الماركسية والمشاكرة السياسية

سلامة كيلة

http://www.socialisthorizon.net/index.php?option=com_content&view=article&id=1112:2010-10-16-18-00-36&catid=38:2009-06-15-08-50-27&Itemid=64

خاص الأفق الاشتراكي- إذا كان مصطلح سياسة يعني من التباس فإن النشاط السياسي بات مبهماً. فالأحزاب البرجوازية تعتبر بأن السياسة هي النشاط الهادف إلى المشاركة في مؤسسات الدولة عبر الانتخابات التي هي مرتكز في النظم الديمقراطية، لكي تحكم من خلال تمثيلها البرلماني، أو عبر التوافق مع القوة الممسكة بالسلطة حين يكون النظام دكتاتورياً.

والحزب هنا هو حزب علني، ولا يهدف إلى تغيير السلطة، ونخبوي يضم فئات وسطى، وهو في الأخير ينشط في المستوى السياسي (حول سياسات الدولة)، ولا يميل في الغالب إلى تناول قضايا مجتمعية إلا ما هو عام، أو اقتصادية إلا فيما ندر. فهو في الأخير يهدف السلطة الممثلة للطبقة المسيطرة ذاتها.

السياسة هنا هي النشاط “السياسي” المتعلق بالحكم، بممارسة الحكم. ولهذا فهو يدور حول السلطة والدولة، حول البرلمان والوزارات، ومختلف هيئات الدولة. بمعنى أن المسألة هنا تتعلق بالحكم ولا تمسّ “القاعدة الاقتصادية” التي تتوافق على استمرارها كل الأحزاب البرجوازية.

في الماركسية كان ينشأ الميل لربط النشاط السياسي بمسألة الحكم، ومن ثم بشكل الدولة: دكتاتوري أو ديمقراطي. وبالتالي كان النشاط هو نشاط سياسي بالمعنى البرجوازي، رغم أنه يحمل أحياناً “مطالب معيشية”، و”دفاع” عن الطبقات الشعبية. وهي تُطرح في حدود دعوة السلطة إلى تحقيقها ولا تفضي إلى القول بضرورة تغيير السلطة. وهذه أحزاب برجوازية بصيغة ما، حيث أنها تعبّر عن فئات من البرجوازية الصغيرة يسكنها الحلم بالتطور الرأسمالي وانتصار الرأسمالية، وغضبها ناتج عن أنها ترى البرجوازية المسيطرة تمارس ما “يتناقض” مع مصالحها الطبقية كبرجوازية، ولهذا ترى بأن مهمتها تتحدد في “ترشيد” و”عقلنة” السياسات البرجوازية. ولن يكون ذلك ممكناً سوى من خلال “نظام ديمقراطي”، لهذا تصبح الديمقراطية هي محور نشاطها. وتربط كل تحقيق لمطالب أخرى بتحقُّقها. وهي هنا تصبح أحزاب “ليبرالية” خالصة، بغض النظر عن الأيديولوجية التي تدّعي بأنها تعتنقها، أو التوجه الطبقي التي تقول بأنها تتبعه.

ولاشك في أن هذا الميل كان يحكم الحركة الشيوعية العربية منذ أواسط ثلاثينات القرن العشرين، لكن انهيار النظم الاشتراكية نهاية ثمانينات القرن العشرين، وخصوصاً انهيار الاتحاد السوفيتي نهاية سنة 1991، دفع إلى أن يصبح هو السياسة المهيمنة في الإطارات الماركسية. حيث انقلب دعم الدكتاتورية الاشتراكية إلى ليبرالية مفرطة (طبعاً دون وعي بالليبرالية بكليتها)، وأصبحت كل السياسات التي تقول بها الماركسية، وليس تلك التي كانت تُمارس في الحركة الشيوعية، سياسات خاطئة أو من الماضي أو تجاوزها الزمن. وأصبحت محط هجوم شامل من أجل اقتلاعها من الماركسية. لهذا لم يعد هناك ضرورة للثورة، وأصلاً كانت الثورة وبالاً كما في ثورة أكتوبر. ولم يعد هناك ضرورة للعنف، فأصلاً كان ذلك يعبّر عن وحشية ما تسكن الماركسية. ولم يعد هناك حاجة للاحتجاج أو الإضراب أو الانتفاضة، فهذه كلها أشكال عنيفة للتعبير عن “الرأي”. لقد فرض تطور الرأسمالية أشكال “حضارية” للتعبير عن الرأي، هي تلك التي يضمنها “النظام الديمقراطي”. هذا ما أصبح هو “خطاب” اليسار والماركسية، وهو الخطاب الذي جرف نحو “النشاط الديمقراطي”، وتجاهل كل قضايا المجتمع، أو رُبط تحقيق كل قضايا المجتمع بتحقق “النظام الديمقراطي”.

