البرجوازية الموحدة تفكك البروليتاريا

البرجوازية الموحدة تفكك البروليتاريا

سامح سعيد عبود سامح سعيد عبود
sameh562001@yahoo.com –>
2010 / 10 / 23

البرجوازية الموحدة تفكك البروليتاريا

لا توجد طبقة بروليتارية واحدة بل طبقات بروليتارية، فجوهر البروليتارية هو التجرد من مصادر السلطة المادية (وسائل الإنتاج والعنف والمعرفة) ومن ثم الاضطرار لبيع قوة العمل المأجور، أما البرجوازية فجوهرها هو حيازة مصادر السلطة المادية وشراء قوة العمل المأجور، والصراع بينهما هو صراع بين العمل و رأسالمال، أما البروليتاريا الصناعية، فهى البروليتاريا بالمعنى الدقيق، وهم عمال المنشئات الصناعية الرأسمالية، وهم يختلفون عن البروليتاريات الأخرى الذين يشترك أفرادها معهم فى حالة “البلترة”، وهى عكس حالة “البرجزة”، التى توحد البرجوازيات المختلفة، و البروليتاريون يتنوعون ما بين عمال القطاع الحكومى، وعمال القطاع الرأسمالى، وعمال القطاع الرأسمالى الصغير، الرسمى منه وغير الرسمى، وأخيرا البروليتاريا الرثة، هذا من جهة، و ينقسمون أيضا من جهة أخرى القطاع الذى يعملون به، فعمال الصناعة غيرهم غير عمال الزراعة و كليهما غير عمال الخدمات، و بالمعنى الدقيق، فالبروليتاريا الصناعية قطاع صغير الحجم و متقلص اجتماعيا، وإن كان من بين الطبقات البروليتارية الأخرى هو الأكثر قدرة على قيادة التغيير الاجتماعى.
الطبقات البروليتارية، وإن كانت توحدها مصالح مشتركة فى أجور أعلى، وساعات عمل أقل، وأسعار أرخص، وفى التحرر فى النهاية من عبودية العمل المأجور، إلا أنها تتباين فى وعيها، و فى إمكانيتها الثورية، وقدراتها النضالية، وفى علاقتها بإنتاج القيمة المضافة، وفى طبيعة عملها، وعلاقتها مع البرجوازيين والبيروقراطيين، وهذا يخلق تناقضات بين الطبقات البروليتارية نفسها، و يعمل على تفتيتها.
الطبقات البرجوازية تستمد وجودها واستمرار هيمنتها الاجتماعية، من قدرتها العالية على تفكيك الطبقات البروليتارية بشتى السبل، وتحويلها لمجرد أفراد معزولين عن بعضهم البعض حتى يسهل عليها استغلالهم وقهرهم وتضليلهم، كما تواصل الطبقات البرجوازية مقاومتها لأى جهود لتوحيد الطبقات البروليتارية فى مواجهتها، كما تقاوم الطبقات البرجوازية بشتى السبل وصول الطبقات البروليتارية للوعى بذاتها على تناقض جوهرى مع الطبقات البرجوازية، سواء على مستوى وحدة العمل أو الدولة أو العالم. ومن ثم فإن تلك اللحظات التى حققت فيها الطبقات البروليتارية انتصاراتها الجزئية والمؤقتة على البرجوازية عبر التاريخ، ما كان لها أن تتحقق إلا بفضل توحدها و وعيها بذاتها، سواء أكان هذا على مستوى وحدة العمل أو على مستوى الدولة البرجوازية، إلا أن التحرر النهائى للطبقات البروليتارية من خضوعها للبرجوازية، لن يتحقق إلا بتوحد الطبقات البروليتارية عالميا فى مواجهة الطبقات البرجوازية عالميا على حد سواء.
