مسيرة ماركوس الى مكسيكو

مسيرة ماركوس الى مكسيكو

للمرة الاولى يخرج من السرية القائد المساعد ماركوس، قائد الجيش الزاباتي للتحرير الوطني. غادر ماركوس وهو لا يزال يعتمر قلنسوة الجبال غابة لاكندون في منطقة شياباس وبدأ منذ 24 شباط/فبراير مسيرته السلمية الى مكسيكو حيث وصل بعد ان اجتاز أكثر من 3000 كلم و12 ولاية من الاكثر فقراً وبعد ان شارك بين 1 و4آذار/مارس في المؤتمر الوطني للسكان المحليين في نوريو من اعمال ولاية ميشواكان.

ورافق ماركوس 23 قائداً آخر من الجيش الزاباتي كما واكبته شخصيات صديقة قادمة من العالم اجمع ( ومنها حامل جائزة نوبل خوسيه ساراماغو، المخرج السينمائي اوليفر ستون، النقابي خوسيه بوفه، الكاتب مانويل فاسكينز مونتالبان، السيدة دانيال ميتران) عند دخوله الحاشد الى مكسيكو وهو يسلك رمزياً المسار نفسه الذي اتخذه القائد المعروف اميليانو زاباتا ابان الثورة المكسيكية عام 1911. وعند ساحة زوكالو الواسعة، وسط العاصمة ووسط حشد من المؤيدين يقدر بمئات الآف الاشخاص أمكن ماركوس الصاخب ان يتوجه الى كل ابناء المكسيك ليقول باسم عشرة ملايين هندي: ” ها نحن، الكرامة الثائرة، قلب الوطن المنسي”.

قبل ايام على مسيرته استقبلنا ماركوس محاطاً بالكومندان تاشو والماجور مويس، على بعد الف كلم جنوب مكسيكو، في قرية لارياليداد (450 نسمة) الصغيرة القائمة على علو 1500 متر عند المنحدر الممطر لاحد الجبال المغطاة بالادغال الكثيفة وبالقرب من مركز قيادته السري.

يشرح لنا مسيرة الزاباتيين الى مكسيكو وهو يغطي وجهه بالكاغول الدهري، بيده هاتف متصل بالاقمار الصناعية، على رأسه قبعة رثّة لا لون لها وفي كتفه رشاشه القديم: “انها ليست مسيرة ماركوس ولا مسيرة الجيش الزاباتي للتحرير الوطني، انها مسيرة جميع الشعوب الهندية. تريد ان تبرهن ان زمن الخوف ولّى. هدفنا الرئيسي اعتراف الكونغرس المكسيكي بالشعوب الاصلية بصفتها القانونية الجماعية. فدستور المكسيك لا يعترف بالهندي. نريد من الدولة ان تقرّ بان المكسيك مكوّنة من شعوب مختلفة وبأن الشعوب الاصلية تمتلك تنظيمها السياسي والاجتماعي والاقتصادي الخاص. وانها تقيم علاقة وثيقة مع الارض والجماعة والجذور والتاريخ. لا نطالب بحكم ذاتي يرفض الآخرين ولا بشكل من اشكال الاستقلال. لا نريد اعلان ولادة امة المايا او تقسيم البلاد بلداناً صغيرة اصلية متعددة. نطالب بالاعتراف بحقوق قسم كبير من المجتمع المكسيكي الذي يمتاز باشكاله التنظيمية الخاصة وتشريع هذه الاشكال. اننا نهدف الى السلام. سلام قائم على الحوار غير الخادع. حوار يسمح لنا بارساء قواعد اعادة بناء الشياباس ويسهل ادخال الجيش الزاباتي في الحياة السياسية العادية. لن يحل السلام الا اذا تم الاعتراف بالحكم الذاتي للشعوب الاصلية. ويشكل هذا الاعتراف شرطاً مهماً لدفع الجيش الزاباتي الى رمي السلاح نهائياً والخروج من السرية والمشاركة العلنية بالحياة السياسية وايضاً التصدي لمشاريع العولمة بما تحمله من اخطار”.