ونحن لازلنا في هذه اللحظة رغم مرور عقدين على الانهيار، ورغم انفجار أزمة الرأسمالية وتفاقم الصراع الطبقي إلى حدود قصوى في بعض البلدان.

إن أسس الخطاب الليبرالي هذا هي: العلنية والنضال السلمي والتغيير الديمقراطي. إلى حدّ أنها أصبحت بديلاً عن، أو مكملاً لمنظمات حقوق الإنسان. فالنشاط الديمقراطي بات هو النشاط الأساس. لهذا بات من الضروري فهم طبيعة النشاط الماركسي، أو النضال الذي يجب على الماركسيين خوضه. وهنا يجب أن يكون واضحاً بأن رؤية الماركسية تنطلق من أن الصراع هو بالأساس وفي الجوهر صراع طبقي، صراع بين الطبقات، وأن الماركسية تحدد وضعها كـ”عقل” طبقة معينة هي الطبقة العاملة، وبالتالي يهدف الماركسي إلى رسم السياسات التي تفضي إلى تحقيق مصلحة هذه الطبقة عبر تطوير صراعها وتنظيمه وبث الوعي في بنيانها، من أجل ذلك. هنا الماركسي يجب أن يكون في وسط الطبقة وليس في أي مكان آخر. ويرى الصراع من منظور مصالحها وليس من منظورات برجوازية صغيرة يمكن أن تكون لازالت عالقة في وعيه. وبالتالي أن يرى “النشاط السياسي” من هذا الموقع، أي انطلاقاً من مدى خدمته لتحقيق أهداف الطبقة، وعبر نشاطها هي وليس نشاطه هو وحده. والحزب هو الفئات المنظمة من الطبقة إضافة إلى فئات قليلة من البرجوازية أو البرجوازية الصغيرة تحقق عملية “الصهر الأيديولوجي” بما يجعلها تتجاوز وعيها المتوارث، وتعتنق الماركسية كمنظور يجعلها ترى مصالح الطبقة العاملة. وهنا سنجد بأن الوحدة بين الحزب والطبقة تتضمن التميز إلى حدّ ما، لهذا يكون للحزب أشكال نشاط أوسع من تلك التي للطبقة كطبقة (حيث يكون نشاطها الأساسي هو نشاط نقابي) يشتمل المستوى السياسي. فهو يطرح مسألة السلطة والحكم، ويتناول الدولة، ويسعى لأن يوصل الصراع الطبقي إلى هذا المستوى من أجل حسمه لمصلحة السيطرة الطبقية للعمال والفلاحين الفقراء.

من هذا المنطلق، كيف يمكن أن يعالج الماركسي المسألة المثارة؟ كيف يتعامل مع العلنية والمشاركة السياسية؟ وما النظرة الممكنة للانتخابات في نظم ليس الديمقراطية أصيلة فيها؟ وهل يرى إمكانية لتحقيق التغيير عبر الديمقراطية؟ هذه أسئلة تمثل جوهر ما كان يُطرح خلال العقدين الماضيين، والذي كان يُطرح على شكل أجوبة على الدور الممكن بعيد انهيار الاشتراكية. وهو الوضع الذي قلنا أنه حوّل الماركسيين إلى دعاة حقوق الإنسان، دون أن نقلل من أهمية الدفاع عن حقوق الإنسان.

“المشاركة السياسية” تعني العلنية

الماركسية لم ترفض “العمل الشرعي”، ولقد خاض الماركسيون في هذا النشاط. لكن الخلاف الذي كان يطال هذه المسألة كان يتمركز في مكان آخر، هو بالضبط ذاك المتعلق بالإجابة على سؤال: هل نهدف إلى التغيير أم نسعى إلى تحقيق إصلاحات؟ وكانت الإجابة على هذا السؤال ترتبط بالاختلاف في رؤية الواقع، فهل أنه يتطور على أساس تراكمي أم أن التراكم هو الضرورة تحقيق نقلة نوعية (تغير كيفي)؟ وضمن ذلك هل أن التراكم الكمي هو الذي يفضي “موضوعياً” “أو بشكل طبيعي) إلى تحقيق التغير النوعي؟ في مستوى آخر، هل أن التراكم الكمي سوف يفضي حتماً إلى تحقيق التغير النوعي؟ وكان يدخل هنا النقاش حول “الذات والموضوع”، أو التطور كمعطى اقتصادي (يساوي الطبيعي) يفرض حتماً التغير؟ أو أن التطور مرتبط كذلك بالبشر، بالطبقات؟ وهو الأمر الذي يفرض توسيع المنطق لكي نلحظ ممكنات التطور ذاته من جهة، وممكنات تحققه من جهة أخرى.