البرجوازية تدرك أن توقف الطبقات البروليتارية كجماعة بشرية متحدة عالميا عن الخضوع لها، يعنى توقف العملية التى تشكل جوهر المجتمع البرجوازى، و يعنى توقف سيطرتها على إنتاج الاحتياجات المادية، كما يعنى فى النهاية توقف البرجوازية عن الاستحواذ على الثروة الاجتماعية، وشل آلة عنفها، وتوقف هيمنتها الفكرية على الطبقات البروليتارية، ومن هنا فأنها تسعى لنزع الأسلحة التى تملكها الطبقات البروليتارية، وهى وحدتها ووعيها بمصالحها الطبقية المشتركة، و الخلاصة أن البرجوازية تكافح باستمرار من أجل تفكيك الطبقات البروليتارية بوسائل مختلفة كما سيتضح مما يلى.
تتعمد البرجوازية أن تعطى العمال أجورا غير متساوية على نفس الإنتاجية، فالعمال فى بلاد المركز المتقدمة يحصلون على أجور عالية بالنسبة لأجور العمال المنخفضة فى بلاد الأطراف المتخلفة، وذلك فى حالة تساويهما فى نفس الإنتاجية، كما تتعمد البرجوازية أن تمارس نفس تلك السياسة فى نطاق البلد الواحد و الصناعة الواحدة، فتتفاوت الأجور على نفس الإنتاجية بين عمال القطاع الحكومي و عمال القطاع الخاص، و بين العاملات والعاملين، وبين العمال البيض والعمال الملونين، وبين العمال المؤقتين و العمال الدائمين، و بين العمال المهاجرين و العمال الأصليين، بين العمال لدى الشركات متعدية الجنسية و العمال لدى الشركات المحلية، مما يضعف من فرص توحد الطبقة البروليتارية ككل فى مواجهة البرجوازية ككل، سواء على النطاق العالمى أو حتى على النطاق المحلى أو على نطاق الصناعة الواحدة أو على نطاق وحدة العمل الواحدة.
العمال الأعلى دخلا يجدون أنفسهم فى وضع عمل أفضل من العمال الأقل دخلا، مما لا يدفعهم للتضامن مع العمال الأقل دخلا فى نضالهم من أجل تحسين شروط حياتهم وعملهم، بل أنهم قد يكافحون من أجل الإبقاء على أوضاعهم المتميزة فى مواجهة أصحاب الأجور الأقل، و قد يتقاعسون عن النضال لتحسين شروط عملهم خوفا على وضعهم المتميز من الضياع، و خوفا من أن يلحقهم التدهور لمستوى العمال الأقل دخلا، أما العمال الأقل دخلا فيوجهون غضبهم وسخطهم ضد العمال الأعلى دخلا بدلا من توجيهه ضد أصحاب العمل، و يتبنى العمال الأقل دخلا الحلم الفردى بالانتقال للقطاعات و وحدات العمل و البلاد الأكثر ارتفاعا فى الأجور كلما تيسر لهم ذلك، بدلا من النضال الجماعى من أجل تحسين شروط عملهم و رفع أجورهم لمستوى أعلى، و فى النهاية يعجز كل العمال سواء الأعلى أجرا منهم أو الأقل أجرا على توحيد مواقفهم و نضالهم من أجل تحسين شروط حياتهم وعملهم، ذلك أن هذا التفاوت فى الأجور يضعف قدرتهم معا على المساومة الجماعية. ففى إطار تلك المساومة سيواجهون معضلة تحديد ما هى مطالب زيادة الأجر المشتركة و الممكنة بين عمال يحصلون على أضعاف ما يحصل عليه عمال آخرون على نفس الإنتاجية.
