عصبة التحرر الوطني في فلسطين (1943-1948): تجربة تنظيم شيوعي فريد (1)

عصبة التحرر الوطني في فلسطين (1943-1948): تجربة تنظيم شيوعي فريد (1)

ماهر الشريف ماهر الشريف
Media@ppp.ps –>
2010 / 10 / 16

*أُلقي هذا النص في المؤتمر العلمي الدولي الذي نظمه المعهد الألماني للأبحاث الشرقية ببيروت، تحت عنوان: “التوتاليتارية الأوروبية في مرآة الفكر العربي”، ما بين 6 إلى 8 تشرين الأول 2010*

عصبة التحرر الوطني أدركت، لدى تحليلها لواقع فلسطين الملموس، أن الشعب الفلسطيني يختلف عن كل الشعوب والأمم الأخرى في العالم في كونه شعباً يفتقد إلى كيان سياسي مستقل، ويواجه احتلالاً استيطانياً اقتلاعياً، ويتوق، بمجموع طبقاته وفئاته الاجتماعية، إلى التحرر والاستقلال الوطني. وهذا الإدراك لحقيقة وجود قواسم مشتركة بين مختلف طبقات الشعب الفلسطيني في مرحلة التحرر الوطني هو الذي فرض على الشيوعيين الفلسطينيين، في إطار العصبة، الخروج من إطار الطبقة الضيق إلى رحاب الشعب.

في سنة 2009، مرّ تسعون عاماً على ظهور أول نواة شيوعية في فلسطين، تشكّلت على أيدي بعض الثوريين اليهود الذين قدموا إلى فلسطين، في إطار الهجرات الصهيونية. ومنذ ذلك التاريخ، انضوى الشيوعيون في فلسطين في أطر تنظيمية عديدة حملت أسماء مختلفة، كان اختيارها محكوماً، من جهة، بارتباطهم ب “المرك” الشيوعي العالمي، أو بانعدام هذا الارتباط – في حالة غياب ” المركز”-، كما كان محكوماً، من جهة ثانية، بطبيعة التطوّرات العاصفة التي كانت تشهدها القضية الفلسطينية.
وقد تميّزت من بين تلك الأطر التنظيمية العديدة، التي انضوى في إطارها الشيوعيون الفلسطينيون على مر العقود الفائتة، عصبة التحرر الوطني في فلسطين، التي برزت بوصفها تنظيماً شيوعياً فريداً، وقف، على الصعيد التنظيمي، في منتصف الطريق بين صيغة الحزب الشيوعي الطبقي وصيغة التنظيم الوطني اليساري العريض، وسعى، على الصعيد السياسي، في بحثه عن حل ديمقراطي للقضية الفلسطينية، إلى الجمع بين الماركسية والليبرالية السياسية، ونجح في أن يعطي النشاط الشيوعي، بين صفوف العرب الفلسطينيين، زخماً لم يشهده تاريخ فلسطين منذ قيام قيادة الحزب الشيوعي الفلسطيني بتبني سياسة “التعريب” في عام 1924.
وسيحاول هذا البحث من خلال دراسة تجربة عصبة التحرر الوطني في فلسطين، (1943-1948)، أن يزكي الافتراض بأن هذا التنظيم الشيوعي الفريد لا يندرج، لا من حيث الفكر السياسي ولا من حيث البناء التنظيمي وأشكال النضال، في إطار ما اصطُلح على تسميته بـ” التوتاليتارية”، وأن يظهر، بالتالي، عدم إمكانية تطبيق “النظرية التوتاليتارية” الأوروبية على دراسة الحركة الشيوعية العربية في فلسطين.