على ضوء الفهم “التقليدي” في الماركسية الرائجة كانت المشاركة السياسية تعني الانطلاق من عدم أولوية التغيير لمصلحة العمال والفلاحين الفقراء، بل أن يتحقق التطور التراكمي نحو نشوء النظام البرلماني، الذي يصبح هو الهدف المركزي، ويكون الحفاظ عليه هو الغاية. ولهذا يميل النشاط نحو الطابع السلمي التدرجي، ويجري التركيز على “نبذ العنف” ورفض الثورة، ومحارة كل الرؤى التي تسعى لأن تتطور إضرابات العمال إلى انتفاضة من أجل الوصول إلى السلطة. هذا ما لاحظناه في روسيا لدى المناشفة، وهو ما يظهر واضحاً في كتابات بليخانوف.

إن الأساس هنا هو: هل يهدف النشاط الماركسي إلى تحقيق التغيير انطلاقاً من أن التطور والحداثة لا يتحققان إلا عبر ذلك؟ أو أن الأساس الذي يجري الانطلاق منه هو أن الهدف هو الحفاظ على الطابع الرأسمالي السائد، لكن بالسعي لتغيير الشكل السياسي، أي تحقيق دمقرطة النظام؟ الصيغة الثانية تجعل “المشاركة السياسية” والعلنية ورفض الثورة والقبول بالتدرج في “التطور” الديمقراطي، هي أساس السياسة التي يجري إتباعها. وهنا لن تكون هذه السياسة إلا سياسة برجوازية كونها تنطلق من الحفاظ على السيطرة الرأسمالية. وهو التيار التي انتشر منذ عقدين في كل البلدان العربية. حيث كان “التكيف” مع سيادة الرأسمالية مؤكداً، وحيث أصبح الهدف هو المشاركة السياسية في ظل نظام ديمقراطي.

لكن تحقيق التغيير، ورؤية أن التطور الاقتصادي والمجتمعي لا يتحققان إلا بهزيمة الرأسمالية التابعة التي تسيطر على السلطة، وبالتالي يكون الهدف الجوهري هنا هو تحقيق التغيير الطبقي لمصلحة العمال والفلاحين الفقراء، يفرض إتباع سياسة مختلفة. هنا، وانطلاقاً من ذلك، يمكن تلمس مسألة “المشاركة السياسية” أو “العمل الشرعي”. ولقد أشرنا قبلاً بأن الماركسية لا ترفض “العمل الشرعي”، على العكس من ذلك فقد خاضته أحزاب ماركسية عديدة وهي تسعى إلى تحقيق الانتصار. فإذا كان هدف التغيير الطبقي يفرض أن يكون النشاط سرياً بالضرورة، فإن هذه السرية لا تفرض أن تكون هي السياسة الوحيدة. فالنشاط الثوري يتخذ أشكالاً متعددة، من السرية المطلقة إلى نصف السرية إلى شبه العلنية إلى العلنية الكاملة. وهو النشاط الذي يتركز في النقابات والأشكال المطلبية والجزئية المختلفة، وفي تشكيل اللجان والهيئات في مواقع الطبقة. وهذه كلها يمكن أن تكون علنية أو شبه علنية.

ولاشك في أن الحزب يعمل على انتزاع مساحة علنية، وهو يناضل من أجل أن يفرض ذلك، لكن دون أن يضرّ بوجوده. طبعاً دون أن يصبح هذا النشاط هو النشاط الأساس، أو النشاط الذي تجري المراهنة عليه في تحقيق التغيير، أو حتى في تحقيق بعض المطالب. فالمسألة هنا تتعلق بكون النظم أبعد من أن تقبل وضعاً يضرّ بسيطرتها أو يمكن أن يفضي إلى تغييرها. وبالتالي يمكن للحزب الشيوعي أن يستفيد من كل إمكانية للعمل “الشرعي” في سياق سعيه لتطوير الصراع الطبقي ضد الرأسمال. وربما يكون البحث هنا متعلقاً في الوضع الذي “تسمح” النظم فيه بقدر من النشاط العلني، والذي يرى الحزب الشيوعي أنه يمكن الإفادة منه في سياق السياسة التي يتبعها من أجل تحقيق التغيير. وهو وضع يفترض أن لا يقود إلى أن يصبح الحزب علنياً، أو أن يظن بأن العلنية باتت “حقيقة مطلقة”، بل أن يعرف بأنها مرحلة مؤقتة يمكن الإفادة منها. حيث أن تطور الصراع يمكن أن يدفع النظم إلى التراجع عن هذا الوضع “الديمقراطي”، والعودة إلى الشكل “الدكتاتوري”.