تفرق البرجوازية بين الطبقات البروليتارية على أساس المؤهل الدراسى، فتعتبر أن كل الحاصلين على مؤهلات دراسية عالية ليسوا عمالا، وتطلق عليهم ألفاظا لا تنطبق عليهم بالضرورة لمجرد حصولهم على مؤهل دارسى، ومن أسخف هذه التعبيرات” المثقفين ” والذى ينطبق بالتعريف العلمى للمثقفين على بعض غير الحاصلين على أى مؤهلات دراسية أصلا، وتميز هؤلاء المتعلمين سواء فى ما يحصلون عليه من أجور و امتيازات نقدية و عينية، و تضفي عليهم وسائل الإعلام والثقافة والتعليم الإحساس بالتميز والتفوق، الأمر الذى يشبع غرورهم الإنسانى، و يضخم من ذواتهم، وهو تميز لا يعبر عن فروق جوهرية بين العمال المتعلمين وغير المتعلمين ، من حيث قيمتهم المعرفية أو قيمتهم الإنتاجية، غير أن ما تفتحه الرأسمالية أمام المتعلمين من فرص الصعود إلى الطبقات البيروقراطية فى الإدارة، يعزلهم عن الاندماج فى الطبقات البروليتارية، والحقيقة أن وضعهم باعتبارهم طبقة متميزة عن باقى الطبقات البروليتارية فى التقسيم الاجتماعى غير متسق مع معيار العلاقة بمصادر السلطة المادية كمعيار علمى لهذا التقسيم، فنحن نعتبر كل مالك مصنع رأسمالى سواء أكان أميا أم حاصل على أعلى الشهادات الدراسية، و لا نقسم الرأسماليين وفق شهاداتهم الدراسية حيث توحدهم مصالح مشتركة، فلماذا نفرق بين العمال إذن حسب درجة تأهلهم العلمى رغم أن لهم مصالح مشتركة أيضا، إلا إذا كان هذا بغرض تفتيت الطبقات البروليتارية.
المشكلة التى تواجه أصحاب هذا المنطق فى التمييز بين العمال بناء على المؤهل الدراسى، أن كل هؤلاء المجردين من السيطرة على السلطة المادية، و المضطرين لبيع قوة عملهم مقابل أجور للدولة أو المؤسسات الرأسمالية، و الذين يمارسون البحث العلمى والتطوير التقنى والتصميمات والبرمجيات و الهندسة عموما كمهنة، يشاركون بنصيب يتزايد باطراد فى خلق القيمة المضافة، و هم لا يحصلون فى النهاية مهما بلغت أجورهم ومستوى معيشتهم من ارتفاع، إلا على جزء ضئيل من تلك القيمة مثلهم مثل عمال الإنتاج، وهم يشعرون مثلهم تماما بالاضطرار المستمر لبيع قوة عملهم مقابل أجر، و لإنتاج ما لا يرغبون فى إنتاجه من سلع، و فى ظل شروط و ظروف عمل لا يتحكمون فيها، مثلما يشعر باقى العمال، سوى أنهم قد يتميزون أحيانا عن العمال العاديين بالإشباع الروحى الذى يضفيه الإبداع على المبدعين فى مجال البحث العلمى، ولا شك أن تصاعد دور العلم فى خلق القيمة المضافة لو استمر بنفس المعدل فإن العمال من غير ذوى المؤهلات الدراسية سوف يضمحل دورهم فى خلق القيمة المضافة فى المستقبل القريب، فإذا كان هذا هو حال الباحثين والمصممين والمخترعين والمهندسين والفنيين ، فما البال بالملايين من ذوى المؤهلات الدراسية العالية وغيرهم الذين يخضعون لظروف و شروط عمل أدنى بكثير من الباحثين والمصممين والمخترعين.
إلا أننا يجب أن نميز بين العمال المتعلمين السابق الإشارة إليهم، و بين المثقفين كفئة اجتماعية لا تنطبق عليها معايير الطبقة الاجتماعية، حيث أن أفرادها ينقسمون بين شتى طبقات المجتمع وفقا لمصادر دخلهم و مواقفهم و أفكارهم و ممارساتهم العملية كأفراد، و هى فئة اجتماعية يتحدد دورها الاجتماعى فى إنتاج و إعادة إنتاج و تبادل و توزيع أشكال الوعى الاجتماعى من فنون و آداب وثقافة وأفكار ومعلومات، لتحقيق هيمنة طبقة على طبقة أخرى، وهى فئة اجتماعية تضم كل هؤلاء الذين يشاركون فى تشكيل الوعى الاجتماعى لأفراد المجتمع، سواء أكانوا كتاب أو فنانين أو أدباء أو مفكرين أو إعلاميين أو صحفيين أو رجال دين وغيرهم، و نلاحظ أن معظم هؤلاء أصبحوا يخضعون أيضا لظاهرة “البلترة”، التجريد من الملكية والسلطة، و اضطرارهم للعمل المأجور سالفة الذكر بكل عناصرها التى يخضع لها سائر ذوى المؤهلات الدراسية العالية فى مجالات العمل الأخرى، إلا أن مواقف المثقفين الفكرية و الاجتماعية والسياسية تتفاوت، ذلك لأن ما يتبنونه من أفكار مختلفة يتكون وفقا لميولهم الشخصية و دوافعهم النفسية و ثقافتهم لا وفق انتماءهم الطبقى أو أصولهم الاجتماعية.
