حول دور الحزب الشيوعي

حول دور الحزب الشيوعي

 

 

عذري مازغ

2010 / 11 / 5 Bookmark and Share

 

ثمت فرق شاسع بين النقد والرفض، النقد عادة هو إعادة قراءة فكر معين من حيث إبراز الجوانب المعلة للفكر واستقراء الظروف التاريخية له، استنطاق المسكوت عنه وتعليل اتجاهاته سلبا أو إجابا، اما الرفض فهو رفض لمنطلقاته سواء بإجاب او بسلب،ومعنى هذا انه ليس هناك تناسب مع الإتجاهين: بين النقد والرفض، لذلك يطرح في الفكر الماركسي إشكال كبير هو: هل كل ميل يخالف وجهة كارل ماركس نظريا باستنطاق المعطيات التاريخية لزمن ما، هي بالضرورة خروج عن الصيرورة التاريخية للحتمية التاريخة في الفكر الماركسي؟ هل يمكن مثلا اعتبار التجربة اللينينية خطأ تاريخيا من حيث فشلت في بناء المجتمع الشيوعي؟ إذا كان الأمر كذلك كيف نفسر القولة الشهيرة لماركس بأن مهمة الفلسفة هي تغيير العالم وليس تفسيره فقط؟، على هذا الأساس كان لينين حكيم عصره ونجح من حيث كره الآخرون، بثورة لينين انتقلت شعوب الإتحاد السوفياتي من ذروة التخلف التاريخي التي كانت تحكم مجتمعاتهم، فهم لينين ومعه تروتسكي بالممارسة السياسية جوهر أن يغيرا العالم، كان ثمنا باهظا أن يسارعا بمجتمعات متخلفة للحاق بالركب الحضاري للمجتمعات الغربية، آمنا أيضا بان الثورة لن تاتي من مجتمعات لم تنضج بعد وكان الرهان أن تنتفض البروليتاريا في الغرب لتكون متنفسا للبروليتاريا الرثة التي لم تنضج أوضاعها الإقتصادية بعد ببلدان روسيا القيصرية، بالفعل كانت الحركة العمالية في العالم الغربي إبان الثورة السوفياتية على أوج حراكها، كانت ثورة الرفاق بالإتحاد السوفياتي تستند إلى نبض الحركة العمالية في العالم الرأسمالي وكان شعار لينين حينها : خطوتان إلى الوراء لأجل خطوة إلى الأمام، فهو كان يدرك نبض الثورة بالإتحاد السوفياتي من حيث هي تقفز على الفراغ، وكان الفراغ هذا هو غياب وجود طبقة عاملة مهيمنة، لذلك كانت سياسة النيب، التايلورية بفهم الرفيق أنور عبد المالك، هي الطريق الآني لتلك الثورة، في تلك الظروف من تجربة الإتحاد السوفياتي، أظهرت الحروب المعادية للثورة، وكانت تقودها جيوش غربية، أن بلدا فقيرا كروسيا او كأي بلد الآن ، لن تدعه البلدان الرأسمالية في سبيل تطوره ابتغاء لمرضاة فلسفة ماركس: تغيير العالم، على هذا الأساس يجب أن يفهم لينين وتروتسكي، أتكلم عن تروتسكي المغيب عندنا في العالم العربي لأنه هو مهندس النيب (التايلورية) وليس لينين كما كان أيضا صاحب فكرة التخطيط (راجع كتاب النبي الأعزل) لنجاح ثور ة اكتوبر كان رهان الرفاق أن تنتفض الشعوب الأوربية وهو رهان خاطيء من منطلق غياب استثمار المجهود الفكري للينين في فهم نمط الإنتاج الإمبريالي، وهو ما استثمرته الرأسمالية في صالحها بالإبتعاد المباشر من المستعمرات، والإكتفاء بآلياتها المالية والإقتصادية، مضمون إعلان رامبوييه الذي يتبجح به بعض الرفاق لإعلان نهاية التبعية الإيمبيريالية، بل موت الرأسمالية

