الحقوق الاقتصاديّة الاجتماعيّة تقتلها دولة الريع

الحقوق الاقتصاديّة الاجتماعيّة تقتلها دولة الريع

ائتلاف من المجتمع المدني يعرّي سياسات الحكومات المتعاقبة

«تتصّل انتهاكات الحقوق الاقتصاديّة والاجتماعيّة في لبنان على نحو رئيسي بالسياسات التي تبنّتها الحكومات المتعاقبة لمواجهة التحدّيات التنمويّة الوطنيّة». واقع تقاربه ورقة أعدّها ائتلاف منظّمات من المجتمع المدني، ستُقدّم إلى مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتّحدة، بالتوازي مع تقرير رسمي عن المسألة نفسها.
ففي العاشر من الشهر المقبل يمثل لبنان أمام لجنة ثلاثية مكلّفة من جانب المجلس في جنيف، لمناقشة التقرير الذي قدّمه لبنان في آب الماضي عن المراجعة الدوريّة الشاملة لحقوق الإنسان المعتمدة منذ عام 2006. وكلّفت الحكومة اللبنانيّة وزارة الخارجيّة والمغتربين إعداد التقرير بالتعاون مع الوزارات المعينّة.
وفي موازاة هذا التقرير، أعدّ تحالف منظّمات المجتمع المدني تقريراً شاملاً عن المراجعة الدوليّة التي يقوم بها المجلس، يتضمّن تقويماً للحقوق السياسيّة والمدنيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، كما أعدّ تحالف انبثق عن التحالف الأوّل تقريراً تفصيلياً ركّز على الحقوق الاقتصاديّة والاجتماعيّة.
ويقول التقرير التفصيلي إنّ «المقاربات الاقتصاديّة الريعيّة والإدارة الضعيفة للخصخصة وسياسات التحرير الاقتصادي الشامل التي تعتمدها الحكومات متزاوجة مع بنية تحتيّة وقدرات تشريعيّة ـــــ تنظيميّة حدّت من قدرة الدولة على الاستجابة لحاجات مختلف المواطنين وضروراتهم».
ويشير إلى أنّ التاريخ الطويل من عدم الاستقرار السياسي والعنف، فضلاً عن الحروب المتواترة مع إسرائيل، «أدّيا إلى محدّدات أخرى فُرضت على قدرات تحقيق الموجبات في ميدان الحقوق الاقتصاديّة والاجتماعيّة».
أمّا الأولويّات الوطنيّة وتوجّهات السياسة ضمن برنامج الإصلاح الرئيسي، أي برنامج «باريس 3»، فهي «لا تعكس عمليّة شفافة، تشاركيّة، شموليّة، تمثيليّة». فقد أُعدّ هذا البرنامج فيما كانت كلّ أجهزة الدولة مشلولة. كذلك فإنّ السياسات الضريبيّة الراهنة تركّز على الاستهلاك لا على الدخل، ما يُفقدها قدرتها على إعادة التوزيع.
وعلى صعيد الموازنة العامّة، يُعدّ التأخّر في إصدارها «خرقاً لحقّ المواطنين في الاطلاع على موازنة عامّة وطنيّة تعكس حاجاتهم».
ويركّز التقرير أيضاً على النزعة المركزيّة القويّة التي توسّّع الفجوة بين المناطق الحضريّة والريفيّة، الأمر الذي ينتهك مبدأ التكافؤ.
من جهة أخرى، يفتقر صنع السياسة التنمويّة الوطنيّة، بحسب منظّمات المجتمع المدني، إلى «المقاربة التشاركيّة الشموليّة التي توفّر جملة من الحاجات في أوساط السكان، بما في ذلك على وجه التحديد متطلّبات ذوي الاحتياجات الخاصّة وأولويّاتهم».
وبالنسبة إلى أوضاع اللاجئين الفلسطينيّين، الذين يقارب عددهم 500 ألف نسمة، فإنّ «حقوقهم الاقتصاديّة والاجتماعيّة تُنتهك على نحو صارخ».