نمط الإنتاج الرأسمالى يفرض قيم السوق ودافع الربح، على كل العلاقات الاجتماعية فى المجتمع، و تجرى عملية تسليع كل شئ فيه بما فيها قوة العمل يدوية كانت أم ذهنية، فكل ما يحرك المجتمع الرأسمالى هو الإنتاج من أجل الربح، و بناء على هذا الميل الجوهرى للربح فقد نزعت الرأسمالية كل من القداسة والاستقلالية والحرية، من المهن الرفيعة المستوى كالعلم والفن والأدب، فالباحثين العلميين سواء أكانوا فى الشركات الرأسمالية أو الدولة لا يبحثون من أجل الحقيقة الموضوعية فقط كما ينبغى أن يكون، ولا يخترعون من أجل تقدم البشرية ورفاهيتها كما نتوقع منهم، ولكنهم يبحثون و يخترعون ما تحتاجه تلك الشركات والدول، و بما يحقق مصالحها فى الربح والسيطرة، و يضحون فى سبيل ذلك بكل قيم العلم الرفيعة المستوى، و الذى أخذ يفقد مصداقيته فى كثير من الأحيان بسبب عبودية الباحثين العلميين المأجورة لرأسالمال، فالشركات تستطيع أن تجبر علمائها وباحثيها على فبركة أبحاث علمية تؤكد على صلاحية منتجاتها للاستهلاك الآدمى رغم عدم صحة ذلك أحيانا، والدليل على ذلك تلك النتائج المتضاربة للأبحاث العلمية التى تخرج لنا كل يوم بأراء متناقضة، و التى تنتشر بفضل تمويل الشركات الرأسمالية المتناقضة المصالح لهذه الأبحاث، حتى أصبحنا لا نعرف ما هو المفيد وما هو الضار فيما نستهلكه، و الخلافات بين العلماء والباحثين فى قضايا البيئة والغذاء والدواء شواهد على ذلك. والبحث العلمى عموما أصبح مستحيلا دون فرق عمل بحثى تخضع لمؤسسات عامة وخاصة، يمكن لها أن توفر تمويل البحث العلمى غير الممكن حاليا دون هذا التمويل، مما أنهى وجود العالم أو المخترع أو الباحث العلمى الفرد الحر المستقل، كما قلل الميل الرأسمالى للحصول على أعلى ربح من وجود المثقف الفرد الحر المستقل أيضا، باستثناء بعض المجالات الفنية والأدبية ذات الطابع الفردى والنخبوى، إلا أن الفنون الجماهيرية و التعبيرية و الجماعية عموما أصبحت تحت سطوة المؤسسات الرأسمالية و البيروقراطية تماما، و الإنتاج الثقافى شأنه شأن أى إنتاج رأسمالى، صناعة يحكمها السعى للحصول على أعلى ربح، والتعبير عن من يملكون رأسالمال أو يديرون أو يهيمنون على السلطة، وهو ما يفسر سوقية غالبية الإنتاج الثقافى فى ظل الرأسمالية والبيروقراطية.
