العشق والمرأة

 

العشق والمرأة

http://www.pkkonline.com/arabic/index.php?sys=article&artID=267

العشق يستلزم البسالة الجليلة، والحب الكبير، والنجاح الفائق. من لا نجاح له، لا عشق له. ووجه العشق متجه دائماً نحو حرب الحرية المظفرة.

 

من فكر القائد عبدالله أوج آلان

إعداد: جيان هيفي

 

موضوع العشق الذي تتداوله الأفواه كالعلكة في عالمنا الراهن؛ فهو يشهد أكثر مراحله خزياً وافتقاراً للمضمون والمعنى. إذ لم تسقط مرتبة العشق تحت الأقدام بهذه الدرجة في أي مرحلة أخرى من التاريخ. فحتى أخطر نماذج العلاقات وأقبحها، تسمى بالعشق، بدءاً من العشق اللحظي وحتى أكثر السلوكيات إباحية للجنس. لا يمكن تصوُّر علاقة مطبِّقة لمفهوم حياة النظام الرأسمالي بأفضل حال، أكثر من تلك العلاقات. إن ظواهر العشق الراهنة هي اعتراف صريح لا غبار عليه للأحوال التي وقعت فيها الذهنية التي فرضها النظام الحاكم على المجتمع والفرد، حتى في أقدس الميادين. إحياء العشق هو أحد أصعب المهام الثورية. إذ يتطلب الكدح العظيم والتنور الذهني والحب الإنساني. ومن أهم شروط العشق: أولاً: النظر إلى العصر ضمن آفاق الحكمة، والحذو حذوها. ثانياً: فرض السلوكيات العظيمة إزاء طيش النظام وتهوراته. ثالثاً: القبول باستحالة تواجه الجنسين أو النظر إلى بعضهما البعض في حالة غياب الحرية والتحرر؛ وهضم ذلك كسلوك أخلاقي أساسي. رابعاً: أسْر الغريزة الجنسية وضبطها بموجب متطلبات النقاط الثلاث السابقة. بمعنى آخر؛ يجب الإدراك يقيناً بأن أية خطوة تُخطى على درب العشق ستكون إنكاراً للعشق؛ ما لم ترتبط الغريزة الجنسية فيها بالحكمة وبأخلاق الحرية وحقيقة النضال والصراع السياسي والعسكري. كل من يعجز عن تأمين فرصةٍ يؤسس فيها المرء عشه الزوجي الحر بقدر العصفور الطليق، ويتكلم بالمقابل عن العشق والعلاقة والزيجة؛ إنما يشير بكل جلاء إلى استسلامه لعبودية النظام الاجتماعي السائد، وإلى جهله بالقيم النبيلة السامية لنضال الحرية.

إنّ تقييمَ اللذة الكامنة في نمطِ العملية الجنسية، والتي هي ضمانُ استمرارِ وتكرارِ الحياة، على أنها “عشق” يعد أفدحَ خطأ. وعلى النقيض، فاللذة المعتمدةُ على العملية الجنسية إنكارٌ للعشق. تقوم الحداثةُ الرأسمالية بإشاعةِ ونشرِ الجنسوية كالسرطان، لتقتل بها المجتمعَ باسم العشق. في حين أنَّ العشقَ الحقيقي هو العنفوانُ الاندفاعي النابعُ من لغةِ نشوءِ الكون. وقد يكون قولُ مولانا “العشقُ وحدُهُ موجودٌ في العالم، والباقي قيلٌ وقال” تعبيراً عن العشق الحقيقي. فالعشقُ مرتبطٌ بتجاوزِ اللذة الجنسية، أو بالأصح، برقيِّ مستوى الحرية المتبادلة في أخلاق الإنسان. بينما تَرتبط الشهوةُ الجنسية بزوالِ الحرية، وبالثبوتِ المادي. الأصح هو ربطُ العشق الكائن بين كافةِ عناصرِ الكون – وليس فقط بين الرجل والمرأة – بانسجامِ الوجود وتآلفه. يتطلب الفهمِ بأن غريزةَ الجنسِ تتصدرُ أشكالِ المعرفةِ الأسحق قِدَماً في الحياة. فهي تلبيةٌ لحاجةِ الحياةِ في الاستمرارِ بوجودها. فاستحالةُ خلودِ الفردِ قد حَثَّته على الحلِّ بتطويرِ طاقةِ إعادةِ إنتاجِ ذاته ضمن شخصٍ آخر. والشيءُ المسمى بالغريزةِ الجنسيةِ يُشيرُ إلى تأمينِ هذه الطاقةِ لسيرورةِ الحياةِ من خلالِ التوالُدِ ضمن الشروطِ المناسِبة. إنها بمثابةِ حلٍّ إزاءَ الموتِ وخطرِ نفاذِ النَّسَب.

