فرنسا: نموذج تعبئة جديد

فرنسا: نموذج تعبئة جديد

 

 

المناضل-ة

2010 / 11 / 4

 

جان لويس مارشيتي

 

 

 

الحصيلة توضع في النهاية. والحال أننا لسنا سوى في البداية… الوضع غير مستقر بأي وجه، لا على الصعيد الاقتصادي، ولا الاجتماعي، و لا حتى السياسي. لم يحل بعد أوان جرد الحصيلة، لكن ليس تسرعا استخلاص بعض الدروس.

 

 

حقبة جديدة

 

بعد الفشل السياسي لمايو 1968 صرخنا قائلين إنها لم تكن سوى بداية، وكان الأمر صحيحا! إذ لم يكن اهتزاز المجتمع الفرنسي و النظام العالمي سوى في البداية.

 

المشكل اليوم أعوص بالنسبة للطبقات السائدة. فدورة جديدة من التجذر بدأت للتو. و ستطال شيئا فشيئا كل شرائح المجتمع، لتزعزع أعماق النظام الاجتماعي.

 

يأتي نهوض الطبقة العاملة هذا في لحظة أزمة حاسمة للنظام الرأسمالي فيما الطبقات السائدة على الصعيد الوطني والدولي تتزايد انقساما حول وسائل مواجهتها. يوجد النظام المأزوم بوجه حفار قبره!

 

في كل حقبة يستحضر المناضلون الثوريون كمرجعية تاريخ المواجهات الأخيرة. حتى الآن كنا نستحضر مايو 1968 – في فرنسا وحتى في ايطاليا- أو يونيو 1936. و الحال أننا إزاء نموذج تعبئة جديد يجري بناؤه أمام أعيننا. فلنفتحها!

 

 

عودة الطبقة العاملة

 

كان يقال إن الطبقة العالمة ماتت و دُفنت، و ذات صباح يستيقظ البلد و يتبين انه لا يستطيع اشتغالا بدون شيالي الموانئ، وسائقي الشاحنات، و عمال القطارات، وعمال التنظيف، والبحارة، وعمال الصناعة الكيماوية…

 

وفي الآن ذاته يخوض العالم تجربة إمكان اشتغاله دون مضاربين في الأسهم لا مسؤولين، ولا رجال بنوك جشعين، و بلا وكالات تنقيط مشبوهة، و بلا ساسة محتالين و حتى بلا بورصة.

 

وهذا الدرس شوهد و تم التعليق عليه، بتعاطف في الغالب، في العالم برمته.

 

إن أحداث 2010 في فرنسا تؤكد، إن كانت ثمة حاجة إلى ذلك، أن الطبقة العالمة فاعل مركزي في كل مشروع تحرر ذي مصداقية. هذا على الصعيد الاجتماعي طبعاـ لكن أيضا على الـُصعد السياسية و البيئية وحتى الافتراضية.

 

يجب أن نستنتج من ذلك الدروس من زاوية البرنامج كما من زاوية نظام تنظيمنا وقيادتنا.

 

إضراب عام أو تعبئة سياسية جماهيرية؟

لقد دافعنا عن شعار الإضراب العام ،وعن ضرورة الإقدام عليه، لكن الذي حدث شيء آخر. يجب ألا نفسر فشل الإضراب العام بما هو فشل للحركة الجماهيرية، بل بما هو نهاية طور.

 

لم يكن الإضراب العام أمرا راهنيا لأنه في وضع تقصف النظام لا يمكن أن يكون سوى مقدمة للاستيلاء على السلطة، وهذا هدف لا يزال خارج المتناول. لهذا فإن هذا الشعار، الصحيح في المجرد، بقي محمولا من طرف طليعة صغيرة. وهذا لا يعبر عن تأخر في الوعي، بل بالعكس عن وعي صحيح لعمق الأزمة التي تتجاوز قدرات الحركة النقابية و تؤكد غياب أدوات سياسية لحلها.

 

ومع ذلك كان الإضراب العام فرض نفسه في فرنسا في يونيو 1936 و مايو 1968.

 

لكن في يونيو 1936 كانت مسألة السلطة تبدو محلولة من قبل حكومة الجبهة الشعبية. ولا أحد حاليا يمنح هكذا مصداقية للحزب الاشتراكي وحلفائه.

 

أما مايو 1968 كان المقصود لدى القسم الأعظم من الطبقة العاملة المضربة انتزاع تقاسم جديد لثمار النمو، دون إعادة نظر فعلية في النموذج الاقتصادي الاجتماعي الحامل لذلك النمو و الذي كان يبدو مستديما. وقد تحقق هذا الهدف حتى ولو بقي اليمين بالسلطة.