*من التأسيس إلى الانقسام القومي*شهدت فلسطين التي وقعت، بعد الحرب العالمية الأولى، في قبضة انتداب الحكومة البريطانية التي تعهدت بدعم مشروع إقامة “الوطن القومي اليهودي”، بدايات النشاط الشيوعي في منطقة المشرق العربي. فمنذ تشرين الأول 1919، ظهرت النواة الأولى للحركة “الشيوعية” فيها تحت اسم “حزب العمال الاشتراكي”، الذي كان مرتبطاً باتحاد يهودي يساري عالمي باسم “البوعالي تسيون”، وكان يدور في فلك “الصهيونية الاشتراكية” او “البروليتارية”. وقد سعت هذه النواة الأولى، بعد ظهورها بفترة قصيرة، إلى الانضمام إلى الأممية الشيوعية (الكومنترن)، التي اشترطت عليها، قبل الموافقة على قبول عضويتها، أن تقوم بتبنيّ سياسة “التعريب”، على صعيد العضوية والتوجّه، وأن تقوم بتغيير اسمها وتقطع صلاتها بتيارات ” الصهيونية الاشتراكية” (1).
وكان المؤتمر الثاني للكومنترن، الذي انعقد في صيف العام 1920، قد اشترط على كل الأحزاب الاشتراكية الراغبة في الانضمام إلى صفوفه أن تغيّر أسماءها وأن تتبنّى اسم: “الحزب الشيوعي في … (فرع الكومنترن) “، مؤكداً بأن قضية التسمية هنا ” ليست شكلية بل تتسم بأهمية سياسية كبيرة”، لا سيما وأن الكومنترن لم يكن إطاراً للتحالف بين أحزاب وإنما كان، في الواقع، حزباً شيوعياً عالمياً يستند إلى مبادئ “المركزية الديمقراطية”. وبعد صراعات شديدة، شهدت العديد من الانقسامات، أُعلن رسمياً في التاسع من تموز 1923 عن تشكيل “الحزب الشيوعي الفلسطيني”، وعن موافقة قيادته على شروط الانتساب إلى الكومنترن، الذي شكّل لجنة خاصة للبت في مسألة انضمام الحزب الجديد إلى صفوفه. وفي 26 شباط 1924، أصدرت هذه اللجنة تقريراً أفاد بأن الحزب الشيوعي الفلسطيني قد استوفى “كل الشروط المطلوبة”، وصار يعتبر “فرعاً رسمياً للكومنترن” (2).
وهكذا، أصبح الحزب الشيوعي الفلسطيني السائر على طريق “التعريب”، منذ عام 1924، جزءاً من حركة شيوعية عالمية، مرتبطة بمركز لعب دور المرجعية الأيديولوجية والسياسية والتنظيمية لفصائل هذه الحركة، وكان خاضعاً لقيادة الحزب الشيوعي في الاتحاد السوفيتي. وصار يتوجب على الحزب الشيوعي الفلسطيني بالتالي أن يلتزم بتوجيهات اللجنة التنفيذية للكومنترن، السياسية والتنظيمية، وأن يرسم سياساته وفق البرامج العامة المقرّة في مؤتمرات الكومنترن العالمية، وهي توجيهات وبرامج لم تكن غالباً منسجمة مع خصوصية الواقع الفلسطيني. وقد حدّ هذا الارتباط بالمركز من قدرة الشيوعيين الفلسطينييين، طوال العشرينيات والثلاثينيات من القرن العشرين، على تطوير سياسات مستقلة، وحال دون تمكينهم من بلورة تجربة خاصة بهم على صعيد بناء الحزب.
وكدليل على تلك التوجهات والبرامج غير المنسجمة مع خصوصية الواقع الفلسطيني، يمكننا التوقف عند بعض ملامح السياسة التي انتهجها الحزب الشيوعي الفلسطيني في أعقاب انعقاد المؤتمر العالمي السادس للكومنترن في صيف العام 1928.