الفردُ الذي يَستَمِرُّ فيه هذا الحدثُ الكونيُّ هو المرأةُ بالأغلب. فالتكاثُرُ يتحققُ في جسدِ المرأة. بينما دورُ الرجلِ في هذا الحدثِ ثانويٌّ لأقصى الدرجات. بالتالي، فكَونُ المسؤوليةِ تَقَعُ كلياً على كاهلِ المرأةِ في حدثِ الاستمرارِ بالنسبِ، أمرٌ مفهومٌ علمياً. علماً أن المرأةَ لا تَقتَصِرُ على حملِ الجنين في بطنها وتنشئته وتوليده فقط. بل تكادُ طبيعياً تَحمِلُ مسؤوليةَ العنايةِ به حتى مماته. إذن، والحالُ هذه، فالنتيجةُ الأولى الواجب علينا استنباطَها من هذا الحدثِ هي ضرورةُ أنْ تَكُونَ المرأةُ صاحبَ الكلمةِ الفصلِ بصددِ جميعِ العلاقاتِ الجنسية. ذلك أنَّ كلَّ علاقةٍ جنسيةٍ تَجلبُ معها مشاكلَ يستعصي على المرأة تَحَمُّلها من حيث الطاقة. يتوجبُ الإدراكَ أن المرأةَ التي تُنجِبُ عشرةَ أطفالٍ تسقطُ في حالاتٍ أسوأ من الموتِ جسدياً، بل وحتى روحياً.

نظرةُ الرجلِ إلى الجنسِ أكثرُ انحرافاً ولامبالاة. وللجهالةِ وتعميةِ السلطةِ دورُهما في ذلك بالدرجةِ الأولى. فضلاً عن أنّ امتلاكَ الكثيرِ من الأطفالِ تَزامُناً مع الهرميةِ ودولةِ السلالةِ دليلٌ على القوةِ التي لا غنى عنها بالنسبةِ للرجل. فكثرةُ الأطفالِ ليست من أجلِ استمرارِ النسَبِ وحسب، بل وتُعتَبَرُ ضماناً لبقائه سلطةً ودولة. وعدمُ خُسرانِ الدولةِ التي هي بمثابةِ احتكارِ المُلك، مرتبطٌ بضخامةِ السلالة. هكذا تُصَيَّرُ المرأةُ أداةً لإنجابِ الكثيرِ من الأطفالِ في سبيلِ الوجودِ البيولوجيِّ والسلطويِّ والدولتيِّ على السواء.

يقال أنه لا حياة بدون المرأة. لكن، لا يمكن العيش مع المرأة الحالية أيضاً. فحسب قناعتي، إن العلاقة الذكورية – الأنثوية الغارقة في العبودية حتى حلقها، تُغرِق أصحابها معها أكثر من غيرها من العلاقات. ما دام الأمر كذلك، فما هو منتَظَر من أصحاب العشق الحقيقي للخروج من فوضى النظام الرأسمالي الأخيرة، هو خلق القدرة العظيمة المتمحورة حول المرأة، وتحقيق الانطلاقة بها. أظن أن هذا من أقدس وأنبل الأعمال التي سيقوم بها أبطال العشق الحقيقيين، الذين وهبواً أفئدتهم وعقولهم للعشق بكل طواعية.

فإذا كانت عينُ العشق عمياء، فقد يؤدي إلى أكثرِ الحالات سفالةً، وإلى أحطِّ درجاتِ الجهل. وهو كذلك سواءً في عشقِ السلطة، أو عشقِ الجنس. أما إذا كان مفعماً بالمعاني النبيلة، فهو قَيِّمٌ كـ”النيرفانا” ، ويعني الفناءَ في سبيل الله، والانصهارَ في الحقيقةِ والاندماجَ بها. إنه يعني الوصولَ إلى وضعيةِ أنا الحق، وسيادةِ المجتمع العادل الحر. أي أنه حالةُ الديمقراطيةِ التامة.

