البيئة والرأسمالية

البيئة والرأسمالية

الاخضر القرمطي

إن البيئة أو البيئة الطبيعية بمفهومها الواسع مصطلح يشمل جميع الكائنات الحية والأشياء غير الحية التي توجد أو تحدث بشكل طبيعي على الأرض أو على جزء منها. ولقد شهدنا ولمدة طويلة كوارث بيئية متتالية، فالدول والشركات الغربية أتلفت مباشرة أو بطريق غير مباشر الغابات والأنهار وقضت على الكثير من الحيوانات حتى أصبح بعضها مهدداً بالانقراض، الأمر الذي دعا منظمات حماية الحيوان إلى جمع التواقيع المستنكرة لهذه الأعمال. وفي هذه الأيام يتم إرسال ملايين من أطنان النفايات من الدول الرأسمالية الصناعية إلى ما يسمى دول العالم الثالث وقد أصبحت هذه الأعمال تجارة ضخمة رابحة. وكان من نتيجة ذلك تلوث الأراضي والأنهار في تلك البلدان لأن جزءاً كبيراً من هذه النفايات هو نفايات سامة من مثل البطاريات، والرصاص الثقيل وهي ذات تأثير مباشر على الجهاز العصبي للإنسان. وقد أدى ذلك إلى وفاة كثير من العمال وإلحاق الضرر بآلاف آخرين.

ان اردنا ان نبحث في العلاقة بين التغيرات البيئية والشروط الاجتماعية عبر التاريخ، يمكننا ان نؤكد ان الازمات البيئية في عصرنا هي نتاج لنمط الانتاج الرأسمالي على المستوى العالمي، ولنمط السلوك الرأسمالي والاخلاق البرجوازية:

ففي أواخر القرن الثامن عشر وبدايات القرن التاسع عشر، بدأت الطبقة الرأسمالية الصناعية، بمنظومة إنتاجها ووعدها بالانتشار بلا حدود، تستعمر العالم، وفي المآل، جميع جوانب الحياة الشخصية. فالبرجوازية، خلافاً لطبقة الإقطاعيين الذين قبعوا في أراضيهم وحصونهم، كان مسكنها السوق والبنوك. وقد فرّخت سوقاً تنافسية منحت أولوية عليا للتوسع الصناعي والقوة المالية، وعملت كأن النمو غاية بذاته. إن النمو الصناعي لم ينجم عن التغير في المجال الثقافي لوحده، أو عن تأثير العقلانية العلمية في المجتمع، بل قبل كل شيء عن عوامل موضوعية يحركها توسع السوق نفسه، وهي عوامل مغلقة جداً على الاعتبارات الأخلاقية. فعلى الرغم من الارتباط الوثيق بين التطور الرأسمالي والاختراع التكنولوجي فإن الدافع القائد للسوق الرأسمالية هو الحاجة إلى النمو وما تفرضه من تنافس لا يرحم بين المتزاحمين الضواري. ومفتاح البقاء في هذه الحمى التنافسية هو التوسع والربح الأكثر. وبذلك تحولت فكرة التقدم كي تتطابق مع النمو الاقتصادي. وهكذا فإن مجتمعًا مؤسساً على النمو المتوسع والربح وتعميم ثقافة الاستهلاك واستنفاذ موارد الطبيعة وعمل الانسان لا بد ان يكون مدمّرًا على الصعيد البيئي.

أن الأخلاق الرأسمالية التقليدية تنطبق على الكائنات البشرية وحسب، فهي أخلاق شوفينية بشرية تجعل الإنسان وحده موضع الاعتبار الأخلاقي، وتعطيه الحق في التصرف بحرية تجاه البيئة الطبيعية طالما أنه لا يؤذي أبناء جنسه.