ثمت وضع تفسره الكثير من الكتابات التي تناولت تجربة الإتحاد السوفياتي بالنقد وإن سادها الكثير من الغموض بسبب من النزعة الرفضوية أكثر منها نزعة نقدية، بسبب غياب رؤية الأمور بمنظار تاريخي متأني، يستحضر التجربة وفقا لوضعها في سياق الزمان البنيوي الذي تنتمي إليها، فنجاح ثورة ما في بلد ما رهين بالمحيط الإقليمي والجغرافي والدولي لهذا البلد، بما لها من تأثيرات مباشرة وغير مباشرة، فالحروب التي خاضتها الإتحاد السوفياتي ليست حروبا اعتباطية اختلقتها القيادة لتمرير مشروعها السياسي بل هي حروب فرضت بصرامة القوى الرأسمالية للحد من شيوع الثورة وهي حروب استلهمت كل القوة المتاحة عسكريا واقتصاديا وإيديولوجيا، كما ان الغموض هذا أيضا كان يستند إلى فهم نظري خاطيء في أساسه. يستند إلى فشل الأحزاب الشيوعية في بلورة آلية التحويل الثوري إلى المجتمع الإشتراكي، ويفترض وضع أسس هذه الآلية على عاتق الطبقة العاملة في استنادها التلقائي إلى وعيها بضرورة التغيير(1)، دون أن يتبلور وعيها هذا في حراك سياسي، مثل هذا الوعي يستند إلى قراءة تجريدية تختزل الزمان البنيوي للمجتمعات لتقرأه في زمن مفترض هو الزمن الشيوعي، حيث تتنافى فيه الأداة السياسية من حيث تتنافى فيه الطبقات وبالتالي الصراعات السياسية او الصراعات الطبقية، مثل هذه القراءة المقلوبة هي مايعطي الإنطباع بأن مشكلة المشكلات في فشل الثورة في الإتحاد السوفياتي هو استنادها إلى أداة سياسية اختزلت في قيادة بيروقراطية حرفت مسار الثورة، ولئن كانت هذه القيادة عمليا قد ساهمت بيروقراطيتها في تحريف مسار الثورة في اتجاه خلق طبقة برجوازية بفعل هيمنتها البيروقراطية على القطاعات الإنتاجية مع تغييب أي دور سياسي للمنتجين الحقيقيين فذلك لا يعني إطلاقا انتقاء الأداة السياسية للطبقة العاملة، بل أستطيع القول انه بسبب من ذلك التغييب الذي مارسته البيروقراطية انتفى الاداء السياسي للطبقة العاملة من خلال الإعتماد على سياسة التخطيط التي كانت تستند إلى تقارير هذه الفئة من البرجوازية الإدارية، لقد كان انتفاء الدور السياسي للطبقة العاملة بمجرد إلغاء دور المجالس العمالية إبان الثورة ضربة قاصمة للطبقة العاملة وبذلك انحرف مسار الحزب الشيوعي السوفياتي عن أن يكون حزب الطبقة العاملة من خلال آلية التحكم التي بنتها الديكتاتورية الستالينية بممارسة القمع البوليسي اتجاه أي حركة منتقدة وخصوصا المعارضة العمالية.لقد لعبت القيادة المهيمنة على الحزب دور الإنزلاق من كونها تمثل المصالح العمالية إلى كونها تمثل مصالحها هي بالذات، فهي إيديولوجيا تمارس سيطرتها بكونها تمثل ديكتاتورية العمال فيما هي تمارسها سياسيا دولة البورجوازية البيروقراطية حفاظا على مصالحها هي بالذات،أي أن الدولة بقيت وكما كانت دائما أداة السيطرة الطبقة للطبقة الحاكمة، أي أنها لم تكن كما هي في الادبيات الماركسية تلعب دور تحويل المجتمع السوفياتي إلى مجتمع اشتراكي لينتفي دورها بعد ذلك في نمط الإنتاج الشيوعي. فتغييب الدور السياسي للطبقة العاملة هو الذي حال دون الإنتقال إلى المجتمع الإشتراكي وليس العكس كما يبدو من خلال بعض الكتابات التي طلعت علينا في صفحات الحوار المتمدن، هذا دون أن ننسى بأن المحيط الإقليمي لا يسمح صراحة بإنشاء مجتمع اشتراكي، فالشيوعية التي تعني انتفاء الدولة بما هي أداة السيطرة الطبقية لن تنجح في بلد واحد في محيط إقليمي تسود فيه الأنظمة الرأسمالية، بل إن الثورة الشيوعية لن تعرف نجاحا تاما إلا إذا كانت ثورة كونية، فالقانون العام الذي يحكم الرأسمالية هو قانون التمدد، اكتساح أسواق جديدة وغزو بلدان جديدة بحثا عن الموارد الطبيعية سواء بالتدخل المباشر عن طريق اعلان الحروب أو بالتدخل غير المباشر عن طريق تركيع الشعوب بفرض العقوبات الإقتصادية وخلق النزاعات السياسية، وهو ما يفسر الإتجاه العام للدول سواء التي عرفت مثل هذه الثورات الإشتراكية أو الدول الرأسمالية نفسها بالإتجاه نحو التسلح أكثر على حساب التنمية الإقتصادية لشعوبها .