فالعشقُ مرتبطٌ بتجاوزِ اللذة الجنسية، أو بالأصح، برقيِّ مستوى الحرية المتبادلة في أخلاق الإنسان. بينما تَرتبط الشهوةُ الجنسية بزوالِ الحرية، وبالثبوتِ المادي. الأصح هو ربطُ العشق الكائن بين كافةِ عناصرِ الكون – وليس فقط بين الرجل والمرأة – بانسجامِ الوجود وتآلفه.

على الأقل كان هناك عشق أعمى في ذهنية ليلى ومجنون. أما الآن، فلا أثر لأي عشق، حتى لو كان أعمى. والنتيجة هي، النهليستية* والانتحار. إنها المحطة الأخيرة لافتقار الوجود الإنساني معناه. فالعشق يستلزم البسالة الجليلة، والحب الكبير، والنجاح الفائق. من لا نجاح له، لا عشق له. ووجه العشق متجه دائماً نحو حرب الحرية المظفرة. بالإمكان تعريف كدح العشق الذي هرعتُ وراءه على هذا النحو.

وبإضافة الرأسمالية إلى حلقة النظام السائد، فإن النظر إلى مظهر المرأة بمستوى التبضُّع والسلعية، سيُدْنينا من الحقيقة أكثر. كلنا على علم تام ببيع المرأة وشرائها أكثر من غيرها في أسواق النخاسة في عهد العبودية الكلاسيكية. استمرت هذه الحال واتسع نطاقها في العبودية الإقطاعية على شكل جاريات. ما يتم بيعه هنا هو المرأة بكاملها. وما المهر والسمسرة السياسية عليها، سوى أشكال لانعكاس هذا النظام حتى داخل العائلة. أما في الرأسمالية، فأُضيفَ إلى ذلك عناصر جديدة، بحيث يُحدَّد سِعر كل طرف فيها، تماماً كما يمزق القَصّاب اللحم إلى أجزاء ليحدد أسعارها. بدءاً من شعرها وحتى عُقب قَدَمها، من ثدييها إلى وُركها، من بطنها حتى عضوها الجنسي، من كتفيها إلى ركبتيها، من ظهرها وحتى ساقيها، من عينيها إلى شفتيها، من خديها إلى طولها. باختصار، يكاد لا يتبقى فيها أي مكان إلا ويُجزَّأ وتُحدَّد قيمته. لكن، ومع الأسف، لا يخطر على البال السؤال: هل لها روح أم لا؟ وإن وُجدَت، فكم تساوي روحها؟ أما من ناحية العقل، فهي “ناقصة العقل” منذ الأزل. إنها السلعة المانحة للذة في دُور الدعارة وفي المنازل الخاصة. وهي آلة لإنجاب الأطفال. لكن لا تُعد عملية الإنجاب هذه من أنواع الكدح، رغم أنها أصعب عمل. علاوة على أن تنشئة الطفل، التي تُعتبَر عملاً شاقاً للغاية، لا أجر لها أبداً. أما مكانة المرأة في كافة المؤسسات الهامة، الاقتصادية منها والاجتماعية والسياسية والعسكرية؛ فهي رمزية لا غير. في حين أنها الأداة التي لا غنى عنها في الدعايات. بالإضافة إلى أنها الموجود الفريد من نوعه، المعروض للسوق بعد تحويل جنسيتها إلى سلعة باهظة الثمن. كما أنها موضوع الشتم والسب والضرب بالأغلب. وأكثر من يكون أداة ووسيلة لخداع العشق وريائه. ويتم التدخل في كل شيء فيها. إنها الهوية التي يتم تشكيلها بعناية ودقة، لتتكلم بطريقة أنثوية، ويُضبَط صوتها ولغتها ولسانها وكلامها بموجب ذلك. هي الإنسان الذي يستحيل مصادقته كإنسان. هي الإنسان الذي لا يتخلى أكثر الرجال اعتداداً بنفسه عن عاطفة الهجوم والتهكم عليها. لقد غدت المرأة المادةَ الشيء الذي اعتقد كل رجل نفسه إمبراطوراً عليها.

أصبحت المرأة أولاً عبداً للمنزل. فهذه المرحلة مشحونة بحركاتِ ومجازرِ امتصاصٍ وقمعٍ واعتداء واغتصابٍ مُرَوِّعة. ودورها المعتَرَف به مجرد إنتاج “النسل والذُّرِّية” لنظام المُلكِية قدر الحاجة. فأيديولوجية السلالة مرتبطة بوثوقٍ بليغ بهذه الذُّرِّية. والمرأة ضمن هذا الوضع مُلكٌ مطلق. إنها مُلكُ وشرفُ صاحبها، لدرجةِ استحالةِ الكشفِ عن وجهها لغيره.