العمل “الشرعي” ضرورة، لكنه مؤقت ويحتاج إلى مستوى عالٍ من الحذر. وبالتالي فإن العمل العلني ممكن في لحظات لكنه ليس قانون العمل الثوري. وهو مكمل النشاط الثوري الذي يتخذ طابعاً سرياً، أو أن سمته الأساسية هي السرية. وأي اختلال في هذا المجال سوف تفضي إلى تدمير العمل الثوري، أو تحويل الحزب إلى حزب “ليبرالي” ينشط في الحدود الممكنة أو المسموحة من قبل النظم، ويركز على ما لا يتناقض مع وجود وسياسات النظم.

حول الانتخابات

وكما في “المشاركة السياسية” فإن المشاركة في الانتخابات يجب أن تنطلق من فهم عميق للوضع من حيث مستوى الصراع الطبقي. فالهدف الذي طرحته الماركسية في هذا المجال تعلق في أن المشاركة في الانتخابات يمكن أن تسمح بمساحة من الزمن يمكن للحزب الشيوعي أن يمارس خلالها كل أشكال النقد والكشف والفضح لسياسات الطبقة المسيطرة والسلطة. حيث أن “الحملات الانتخابية” تسمح بهذه المساحة. ثم أن نجاح عضو في البرلمان يمكن كذلك أن يساعد على استمرار الفضح والكشف والنقد.

ولكن الماركسية ربطت بين المشاركة والوضع الثوري، فإذا كان الصراع الطبقي في تصاعد تكون المشاركة خيانة للعمال، بينما يكون ممكناً المشاركة في وضع يكون فيه الصراع الطبقي في تراجع أو حتى ركود. لأن الأولوية هي لتطوير الصراع الطبقي، وأن المشاركة أصلاً هي من أجل التحريض لتطويره، أما حينما يكون حاصلاً فما قيمة المشاركة؟ وما أهميتها؟ فإن كل خطوة عملية هي أهم من دزينة من البرامج كما كان يقول كارل ماركس.

إذن، كان هدف المشاركة هو النقد والكشف والفضح، وبالتالي سيكون نافلاً حينما يكون النقد والكشف والفضح ممكناً بأشكال أخرى. لكن يجب أن نلاحظ بأنه مادامت المسألة تتعلق بالتحريض وليس بالتغيير، وبكشف السياسات وليس بالمراهنة على تغييرها، فإن المسألة سوف تتخذ منحى جديداً، وتدرس وفق أسس جديدة. دون أن يعني ذلك الإحجام المسبق عن المشاركة، بل تكون بحاجة إلى مبررات أخرى. فالهدف هنا هو كشف سياسات الطبقة المسيطرة، وإظهار عجزها عن تحقيق مطالب العمال والفلاحين الفقراء وكل الفئات المفقرة، بهدف إقناع هؤلاء بضرورة الثورة من خلال تطوير الصراع الطبقي.

ثم أن المشاركة تنطلق من طبيعة الانتخابات ومن جديتها، فقد أصبحت هناك “خبرات” هائلة تتعلق بانتخابات هزلية، هي ليست سوى شكل انتخابي تتحدد نتائجه مسبقاً وتنفذ عبر عمليات تزوير هائلة. لكن في كل الأحوال يمكن المشاركة في هذه الانتخابات حتى وهي مزورة مادام التحليل يقود إلى أن هناك فائدة فيها من زاوية التحريض، فالمسألة الأساس هي أنه ليست هناك مراهنة على التعيير عبر الانتخابات (وهذا ما سوف نشير إليه تالياً).

ولكن حينما تكون تلك الطبقات واعية لهزلية الانتخابات، والى أنها لا تحقق التغيير أو حتى تحسين الوضع المعيشي، فتعبّر عن ذلك من خلال المقاطعة (أو عدم المشاركة في التصويت) يكون من الخطل الشديد التفكير في المشاركة من قبل الحزب الشيوعي. حيث سوف يحرض مَنْ؟ ويكشف زيف الانتخابات لمن؟ إن الطبقة هنا وصلت إلى نتيجة عبثية هذا المسار، ولهذا لن تشارك في التصويت، مما سوف يظهر هزلية الحزب الشيوعي الذي سوف يشارك، وتظهر للعمال والفلاحين الفقراء كم هو واهم، وتزرع الشك في مبررات مشاركته من قبلها، مما يجعله يحقق معكوس ما أراد.

لقد أظهرت الانتخابات في البلدان العربية أن نسب المشاركة في التصويت، سواء لانتخاب الرئيس أو البرلمان، هي أقل من ربع الذين يحق لهم التصويت، وأحياناً وصلت إلى نسبة 10% فقط. وإذا علمنا بأن السلطة قادرة على حشد قطاع من الموظفين والمنتفعين والمجبرين سوف نلمس بأن النسبة المتبقية هي “جمهور” بعض القوى المشاركة. ومن ثم ليس هناك من يحتاج إلى إقناع بضرورة التغيير نتيجة فشل سياسات النظم والأزمات التي تلقيها على الطبقات الشعبية. بمعنى سنلمس بأن هذه الطبقات وصلت إلى مرحلة باتت لا تراهن فيها على النظم، وأنها تتذمر من وجودها، ولهذا سيكون الحزب الذي يقرر المشاركة أدنى في مستوى الوعي من هذه الطبقات، وأنه يعمم الأوهام أكثر مما يكشف طبيعة السلطة المعبّرة عن الرأسمال. إنه هنا متخلف عن هذه الطبقات، وهو متخلف عن الحركة الواقعية بدرجات.