بعد تسعة اشهر من الصمت جاء إعلان هذه المسيرة اشبه بوقع القنبلة وقد اعلنها ماركوس في بيان اصدره يوم الثاني من كانون الاول/ديسمبر2000 غداة تسلم رئيس المكسيك الجديد مقاليد الحكم. فقد فوجئت الطبقة السياسية بهذه المبادرة الجريئة التي اطلقت في لحظة دقيقة. فالحزب الثوري المؤسساتي الحاكم منذ سبعين عاماً خسر الانتخابات الرئاسية في 2 تموز/يوليو 2000 في مواجهة فيسانته فوكس مرشح حزب العمل الوطني اليميني. وخلافاً لما اعترى انتخاب الرئيسين السابقين كارلوس ساليناس ( 1988-1994) وارنستو زيديو (1994-2000) من شكوك بالتزوير والفساد، فان اختيار فيسانته فوكس اعتبر بالاجماع ترجمة لحقيقة صناديق الاقتراع. وللمرة الاولى منذ فترة طويلة تتمتع رئاسة فوكس، الذي تسلم مقاليد الحكم في 1 كانون الاول/ديسمبر2000، بشرعية لا جدال فيها.

ويقر ماركوس في رسالة مفتوحة وجهها الى الرئيس الجديد بالقول: “ايها السيد فوكس، خلافاً لسلفك زيديو (وصل الى السلطة من طريق الجريمة وبمساعدة من مسخ الفساد المتمثل بنظام حزب الدولة) انك تفوز برئاسة السلطة التنفيذية الفيديرالية بفضل الرفض الذي سعى اليه بعناية الحزب الثوري المؤسساتي في اوساط الشعب. تعرف جيداً يا سيد فوكس انك ولو ربحت الانتخابات فليس انت الذي الحق الهزيمة بالحزب الثوري المؤسساتي. المواطنون هم الذين قاموا بذلك وليس فقط هؤلاء هم الذين صوّتوا ضد حزب الدولة بل ايضاً الاجيال السابقة والحالية التي قاومت بشكل او بآخر وحاربت ثقافة التسلط والافلات من العقاب، تلك الثقافة التي توالت حكومات الحزب الثوري على بنائها طوال 71 عاماً ” [1].

كان الرئيس فيسانته فوكس قد وعد خلال الحملة الانتخابية بايجاد حل سلمي وسياسي للمشكلة الزاباتية ” في غضون ربع ساعة “. وتفاجئ مسيرة ماركوس الرئيس في وسط ” فترة السماح ” وتجبره على فتح ملف السكان الاصليين الشائك من دون تأجيل. ويقول لنا الكاتب كارلوس مونسيفاس الذي تحادث لتوه مطولاً ايضاً مع ماركوس [2]: ” ان تنظيم المسيرة فكرة مبتكرة. فالسلطة باتت مرغمة على اتباع جدول زمني للمفاوضات يحدده ماركوس الذي استرجع زمام المبادرة بهذه الطريقة. وفوكس مرغم على الموافقة ليس فقط بسبب الضغط المحلي والدولي في هذا الاتجاه بل لانه يعرف ان مجيء ماركوس للتفاوض مع السلطات الجديدة في مكسيكو يعني اعترافاً منه بشرعيتها وهذا ما كان يقرّ به لساليناس وزيديو المعتبرين في نظر الزاباتيين وفي نظر قسم كبير من المكسيكيين بمثابة مزورين وغشاشين ومغتصبين للسلطة “.

ويضيف عالم الاناسة اندري اوبري، المسؤول عن المحفوظات الرعوية في سان كريستوبال لاس كازيس، والمقرب من الاسقف السابق المونسنيور صموئيل رويز: ” ان ما يطالب به ماركوس ليس بالامر العسير في نهاية المطاف. انه اذ يقوم بتنظيم هذه المسيرة ينذر الرئيس فوكس بضرورة تحديد الامة المكسيكية التي ينوي بناءها. ويطالب ماركوس فقط بان يكون الهنود جزءاً من هذه الامة “.