ففي ذلك المؤتمر، تخلى الكومنترن عن سياسة “الجبهة المتحدة المعادية للامبريالية”، وتبنّى سياسة “طبقة ضد طبقة”، متّخذاً موقفاً “انعزالياً” من البرجوازية الوطنية في البلدان المستعمرة والتابعة، وطرح أمام الأحزاب الشيوعية في هذه البلدان مهمات “يسارية”، مثل مهمة ” إنجاز الثورة الزراعية” و”إقامة حكومة العمال والفلاحين”، كخطوة على طريق “ديكتاتورية البروليتاريا”. وقد انعكس هذا التوجه “اليساري الانعزالي” على سياسة الحزب الشيوعي في فلسطين، الذي صار يهاجم، في أعقاب المؤتمر العالمي السادس، “القوميين الإصلاحيين” المسيطرين على قيادة الحركة الوطنية العربية الفلسطينية، وينتقد سياستهم، القائمة على قاعدة المطالبة بإقامة “مجلس تشريعي”، معتبراً أن البرلمانية “هي هدف الزعماء الخونة، الذين يرون فيها وسيلة لتسلم المناصب العليا في الإدارة وفرصة للجلوس إلى جانب الامبرياليين الانكليز”. كما صار يدعو إلى ربط شعار تحرير فلسطين بشعار إقامة “حكومة عمالية فلاحية”، على اعتبار أن طبقة العمال والفلاحين “هي الطبقة الوحيدة التي تسعى فعلاً، وبشكل حقيقي، إلى تحرير فلسطين”(3).
ولم تبرز الإرهاصات الأولى لمحاولات الشيوعيين الفلسطينيين ابتداع سياسات مستقلة ومنسجمة مع خصوصية واقعهم إلا في ظروف الإضراب العام والثورة الكبرى في سنوات 1936-1939، ولا سيما بعد أن أوصى المؤتمر السابع للكومنترن، المنعقد في صيف العام 1935، لجنته التنفيذية بالعمل على مراعاة الظروف والخصائص الملموسة في كل بلد من البلدان، والامتناع عن التدخل المباشر في الشؤون التنظيمية الداخلية لفروع الكومنترن، التي يتوجب عليها الاعتماد على إمكاناتها الذاتية وتحديد سياساتها بنفسها. وما أن خفت قبضة “المركز” على الحزب الشيوعي الفلسطيني حتى ظهرت الخلافات بين صفوف قيادته، وبخاصة بعد أن سعت سكرتارية “القسم اليهودي”، في عام 1937، إلى إقامة “جبهة شعبية” مع بعض القوى والأحزاب الصهيونية “المعتدلة”، وهي خلافات عمقتها، في ظروف الثورة، صعوبات الاتصال بين الشيوعيين العرب واليهود، القاطنين في أحياء ومناطق معزولة عن بعضها البعض. وبعد اندلاع الحرب العالمية الثانية، تفاقمت الخلافات داخل قيادة الحزب الشيوعي الفلسطيني حول الموقف من الأقلية اليهودية في فلسطين، حيث اعتبر أعضاء القيادة من اليهود، وبخلاف رفاقهم العرب، بأنه راحت تنشأ في فلسطين وضعية ثنائية القومية، وصارت تبرز، إلى جانب القومية العربية، “قومية يهودية في طور التكوين”. وفي أيار 1943، وفي الوقت الذي أعلن فيه في موسكو عن حل الكومنترن، بات من المستحيل الحفاظ على التعايش بين الشيوعيين العرب واليهود داخل الحزب الواحد، الأمر الذي أدّى عملياً إلى خروج الشيوعيين العرب من صفوف الحزب الشيوعي الفلسطيني، الذي بقي مقتصراً على أعضائه من اليهود (4).