وغالباً ما يتغطى موقف المشاركة هذا بحديث عن تدريب الشعب على المشاركة في “الشأن العام”، وتحصيل حقه “الطبيعي” في التصويت واختيار ممثليه. وتعلم الديمقراطية من أجل الوصول إلى التداول السلمي على السلطة. وهذا كله خطاب، إضافة إلى أنه وهمي لأن الشعب لا يتعلم في هكذا وضع، ومضلل لأنه تغطي على الأزمات الحقيقية، فهو بعيد عن تلمس المشكلات الحقيقية للعمال والفلاحين الفقراء، ويقدّم لها ما باتت تعتقد بأنه أوهام. فهذه الطبقة، وكل المفقرين، لا تعتقد بأن التطور السلمي التدرجي يفيد في حصولها على لقمة العيش، أو الاستقرار في العمل. وترى بأن السلطة هي طبقة تنهب وتضطهد وتستغل، ولا تريد تقديم ما يسدّ رمق هذه الطبقات. وبالتالي لا فائدة من المشاركة، ولا قيمة أصلاً لذلك، حيث سوف تصيغها السلطة وفق ما تريد.

في هذا الوضع من الخطيئة المشاركة في الانتخابات، ويجب أن ينصبّ التحريض على تحريك العمال والفلاحين الفقراء من أجل تطوير نضالهم الطبقي، والدفع نحو تشكيل نشاطهم في لجان وهيئات وأشكال نشاط توحّد الطبقة، وتوحد تكتيكها، وتحدد الهدف الذي تصارع من أجل تحقيقه. هنا يكون تطوير أشكال الصراع الطبقي هي الأساس والأولوية، وتكون “المشاركة” في الحملات الانتخابية من أجل التحريض على الإضراب وكل أشكال الاحتجاج، وليس للمشاركة في التصويت.

وكل البلدان العربية تعيش هذا الوضع، وبالتالي ليس من فائدة في المشاركة، على العكس يجب الدفع نحو تطوير أشكال أخرى للنضال من أجل التغيير. رغم أنه يمكن استغلال فترة الانتخابات من أجل تحريض أعلى، وكشف أوسع، وفضح لكل سياسات الطبقة المسيطرة وسلطتها. خصوصاً وأن التطور التكنولوجي والإعلام سمح بمستوى أعلى من التأثير، والتواصل، لم يكن ممكناً حينما كانت “الجريدة” السرية هي الشكل الوحيد لتوضيح السياسات، فكانت هناك حاجة لاستغلال بعض “المناسبات” من أجل الدعاية والتحريض. إن عدم وعي التطور المذهل الذي تحقق في مجال الإعلام سوف يبقي الأفكار القديمة هي ذاتها التي تبرر المشاركة في الانتخابات.

لقد شارك لينين في الانتخابات، لكنه رفض المشاركة سنة 1905 و1906 حينما كانت الثورة الأولى في أوجها، ولقد شارك فقط بعد هزيمتها، وانتصرت الثورة المضادة. واليوم يمكن ألا تكون هناك حاجة للمشاركة أصلاً في ظل الوضع الذي تفرضه النظم لتحقيق انتخابات مسيطر عليها، ومكشوفة. وأيضاً حينما بات من الممكن أن يوصل الحزب تصوراته وتحريضه ليس عبر البرلمان بل عبر الإعلام. رغم أنه، في لحظة ما، يمكن المشاركة، لكن ليس على أمل تحقيق التغيير.

التغيير الديمقراطي

بعد كل ذلك، يمكن أن نطرح السؤال: هل أن التغيير الديمقراطي هو أمر ممكن؟

ربما أجبنا على ذلك قبلاً، وربما كان هذا هو المفصل الأول في أي بحث في هذا الموضوع، لكن نكرر البحث في ذلك لأن هناك من الماركسيين من لا يريد التغيير أصلاً، بل يهدف إلى “المشاركة السياسية” والاشتراك في الانتخابات، هذا من جهة، وهناك من جهة أخرى من يعتقد بأن التغيير الديمقراطي هو المدخل لكل تغيير. إذن، هل يمكن أن يتحقق التغيير الديمقراطي؟

