تعانيان من عمليات “التهويد” المتسارعة… دون أن ننسى ان القرارات التي اتخذتها الحكومة بشأن طرد من أسمتهم بالفلسطينيين المقيمين بصورة “غير شرعية” في الضفة الغربية (عددهم يتجاوز 70 الفاً) لا تزال سارية المفعول وتمارس بشكل تدريجي وبطيء.

• تبقى اخيراً الإشارة إلى البند الثالث، المتعلق “بوضع حد نهائي للصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي”. والمقصود هنا ليس فقط الفلسطينيين، بل كل العرب، كون القضية الفلسطينية شكلت على الدوام محور الصراع مع الكيان الصهيوني. فإذا ما استطاعت تل أبيب، ومعها واشنطن، فرض إنهائه، فهما تضمنان تحسين الظروف والشروط التي تسمح بالعودة إلى مشروع “الشرق الأوسط الجديد” الذي يستند ـ كما جاء في كتاب شيمون بيريز- إلى تجمع إقليمي، تكون إسرائيل الرأس المدبر والموحد فيه ويمتد إلى حدود روسيا والصين. هذا التجمع يضم شعوباً من السهل تفكيك وحدتها، إنطلاقاً من صراعات مذهبية وإثنية، وتجربة العراق خير دليل على ذلك، الأمر الذي يسهل وضع اليد على أكثر من ثلثي الاحتياطي العالمي للنفط والغاز ويسهل فرض شروط أساسية على الصين والهند. ولا بد من الإشارة، في مجال الشروط الموضوعة للمفاوضات المباشرة من جانب إسرائيل، إلى مجموعة المسائل الأساسية التالية:

1- استفادت الولايات المتحدة وإسرائيل، حتى الآن، من الإنقسام الداخلي الفلسطيني ومن الشرذمة التي تسود الساحة الفلسطينية، كما استفادت من المواقف الإنهزامية التي دعت، تارة إلى إعطاء فرصة للمفاوضات (اقترحت مهلة شهر على اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية)، وطوراً إلى الحديث فقط في الموقف من المستوطنات وبنائها وجعل هذه المسألة الشرط الوحيد المتداول، في وقت لا يذكر فيه، تقريباً حق العودة ولا يجري الرد على مقولات ليبرمان بما تستحقه. 2- استفادت الولايات المتحدة وإسرائيل، كذلك، من الموقف الرسمي العربي، المتراجع عموماً، ومن موقف من يسمون أنفسهم بك “عرب الاعتدال” على وجه التحديد. فالجامعة العربية، بكل أعضائها تقريبا هي التي أقرت تسهيل عودة السلطة الفلسطينية إلى المفاوضات المباشرة، في وقت كان الجميع يعلم فيه بأن سياسة الإستيطان لم تتوقف يوماً وبان الإعتداءات الإسرائيلية على الضفة الغربية وقطاع غزة مستمرة، بما في ذلك الاعتقالات. وقد ظهر التنازل العربي بأبشع صوره في انصياع حسني مبارك والملك الأردني ومسارعتهما إلى حضور افتتاح “المفاوضات المباشرة” في واشنطن بهدف إضفاء صيغة “الإجماع العربي” عليها. 3- استفادت الولايات المتحدة وإسرائيل من الصمت العربي، والفلسطيني، يوم طرحت تسيبي ليفني، وزيرة خارجية حكومة أولمرت، أن حق العودة غير قائم وان حكومة سلام فياض قد وافقت على ذلك، إذ “ليس بمقدور إسرائيل استيعاب أكثر من 50 الفاً من اللاجئين الفلسطينيين”… وما يجري اليوم من طلب النجدة الموجه إلى الولايات المتحدة في مسألة وقف الإستيطان ما هو إلا محاولة ممجوجة للقول أن الموقف الأميركي يختلف عن الموقف الإسرائيلي. فالولايات المتحدة قد أعلنت موقفها سلفاً، وقبل بدء المفاوضات، عبر القول بأن “لا شروط مسبقة” وأنها لن تتخلى عن إسرائيل ولا عن دعمها بكل الوسائل والأساليب من اجل استعادتها للوظيفة الأساس التي وجدت من أجل تنفيذها، ألا وهي تشريد الشعب الفلسطيني وشرذمة الشعوب العربية.