*تشكيل عصبة التحرر الوطني في فلسطين* أدّى فشل ثورة 1936-1939، وتشديد سلطات الانتداب البريطاني لأعمال القمع، ومصادرتها لأبسط الحريات الديمقراطية، إلى حدوث جزر في مسيرة الحركة الوطنية العربية الفلسطينية. بيد أن حالة الركود، التي عرفتها الحركة الوطنية العربية عشية نشوب الحرب العالمية الثانية، لم تستمر طويلاً، حيث أسفر التحوّل الذي طرأ على مجرى الحرب، بعد الانتصار الكبير الذي حققته شعوب الاتحاد السوفيتي في معركة ستالينغراد في ربيع العام 1943، عن تنشيط الحياة السياسية في فلسطين والبلدان العربية الأخرى، ولا سيما يعد أن اضطرت سلطات الانتداب البريطاني إلى تخفيف قبضتها الأمنية وإباحة بعض الحريات السياسية والنقابية.
وإلى جانب التطوّرات التي طرأت على الوضع الدولي، كانت تجري في فلسطين تطوّرات اقتصادية واجتماعية هامة، أدّت إلى حدوث تغيّرات جذرية على بنية المجتمع العربي.
فقد أدّت الحرب إلى تحويل فلسطين إلى محتشد للجيوش البريطانية وإلى قاعدة لتموينها في المنطقة، مما دفع الحكومة البريطانية إلى إقامة العديد من المعسكرات والمشاغل، وإلى تشجيع قيام العديد من الصناعات المحلية، الأمر الذي ساعد على زيادة عدد العمال واختفاء ظاهرة البطالة بين صفوفهم. وشجعت إغراءات فرص العمل، في المعسكرات والمصانع، على تسارع حركية قوة العمل العربية، مما ساهم بالتالي في إضعاف الارتباط التقليدي للعامل العربي بمجتمع القرية، وإلى إضعاف الأنماط التقليدية التي كانت تسود سابقاً في التشغيل. وتسبب هذا بدوره في انتعاش الحركة العمالية النقابية بين صفوف العمال العرب، حيث استأنفت “جمعية العمال العربية الفلسطينية” في حيفا نشاطها، في عام 1942، وقامت بتأسيس فروع جديدة لها، كما تأسس، إلى جانبها، اتحاد نقابي جديد حمل اسم “اتحاد نقابات وجمعيات العمال العرب”، ضم في صفوفه عمال شركات النفط وعدداً من المثقفين التقدميين. وإثر قيام عصبة التحرر الوطني، نجح الاتحاد في إصدار صحيفة “الاتحاد”، كلسان حال جميع العمال العرب في فلسطين، ثم شكّل، مع المنظمات النقابية اليسارية التي انسحبت من “جمعية العمال العرب الفلسطينية”، “مؤتمر العمال العرب في فلسطين”، الذي تحوّل إلى أكبر اتحاد نقابي عربي في فلسطين، حيث ضم في عضويته أكثر من عشرين ألف عامل (5).
ترافق انتعاش الحركة العمالية العربية مع ظاهرة تنامي الاتجاهات التقدمية والديمقراطية بين صفوف الطلاب والمثقفين العرب، الذين شكّلوا، فيما بعد، القاعدة التي قامت عليها، في أيلول 1941، “رابطة المثقفين العرب في فلسطين “. وفي تلك الفترة، بدأت تظهر كذلك في مدن فلسطين الرئيسية العديد من النوادي الاجتماعية والسياسية، كنادي “شعاع الأمل”، الذي أراد أن يكون صلة وصل بين أعضاء “رابطة المثقفين العرب” وبين العاملين في شركات النفط ومصانع تكرير البترول، ونادي “الشعب” (6). كما راحت تتشكّل مجموعة من الحلقات والخلايا الماركسية. ففي مدينة الناصرة مثلاً، قام فؤاد نصار بتشكيل حلقة ماركسية ضمت عدداً من العمال والمثقفين، الذين كانوا يجتمعون بصورة دورية ويطلعون على النشرات الماركسية، إلى أن أصبحت حلقتهم جزءاً من عصبة التحرر الوطني في فلسطين (7).
وهكذا، كان قد تشكّل في فلسطين، عشية وقوع الانقسام القومي في صفوف الحزب الشيوعي الفلسطيني بين العرب واليهود في أيار 1943، تيار وطني يساري ديمقراطي عريض، جمع عدداً كبيراً من العمال والمثقفين، وكان يبحث عن الأشكال التنظيمية الملائمة لتوحيد قواه وتأطير نضالاته. وقد اضطلع الشيوعيون العرب، الذين خرجوا من صفوف الحزب الشيوعي، بهذه المهمة، وأُعلن رسمياً، في شباط 1944، عن ولادة عصبة التحرر الوطني في فلسطين.