عبر تاريخ الرأسمالية حدثت تغيرات هامة فى كثافة العمل أو عدد العاملين فى وحدة الإنتاج الواحدة، و قد ألقت تلك الكثافة بظلالها على مستوى توحد أو تفكك الطبقات البروليتارية وقوتها فى مواجهة الطبقات البرجوازية، ففى بدايات الإنتاج الرأسمالى، كان يغلب على المشاريع الرأسمالية صغر الحجم وقلة عدد العاملين فيها، و أنها ذات تكنولوجيا أقل تطورا، وذات إدارة عائلية أو فردية، و مع أزمات الكساد الدورية المتلاحقة، كانت معظم المشاريع الصغيرة تفلس، وتغلق أبوابها، و تحل محلها مشاريع أكبر حجما تشغل عدد أكبر من العمال، و ذلك بعد انتهاء الأزمات الدورية، و كنتيجة للتنافس بين الرأسماليين، وابتلاع أقواهم للأكثر ضعفا، و مع كل دورة من هذا النوع كان رأسالمال يتركز أكثر فأكثر، والعمالة تتزداد كثافة وتعلما ووعيا وانتظاما وتحسنا فى الدخل، و التكنولوجيا المستخدمة تتطور أكثر، وتتحول الإدارة من العائلية والفردية، لأنماط أكثر كفاءة تفصل الملكية عن الإدارة والتنظيم. وقد أدى هذا التطور إلى أن الرأسمالية التنافسية المتميزة بمئات المشاريع الصغيرة والمتوسطة المتنافسة فيما بينها، أخذت تسودها رأسمالية احتكارية متميزة بالمشاريع الاحتكارية الكبرى و المحدودة التى تقسم الأسواق فيما بينها، أو مشاريع كبرى مملوكة للدولة تحتكر السوق لنفسها، وتحقق وفق هذا الوضع أرباحا احتكارية هائلة، لا يكبحها التنافس فى السوق .
كانت فترة الذروة لتصاعد كثافة البروليتاريا الصناعية، و التى حققت فيها أعلى درجات قوتها، وحققت فيها انتصاراتها التاريخية، هى الفترة الممتدة من منتصف القرن التاسع عشر إلى منتصف القرن العشرين، حتى طرأت عوامل أخرى بعد نهاية الفترة غيرت من هذه الظروف تماما مما انعكس بدوره فى حالة الضعف التى تعانيها البروليتاريا الصناعية الآن، فقد تضاءل عدد العمال فى المشروع الواحد نتيجة استخدام التكنولوجيا الكثيفة التى توفر العمل الحى، وتضاءل حجم طبقة البروليتاريا الصناعية بالنسبة للحجم الإجمالي من الطبقات العاملة التى تتجه غالبيتها الآن للعمل فى القطاعات الأخرى التجارية والخدمية، و المشاريع الرأسمالية أصبحت تتجه الآن لتشغيل العمالة المؤقتة، و العاملين لنصف الوقت، والعاملين الذين يؤدون أعمالهم بالمنزل، والعاملين بالمهمة فى الأعمال المساعدة للإنتاج كالخدمات الإدارية، والتسويقية، والحراسة. لكل هذه العوامل أصبح من الصعب على الطبقات العاملة أن تنتظم كما كانت تنتظم سابقا فى نضالات نقابية فى مواجهة أصحاب العمل لتنتزع منهم حقوقها الاقتصادية، و أصبح من الصعب أن تصطف فى نضالات سياسية فى مواجهة الدولة البرجوازية، حيث أصبح لا يوجد احتكاك بين كتل ضخمة من العمال يسمح بنقل الخبرات والمعرفة فيما بينهم، و يتيح فرص التضامن فيما بينهم .