والولايات المتحدة تصرح اليوم، على لسان جورج ميتشل (المبعوث الخاص إلى الشرق الأوسط) أن الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي قد طلبا، على رغم الخلافات، “الاستمرار في المناقشات من اجل تحقيق هدف تهيئة الظروف التي تساعد على الإستمرار في المفاوضات المباشرة”، مشيراً أن الولايات المتحدة مصممة على تحقيق السلام الشامل في الشرق الأوسط الذي لا يعني فقط “الفلسطينيين والإسرائيليين”، بل وكذلك مع سوريا ولبنان والتطبيع الكامل للعلاقات مع جميع دولة المنطقة”… أي إدخال إسرائيل في النسيج العربي كمقدمة لتحقيق مشروع الشرق الأوسط الجديد، كما أسلفنا.

ثالثا-الوضع السياسي المتفجر في لبنان:

بين الفتنة الداخلية والعدوان الإسرائيلي

انطلاقا مما تقدم، تتضح الوجهة التي تتجه إليها الأوضاع في لبنان، ومعها كذلك أسباب التصعيد السياسي الإسرائيلي، المدعوم أميركيا، ضده. هذا التصعيد الذي يتخذ منحيين متكاملين:

1-منحى الفتنة الداخلية التي تعود، اليوم، على وقع القرار الظني الذي ستصدره المحكمة الدولية الخاصة بلبنان والتي تنظر في اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري.

في هذا المجال، تجدر العودة إلى ما قالته صحيفة “دير شبيغل” الألمانية منذ أكثر من عام وما عاد فأكده رئيس الأركان الإسرائيلي السابق غابي اشكينازي، في آب الماضي، من أن لبنان مقبل على تطورات أمنية كون أصابع الاتهام بقتل الرئيس الحريري موجهة باتجاه عناصر من حزب الله وتاليا باتجاه مسؤولين إيرانيين في الحرس الثوري الإيراني.

وإذا ما عدنا إلى بيت القصيد، إلى أدوات تنفيذ مشروع “الشرق الأوسط الجديد”، وفي مقدمتها الانقسامات المذهبية التي تجد في الساحة العراقية مرتعا لها، لوضحت الصورة لنا وهي أن الإدارة الأميركية الجديدة لم تتخل عن سياسة “الفوضى الخلاقة” التي اعتمدتها إدارة جورج بوش، بل هي ستستخدمها في حال فشل الأدوات التفاوضية مع الأطراف الأساسيين في الساحة العربية والشرق أوسطية. وإذا ما عادت هذه السياسة للتوجه باتجاه لبنان، كمرحلة ثانية، فلكون الفتنة المذهبية سهلة المنال بعد أن وصل التجييش المذهبي إلى نقطة اللاعودة تقريبا، نتيجة التراكمات الكثيرة التي أسست لها الحكومة اللبنانية السابقة برئاسة فؤاد السنيورة والتي كان من نتائجها جر حزب الله إلى استخدام سلاحه في الداخل اللبناني، في 7 أيار2008، وفي بيروت بالتحديد.

ويمكن القول أن التصعيد الجديد الذي يشهده لبنان منذ آب الماضي، وبالتحديد الشحن المذهبي، ينذر بعواقب وخيمة في ظل انهيار الستاتيكو الذي أسس لقيام الحكومة الحالية. فالتفاهم السعودي-السوري لم يعد قائما وهو الذي أسهم في التخفيف من حدة الانفجاريات الطائفية، ومع انتهائه انتهى مفعول القمة الثلاثية اللبنانية-السورية-السعودية ليعود الانقسام السني-الشيعي إلى الواجهة.

أما السبب الرئيسي لانهيار التقارب السعودي-السوري فيعود إلى موضوع الخلاف على الوجهة المستقبلية للحكم في العراق، في وقت تشهد فيه المنطقة بداية تسوية أميركية-إيرانية حول الموضوع نفسه، ويقال أن هذه التسوية تلحظ، كما أشرنا، دورا لسوريا ضمنها. وهكذا، وبحسب الإعلان السوري-الإيراني الذي صدر في نهاية زيارة الرئيس السوري إلى طهران، فان سوريا، على ما يبدو، غير معارضة لهذه التسوية، وهذا ما برز في تحول قسم من النواب العراقيين الذين كانوا يؤيدون إياد علاوي (المرشح السعودي-السوري سابقا) إلى تأييد نوري المالكي (الذي تتقاطع حوله الولايات المتحدة وإيران).