*عصبة التحرر الوطني و “الاتحاد الوطني”*ومع أن العمال والمثقفين قد شكّلوا القاعدة التي قام عليها تنظيم عصبة التحرر الوطني، إلا أن استناد العصبة إلى هاتين الفئتين الاجتماعيتين لم يحل دون سعيها إلى طرح برنامج سياسي متجاوب مع مصالح كل الشعب الفلسطيني، الذي كان، بمختلف طبقاته وفئاته الاجتماعية، مهدداً في وجوده بفعل تسارع وتيرة تنفيذ المشروع الصهيوني، المدعوم من الاحتلال البريطاني.
فقد شددت العصبة على أن التحرر الوطني هو “هدف الشعب كله”، وهو “وسيلة الأمة بأسرها إلى حياة حرة سعيدة”، حيث أن جميع طبقات الشعب “من عمال وفلاحين ومثقفين وتجار وصناعيين وطنيين” تشعر “شعوراً وطنياً واحداً “، ويجمعها النضال في سبيل التحرر الوطني ” في صعيد واحد “. أما الحركة الوطنية فهي “ليست احتكار طبقة معينة من طبقات المجتمع العربي، وليست ممثلة لمصلحة طبقة معينة بالذات”، بل هي “حركة الشعب بأكمله، طبقات وأفراداً، حركة شاملة جامعة تنظّم تحت لوائها جميع العناصر الراغبة في السير مع قافلة الحرية في هذا الوطن العربي العزيز” (8).
وفي دفاعها عن مصالح العمال العرب الاجتماعية، أشارت عصبة التحرر الوطني إلى أن العمال العرب في فلسطين يعون أهمية تطوير وتدعيم الاقتصاد العربي، خصوصاً في ظل المنافسة الشديدة التي يتعرض لها من قبل الاقتصاد الصهيوني المتطوّر، ولكنهم “يفهمون أيضاً أن لهم نصيباً من هذا الاقتصاد في حالة ازدهاره ونموه، كما هو واقع الآن”. وأكدت بأن موقف العمال العرب من أصحاب العمل العرب يختلف تماماً عن موقفهم من أصحاب العمل الأجانب، وذلك “لعلمهم أن المشاريع الصناعية الأجنبية في فلسطين هي مشاريع احتكارية، تقف حجر عثرة في سبيل حرية بلادهم، وبالتالي سعادتهم وسعادة عائلاتهم”. وعلى هذا الأساس، فقد تنازل العمال العرب “في كثير من المناسبات عن كثير من حقوقهم التي يختلفون عليها مع صاحب العمل العربي، بينما [أصرّوا] على نيلها كاملة من صاحب العمل الأجنبي”، دون أن يعني ذلك أبداً ان يحاول أصحاب العمل العرب “أن يسلبوهم حقوقهم لهذا السبب، وإنما عليهم ان يساعدوا العامل في حمل رسالته المشرفة، بأن يتنازلوا له عن حقوقه ما أمكن، حتى يتمكن الفريقان من المساهمة في النضال الوطني مساهمة فعالة” (9).
والواقع، أن عصبة التحرر الوطني قد أدركت، لدى تحليلها لواقع فلسطين الملموس، أن الشعب الفلسطيني يختلف عن كل الشعوب والأمم الأخرى في العالم في كونه شعباً يفتقد إلى كيان سياسي مستقل، ويواجه احتلالاً استيطانياً اقتلاعياً، ويتوق، بمجموع طبقاته وفئاته الاجتماعية، إلى التحرر والاستقلال الوطني. وهذا الإدراك لحقيقة وجود قواسم مشتركة بين مختلف طبقات الشعب الفلسطيني في مرحلة التحرر الوطني هو الذي فرض على الشيوعيين الفلسطينيين، في إطار العصبة، الخروج من إطار الطبقة الضيق إلى رحاب الشعب.