تميزت ردة فعل الرئيس فيسانته فوكس ببرودة الاعصاب اذ انه بعد استيعاب المفاجأة قابل ايجابياً مشروع المسيرة الزاباتية. وبعدما هدّأ من روع بعض المتطرفين في معسكره من امثال حاكم ولاية كيريتارو الذي اتهم القياديين الزاباتيين بالخيانة وهددهم بالموت، انتهى الامر بالرئيس فوكس الى اعتبار المسيرة ” املاً للمكسيك “. هل كان في امكانه ان يتصرف بعكس الرئيس اندريس باسترانا، في كولومبيا، والذي قام في 8 شباط/فبراير 2001، بزيارة المنطقة التي تسيطر عليها كبرى فصائل الثوار من اجل التحادث وجهاً لوجه مع زعيم التمرد الاسطوري، مانويل مارولندا المعروف بـ” تيروفيجو” ؟ وفي سبيل طمأنة المستثمرين المحتملين اعلن السيد فوكس منذ 26 كانون الثاني/يناير الماضي في دافوس: ” يجب ان لا يخشى احد مسيرة الجيش الزاباتي الى مكسيكو. لا يفترض بنا ان نخاف ادخال جميع المكسيكيين في اطار مشروع يسمح بتقدم جميع الاطراف. ستكون المسيرة سلمية وعلينا التوصل الى اتفاق سلام في شياباس” [3].

وقد تحوّل الرئيس فوكس في وقت لاحق داعية فعلية من دعاة المسيرة: ” ان حكومتي تؤيد المسيرة. يجب علينا ان نصدّق الجيش الزاباتي للتحرير الوطني ونعطيه الفرصة لكي يبرهن عن رغبته الحقيقية في السلام. يدور الرهان حول ديموقراطيتنا الناشئة وعلينا ان نبرهن انها تتميز بالمرونة الكافية لاستيعاب كل اشكال التفكير حتى الاكثر تطرفاً من بينها” [4].

لم يتردد السيد فوكس اخيراً في استخدام حجج الزاباتيين نفسها للتذكير بالمصير المخزي للهنود: “خمسة قرون من الحال المشينة تكفي! تجاهل السكان الاصليين والعجزعن اشراك الفقراء والمهمشين! لقد اخضع هنود المكسيك الى كل المهانات العرقية والى سياسات عامة وخاصة ادت الى اقصائهم وابعادهم عن التربية والتنمية ومنعهم من التعبير كمواطنين احرار لهم حقوقهم” [5].

وقد ادت حماسة فوكس للمسيرة الى ازعاج ماركوس الذي قال لنا: ” ان الرئيس يحاول الان امتلاك المسيرة الزاباتية وقد يصل به الامر الى التعريف عنها كأنها مسيرة فوكسية. والهدف من هذه الخطة ممارسة الضغط على الجيش الزاباتي باقناع الجميع ان السلام حصل في شكل من الاشكال واذا لم يوقّع يتحمل الزاباتيون وحدهم المسؤولية. انه نوع من الابتزاز. يسعى الى الحصول على استسلام الجيش الزاباتي من دون شروط. وهو يعرف تماماً اننا نطالب قبل البدء بالمفاوضات في حد ذاتها، بثلاث اشارات متواضعة تدل على حسن النية من جهته وهي: اطلاق جميع المساجين الزاباتيين، سحب الجيش من سبعة مواقع عسكرية والتصديق على اتفاقات سان اندريس حول حقوق السكان الاصليين والتي وقعها الحكم عام 1996 وبقيت حبراً على الورق “.

عندما انطلقت المسيرة في 24 شباط/فبراير لم تكن السلطات قد حررت سوى 60 معتقلاً زاباتياً من اصل حوالى المئة والقوات المسلحة لم تنسحب الا من اربعة مواقع من اصل السبعة التي طالب بها ماركوس بينما بقيت اتفاقيات سان اندريس من دون تصديق. ويقول اندريه اوبري: ” اذا كان فوكس عاجزاً عن تحقيق شروط الزاباتيين الثلاثة فهذا يعني انه لا يحكم فعلاً وغير قادر على اعطاء الاوامر وانه ليس القائد بل ان الجيش اقوى منه. في النهاية جرى التقليد في المكسيك منذ العام 1920 على حلّ المسائل السياسية بالطريقة العسكرية. هذا ما حاول القيام به سلفاه ساليناس وزيديو مع الزاباتيين لكنهما فشلا. اذا اراد فوكس النجاح واذا كان يسعى فعلاً لاحلال السلام كما يدّعي باستمرار فعليه ان يبرهن انه فعلاً الرئيس ويأمر الجيش ويقبل بشروط الزاباتيين الثلاثة كبادرة حسن نية. هؤلاء من جهتهم برهنوا على ارادتهم في السلام عندما غادروا الغابات واتجهوا الى مكسيكو وهم عزل. وقال ماركوس ان امام الرئيس مهلة حتى 11 آذار/مارس ونهاية المسيرة ليقبل بالشروط. ان المسألة تستحق جهداً من الرئيس اذ ان المطروح هو مصير الهنود. ولهم في ذمة المكسيك دين كبير”.