لقد أكد المنتدى الذي رعته الأمم المتحدة حول التغيّر المناخي، وشاركت فيه العديد من حكومات العالم، ان كوكب الأرض يشهد ارتفاعاً غير مسبوق في درجات الحرارة، كما أكد المنتدى وبثقة عالية جداً ان النشاطات البشرية التي يشهدها الكوكب منذ عام 1750 قد أدّت إلى تراكم كميات زائدة من ثاني أوكسيد الكربون في الجو نتج عنها إنحباس الحرارة على سطح الأرض وعدم ارتدادها إلى الفضاء كما كان الحال منذ قدم الخليقة. وقد قدّرت مستويات الكربون المتواجدة في الجو في عام 2005 بما قيمته 397 جزءاً في المليون وهو رقم أعلى من أي رقم مضى منذ 650 ألف عام، كذلك سجلت الحرارة أعلى درجاتها ما بين الأعوام 1995 – 2006.

وقد أظهرت الحقائق ان مستويات ثاني أوكسيد الكربون قد وصلت إلى أرقام خطيرة لا تراجع فيها، وتقرب من 32 بليون طن، فيما تتحمل الولايات المتحدة نسبة 25% منها وأوروبا مثل ذلك، كان لا بد من تحديد نقطة بداية لحل الأزمة، تبدأ من إغلاق الماسورة التي يتدفق منها هذا الغاز.وتبيّن تقارير الأمم المتحدة أن هناك فقرا في التنوع البيولوجي على مستوى العالم، حيث أصبحنا نفقد كثيرا من الأنواع على مدار العام، بالإضافة إلى انقراض حوالي 21% من مجموع الثدييات، والزواحف، والأسماك والنباتات، وحتى على الصعيد الإنساني حيث هناك علاقة ملحوظة بين التدهور البيئي وصحة الإنسان.

وفي لبنان اظهرت تقرير الأمم المتحدة ان لبنان يواجه تحديات بيئية خطيرة ومنتشرة على نطاق واسع، تبدأ بتلوث الهواء والتربة ومياه الشرب والمياه البحرية وصولاً الى قطع الاشجار وحرقها وتقلص نسبة المساحات الخضراء بشكل مخيف، هذا بالاضافة الى ما سببته الحروب الصهيونية المتكررة ضد لبنان وشعبه وبالاخص في عدوان تموز 2006، حيث بيّنت الدراسات المتوعة ان التلوث أصاب العديد من المصانع والمجمعات الصناعية التي تعرضت للقصف والحرق، بما فيها محطة الجية للطاقة، وذلك من جراء العناصر السامة والخطرة صحياً؛وقد تمثل هذه العناصر السامة والملوثات مخاطر صحية لعمال التنظيف والمجتمعات المحلية، وفي العديد من المواقع تمثّل مصدراً محتملاً للتسرب الى الموارد المائية. وقد حدثت أيضاً أضرار جسيمة لموارد المياه وشبكات الصرف الصحي نتيجة هذا العدوان الإسرائيلي. فقبل العدوان، كانت شبكات المياه والصرف الصحي تشهد عمليات تطوير وتحديث واسعة النطاق الا انها تعرضت لأضرار على نطاق واسع خلال الحرب العدوانية ولهذا فهنالك خطر داهم ينذر بتلوث المياه الجوفية ومخاطر محتملة على صحة الإنسان.

وأكد الخبراء استخدام الفوسفور الأبيض من جانب الاسرائيليين، واكتُشف وجود مستويات عالية من التلوث الإشعاعي، وفي الوقت عينه، أدى الصراع الى نشوب حرائق وفقدان أنواع من الأشجار ذات قيمة اقتصادية كبيرة في جنوب لبنان.

 

ان مشكلة البيئة ليست الفشل الوحيد للنظام الرأسمالي بما يولده من حروب، والذي يسبب أزمة تليها أخرى، وليس آخرها ما شهدناه في الأعوام القليلة الماضية من أزمات غذائية، ومالية واقتصادية عالمية جعلت مئات الملايين من البشر في فقر مدقع في حين أتاحت لقلة قليلة من الناس أن تملك ما لا يمكن للعقل البشري أن يتخيله. فالنظام الرأسمالي أصبح عدّواً للحياة وللوجود الإنساني وليس مجرّد استغلال ونهب عالمي وظلم إجتماعي.