تنقسم الطبقات العاملة فيما يتعلق بدرجة استقرارها فى العمل إلى قسمين، الأول هم المستقرون في أعمالهم، بفضل مؤهلاتهم ومهارتهم وخبراتهم فى العمل، و التي تعطيهم قدرة أعلى على التفاوض مع أصحاب العمل لفرض شروط أفضل للعمل، ويسمح لهم هذا الاستقرار بالتنظيم في نقابات و أحزاب، و الثانى يتكون من غير المستقرين فى العمل الذين يعملون بشكل مؤقت، و ذلك لضعف مؤهلاتهم ومهارتهم وخبراتهم فى العمل، أو لوضعهم كمهاجرين، فضلا عن العاطلين عن العمل، و العاملين في القطاع غير الرسمي و القطاع غير المنظم، وعمال اليومية والعمالة الموسمية. و هؤلاء جميعا قدرتهم على التفاوض مع أصحاب العمل أدنى من عمال القسم الأول، حيث لا تسمح لهم أوضاعهم غير المستقرة بالتنظيم فى نقابات أو الانضمام إلى أحزاب، وإذا كان القسم الأول بما له من ثقل اقتصادى يملك قدرا من النفوذ السياسى والاجتماعى، فإن القسم الثانى يتضاءل ثقله الاقتصادى، ويضمحل نفوذه السياسى و الاجتماعى .
سمحت فترة الرواج الكبير بتثبيت أغلبية العمال فى المصانع و المشاريع الكبرى سواء أكانت تابعة للدولة أو للقطاع الخاص، و تم منحهم الكثير من الامتيازات مما أدى لرفع مستواهم المعيشى. أما التحول الرئيسي الذي أخذ يسرى فى الأرض منذ الثمانينات فهو تحول هذه الغالبية فى وسط العمال لأقلية تتضاءل باستمرار لصالح تضخم العمالة غير المستقرة التى تحصل على أجور أقل من العمالة المستقرة، وتخضع لشروط عمل أسوء. و هى تحولات تؤدى للمزيد من تفكك الطبقات العاملة و إفقارها، و تدهور مستواها المعيشى، فقد عاد البؤس ليلتصق بالغالبية من العمال التى عرفتها قديما أثناء سيادة الرأسمالية التنافسية، والذى كان قد اختفى إلى حد كبير وسط قطاع العمالة المستقرة طوال القرن العشرين الذى سادته كل من الرأسمالية الاحتكارية فى بلاد الرأسمالية المتقدمة، و رأسمالية الدولة فى البلاد الرأسمالية المتخلفة، وعرفت فيه الأرض الأنظمة البيروقراطية فى ثلثها اليابس.
تم ترشيح البروليتاريا الصناعية من بين كل الطبقات العاملة، لتكون الطبقة التى عليها أن تحرر نفسها و تقود تحرر البشرية من كل أشكال الاستغلال والقهر على عكس كل الطبقات المقهورة السابقة عليها كالأقنان والعبيد، الذين لم يستطيعوا أبدا تحرير أنفسهم، وإنما تحرروا بفضل تغيرات اجتماعية وسياسية قادتها طبقات اجتماعية أخرى، البرجوازية تحديدا.
كانت مسوغات الترشيح التى حصلت عليها الطبقة العاملة الصناعية لتشغل تلك المكانة الهامة فى التاريخ هى
أولا أنها تتركز بالمئات والآلاف فى المشروع الواحد، و بعشرات ومئات الألوف في المدن الكبرى، مما يسهل من عملية تنظيم نفسها و نضالها فى مواجهة أصحاب العمل لتحسين شروط العمل والحياة، وهو ما يزيد من قدرتها على انتزاع السلطة السياسية.
ثانيا أنه بتطور الرأسمالية سوف تشكل هذه الطبقة غالبية المجتمع بعد تركز رأسالمال، واضمحلال الطبقات البرجوازية الصغيرة والمتوسطة.
ثالثا أن الاحتكاك اليومى بين هؤلاء العمال يسهل نقل المعرفة والخبرات فيما بينهم.
رابعا أن تجاور المصانع فيما بينها يساعد على انتشار التضامن بين عمال سائر المصانع.