الواقع ان السكان الاصليين تعرضوا طوال القرون الخمسة الماضية الى الابادة الجزئية والطرد والاستغلال والاذلال وعانوا ظروف معيشة مخزية. ان هذه العذابات بالتحديد والتي عاناها هنود الشياباس تحت نير الفاتحين هي التي يتحدث عنها الراهب الدومينيكاني المعروف برتولومي دي لاس كازاس، اسقف سان كريستوبال، في كتابه” مختصر رواية تهديم الهند” (1522). وتسمح شهادته الدامغة بتخيل ما كان فتح اميركا يمثل من كابوس بالنسبة الى السكان الاصليين.

لم يتحسن وضع الهنود بعد استقلال المكسيك عام 1810 ولا حتى بعد ثورة 1911 التي حصلت باسم ” الارض والحرية “. فاستمر الاهمال والاستغلال والاحتقار اضافة الى الابادة البطيئة التي صار يمارسها كبار مُلاّك الارض من مزارعي القهوة او الكاكاو تساعدهم في ذلك عصابات من القتلة المرتزقة ومن الميليشيات شبه العسكرية. وما زال الدستور لا يعترف بوجود الشعوب الاصلية (10 في المئة من السكان). وبحجة ان الاكثرية خلاسية يمجد المكسيكي رسمياً صورة الخلاسي ويتجاهل لا بل يحتقر الهنود.

ويوضح القائد ماركوس قائلاً: ” من بين جميع سكان المكسيك الاكثر تجاهلاً هم الهنود. يعتبرون مواطنين من درجة ثانية، نوعاً من الازعاج بالنسبة الى البلد. لكننا لسنا نفايات. نحن ننتمي الى الشعوب ذات التاريخ والحكمة الغارقة في القدم. ورغم انها تداس وتنسى فانها لم تمت. لا بل نطمح لنكون مواطنين كسائر المواطنين ونريد ان نكون جزءاً من المكسيك من دون ان نفقد خصوصيتنا و من دون ان نرغم على التخلي عن ثقافتنا أي في المختصر ان نبقى اصليين. لنا دين في ذمة المكسيك. دين قديم يصل الى قرنين، ولن يتمكن من سداده الا بالاعتراف بحقوقنا”.

وما زال الهنود ضحايا ابادة عرقية صامتة. فهم المنسيون من الجميع، “البعيدون عن الانظار” يشاهدون لغتهم وقيمهم العرقية تنطفئ بلا رحمة. ثار الزاباتيون والقائد ماركوس ضد هذه الحتمية.

تجذر الزاباتيون في جبال الشياباس الخضراء والغابات الرطبة في اقصى جنوب المكسيك بالقرب من الحدود مع غواتيمالا ليستنكروا منذ سبع سنوات الوضع المأسوي لجماعات السكان الاصليين. يقول لنا المفكر والاديب كارلوس مونيمايور، صاحب كتاب لا غنى عنه لفهم جذور الثورة الزاباتية بعنوان “شياباس او ثورة السكان الاصليين في المكسيـك” [6]: “ان يكون الانسان هندياً في المكسيك لا يعني فقط ان يتسم بمظهر خارجي معين بل ان يتكلم اللغة الهندية ويقيم فوق ارض الاجداد ويمارس العادات والتقاليد وينتسب الى القيم فوق العريقة للجماعة التي يعيش في كنفها… باستثناء جماعة زوكس المنتسبين الى البوبولوكاس والميكسس، نجد ان اكثرية المجموعات تنتمي الى عائلة المايا المكسيكية: تزوتزيلس، تزيلتاليس، تشولس، توخولاباليس، لاكاندونيس، ماميس، موتشوس، كاكشيكيليس أي 12 مجموعة لغوية. لكن الهجرات الكبرى الحديثة قد غيرت في عمق التكوين الاجتماعي والايديولوجي والسياسي لمختلف اقاليم ما يسمّى غابة لاكاندون والتي تمثل القاعدة الاجتماعية الرئيسية للجيش الزاباتي. ويمكن التقدير بان هناك 200 الف من السكان الاصليين على الاقل ومن المنتمين الى اتنيات مختلفة يدعمون بشكل او بآخر الجيش الزاباتي في الشياباس”.