المرأة، أداةٌ جنسية. الجنس معني بالتناسل في الطبيعة بأكملها، حيث يهدف لاستمرار الحياة. في حين أنه لدى الإنسان الرجل اعتُرِفَ بالدور الأصلي للجنس، ولانفجار الشهوات الجنسية وتطورها بشكلٍ منحرف؛ وخاصة بالتزامن مع أَسْرِ المرأة، وبشكل أخص وأثقل وطأة مع مرحلة المدنية. فمراحل الجِماع المحدودة جداً لدى الحيوانات (غالباً ما تكون سنوية)، يُرادُ تصعيدها لدى الإنسان الرجل لدرجةِ ممارستها طيلة أربع وعشرين ساعة في اليوم تقريباً. المرأة في راهننا هي الأداة التي يُجَرَّب عليها الجنس والشهوات الجنسية والسلطة الجنسية بشكل دائم، بحيث غدا الفصل بين البيوت العامة (الماخور) والخاصة فاقداً معناه. فكل مكان بات بيتاً عاماً وخاصاً، وكل امرأة باتت امرأة عامةً وخاصة.

المرأة، كادح بلا أُجرة أو مقابل. ويُفرَض عليها تنفيذ أصعب الأعمال. أما مَقابل ذلك، فهو الإرغام على أن تكون “ناقصة” أكثر قليلاً. لقد حُطَّ من شأنها لدرجةٍ باتت هي نفسُها تقبل فعلاً أنها “ناقصة” جداً نسبةً للرجل، فشرعت بالتشبث بِيَدِ الرجل وسيادته، وتعض عليها بالنواجذ.

المرأة أدق أنواع السلع. يقول ماركس في المال “إنه مَلِكَةُ السلع”. في الحقيقة، إن هذا الدور معني بالمرأة أكثر. أي أن المَلِكَةُ الحقيقية للسلع هي المرأة. إذ، ما من علاقةٍ لا تُعرَض فيها المرأة. وما من ميدانٍ لا تُستَخدَم أو تُستَثمَر فيه المرأة. اللهم إلا بشرطٍ وحيد، ألا وهو أنه، ورغم وجودِ ثمنٍ مُصادَقٍ عليه مقابل كل سلعة، فهو لدى المرأة عبارة عن قلةِ احترامٍ مُهَوِّلة، بدءاً من وقاحةِ “عشقٍ” فظيع، وصولاً إلى كذبةِ “كدح الأمهات لا يُعَوَّض”.

الغريب في الأمر هو اعتقاد المجتمع الذكوري المهيمن بإمكانية عيشه براحة وطمأنينة تجاه هذه الهوية المُحَمَّلة بهذا الكم من الخواص السلبية. إذن، هذا ما يفضي إلى الاعتقاد بأنها عبد هادئ ومطيع للغاية. في الحقيقة، إن الحياة المشتركة مع ظاهرة منظمة بهذا القدر صوب السلبيات، تُعتبَر بالنسبة للرجل الإنسان صاحب الكرامة، شاقة جداً ومخادعة. رغم النقد الموجَّه إلى أفلاطون لتهميشه المرأة كلياً وإبعاده إياها خارج دائرة الدولة والمجتمع، إلا إن هذه الخاصيات المُحِطّة من القدْر بارزة ومؤثرة في سلوكه. يجب قراءة هذه النقطة الموجودة في شخص فيلسوف بعين سليمة وصائبة. فعلى سبيل المثال: تُعَد الحياة المشتركة مع هذه الخصائص لدى “نيتشه” مخرِّبة للشخص ومُفسِدة إياه. إذن، والحال هذه، لماذا يتميز عجز المرأة واعتلالها بقوته في المجتمعات؟ لأن هذه المجتمعات ذاتها أصبحت عاجزة ومعتلة. لأن الرجل نفسه غدا عاجزاً ومعتلاً. وهذا بدوره يأتي من الخاصية الانتقالية للعبودية. فالعبد المفيد بهذا القدر، سيكون الشريك المرغوب بالأكثر – بالطبع – بالنسبة للأناس المعتادين على العبودية. بالتالي، فالمرأة الغاصّة والغارقة تعني مجتمعاً غاصّاً، ورجلاً عاجزاً معتلاً. “هذا المشط لذاك الرأس”. باقتضاب، من دون تسليط الضوء بكفاءة ومهارة على ظاهرة الأنوثة، وبدون توحيد أنوثة المرأة الأم الحرة للمجتمع الطبيعي مع أنوثة المرأة الواعية الحرة للحضارة الطبقية؛ يستحيل خلق شريك الحياة بشكل متوازن. وبدون تكوين الذكورة على نحو مماثل مجدداً، لا يمكن تحقيق الوحدة بين الجنسين.