*عصبة التحرر الوطني والنضال ضد النازية والفاشية*لم تكتسب فلسطين، قبل اندلاع الحرب العالمية الثانية، “مكانة خاصة” في سياسة ألمانيا النازية على الصعيد الدولي، حيث ” لم ترَ أجهزة الحكم النازي في التعاون مع الحركة الاستقلالية الفلسطينية، حتى أواخر الثلاثينيات، مصلحة ألمانية “، بل رأت هذه المصلحة ” في هجرة اليهود الألمان إلى فلسطين “. وبعد نشوب الحرب العالمية الثانية، نجحت بعض الأوساط في قيادة الحركة الوطنية العربية في فلسطين، وفي مقدمها مفتي القدس محمد أمين الحسيني، في إقامة صلات مع دولتي المحور، إيطاليا وألمانيا، وفقاً لتصوّر قام على أساس مقولة إن “عدو عدوي صديقي”. ومع أن هذه الصلات بقيت في حدود ضيقة، ولم تسفر عن دعم فعال من قبل دولتي المحور لنضال الشعب العربي الفلسطيني، إلا أنها تركت انعكاسات سلبية على نضال الشعب العربي الفلسطيني، وسمحت للحركة الصهيونية بتشويه صورة نضال هذا الشعب في العالم، وبخاصة بعد أن أمدتها الهمجية النازية إزاء اليهود وصور معسكرات العمل و الإبادة “باحتياط خُلُقي لا يمكن استنفاده خلال أعوام ما بعد الحرب” (10).
وقد عارضت عصبة التحرر الوطني تلك المواقف التي اتخذها المفتي، وأكدت بأن الشعب العربي الفلسطيني يقف، في هذه الحرب، في خندق القوى الديمقراطية العالمية المناضلة ضد الفاشية والنازية، حيث اعتبر أحد قادتها، وهو بولس فرح، أن الحركة الوطنية العربية في فلسطين هي “حركة تقدمية في مضمونها وجوهرها”، تستهدف “الوصول إلى أسباب الرقي الاجتماعي والثقافي والسياسي، لتمكّن الشعب العربي من السير مع قافلة البشرية الحرة”، وهي بالتالي “لا تستهدف الاعتداء على أحد، كالحركة النازية مثلاً” (11).
وفي نشرة داخلية، أصدرتها في 5 نيسان 1944، حددت العصبة المرحلة التي تمر بها فلسطين بأنها مرحلة التحرر الوطني، وقدّرت بأن شعوب العالم بأسره “تحارب اليوم في سبيل إعطاء كل شعب حقه في تقرير مصيره”، وأن هزيمة دول المحور ستعني “تحرير الشعوب، التي ستقرر مصيرها بنفسها”، معتبرةً بأن نضال الشعب الفلسطيني من أجل تحرره الوطني يلقى تأييد “جميع الشعوب المحبة للحرية، التي تناضل في هذه الحرب ضد الطغيان والعبودية، وشعارها “الموت للفاشستية والحرية للجميع”” (12).
عادت عصبة التحرر الوطني وأشارت، في نشرة داخلية أصدرتها في 12 نيسان 1944 بعنوان: “حركتنا الوطنية والقوى التحريرية العالمية”، إلى أن القضية الفلسطينية هي “جزء من القضية العالمية، قضية القضاء على النظم العنصرية، قضية استقلال جميع الشعوب ضمن أوطانها، وتآخي الشعوب ومساواتها، قضية سلام عالمي دائم”، وأن نضال الشعب الفلسطيني من أجل حريته واستقلاله هو جزء من نضال الشعوب “ضد النازية والفاشستية ونظمها العنصرية”، وهو جزء من نضال “الشعوب السوفياتية، والشعوب الانجليزية والأمريكية والفرنسية واليوغوسلافية وغيرها من الشعوب، المناضلة للقضاء على أكبر خطر يهدد الحريات الوطنية”. وأكدت، في هذا السياق، أهمية العمل على توحيد القوى التقدمية في العالم في “جبهة مناهضة للنازية والفاشستسة”، وقدّرت بان الحرب العالمية الدائرة تبشر بولادة عالم جديد، “عالم تعيش فيه الأمم محترمة حقوق بعضها البعض، وكل أمة ستدرك أن حرية غيرها هي الضمانة لحريتها واستقلالها” (13).