وتمتلك ولاية شياباس حقول نفط واسعة واكبر مخزون من الغاز كما انها تزود البلد نسبة 40 في المئة من الطاقة المائية – الكهربائية مما سمح للمكسيك بتوفير الكهرباء للولايات المتحدة حيث حصل نقص فاضح في ولاية كاليفورنيا في شهر كانون الاول/ديسمبر المنصرم… ويلاحظ عالم الاجتماع هيرمن بالينغهوس احد اهم الخبراء في التمرد الزاباتي: “رغم ثروته الهائلة فان ثلث اولاد الشياباس ما زالوا خارج المدارس ولا يصل الى الجامعة اكثر مما نسبته واحد في المئة من التلامذة. تتجاوز الامية نسبة 50 في المئة عند السكان الاصليين وتزيد نسبة الوفيات في صفوفهم 40 في المئة عن سكان العاصمة…”. وفي الاول من كانون الثاني/يناير 1994 اعلن القائد المساعد ماركوس والجيش الزاباتي للتحرير الوطني التمرد من اجل الاعتراض على مصير الهنود ولفت الانتباه الدولي بصورة دراماتيكية الى ظروف معيشة هذه الجماعات البشرية التي تعتبر من الاكثر تعرضاً للاهمال في العالم. وبعد معارك سقط فيها عشرات القتلى احتل الزاباتيون في ذلك اليوم اربع مدن رئيسية في شياباس منها سان كريستوبال دي لاكازس وتعدّ 50 الف نسمة.

ويعلق هيرمن بلنغهوسن : ” لكن في الوقت نفسه وهنا تكمن فرادة هذه الحركة، ادرك ماركوس ان زمن حروب العصابات التقليدية ولّى خصوصاً من النوع الذي عرفته اميركا اللاتينية طوال النصف الثاني من القرن العشرين. وان نهاية الحرب الباردة وسقوط جدار برلين عام 1989 وزوال الاتحاد السوفياتي عام 1991 وهجوم العولمة قد غيرت بشكل جذري المعطى الجيوسياسي واحدثت تغييراً في بنية السلطة وان قوى غير القوى السياسية وحدها باتت تقود مصير الدول وفي طليعة هذه القوى: الاسواق المالية ومنطق المبادلات الحرة واحد تعبيراتها اتفاقية التبادل الحر لاميركا الشمالية”.

لذلك اختار الزاباتيون 1 كانون الثاني/يناير 1994، يوم دخول اتفاق التبادل الحر لاميركا الشمالية حيّز التنفيذ بين المكسيك والولايات المتحدة وكندا ليدخلوا بقوة في الحياة السياسية المكسيكية. ومع دفاعه عن قضية الهنود اطلق ماركوس في ذلك اليوم اول تمرد رمزي ضد العولمة. ولم تتكاثر اشكال الاعتراض على هذه الظاهرة الا في وقت لاحق مع التعبئة الدولية ضد اتفاقية الاستثمار المتعددة الطرف عام 1998 وتظاهرات سياتل ضد اجتماع منظمة التجارة العالمية عام 1999 وكذلك في دافوس عام 2000 ضد ” اسياد العالم”. كان ماركوس اول من حاول التنظير للعلاقة المفصلية بين منطق العولمة وتهميش فقراء الجنوب. يقول ماركوس: ” ابتداء من سقوط جدار برلين ظهرت سلطة عليا جديدة وراحت تتطور بدافع من السياسات النيوليبيرالية. ان المنتصر الاكبر في الحرب الباردة التي يمكن تسميتها الحرب العالمية الثالثة هي الولايات المتحدة الاميركية لكن بدأ بالظهور مباشرة فوق هذه القوة التوسعية ما يمكن تسميتها السلطة المالية العليا التي راحت تصدرالتعليمات الى الجميع. هذا ينتج ما يعرف عموماً بالعولمة. ان المثال الاعلى للعولمة يتجسد في عالم يتحول شركة كبرى يديرها مجلس ادارة مؤلف من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة التجارة والتعاون ومنظمة التجارة العالمية ورئيس الولايات المتحدة. ضمن هذا الاطار يصير حكام كل بلد من البلدان بمثابة ممثلين لمجلس الادارة هذا أي نوع من المديرين المحليين. وما اطلقتم عليه انتم في ” لوموند ديبلوماتيك ” تسمية “الفكر الواحد” هو المكلف تأمين الرابط الايديولوجي لاقناع الجميع ان لا مفرّ من العولمة وان أي اقتراح آخر هو خرافي وطوباوي وعديم الواقعية. على الصعيد العالمي، المعركة الكبرى الدائرة حالياً، والتي يمكن تسميتها الحرب العالمية الرابعة تشهد مواجهة بين انصار العولمة من جهة مقابل جميع الذين يواجهونها في شكل من الاشكال. كل ما يحول دون تقدم العولمة بات مهدداً بالدمار”.