إن السياسة التي ترسم هنا تنطلق من تحقيق الديمقراطية أولاً عبر تطوير الصراع “الديمقراطي” ضد النظم الدكتاتورية، وحيث يكون التحصل على الديمقراطية هو المدخل لتحقيق البرنامج الشيوعي. لن نتناول هنا الشق الثاني، ليس لأنه لا يستحق النقاش، بل لأن الوصول إليه هو الذي يحتاج إلى نقاش أولاً. فهل يقود “النضال” في الظروف التي تفرضها النظم إلى إمكانية أن يُفرض عليها تحقيق الديمقراطية؟ وأقصد هنا، كما يُقصد من قبل الداعين لذلك، الديمقراطية الحقة، البعيدة عن تدخلات السلطة، والحيادية النزيهة؟ حيث أن التفكير في أن تكون مدخلاً لتغيير “شيوعي”، أو حتى ثوري، يجب أن ينطلق من أنها ديمقراطية حقة. ديمقراطية تفضي إلى سيطرة الأغلبية الشعبية على البرلمان، ومن ثم فرضها لسياساتها. ثم هل يمكن لديمقراطية حقة أن تنجح هذه الأغلبية؟

إن من لا يلمس الظروف الموضوعية، قبل أن يتناول ما يمكن أن تمارسه السلطة، سوف ينقاد خلف أوهام لا محالة. فالديمقراطية الحقة تفترض وعياً ديمقراطياً هو في صلب تكوين “المواطنين”، كما تفترض تبلوراً في الطبقات، وتشكلاً لنقاباتها وهيئاتها، ولكن أيضاً وعياً بالفرد/ المواطن. وهذه نقلة تحققت في أوروبا (وأميركا واليابان، وربما الآن في روسيا) بعد التطور الهائل في الاقتصاد، حيث أصبحت دولاً صناعية، وحيث تأسس التعليم الذي يحضّر لكي يخدم الصناعة والشركات بما يؤسس لوعي مواطني وديمقراطي وعلماني. بمعنى أن الديمقراطية لا تركب على وعي مجتمعي هو من مخلفات القرون الوسطى، وبنى مجتمعية مهمشة وهامشية، وافتقاد للتبلورات السياسية للطبقات.

ثم أن انتصار الديمقراطية ارتبط بمصلحة الرأسمال المسيطر، ولم تكن الديمقراطية في تضاد مع هذه المصلحة. حين كانت كذلك كانت النظم دكتاتورية (بونابرتية كما كان يحلوا لبعض الماركسيين التشبيه). ولهذا يجب وعي مصلحة الرأسمالية التابعة (الكومبرادور) المسيطرة على النظم، ووعي الحدود التي يمكنها التنازل إليها. لقد أسست بعض الرأسماليات في البلدان العربية لنظم “ديمقراطية”، حيث حق تأسيس الأحزاب وإصدار الصحف والكلام على عواهنه، والترشح والانتخاب، وما إلى ذلك من “ممارسات ديمقراطية”، لكنها إما أخضعت الأحزاب (اشترتها) أو همشتها، ولقد ضمنت نتائج الانتخاب من خلال التزوير الفاضح في الغالب. هل يمكن أن ترتقِ هذه “التجربة”؟ هل يمكن أن تكرّس وتطوّر كما يراهن بعض “الماركسيين”؟

إن تناقضها مع الرأسمالية المسيطرة لن يفتح الأفق لكي تتطور أو تترسخ، بل ستتكرر كما هي في الواقع. فمصر تشهد تجربة “ديمقراطية” منذ بداية ثمانينات القرن العشرين لكنها الآن أسوأ مما كانت في الثمانينات. والمغرب كذلك، والأردن أيضاً. وسنلاحظ بأنها تجارب بدأت بزخم سرعان ما تهاوى فأصبحت “ممسحة”. وهو الأمر الذي جعل العمال والفلاحين الفقراء وكل المفقرين لا يأبهون بها، ولا يعتقدون بأنها تقدّم شيئاً يسدّ رمقهم. ولقد أوضحت كذلك بأن الكلام وحده لا يفيد، ففي مصر يمكن أن تقول ما تشاء ونقطة، لأن العنف وكل أشكال القمع يمارسان ضد أي ممارسة، حتى وإن كانت بسيطة. وهذا ما عزل “القوى السياسية”، وخصوصاً قوى “اليسار” عن هؤلاء العمال والفلاحين الفقراء.

بمعنى أن هذا النمط من “الديمقراطية” يهدف إلى “التنفيس” فقط،من جهة، ويعيد إنتاج السلطة “ديمقراطياً” من جهة أخرى.