ثم إنه لا أخلاق انسانية وايكولوجية في نمط الأعمال الاقتصادية في النظام الرأسمالي، فهو اقتصاد يبحث فقط عن الربح، ويرى في تعاظم ثروة الفرد والطبقة الرأسمالية  مفتاح النجاح بغض النظر عن العواقب التي تترتب على ذلك فيما يتعلق بالمجتمع والطبيعة، وهذا ما عبر عنه أبو النظام الرأسمالي آدم سميث حين قال بأن الجشع هو الأخلاق للفرد وهذا الجشع هو الذي يسير الاقتصاد.

أن الأثرياء يهددون كوكب الأرض بسبب سباقهم المحموم في الإنفاق والترفيه والذي يلتهم الموارد الطبيعي،وقد حول الإنسان البيئة في خلال العشر أعوام الماضية إلى وحش مخيف نتيجة الثراء المخيف لدى عدد محدود من سكان الارض ، ذلك  أن الرأسمالية التي تتبنى فكرة الزيادة المستمرة في الأرباح التي تقوم على زيادة الإنتاج والاستهلاك بالتبعية ، بما يستنفد موارد الطبيعة أولا ويهدد التوازن الايكولوجي الضروري لاستمرار الطبعية وبالتالي الانسان.

إن النتائج المترتبة على مثل هذه الفلسفة مدمرة للبشرية والبيئة وقد شهدنا تدمير الأنهار والغابات والأراضي الزراعية وتلويثها بسبب تصرفات الشركات الرأسمالية الاميركية والاوروبية بالاخص في جميع أنحاء العالم.

ان الرأسمالية اذ  تقسم أعضاء المجتمع إلى طبقتين جد مختلفتين: العمال والرأسماليون. فمن جهة نوجد نحن الذين نكدح ساعات طويلة كل حياتنا، سنتمكن إذا كنا محظوظين من شراء منزل وبعد شراء سيارة أو اثنتين، لا يتبقى لنا سوى الشيء القليل. ومن جهة أخرى هناك الرأسماليون، مالكو الاقتصاد والصناعة، الذين يملكون ملايين الدولارات، إذا لم نقل الملايير، بفضل العمل الذي نقوم به لأجلهم، ويستعملون أغلب تلك الأموال من أجل التأثير في السياسات الحكومية لما فيه مصلحتهم، مما ينعكس سلبًا على تعامل وموقف الحكومات مع القضايا البيئية. إضافة إلى ذلك، بما أن المال يتحدث في المجتمع الرأسمالي بأعلى الأصوات، فإنهم جد ناجحين في هذا المسعى.

 

محدودية الحلول الرأسمالية

في هذا الصدد طرح العالم عدّة بدائل للوقود الأحفوري كمصدر للطاقة، شملت تقنيات طاقة الرياح، والطاقة الشمسية والطاقة النباتية والطاقة النووية. وقد شكلت هذه التقنيات جزءاً أساسياً من تقنيات الطاقة البديلة رغم ان لكل منها سيئاته ومشكلاته الخاصة مثل الإشعاعات في حالة الطاقة النووية والتخلص من العادم. والأصوات المزعجة في حالة تقنية طاقة الرياح.

لقد جعلت الانظمة الرأسمالية من قضايا حلول البيئة قضية عرض وطلب، من اتفاقية كيوتو الى مؤتمر كوبنهاغن الاخير،ففي هذه الاتفاقيات المتعلقة بالمناخ قد تُرِك لنظام السوق أن يقرر حل مشكلة المناخ كما برز جلياً من خلال كيوتو وEU-ETS حيث يوجد حق الملكية للتلويث:

لقد كفل نظام الحصص المخصصة لثاني أوكسيد الكربون حق الملكية في التلويث وجعلها تتركز بأيدي الشركات الغربية الأكثر قوة والأكبر ثروة. وبهذا فقد نظم النظام الرأسمالي حقوق التلويث بنفس الطريقة التي نظم بها حقوق استخراج النفط، وحقوق التعدين وغيرها من ثروات الأرض مما أدى إلى تراكمها في أيدي أولئك الذين لديهم السلطة والثروة، وبناء على هذا التنظيم يؤدي نظام حق التلويث إلى الاحتكار، وهو لا يخدم إلا الشركات الغربية الكبرى صاحبة اليد الطولى في الإضرار بالبيئة.