يضاف إلى هذه التسوية سببان آخران يكمن أولهما في الاختلاف السوري-السعودي في شأن استمرار المفاوضات الجارية بين الفلسطينيين وإسرائيل؛ أما السبب الثاني فيتعلق بالوضع اللاحق في لبنان، على وقع تمسك حلفاء السعودية (وفي مقدمتهم رئيس الوزراء سعد الحريري) باستمرار المحكمة الدولية في الاتجاه المرسوم لها على الرغم من تقديم حزب الله لقرائن حول إدانة إسرائيل وعلى الرغم من بروز الكثير من الثغرات في عمل تلك المحكمة. وهكذا يشتد التراشق السياسي والاتهامات المتبادلة التي تسهم في تعزيز العصبيات المذهبية المؤدية للفتنة، ويزداد الوضع هشاشة وتعقيدا، ويكثر الحديث عن “عرقنة” الصراع في لبنان بما يشل العمل المقاوم ويدخله في أتون الانقسام المذهبي الذي يسهل دخول إسرائيل، كما في العام 1975، على خط الصراع انتقاما للانتصارات التي حققتها المقاومة الوطنية ضدها، بدءا من العام 1982 وحتى العام 2006. 2-منحى العدوان الإسرائيلي الناجم عن إضعاف الوظيفة المقاومة لحزب الله. وهنا لا بد من الإشارة إلى أن هذا العدوان، كما يخطط له، يهدف إلى تغيير الخارطة الجيوسياسية للمنطقة، بدءا بلبنان ومن ثم فلسطين حيث يسهل على إسرائيل تنفيذ توجهها بتهجير جديد للفلسطينيين وتوجيه ضربة إلى الانتفاضة في ظل انشغال العام بالحرب ضد لبنان. هذا، عدا عن الطموح إلى جعل هذه الحرب الجديدة في خدمة تنفيذ مرحلة جديدة من التسويات بينها وبين بعض البلدان العربية، وبالتحديد لبنان وسوريا. والملفت في هذا المنحى كثرة السيناريوهات الأميركية التي تتحدث ، بالرغم من دخول واشنطن في تسوية مع إيران حول العراق، عن اقتراب موعد العدوان والتي كان آخرها الملخص التنفيذي الذي نشره معهد واشنطن في 17 أيلول الماضي. ولعل أهم ما تضمنه هذا الملخص هو ما جاء في فقرة “النتائج”، إذ يقول كاتب التقرير ما يلي:

“مع وضع الشكوك جانباً، من المرجح أن تبقى الخطوط العريضة التي نوقشت سابقاً على ما هي عليه في حرب مستقبلية: وسوف يكون صراعاً شديداً على نطاق واسع بين إسرائيل ومجموعة تضم «حزب الله» وحلفائه، وتجري أعماله القتالية داخل وفوق إسرائيل ولبنان وسوريا وسيستمر أسابيع. وفي النهاية من المرجح أن تسود الظروف التالية: ■ سوف يحتل “جيش الدفاع الإسرائيلي” بعض وربما أجزاء كبيرة من لبنان وربما كل غزة.

■ أينما تسير مجريات ونتائج الحرب بصورة سيئة — من هزائم وإصابات مدنية هائلة ودمار شامل — ستكون هناك أزمات سياسية.

■ سوف يظهر العديد من المتطلبات الملحة: التعامل مع المدنيين المرحلين وإعادة بناء وإمداد القوات العسكرية وإصلاح البنية التحتية المتضررة. وسيتطلب الموقف قدراً كبيراً من الوقت واستثمارات سياسية واقتصادية جادة قبل حدوث استقرار.

وعلى المدى الطويل، يمكن أن يؤدي نوع الحرب المذكورة هنا إلى إعادة تشكيل البيئة السياسية والعسكرية للمنطقة. وستكون بالتأكيد أخطر حرب خاضتها إسرائيل منذ عام 1973، والتي سيكون لزاماً على “جيش الدفاع الإسرائيلي” كسبها. ونظراً للتكاليف السياسية والعسكرية والإقتصادية المحتملة ستواجه إسرائيل عواقب وخيمة إذا فشلت في تحقيق أهدافها الأساسية بشكل يمكن إثباته.