ما علاقة ذلك بالوضع المأسوي للسكان الاصليين؟ يضيف ماركوس: “ان العولمة في سياق هجومها التوسعي تستخدم عناصر الثقافة. وهي تهدف الى توحيد العالم ثقافياً. ان العولمة الاقتصادية تعني الى حد ما عولمة نمط الحياة في الولايات المتحدة. مقاييس السوق تفرض نفسها في كل مكان. وهي باتت تتحكم ليس فقط بآلية عمل الحكومات بل ايضاً بوسائل الاعلام والمدرسة وصولاً الى العائلة. لا مكان للفرد في المجتمع الا بمقدار ما ينتج ويشتري. وتالياً فان معايير السوق تلغي قسماً غير مربح من البشرية. وهذا يطاول جميع السكان الاصليين في اميركا اللاتينية. فالعولمة تصر على الغائهم، من طريق حرب مفتوحة اذا اقتضى الامر او بواسطة حرب صامتة عند الضرورة، بحجة ان الهنود غير مفيدين لدينامية العولمة وغير قادرين على الاندماج فيها الى حد انهم قد يتحولون الى مشكلة كبيرة بسبب تمردهم المحتمل”.

يقود ماركوس نضالاً ملموساً داخل جماعات السكان الاصليين في شياباس ويقدم في الوقت نفسه وجهة نظره حول المعركة التي يخوضها فيضعها ضمن الاطار الجيوسياسي الدولي وضمن اطار المسار الراهن للعولمة [7] … انه صنف من المثاليين العمليين، يعتمد الاستراتيجيا الاعلامية فيستخدم شبكة الانترنت سلاحاً ليغرق العالم بالبيانات والنصوص والتحليلات والحكايات والامثال والاشعار. يقيم علاقات تضامنية مع مئات الجمعيات المدنية وعشرات الشخصيات الملتزمة شؤون الدفاع عن الاقليات. ويتبين ان قوتهم الاعلامية الضاربة اكثر فرادة وفي نهاية المطاف اكثر فاعلية من قوة الدولة المكسيكية. منذ 12 كانون الثاني/يناير 1994 أي بعد 11 يوماً على بداية الانتفاضة تخلى ماركوس عن الخيار المسلح. فتوقف الزاباتيون عن اطلاق طلقة واحدة ليعتمدوا منذ ذلك التاريخ سياسة لاعنفية من اجل الدخول الى القلوب والعقول كسباً للرأي العام الدولي.

يمتاز ماركوس بشعبيته واطلاقه اسلوباً جديداً فيالعمل السياسي مجرداً من العجرفة والادعاء اضافة الى موهبته الكتابية المليئة بالسخرية والدعابة وهو يستشهد عن طيبة خاطر بمؤلفيه المفضلين المعروف عنهم، وعلى غرار غرامشي، تشاؤمهم بالعقل وتفاؤلهم بالارادة: سرفانتيس، لويس كارول، برتولد بريخت، خوليو كورتازار، بورخيس…

هكذا نفهم لماذا لا يطالب ماركوس، السائر الى مكسيكو، بالسلطة. فهو يؤكد مبتسماً: “المشكلة ليست في الوصول الى السلطة فلقد بات معروفاً ان مركز السلطة فارغ وان النضال من اجل السلطة هو نضال من اجل الكذب. المطلوب في زمن العولمة بناء علاقة جديدة بين السلطة والمواطنين. واذا تم توقيع السلام فان الجيش الزاباتي سوف يقلع عن نمط العمل السياسي الذي انتهجه حتى الان. سيقوم بسياسة مختلفة من دون قلنسوات ومن دون اسلحة ولكن في خدمة الافكار نفسها. ذلك اننا تعلمنا ان نكون نوعاً من مرآة واننا نعكس على طريقتنا حركات مقاومة اخرى في العالم. لذلك نشعر باننا متضامنون مع نضالات اخرى. مثلاً نضال المثليين من الجنسين والذين يتعرضون لكل اشكال الاضطهاد والتمييز. او نضال المهاجرين الذين يواجهون في كل مكان تقريباً باجهزة عنصرية. يراد من الناس ان يتنكروا لخصوصياتهم ولون بشرتهم واصلهم ومسقط رأسهم. يراد لهم ان يشعروا ان ولادتهم بهذا اللون وفي هذا المكان جريمة. وانهم يجب ان يعاقبوا عليها”.