خامسا الطبقة العاملة الصناعية تتعامل مع التكنولوجيا الدائمة التطور التى تتطلب تعلما مستمرا، وتلمس بنفسها أوضاع السوق الرأسمالى الكوكبى مما يساعدها على فهمه، وبناء على ذلك فأنها لا بد وأن تكتسب مهارات عقلية تتيح لها اكتساب الوعى بذاتها الطبقية والتحرر على نحو أسهل من باقى الطبقات العاملة الأخرى من تأثير الطبقة المهيمنة، فالعمال الصناعيين يلمسون بأنفسهم مدى القهر والاستغلال والتضليل الواقع عليهم، والطبقة العاملة الصناعية هى من تنتج معظم الثروة الاجتماعية المادية، مما يعطيها ثقلا ونفوذا اجتماعيا هائلا.
استطاعت الطبقة العاملة الصناعية نتيجة توافر هذه الشروط فى لحظة تاريخية امتدت لقرن من الزمان، أن تنتزع الكثير جدا من المكاسب من البرجوازية بنضالات شرسة طوال القرنين التاسع عشر والعشرين، وحققت تحسنا هائلا فى شروط عملها وحياتها فى كثير من مناطق العالم المتقدمة مقارنة بأوضاع الطبقات العاملة البائسة فى بداية نمط الإنتاج الرأسمالى، بل واستطاعت فعلا أن تقود سائر الطبقات العاملة والبرجوازية الصغيرة فى عمليات تحرر كبرى برغم أنها لم تتم بنجاح لعشرات المرات، و فى ظل توافر مسوغات ترشيحها سالفة الذكر، استطاعت أن تستولى على السلطة السياسية فعليا ثلاث مرات، فى كوميونة باريس1871، و روسيا 1917، وأسبانيا 1936، إلا أنها لم تستطع أن تحرر نفسها نهائيا من القهر والاستغلال، ولا أن تقود تحرر البشرية كما كان متوقعا منها.
بلا شك أن هذه الشروط قد اختفت الآن، فقد قلت كثافة العمال بالنسبة للوحدة الإنتاجية، ولم يصبح عمال الصناعة يشكلون الغالبية السكانية، وازدادت أنماط ومغريات العزلة الاجتماعية بين الناس التى وفرتها فياضانات وسائل التسلية الحديثة والعوالم الافتراضية التى توفرها الحاسوبات والأنترنت والتليفزيون، مما زاد من ضعف احتكاك الناس ونقل الخبرات فيما بينهم، وفى مقابل تناقص الطبقة العاملة المشتغلة ازدادت أعداد المتعطلون عن العمل والبروليتاريا الرثة، وهؤلاء لم يصبح من الصعب غلى البرجوازية توفير ضروريات الحياة لهم فى حدها الأدنى، وتضاعف العاملون فى الحكومة، والعاملون فى القطاعات الخدمية والرأسمالية الصغيرة والحرفية والمهنية، و هو ما أدى لأزدياد فقدان البروليتاريا الصناعية لقدرتها الثورية ونفوذها الاجتماعى، و قدرتها على تحرير نفسها أو غيرها، ولما كان العبيد الزنوج فى ولايات الجنوب الأمريكية ينقسمون لعبيد المنزل وعبيد الحقل، فإن عمال الخدمات و موظفوا الحكومة أقرب لعبيد المنزل، وهم الذين كانوا دائما الأقرب لسادتهم، والأقل رغبة فى تحرير أنفسهم، وقطع الروابط مع سادتهم، من عبيد الحقل وهم عمال الإنتاج الصناعى الأكثر بعدا عن سادتهم، والأكثر رغبة فى التحرر والانعتاق، فضلا عن أن عمال الخدمات باستثناء عمال النقل والمواصلات، لا تتوافر لهم معظم مسوغات الترشيح التى حصلت عليها الطبقة العاملة الصناعية لكى تتبؤأ مكانتها المأمولة فى التاريخ، فهل هناك من بين الطبقات البروليتارية الأخرى، يملك مسوغات أخرى تؤهله لقيادة التغيير الاجتماعى ؟، بعد أن أصبحنا أمام ظاهرة بلترة متزايدة للغالبية الساحقة من البشر، و لكنها غالبية بلا فعالية. وهل هناك طريق ما للتغير الاجتماعى؟.

Advertisements

About منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني

موقع منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني
هذا المنشور نشر في الماركسية. حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s