وعلى النقيض من ذلك، إذا تصرفت إسرائيل بشكل حاسم، وتكون مستعدة لدفع التكاليف بالإصابات والأضرار مع الاستمتاع بنجاح عسكري، ففي ذلك الحين بإمكان الحرب الجديدة أن تضعف خصومها بشكل كبير بالطرق التالية:

■ سينكسر «حزب الله» كعامل عسكري في لبنان ويضعف سياسياً.

■ سيتم إضعاف النظام السوري بهزيمة عسكرية وخسارة أصول أمنية وعسكرية مهمة.

■ سوف يتم حصر أنشطة إيران في المنطقة بهزيمة حلفائها. وإذا فشلت طهران في مساعدتهم أثناء الصراع فإنها ستخسر نفوذها أيضاً.

■ ستخسر «حماس» (على افتراض أنها ستشارك مباشرة في الحرب) قوتها العسكرية في قطاع غزة وعلى الأقل بعض قوتها السياسي”. من هنا تبرز أهمية مواجهة الفتنة في تحسين شروط الاستعداد لمقاومة العدوان. إذ لا يمكن لشعب منقسم على ذاته طائفيا أن يعطي أفضل ما لديه في الدفاع عن الوطن، خاصة وأن تفاصيل السيناريو الجديد تبرز، مرة جديدة، جذرية المشروع الأميركي-الصهيوني في المنطقة.

لذا، وضع الحزب الشيوعي اللبناني في خطته السياسية أولوية مواجهة الفتنة من خلال مسبباتها، وفي مقدمة هذه المسببات النظام السياسي الطائفي الذي أصبح عائقا أمام خروج لبنان من نفق الحروب الأهلية، ألأمر الذي يتطلب إسقاطه واستبداله بنظام مدني علماني.

على هذا الأساس بدأ تحركه السياسي والشعبي بهدف خلق حالة وطنية ديمقراطية تتصدى لمواجهة العدوان الصهيوني بمنحييه، وبالتحديد الفتنة المذهبية. وهو بصدد التحضير لمؤتمر وطني يضم كافة القوى والمكونات الديمقراطية في المجتمع اللبناني.

رابعا-ألأزمة الاقتصادية وانعكاساتها الاجتماعية

وسياسات حكومة “أمراء الطوائف”

هذا القسم يتناول الأوضاع الاقتصادية-الاجتماعية، وبعض المؤشرات التي صدرت خلال الشهر الفائت، بالتحديد حول المواضيع التالية:

أ‌. الدين العام والقطاع المصرفيب‌. الضرائب غير المباشرة من فقراء الشعب لخدمة الدين العام ج‌. استمرار الدولة بسياسات الغبن ضد العمال والفقراء

د‌. وهم الخصخصة في ظل تفشي ظاهرة الشركات الاحتكارية في لبنان

ه‌. قطاع العقارات، قانون الإيجار والمستأجرين القدامى

أ. الدين العام والقطاع المصرفي

بلغ الدين العام الإجمالي في لبنان بنهاية نيسان الماضي 77613 مليار ليرة (51.74 مليار دولار) مسجّلاً ارتفاعاً بقيمة 594 مليار ليرة مقارنة بنهاية عام 2009، وبقيمة 25 مليار ليرة مقارنة بآذار الماضي، وفقاً لما أوردته جمعيّة المصارف في نشرتها الشهريّة. وارتفعت قيمة الدين المحرّر بالليرة بواقع 785 مليار ليرة إلى 45785 مليار ليرة ما يمثّل 59% من إجمالي الدين العام. أمّا على صعيد مصادر الدين بالليرة فقد بقيت المصارف التجاريّة في لبنان في المرتبة الأولى بنسبة 60.2%.