وبالنتيجة فإن الحلول الرأسمالية والاتفاقيات المطروحة لحل مشكلة المناخ ما هي إلا ضمان بأن لا يكون المناخ واليبئة عائقين أمام الشركات الرأسمالية الكبرى في زيادة التلويث إذا ما كان ذلك ضرورياً للنمو الاقتصادي وتحقيق الربح، وهذه الحلول المستندة إلى سياسة السوق تجعل البيئة فريسة لجشع أولئك الذين سببوا هذه الأزمات البيئية. إن حماية البيئة ذات تكاليف كبيرة، وعندما يكون الربح هو الهدف الوحيد فإن أي شركة ستسعى لخفض التكاليف لديها، وهذا يعني أنه وفق المنطق الرأسمالي فهناك تناسب عكسي بين حماية البيئة وزيادة حجم الأرباح كما هو الحال بين حماية كرامة الإنسان وزيادة حجم الأرباح. وإذا كان تطبيق الرأسمالية هو الذي أدى إلى هذا الدمار المشاهد الذي يعاني منه الإنسان والبيئة، فللعاقل أن يتساءل عن الدافع الذي يمكن أن يجعل الرأسماليين يهتمون بحياة البشر المستقبلية وبالحفاظ على البيئة وحمايتها!

الماركسية والبيئة

((..طالما الناس موجودون، فان تاريخ الطبيعة وتاريخ الناس يشترطان بعضهما البعض))، هكذا يعتبر كارل ماركس في مقاربته لعلاقة الانسان بالبيئة. وفي المادية التاريخية لم يتم فصل الانسان ونمط حياته عن الطبيعة المحيطة به، لا بل لطالما شدد ماركس على عملية التبادل العضوي بين الانسان والطبيعة ويحدد، في ظل الرأسمالية، وجود شرخ او صدع ايضي (عضوي) نتج عن الممارسات الزراعية والتجارية التي تنهب موارد الارض دون ان تعوضها، وتسلب كل بقاع العالم شروطها الطبيعية للانتاج..

ورغم غموض رؤية الماركسية الكلاسيكية للموضوع البيئي الا انه يمكن القول، ان على الماركسيين والشيوعيين اليوم واجب النضال من اجل عالم بيئي افضل وانظف يُحافَظ فيه على الطبيعة وعلى الانسان معًا، وذلك انطلاقًا من عدة نقاط:

1-    تقديم حلول مختلفة عن تلك التي قدمتها الانظمة الرأسمالية والنضال من اجل حلول جذرية بعيدة عن منطق السوق الرأسمالية والعرض والطلب، حلول تهمّش هدفية الربح الرأسمالي لصالح رؤية ترى في الانسان وحياته الرأسمال الوحيد.

2-    ان هذه الحلول البيئية لا بد ان تتوازى مع الحلول الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، باعتبار ان الحل في نهاية الامر سياسي طبقي، فالصراع من اجل بيئة نظيفة واغنى ايكولوجيًا وبيولوجيًا هو صراع في جوهره ضد الشركات الرأسمالية الكبرى ووكلائها السياسيين، وبالتالي هو صراع ضد الرأسمالية بنظامها الطبقي.

3-    جعل النضال البيئي جزءًا رئيسيًا من برامج الاحزاب الشيوعية حول العالم، وفي هذا المجال يجب تقريب وجهات النظر بين هذه الاحزاب الشيوعية والتيارات والاحزاب البيئية يؤسس لرؤية شاملة للموضوع البيئي اليوم.

Advertisements

About منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني

موقع منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني
هذا المنشور نشر في فن/أدب/وجهة نظر. حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s