ففي ظل مثل هذه الأوضاع، أي في ظل سيادة كونية للرأسمالية، لن تسمح الدول الرأسمالية بإنشاء مجتمعات اشتراكية مناهضة لتمددها خراج أقاليمها، بل هي تعمل دائما على زعزعة الأمور خارج دائرتها المركزية مع الإحتفاظ على تماسك جبهتها الداخلية بتوفير أسباب الرفاه لمجتمعاتها في ارتهان ضروري على عامل الزمن،أي أنها تراهن على تمديد عمرها من خلال توفير أسباب الإستقرار لمجتمعاتها من خلال السيطرة على الموارد العالمية والإستحواذ على فائض الإنتاج العالمي في الوقت الذي تفتعل أسبابا النزاعات خارج دائرتها بالشكل الذي يسمح ويبرر تدخلها المباشر. إن وضعا مثل هذا يفترض وعيا سياسيا لن تستطيع الطبقة العاملة لوحدها استعابه بالشكل التلقائي كما يدعوا بعض الرفاق، فالعمال، سواء داخل الوحدات الإنتاجية، أو داخل محيطهم الإجتماعي يتلقون دائما وعيا سياسيا هو الوعي السائد الذي تشيعه الطبقات الرأسمالية عبر أجهزتها الإعلامية، أو عبر اختلاق أوضاع اقتصادية تغرقهم في متاهات البحث المضني عن الشغل، أو تحسين أوضاعهم المعيشية إذا كانو يشتغلون.ولا أدل على هذا من خلق الملهاة السياسية التي أثارت إضرابات فرنسا اخيرا بزيادة سنتين إضافيتين على قانون المعاش، أو إعادة إصلاح سوق الشغل بما يتيح هيمنة مطمئنة لأرباب العمل بتيسير مساطر قانون الشغل، وهي عموما أوضاع تفتعلها الرأسمالية للحيلولة دون الوعي بضرورة تجاوزها وهي في وضع تفجر أزمتها المزمنة. فدور الأحزاب الشيوعية الكلاسيكية لم تعد حقيقة تلعب هذا الدور من التحسيس، بل هي أصلا في وضع علاقة تفارق مع الطبقة العاملة أو الطبقات التي يفترض أنها تمثلها وبسبب من هذه العلاقة لاتؤدي مهمتها الثورية بل هي في وضع الأحزاب الإصلاحية من حيث هي أحزاب مطلبية اكثر منها تنزع إلى تثوير المجتمع وهو ما يعطي الإنطباع بتماثل أدائها وأداء النقابات العمالية، وهو الوضع الذي يدعو إلى إعادة النظر في وضع علاقتها بالطبقة الإجتماعية التي يفترض أنها تمثلها الشيء الذي يدعون إلى السؤال عما إذا كانت فعلا أحزاب شيوعية أم هي احزاب شكلية تدعي إيديولوجيا انها شيوعية فيما هي احزاب إصلاحية، هذا هو الوضع الذي يجب أن ننظر فيه وليس نفي دور الاداة السياسية للطبقة العاملة، إذ اننا في زمن لم نتجاوز فيه الطبقة الرأسمالية المسيطرة ليتاح لنا الحديث عن انتفاء الدور السياسي للطبقة العاملة، لأن الدور هذا ضروري في بناء الوعي السياسي للطبقة العاملة، في خلق التحالفات الممكنة، وفي خلق أنساق التلاحم بين الطبقة العاملة حيثما وجدت وضروري أيضا لهدم البنى الرأسمالية في زمن القفزة النوعية التي لم ولن تتحقق إلا باستعادة الأحزاب الشيوعية لمكانتها الطبيعية لتلعب دورها التثويري الحقيقي. عملية الهدم هذه هي سياسية في أساسها وهي قمع للقوى المناهضة للتغيير ونزع ملكية وسائل الإنتاج وتحويلها إلى الملكية الجماعية، وهي أيضا عملية نفي الدولة بما هي أداة السيطرة الطبقية، أي أن ديكتاتورية الطبقة العاملة هي لحظية فقط تسود الزمن البنيوي (زمان القطع ) لتشكل نمط الإنتاج الشيوعي وتحرير الثروة الإجتماعية لتكون في يد الجميع وليست ديكتاتورية أبدية

 

 

(1) إحالة إلى مقالة الرفيق محمد المثلوثي التي بعنوان تنظيم حزبي أم تنظيم كموني المنشورة بالحوار المتمدن عدد 3136

Advertisements

About منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني

موقع منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني
هذا المنشور نشر في الماركسية. حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s