بعبارة أخرى، ٦٥٥٧ مليار ليرة هي مجموع اعتمادات خدمة الدين العام، أي كلفة الاقتراض، المرصودة في مشروع موازنة عام 2010 الذي صدّق عليه مجلس الوزراء، وتمثّل أكثر من 65% من الاعتمادات الكليّة البالغة 18652 مليار ليرة. هذه النسبة تظهر بوضوح، مرة أخرى، المستفيد الأول من مشاريع الموازنة التي تعتبر أول واجباتها وأخرها خدمة الدين العام ومعه أصحاب المصارف ومن يحميهم من زعماء الطوائف ,

أما فيما يتعلق بالتقرير الأخير لصندوق النقد حول الاقتصاد اللبناني، فيشير إلى نقاط الضعف في القطاع المصرفي، التي على البلاد التنبّه إليها، ألا وهي الانكشاف الكبير للنظام المصرفي على الدين السيادي، واعتماده على نطاق واسع على تدفّقات الودائع القصيرة الأجل لغير المقيمين. ومن سخرية القدر أن حكومتنا أصبحت تبدو على يمين صندوق النقد الدولي الذي حذر، في تقريره الأخير عن لبنان، بضرورة تجنّب الاقتراض غير المبرر,,, من ناحية أخرى، تستمر السلطة بالعمل على جذب إيداعات ضخمة مصدر معظمها من الدول العربية والمغتربين، وهذا ما يرهن الاقتصاد اللبناني لعوامل خارجية لا سيطرة له عليها؛ وتدفع التدفّقات النقدية بالأسعار صعوداً، مما يفاقم هجرة الشباب المتلازمة مع إحلال العمالة الوافدة في النشاطات المزدهرة.

وبحسب دراسة حديثة تعتمد على تحليل معطيات عن مجموعة من البلدان المتقدّمة والنامية للفترة الممتدّة بين 1970 و2007، هناك تأثير مباشرً لارتفاع الدين العام على النمو؛ وبالتحديد هناك “علاقة عكسية بين الدين (العام) والنموّ المحقّق”. وفي المتوسّط فإنّ كلّ نموّ لمعدّل الدين العام إلى الناتج المحلّي الإجمالي بنحو 10 نقاط مئويّة يؤدّي إلى تراجع حصّة الفرد الحقيقيّة من الناتج المحلّي الإجمالي بنحو 0.2 نقطة مئويّة سنوياً. وهذا ما ينطبق تحديداً على الوضع اللبناني. فقد تضخّم الدين العام من صفر تقريباً قبل اندلاع شرارة الحرب الأهليّة إلى مستويات قياسيّة في بدايات هذه الألفيّة. وتشرح الدراسة أن التأثير السلبي لارتفاع معدّل الدين العام على الاقتصاد يتمثّل ببطء نموّ معدّل إنتاجيّة العمال، ويعود ذلك أساساً إلى تراجع الاستثمارات وبطء نموّ حصة الفرد من الكمية المتراكمة من الرساميل.

من هذا المنطلق يدعو حزبنا إلى انتهاج سياسات اقتصادية واجتماعية تتّخذ من القدرات البشرية محوراً لتركيزها وإلى ضرورة تحفيز مشاريع استثمارية لإيجاد فرص العمل، في القطاعات المنتجة مثل الزراعة والصناعة، بالإضافة إلى الأعمال ذات القيمة المضافة العالية، كإدارة المعلومات، الخدمات المالية والسياحية والصحية والبيئية، والتي من شأنها جميعاً النهوض بالاقتصاد الحقيقي وبنتيجة ذلك استبقاء الطاقات البشرية الشابة وتطوير الرأسمال الذهني. ويطالب حزبنا جميع الفرقاء الممثلين في الحكومة المباشرة بوضع وتطوير برنامج عملي لاتخاذ إجراءات تضع الدين العام على مسار نزولي على المديين القصير والطويل – أو الإقرار أمام شعبنا بأنهم “شهود زور” في هذه الحكومة.

ت‌. الضرائب غير المباشرة من فقراء الشعب لخدمة الدين العام

تصل نسبة الضريبة غير المباشرة على البنزين، والتي تمثّل ضغطاً كبيراً على الطبقتين الوسطى والفقيرة من أبناء شعبنا، إلى 40% من السعر في حالة البنزين. وخلافاً للنمط السائد عالمياً، ، ارتفع سعر صفيحة البنزين مجدداً أواخر الشهر المنصرم لكي تأخذ السلطة من جيوب الفقراء وأبناء الطبقة الوسطى لتعطي أصحاب المصارف ودوماً بحجة خدمة الدين العام. من هذا المنطلق، يطالب حزبنا بنظام ضريبي من نوع جديد يقوم بعملية إعادة توزيع للثروة من الأغنياء إلى الفقراء، استناداً على الضريبة المباشرة التصاعدية على الدخل الفردي من أي مصدر أتى، والتي يجب أن تفَرض على كل أنواع المداخيل الفردية الصافية الناتجة من التبادل التجاري مثل توزيع أرباح الشركات وتحقيق الأرباح على الأسهم والسندات المالية وأرباح الاتجار بالعقارات المبنية وغير المبنية، بالإضافة إلى الضريبة على الأجر والإيجار والفوائد المصرفية. ث‌. استمرار الدولة بسياسات الغبن ضد العمال والفقراء