ينبغي إخراجَ المرأةِ من كونِها الأمَّ المقدسةَ والشرفَ الأساسيَّ والزوجةَ التي لا استغناءَ عنها ولا حياةَ بدونها، والبحثَ فيها بوصفِها مجموعاً كلياً من الذات والموضوع. بالطبع، يتوجبُ أولاً صونَ هذه البحوثِ من مَهزَلَةِ العشق. بل وينبغي الإظهارَ للعيانِ أنّ البُعدَ الأهمَّ في البحوث يتم حجبُه بالسفالاتِ الكبرى باسم العشق (وعلى رأسها الاغتصاب، الجناية، الضرب، والشتم البذيء الذي لا يُساوي ألفٌ منه قرشاً واحداً). ومَقُولَةُ “كلُّ حروبِ الشرقِ – الغربِ قد نَشَبَت من أجلِ المرأة” على حدِّ تعبيرِ هيرودوت، إنما توضِّحُ هذه الحقيقة. ألا وهي أنها اكتَسَبَت قِيمَتَها كمُستعمَرة، ولأجلِ ذلك باتت موضوعَ الحروبِ الهامة. ومثلما أن تاريخَ المدنيةِ كذلك، فالحداثةُ الرأسماليةُ أيضاً تُمَثَّلُ استعمارَ المرأة الأشدَ وطأةً والأشملَ بأبعادِه ألفَ مرة. فهي تَنقُشُ ذلك على هويتها. فاستعمارُها باعتبارِها أمَّ جميعِ أنواعِ الكدح، وصاحبةَ الجهدِ المجانيّ، والعاملَةَ بأبخسِ الأجور، والأكثر بطالةً، ومصدرَ الشهوةِ والقمعِ اللامحدودَين للزوج، وآلةَ النظامِ لإنجابِ الأطفال، والمُوَلَّدَةَ المُرَبِّية، وأداةَ الدعاية، وأداةَ الجنسِ والإباحية، وهكذا دواليك. لقد طَوَّرَت الرأسماليةُ آليةَ استغلالِ المرأةِ بما لا مثيلَ له في آليةِ أيِّ استغلالٍ آخَر. إن العودةَ مِراراً وتكراراً إلى وضعِ المرأةِ يَبعَثُ على الأسفِ، ولو لم نَشَأْ ذلك. لكنَّ لغةَ الحقائقِ لا شكلَ آخرَ لها بالنسبةِ للمستَغَلّين المسحوقين.

فالرجل الحاكم، الذي لا يود معرفة المرأة إطلاقاً، يلجأ إلى أحد أهم أسلحته التمويهية، ألا وهو آداب العشق المزيفة. العشق بالنسبة للرجل الحاكم يساوي مواراة الكذب والرياء، اللااحترام المستتر، عمى الوعي والبصيرة، واكتساب المساحة والديمومة في الغرائز الشهوانية العمياء. وإيصال المرأة إلى النقطة التي تبلع فيها ذلك وتهضمه، منوط بمدى غور العقم واللاحل تحت وطأة الكبت والقمع. لقد فُصِلَت عن شروط الحياة المادية والمعنوية بنسبة، غدت فيها بائسة يائسة في قبول أكثر ألفاظ الرجل انحطاطاً وتهكماً واعتداءاً، بأنها حقه المشروع.