إن التغيير يرتبط بتشكيل قوة فعلية من الطبقات المفقرة، وحين لا تكون هذه الطبقات معنية بالديمقراطية، وترى بأن مصالحها تتحقق فقط بعيداً عن السلطة، وخصوصاً حين تخوض النضال الطبقي، يصبح من السذاجة المفرطة التفكير بـ “التغيير الديمقراطي”. إن الديمقراطية الرأسمالية الحقة لا تحقق التغيير بل أنها قد أجهضته، فكيف في بلد مهمش ومخلَّف؟

منطق الفهم

كما أشرنا، إن ما يحكم النظر يمكن أن يلخص في أساسين، الأول هو المنطق التطوري حيث يُرى تحقيق الأهداف انطلاقاً من تحقيق التراكم المتتالي في الواقع، عبر خطوات ربما بطيئة أو محدودة لكنها متتالية في الزمن. ولهذا فإن “الانتصار” كما يصاغ في أي ذهن “شيوعي” (أي الرأسمالي أو الاشتراكي) هو نتاج حتمي لهذا التطور التراكمي. وبالتالي فإن الرؤية الشاملة تفرض التجزيء إلى خطوات “ملموسة” و”ممكنة” و”واقعية” من أجل أن تتحقق. وهو الأمر الذي يشير إلى تجاهل التناقض الذي يخترق المجتمع، وتجاهل أن التطور يفترض “قفزات”، أو تحولات نوعية، وأنه لا يقوم إلا عبر تحقيق النفي ونفي النفي. ولهذا فهو أعقد من أن يسير “الهوينى” في مسار تدرجي متتالي ودون انقطاع أو قفزات. وهذه النظرة هي النظرة التي ربما اخترقت الماركسية منذ البدء، وظهرت مع بيرنشتاين في صيغة معينة، ثم مع بليخانوف في روسيا، ومع تيار عريض كان يرى التطور كأحداث متتالية، بعضهم قال بالتغير النوعي في لحظة ما (بليخانوف) لكن دون رؤية دور الفرد والطبقة (أي العنصر الذاتي) مما جعل النظرة تطورية حتمية (أو حتى قدرية).

في هذا الوضع كان حتمياً أن يجري الانتقال من الإقطاع إلى الرأسمالية، وأن المهمة التي تُلقى على الماركسيين هي “طرح ما هو ممكن”، وهو المطلبي و”الديمقراطي”، على أمل أن تتقدم البرجوازية الصفوف وتحقق انتصار الرأسمالية.

الأساس الثاني ينطلق من أن التطور يفترض البدء من النظام السياسي، حيث يجب تغيير الشكل الدكتاتوري و”انتصار”  الديمقراطية. لهذا يصبح النضال الديمقراطي هو الهدف الأساس، والذي على تحققه يصبح ممكناً تحقيق الأهداف الأخرى، المطلبية والتحديثية وحتى الاشتراكية. هنا يجري البدء من “الشكل”، واعتبار تحويل الشكل مقدمة لتحويل المضمون. وربما يكمن هنا كل المنطق الصوري، الذي يرى الدولة ولا يلامس مضمونها الطبقي، ويعتقد بأن النضال الديمقراطي يمكن أن يغيرها دون أن يربط ذلك بمصالح الطبقات التي يعتقد بأن عليها أن تخوض النضال الديمقراطي، انطلاقاً من بديهية ساذجة تقول بأن تحقيق الديمقراطية هو في مصلحة كل هذه الطبقات، ولا يرى بأن الطبقات المفقرة تلمس ما يمسها مباشرة، ألا وهو وضعها المعيشي وظروف حياتها وعملها، وبالتالي فهي دون البدء من هذه لا ترى أهمية لكل ما يُطرح.

كما أن هذه النظرة تعتقد بأنه يمكن انتصار الديمقراطية على أرضية مخلّفة لم تتفكك لمصلحة تشكل “مدني حديث” لطبقات جديدة بوعي يتجاوز الوعي القروسطى. رغم أن الديمقراطية هي نتاج الوعي الحديث، ولقد تحققت نتيجة تشكل البنى الحديثة. وإذا كان يمكن تطوير الوعي الفردي فإن تطور الوعي الجمعي يحتاج إلى تغيير عميق في الأساس الاقتصادي.

إذن، التطورية والشكلية هما أساس المنطق الرائج، واللذين يؤسسان لسياسات لا تعبّر في الأخير سوى عن أحلام الفئات البرجوازية الصغيرة، التي تحلم بالتطور الرأسمالي وبالحداثة والديمقراطية. وهذه أحلام مشروعة، لكنها ليست سياسة ماركسية، ولا هي مطمح العمال والفلاحين الفقراء.

إن التطورية ليست نظرة ماركسية، والشكلية هي من أسس المنطق الصوري السابق للجدل المادي، وهما يتوافقان مع مصالح الفئات الوسطى ولا يستطيعان رسم سياسة تعبّر عن مصالح العمال والفلاحين الفقراء.