استمر العمال في مختلف المناطق اللبنانية في تحركاتهم الاحتجاجية المطالبة بحقوقهم في التثبيت وحق الانتساب إلى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي. فحصلت تحركات في مؤسستي مياه وادي جيلو، في الجنوب، وكهرباء لبنان الشمالي. وفي نفس السياق، نفذ عمال شركة «المستقبل لصناعة الأنابيب» اعتصاماً رمزياً على الطريق الرئيسية المواجهة لمستديرة العبدة في عكار، احتجاجاً على إقدام إدارة الشركة على إقفال المصنع وحلّ كل عقود العمّال معها. أما صندوق الضمان فهو أيضاً على شفير أزمة. فالمستشفيات تطالب بزيادة التعرفة الاستشفائية البالغة كلفتها على الصندوق 70 مليار ليرة فيما يرفض أصحاب العمل زيادة الاشتراكات.

أما فيما يتعلق بموضوع ضمان الشيخوخة فما زال اللبنانيون ينتظرونه منذ عام 1963. وهذا الحق ما زال يلاقي معارضة من ممثلي زعماء الطوائف، حيث تجلت أخر محاولة لضربه في مشروع «إنشاء نظام للتقاعد والحماية الاجتماعية»، كما أقرته اللجان النيابية.

ومن هذا المنطلق يطالب حزبنا بالتالي:

 ا إيجاد آلية حماية للمستخدمين الذين يصرفون تعسفياً، على أن ينشأ صندوق بطالة مرتبط بهذا الصرف التعسفي،

 إيجاد آلية واضحة وملموسة تسمح للمستخدم بالتأكد من مساهمة رب العمل فعلياً في تسديد الاشتراكات المستحقة وتضمن حقه في الاستفادة من معاش التقاعد.

 إيجاد آلية واضحة لإدارة الصندوق وإبلاء المجلس الاقتصادي والاجتماعي مهمة توجيه نظام التقاعد والحماية الاجتماعية، على أن يضم ممثلون عن الاتحاد العمالي العام وهيئات المجتمع المدني إلى مجلس إدارة الصندوق،

 إيجاد آلية واضحة لفتح باب الضمان لجميع المواطنين بطريقة مدروسة وإلزامية ووضعه تحت رعاية الدولة

د. وهم الخصخصة في ظل تفشي ظاهرة الشركات الاحتكارية في لبنان

من أهم فضائح الفساد مؤخراً:

 تظهر الدراسات مدى تفشي ظاهرة الاحتكار (المرتبطة بالفساد)؛ إذ تشير إلى أنّ الشركات الاحتكارية في لبنان تستهلك 16% من الناتج المحلّي الإجمالي.

 بحسب استطلاع أعدّته الشبكة الوطنيّة لمواجهة الرشوة، شمل 250 شركة تعمل في لبنان، تبين أن 65% من الشركات المعنيّة واجهت أوضاعاً اضطرّت فيها إلى دفع رشوة بهدف تسهيل وتسريع إجراءات رسميّة.

 في موضوع متصل ورد في الدراسة عينها، تبين أن هذا الخلل يمتدّ إلى النظام الضريبي، فخلال فترة عام ونصف عام الماضية زار مدقّقو الضرائب فقط نصف الشركات المشاركة في الاستطلاع (تحديداً 52%). وفي هذه الفئة، أكّدت 36% من الشركات أنّ الزائر طلب رشوة، وسدّد 88% من الشركات الرشوة نقداً، فيما تمّت عمليّة الرشوة عبر موارد غير نقديّة لدى 12% منها.

 لا يزال اللبنانيون تحت سطوة الفساد الصحي. وعلى الرغم من الحديث عن إجراءات جديدة في الرقابة في مرفأ بيروت، فإن مستوردي المواد الغذائية والزراعية الفاسدة لا يزالون يستفيدون من مناخ «الانفلات» و«الفوضى»… وآخر فضائحهم، محاولة إدخال أدوية زراعية ممنوعة في لبنان، ومحاولة تسريب 6 آلاف طن من القمح الفاسد.