متى ينزع ماركوس قلنسوته؟ اجاب عن هذا السؤال الذي طرحه عليه ريجيس دوبريه عام 1996 [8]: “يوم يستطيع السكان الاصليون التمتع بحقوق البيض نفسها في أي مكان من الجمهورية. يوم ينتهي نظام الدولة-الحزب ولا تعود الانتخابات مرادفاً للتزوير”. تحقق الشرط الاول رغم الصعوبة في تصديقه وقد يتحقق الشرط الثاني اذا نجحت المسيرة وصدق السيد فوكس.

اعدت طرح السؤال عليه بينما كان يهبط الليل ويتساقط المطر وتنتشر الظلال شيئاً فشيئاً في لارياليداد التي لا تعرف الكهرباء حتى الآن، فاجابني ماركوس: “ما هو اكيد اننا نود التخلص في اسرع وقت من القلنسوة والسلاح لاننا نريد ممارسة العمل السياسي على المكشوف. لكننا لن نخلع القلنسوة مقابل مجرد وعود. يجب الاعتراف بحقوق الهنود. واذا لم تقم السلطة بذلك فلن نحمل السلاح مجدداً فقط بل سنلجأ الى السلاح ايضاً حركات اكثر راديكالية واكثر تعصباً واكثر يأساً وعنفاً منا. ذلك ان من شأن المشكلة الاثنية عندنا او في أي مكان آخر ان تخلق حركات اصولية مستعدة لارتكاب الجنون القاتل. في المقابل اذا جرت الامور على ما يرام وصار الاعتراف اخيراً بحقوق الهنود لن يعود ماركوس مساعد القائد ولا الزعيم ولا الاسطورة. سيصير جلياً آنذاك ان سلاح الجيش الزاباتي الرئيسي لم يكن البندقية بل الخطاب، الكلمات. وعندما ينجلي غبار تمردنا سيكتشف الناس حقيقة جوهرية وهي ان ماركوس كان مقاتلاً مثل غيره عبر هذا النضال والمقاومة والتفكير. لذلك اكرر دائماً القول: اذا اردت ان تعرف من هو ماركوس المتخفي وراء قلنسوته، أمسك مرآة وانظر الى نفسك: ان الوجه الذي ستراه فيها هو وجه ماركوس. لاننا جميعاً ماركوس”.

هبط الليل على لارياليداد. مجرات من الحباحب تلمع في العتمة. ماركوس واثنان من رفاقه الزاباتيين ضاعوا في الغابة من فرط انشغالهم بتنظيم المسيرة فابتلعهم النبات والظلال. على نجاح هذه المسيرة يتوقف الى حد كبير مصير الشعوب الهندية في المكسيك. لكن هل تنجح؟ تصلنا كلمة من الكاتب خوسيه ساراماغو تعيد الامل الى الجميع: “لقد اخفى الزاباتيون وجوههم كي يظهروا للعيان وبالفعل ها نحن قد رأيناهم اخيراً. انهم يسيرون الآن الى عاصمة المكسيك. ويوم يدخلون اليها في 11 آذار/مارس ستصير مكسيكو عاصمة العالم”.

[1] رسالة من ماركوس الى رئيس المكسيك الجديد.

[2] La Jornada, Mexico, 8/1/2001.

[3] Proceso, Mexico, 4/2/2001.

[4] Excelsior, Mexico, 18/2/2001.

[5] La Jornada, 15/2/2001.

[6] Carlos Montemayor,”Chiapas la rébellion indigène du Mexique”, traduit de l’espagnol par Rémy Kachadourian, Paris, à paraître fin mars 2001.

[7] Marcos, Desde las monta as del Sureste mexicano, Plaza y Janès, Mexico, 1999.

[8] Régis Debray “La guérilla autrement”, Le Monde, 14/5/96.

Advertisements

About منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني

موقع منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني
هذا المنشور نشر في حول العالم, شخصيات ثورية. حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s