حول التغيير

هل التطور التراكمي بهذه الصيغة ممكن؟ هذه نظرة مبسطة إلى حدّ كبير، حيث أن صيرورة الواقع ليست تطورية، وإن كانت تتضمن التراكم، لكن الذي يفضي إلى تحقيق التغير النوعي. وهي كذلك تتضمن التناقضات التي تفرض تحقق النفي من أجل انتصار نفي النفي. أي تفترض هزيمة الطبقة المسيطرة من أجل انتصار العمال والفلاحين الفقراء.

إذن سيكون التراكم الكمي الذي ينطلق مما هو مطلبي هو المقدمة لتحقيق تغير نوعي في طبيعة النضال نفرض الانتقال إلى مرحلة أخرى هي “الثورة”. التراكم هنا هو ليس من أجل تغيير شكل السلطة القائمة لفتح أفق تغيير آخر، بل هو من أجل تحويل طبيعة الصراع من صراع يتخذ شكلاً مطلبياً إلى صراع يتخذ شكل الحسم لتغيير الطبقة المسيطرة.

فالسؤال الأول الذي يطرح ذاته هو: هل أن الطبقة الرأسمالية التابعة التي تحكم يمكن لها أن تقبل بنظام ديمقراطي كامل وليس مقيد ومنضبط ومزور؟ كل التجارب أوضحت بأن الجواب هو لا، حيث أن آليات النهب التي تتبعها، وتفتح الأفق للشركات الإمبريالية لإتباعها، والتي تفرض تفاقم الصراع الطبقي، تفرض أن تكون السلطة مضبوطة، ويكون أساسها هو القمع (وبالتالي تضخم الأجهزة الأمنية). ومن هنا فإن أي تنازل يمكن أن تقدمه سوف لن يتجاوز الحد الذي لا يُخرج الصراع عن حدوده المضبوطة. ولهذا ليس من مصلحة الرأسمالية التابعة أن يتأسس نظام ديمقراطي حق، وهي تميل إلى غلبة الطابع القمعي الدكتاتوري، وتمركز السلطة بيد الحاكم.

هذه هي حدود التراكم الديمقراطي، الذي يعني أن لا إمكانية لأن يكون مدخل تغيير. ومع الربط بما أشير إليه حول وضع الطبقات وأولوياتها، يكون وهماً أن تصبح الديمقراطية هي المدخل الأساس لتحقيق مصالح الطبقات الشعبية، أو أن يكون ممكناً تحقيق ديمقراطية تسمح بحرية النشاط السياسي والإعلامي، والانتقاد والإضراب والتظاهر، وكل أشكال الاحتجاج، وأيضاً الانتخابات “الحرة” دون تزوير. وهو الوضع الذي يشير إلى إستراتيجية مدمرة لا تفضي إلى شيء سوى الضياع في أحلام ليست ممكنة التحقق. فالرأسمالية المسيطرة تمسك بالسلطة بما يكرّس استمرارها، وهي حين “تتنازل” تعرف الحدود التي تتوقف عندها، فالسلطة بالنسبة لها هي مسألة مصير طبقي. والطبقات الشعبية تعرف بحدسها وحسها السليم بأن السلطة لا تفتح أفق تغييرها بل تسدّ كل منفذ لذلك، وأن “الحوار والنقاش” الديمقراطي غير مجدٍ في تحقيق ما تريد، لهذا لا تندفع نحوه ولا ترى أن الديمقراطية تعني شيئاً مفيداً. ويمكن القول بأن هذا فهم “متخلف”، وهذا صحيح بشكل ما، لكن الأصح هو أن الحس السليم تؤشر لها بأن الرأسمالية ليست ساذجة، وبالتالي فإن الصراع الطبقي هو وحده الذي يغير.

في هذه المساحة ضاع “اليسار”، وجرى وراء أوهام، فظل هامشاً صغيراً في إطار صراع كبير. لقد أضاع يساريته وبات ليبرالياً دون أن يكون على وعي بماهية الليبرالية، وتحوّل إلى “مدافع عن حقوق الإنسان” بدل أن يكون مناضلاً طبقياً يعمل من أجل تأسيس الدولة الديمقراطية. حيث أن مصلحة العمال والفلاحين هي التي تتحقق في الدولة الديمقراطية، دولتهم هم وليست دولة الرأسمال.

الطريق الديمقراطي هو أفق مسدود للتغيير، ومن يفكر في ذلك لن يجني سوى الأوهام. فالديمقراطية هي النظام الذي تؤسسه الطبقات الشعبية، لأنه النظام الذي يسمح بحلّ تناقضاتها سلمياً. ولهذا يجب البحث عن أفق التغيير في الصراع الطبقي وليس في أي مكان آخر.

Advertisements

About منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني

موقع منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني
هذا المنشور نشر في الماركسية. حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s