 بدأت الشركات العقارية بفرض ضرائب إضافية على المالكين والمستأجرين في وسط العاصمة بدل “خدمات عامة إضافية”، عبارة عن حراسة وجمع نفايات وصيانة طرقات وأرصفة… أي كل ما يمكن أن تقوم به بلدية بيروت، لكن بفارق أن المكلّف يدفع الفاتورة مرتين، ويكلّف بضرائب من شركة خاصة وبلا قانون!

 يستمر العمل بالامتيازات (المنتهية مدتها منذ العام 2001) في قطاع توزيع الطاقة في لبنان؛ وهي من مخلّفات العهد العثماني والانتداب الفرنسي وبداية مرحلة الاستقلال. هذا الاستمرار يعكس سطوة سياسية ــ طائفية، فأصحاب هذه الامتيازات يعيشون على عاتق مؤسسة كهرباء لبنان التي تبيعهم الطاقة بأقل من سعر الكلفة وكذلك على عاتق الخزينة اللبنانية التي”تضمن” خسائرهم,,,

في ظل هذه الأوضاع القاتمة وفي ظل استشراء الاستقطاب الطائفي المذهبي ، يتغلغل الفساد إلى جميع مفاصل الدولة؛ ، ويصبح من الصعب مواجهته تحت عناوين وطنية جامعة. فالمفسدون والزعماء الطائفيين يستفيدون إلى أقصى الدرجات من الانقسام ألعامودي في المجتمع على أساس طائفي ومذهبي. بينما الفقراء وأغلبية المواطنين يعانون من زيادة الهوة بينهم وبين الأغنياء.

و. قطاع العقارات، قانون الإيجار والمستأجرين القدامى

حذّر صندوق النقد، راعي النموذج القائم في قطاع العقارات وأحد أهم المنظرين له، أخيراً، من إمكان نشوء فقاعة فيه. فمجموعة الأشخاص المؤهّلين للحصول على قرض إسكان مدعوم من مصرف لبنان، يتقلّص بشكل ملفت، وفقاً لتقويم الخبراء المصرفيّين أنفسهم، وذلك بسبب الارتفاع الجنوني للأسعار. أما فيما يتعلق بموضوع الإيجارات القديمة، فيبدو أن مشروع قانون تحرير عقود الإيجارات القديمة ألتهجيري، المعد من قبل لجنة الإدارة والعدل، سيقر في البرلمان اللبناني. وإذا ما اقر هذا القانون فمن المتوقع انه سيؤدي إلى تشريد أكثر من 170 ألف عائلة من محدودي الدخل ويرمي بهم خارج منازلهم.

وتأتي مناقشة مشروع قانون تحرير الإيجارات، في سياق التصاعد غير المسبوق في وتيرة المضاربات العقارية وارتفاع أسعار الشقق ارتفاعاً خيالياً وتصاعد الحد الأدنى لبدلات الإيجار. ويتزامن هذا المشروع، كذلك، مع السعي المحموم من الشركات العقارية الكبرى وشركات المقاولات والمصارف إلى شراء مساحات عقارية للاستثمار والبناء الفخم المعد للبيع بهدف جني الأرباح السريعة.

ومن هذا المنطلق يدعو حزبنا إلى إعادة النظر بالقانون 159/92 الذي ينظم التعاقد الحر وإجراء تعديلات جوهرية عليه لجهة تمديد مدة العقد إلى عشر سنوات، كما هي الحال في العديد من بلدان العالم. ونشدّد على أولوية منع إقرار قانون جائر للإيجارات يشرّع تهجير عائلات المستأجرين وتشريدها، ومنع إقفال آلاف المؤسسات والمحالّ التجارية والمهنية والحرفية الصغيرة، وندعو جميع أبناء شعبنا إلى الضغط لإقرار قانون عادل للإيجارات القديمة.

بيروت في 6 تشرين الأول- اكتوبر 2010

لجنة العلاقات الخارجية في الحزب الشيوعي اللبناني

Advertisements

About منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني

موقع منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني
هذا المنشور نشر في الحزب الشيوعي اللبناني. حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s