(يتبع)

//هوامش:
1. الشريف، د. ماهر، الأممية الشيوعية وفلسطين (1919-1928)، بيروت، دار ابن خلدون، 1980، ص 88-97 و ص 153-159.
2. الشريف، ماهر (جمع وتقديم)، فلسطين في الأرشيف السري للكومنترن، دمشق، دار المدى، 2004، ص 85.
3. الشريف، د. ماهر، الشيوعية والمسألة القومية العربية في فلسطين 1919-1948، بيروت، مركز الأبحاث-منظمة التحرير الفلسطينية، 1981، ص 70-73.
4. الشريف، الشيوعية والمسألة القومية العربية في فلسطين 1919-1948، ص 95-98 و ص 105-106؛ ميكونتس، صمويل، “معرفتي برضوان الحلو (موسى) منذ تشرين أول 1939″، في: رضوان الحلو سكرتير عام الحزب الشيوعي الفلسطين 1934-1943، رام الله، مركز فؤاد نصار، حزيران 2003، ص 57-62.
5. البديري، د. موسى، تطوّر الحركة العمالية العربية في فلسطين (مقدمة تاريخية ومجموعة وثائق 1919-1948)، القدس، دار الكاتب، 1980، ص 37-40 و ص 53-58.
6. مجلي، نظير، “مقابلة مع توفيق طوبي”، الجديد، حيفا، العدد الخامس، 1978، ص 9-10 و ص 43-50 و ص 53-58.
7. ناطور، سلمان، “مقابلة مع منعم جرجورة”، الاتحاد، حيفا، 2 آذار 1979، ص 3.
8. الدجاني، موسى، “حركتنا الوطنية حركة جماهير الشعب العربي”، عصبة التحرر الوطني في فلسطين، النشرة الثالثة، 23 شباط 1944، ص 1-5؛ فرح، بولس، “العمال العرب وقضية التحرر الوطني”، الاتحاد، حيفا، 18 حزيران 1944، ص 2.
9. فرح، بولس، “الاقتصاد الوطني والعامل العربي”، الاتحاد، حيفا، 10 أيلول 1944؛ شنير، خليل، “موقف حركتنا العمالية من أصحاب العمل”، الاتحاد، حيفا، 30 كانون الأول 1945.
10. عبد الغني، عبد الرحمن، ألمانيا النازية وفلسطين 1933-1945، بيروت، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 1995، ص 404-405.
11. فرح، “العمال العرب وقضية التحرر الوطني”، المصدر المذكور، ص 2.
12. عصبة التحرر الوطني في فلسطين، “إلى الوحدة العمالية”، داخلي، الأربعاء 5 نيسان 1944، ص 4.
13. عصبة التحرر الوطني في فلسطين، “حركتنا الوطنية والقوى التحريرية العالمية”، النشرة العاشرة، داخلي، الأربعاء في 12 نيسان 1944، ص 1-3.

Advertisements

About منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني

موقع منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني
هذا المنشور نشر في الماركسية. حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s