وبالنسبة لي شخصياً، فإني مذهول دوماً من قبول المرأة على ذاتها بالحياة في ظل “الوضع القائم” الذي أُقحِمَت فيه. لكن، عليّ الاعتراف بحدسي الذي مفاده أنه عندما يجلب القصّابُ الشاةَ للذبح، فإن الشاة تدرك ذلك، فترتعد أفصادها خوفاً وهلعاً. وموقف المرأة إزاء الرجل يذكّرني دائماً بتلك الرعشة. فالرجل لا يرتاح له بال، ما لم ترتجف المرأة أمامه. هذا هو الشرط الأولي لهيمنته. لكن القصّاب يذبح الشاة لمرة واحدة، في حين أن الرجل يذبح المرأة طيلة العمر. هذه هي الحقيقة الواجب الإفشاء بها. أما مواراة ذلك بأغاني العشق، فهو استحقار وازدراء دانٍ. فأكثر المواد والمصطلحات افتقاداً للمعنى في ظل الحضارة، هي تلك المُقالة في العشق. فما لم يفلح فيه أي رجل، ولم يرغب الفلاح فيه بتاتاً، هو إبداء القدرة على التقرب من المرأة بطبيعته العادية الموجودة. وأنا مضطر شخصياً لاعتبار كل رجل قادر على إبداء هذه القدرة بأنه بطل حقيقي. الفرق هنا لا ينجم عن ضعف بسيط أو اختلاف جنسي بيولوجي. بل إنه يصدر من توطين المجتمع الهرمي الدولتي للمرأة في أسفل القاع، باعتبارها مادة الطبقة السفلية الأولى.

الإلهة تعني المرأة المدركة لكونيتها، والمحتلة مكانها برسوخ في توازن القوى الديمقراطية، والمميزة بالحرية والمساواة في علاقاتها الاجتماعية. جلي تماماً أن الرجل إزاء هذه المرأة، لن يتجرأ على استهلاكها كزوجة أو فرض هيمنته عليها. بل سيكتفي فقط بإبداء حبه وتقديره لها، دون أن ينتظر منها الحب أو الاحترام بالإكراه. فما بالك بأمله في إقامة العلاقة الجنسية معها! أما إذا أصبح حراً عادلاً متسماً بقوة التوازن الديمقراطي، فحينها بإمكانه انتظار الحب والتقدير من المرأة المتميزة بمقاييس مشابهة. يجب فهم ذلك كمبدأ أخلاقي أولي لدينا. وربما تتطور الظاهرة المسماة بالعشق، إذا ما تم الامتثال له. وهذا بدوره حَدَث يتطور مع تصاعد بسالة النضال في سبيل الديمقراطية والحرية والمساواة. كل موقف عدا ذلك هو مجرد خيانة. وإذا ما حصلت خيانة العشق، لا يمكن تحقيق النصر والإبداع أبداً. العشق الحقيقي ممكن في صفوف PKK، شرط وجود البسالة والشجاعة المثبتة لوجودها بإحراز النصر والظفر.

إنْ كان لا بد من الحديث عن حقيقة العشق في راهننا، فهذا غير ممكن إلا باكتساب الشخصيات التي تتجاوز في عشقها ما كان عليه “ليلى ومجنون” بأشواط ملحوظة، وتتخطى كل أهل التصوف، وتتحلى بدقةِ وحساسيةِ رجل العلم، وتؤدي إلى الخروج من الأزمة الحالية والتوجه نحو الحرية الاجتماعية، وتبرهن على عشقها ببسالاتها وتضحياتها وانتصاراتها المظفرة.

على الرجل أن يعرف أن الرجولة الحقة الواثقة من ذاتها تحتّم تقديم المساعدة والمؤازرة والتضحية العظمى – لا زرع العراقيل – في سبيل تحرر المرأة بالنحو الذي ذكرناه. عليه أن يولي الأهمية للقول: “إنها المرأة التي يجب أن تتحرر”، عوضاً عن القول: “إنها امرأتي”. وفي حالة كهذه، فإن الشرط الأولي والأساسي للعشق هو تكافؤ المرأة والرجل في القدرة على الحرية والمساواة، كي تتمكن من استخدام حقها في الاختيار والانتخاب بصورة كاملة. وهذا ما يتطلب بدوره شرطاً آخر يتمثل في تأمين الدمقرطة التامة داخل المجتمع. الشرط الثاني يستلزم تخطي مقاييس الهيمنة والحاكمية، التي اكتسبها الرجل على مر آلاف السنين بما يناهض مصلحة المرأة، وتجاوزها سواء في ذاته أو في المجتمع الحاكم؛ وبالتالي قبوله بلوغ القوة تماشياً مع المرأة. ساطع بجلاء أن نضال الحرية والمساواة الديمقراطي، الذي سيُخاض في سبيل تجسيد هذه الشروط وتلبيتها، سيقرِّب الفرد من ظاهرة العشق أكثر. هذا بدوره يمر أولاً من إنكار ظواهر العشق الناشئة في أحضان النظام السائد.

 

Advertisements

About منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني

موقع منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني
هذا المنشور نشر في فن/أدب/وجهة نظر. حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s