«باريس 3» ليس شفافاً، فهو أُعدّ فيما كانت أجهزة الدولة مشلولة

وفي إطار الحقوق نفسها التي يجري التركيز عليها، يقول التقرير إنّ حقّ الوصول إلى المعلومات لا يزال «مجرّداً من حماية أيّ من الأطر القانونيّة، ما يجعل من الضروري جداً تبنّي مشروع القانون المقترح المتعلّق بالحقّ المذكور مع آليّات تنفيذ فعّالة».
ويتحدّث التقرير عن مجموعة من المؤشّرات المباشرة. وبدايةً يتطرّق إلى «الحقّ في مستوى معيشي ملائم». ويقول إنّ «الفقر يبقى تحدياً كبيراً لإحقاق الحقوق الاقتصاديّة والاجتماعيّة في لبنان»، حيث يعيش حوالى 8% من السكّان في فقر مدقع، و28.5% دون الخطّ الأعلى للفقر.
وفي هذا الصدد يدعو الائتلاف مجموعة العمل ومجلس حقوق الإنسان إلى حثّ الحكومة اللبنانيّة على مجموعة من المطالب، منها إتاحة الوصول إلى المعلومات المتعلّقة بالموارد الأسريّة على نحو دقيق، كذلك إلى إيلاء البعد الجغرافي للفقر الاهتمام في برامج القضاء عليه…
ومن الفقر إلى «الحقّ في العمل»، حيث يقول التقرير إنّ «أسواق العمل في لبنان تتّسم بمعوّقات عديدة تحول دون التكافؤ في ما يتعلّق بالحقّ في العمل، بما في ذلك التفريق في التوظيف…». وفي موازاة ذلك «لا تزال سياسات الحكومة المتعلّقة بالعمالة والعمل تفشل في معالجة البطالة، وتعرقل عمليّة إحقاق الحقّ في العمل».
وفي هذا الإطار يدعو الائتلاف إلى «إنشاء وحدة تفتيش خاصّة بالعمل تعمل على مراقبة ظروفه وضمان تنفيذ القوانين المرعيّة»، إضافةً إلى «ضمان تنفيذ عقود العمل». كذلك يطلب الضغط باتجاه تعديل قانون العمل ليكون متّسقاً مع السن الأدنى المعتدّ بها في اتفاقيّات منظّمة العمل الدوليّة.
وعن «الحقّ في التعليم»، يشير التقرير إلى أنّ «سياسة التعليم في لبنان أخفقت حتّى الآن في تحقيق نظام تعليمي رسمي يؤمّن وصولاً متكافئاً إلى التعليم»، ورغم أنّ 4.45% من الناتج المحلّي الإجمالي في لبنان تُخصّص للتعليم، وهو معدّل لا بأس به، فإنّ «جودة التعليم في المدارس تبقى متدنيّة»، وتؤدّي إلى «تمييز يُمارس ضدّ الطلّاب الذين يعجزون عن الذهاب إلى مدارس خاصّة». وهنا يطلب الائتلاف «تعزيز جودة التعليم الرسمي وتطوير منهج جديد وموحّد وإدخال نظام يحول دون التسرّب…»
وبالانتقال إلى «الحقّ في الصحّة»، يقول التقرير إنّ معظم المقيمين من ذوي الدخل المحدود «يفتقرون إلى الوصول إلى المستشفيات الخاصّة بسبب ارتفاع كلفتها»، فيما حصّة الفرد من الإنفاق على الصحّة المرتفعة نسبياً لا تعلّل الوصول غير المتكافئ إلى الرعاية الصحيّة. وهنا يدعو الائتلاف إلى «إصلاح النظام الصحّي بما يؤسّس لسياسة صحيّة تضع في رأس أولويّاتها حماية المواطن المحتاج إلى الخدمات الصحيّة، وتقوية دور الدولة في هذا القطاع».
أمّا عن «الحقّ في الضمان الاجتماعي»، الذي لا تتعدّى نسبة من يتمتّعون به 30% من الشعب، فتدعو منظّمات المجتمع المدني إلى «وضع استراتيجيّة اجتماعيّة شاملة»، تتضمّن مقاربة «تدمج بين الضمان الاجتماعي الشامل والتنمية وحقوق الإنسان». كذلك تحثّ على «إنشاء نظام منسّق يضمّ جميع مورّدي الخدمات الاجتماعيّة».
وأخيراً يتطرّق التقرير إلى نمط «تحرير التجارة وتأثيراته»، ويقول إنّ لبنان يستمرّ في «إهمال الموجبات التي تنصّ عليها القوانين الوطنيّة والدوليّة عند خوض التفاوض بشأن اتفاقيات تحرير التجارة، من دون أن يكون لديه تقويم مسبق حيال الآثار التي ستنجم عن هذه الاتفاقيات على الحقوق الاقتصاديّة والاجتماعيّة». ويدعو التقرير إلى ضمان ألّا تؤدّي تلك المفاوضات إلى زيادة التمييز في مجتمع لبنان واقتصاده.
(جريدة الأخبار)

Advertisements

About منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني

موقع منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني
هذا المنشور نشر في أخبار من الصحف. حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s