 

الآن أدرك الجميع أن النظام برمته كان موضع سؤال وليس التقاعد وحسب. مع الأزمة البيئية، وأزمة النظام الامبريالي، وأزمة نموذج الحضارة، يتعلق الأمر باتهام للنظام جوهري أكثر بكثير لم نتخيله أبدا حتى الآن.

 

في هذا السياق يتجاوز شعار “الإضراب العام” مستوى مجرد مجابهة مطلبية و يطرح مساأة السلطة. وهي مسألة لا يمكن بعد حلها، لا برنامجيا و لا تنظيميا.

 

جرى إذن أمر آخر غير مرتقب بتاتا. لقد شقت الحركة طريقا نحو تعبئة سياسية جماهيرية عبر أيام تحرك نقابية و إضرابات قطاعية قاسية و أعمال حصر وتوقيف blocage مشتركة بين المهن. وهذا بداية ليس إلا.

 

ومع هذا تتسع القاعدة المطلبية باطراد. ومن المفارقة أن هذا الاتساع تيسر بغياب أرضية مطلبية واضحة و موحدة في المعركة حول التقاعد.

 

في نهاية المطاف وصلنا إلى وضع حيث شرعية الحكومة وسياستها مطعون فيهما في البلد برمته دون أن تفرض شرعية أخرى نفسها.

 

حدود الحركة حول التقاعد

بلغت الحركة ضد قانون التقاعد نهاية طور. المقصود تحديد للمشاكل المطلوب حلها لاستئناف الهجوم.

 

حدود برنامجية

 

كان جليا مند البدء أن ليس ثمة اتفاق بين مختلف معارضي مشروع الحكومة على مقترح بديل. كان ثمة انقسام نقابي وكذا انقسام سياسي في اليسار. و بالتالي لا بديل موحد على المشروع الحكومي. وجب انتظار المظاهرات الأشد تعبئة لظهور شعارات ايجابية تحملها القاعدة..

 

العيب الرئيسي لنقص الوضوح هذا هو إعادة كل عامل وعاملة إلى وضعه الشخصي وهي أوضاع متعددة. بالنسبة لأغلبية المدرسين العظمى حصلت الكارثة في العام 2003. ومذاك بات مستحيلا عمليا حصول مدرس على تقاعده كاملا في 60 سنة. و كان الأمر يعني لبعض النساء انتقالا من 65 إلى 67 سنة وهو أمر مأساوي. ويعني الأمر في المقاولات الكبرى فجوة بين التقاعد المسبق المتفاوض عليه من 55 إلى 60 سنة و سن التقاعد الجديد 62 سنة للحصول على تقاعد نهائي…

 

ـأكيد أنه لو كان للحركة منذ البدء مطلب دقيق موحد، لاتخذت التطورات مجرى آخر. و للسير أبعد سيلزم تحديد الأهداف التي سنواصل المعركة من اجلها.

 

حدود تنظيمية

 

حتى الآن بقيت التعبئة في إطار نقابي أو بين النقابات.ما يدل على أن النقابات رغم ضعفها ما زالت تحرك. لم تكن الإستراتيجية التي طبقتها القيادات النقابية العليا بشكل موحد عقبة لتطور الحركة، رغم أنها لم تتح إلغاء القانون. لكن لن يمكن الانتقال إلى طور أعلى من المواجهة دون تطور كثيف للتنظيم الذاتي.

 

وستزداد الحاجة إلى التنظيم الذاتي للاستجابة لضرورتين:1- تجاوز الطور الذي بلغناه بإتباع إستراتيجية القيادات النقابية العليا،2- توسيع التعبئات وانغراسها في ميادين متعددة فيما يتجاوز مسألة التقاعد.

 

حدود سياسية

 

ليس للحركة مقابل سياسي. ما يطرح مشكلا خاصا بوجه حكومة من طراز ساركوزي التي تبدي ذاك القدر من الشراسة. إن لم يكن واردا أن تخضع فيجب إزاحتها ، لكن لصالح من؟

 

مرة أخرى لم يكن هذا السؤال مطروحا في 1936 لما كانت الجبهة الشعبية قد فازت بالانتخابات. كما لم تطرح بالحدة ذاتها في 1968 حيث أجبر المضربون بسرعة الحكومة على توقيع اتفاقات غرونيل (27 مايو1968)، التي كانت طبعا دون المتاح لكنها مثلت على كل حال مكاسب مهدت الطريق لمكاسب أخرى.

 

العقبة السياسية الراهنة كبيرة بقدر ما أن هذه الحكومة مستندة إلى المؤسسات الأوربية وخاضعة لتحكم لمدقق “الأسواق”.

 

كيف يمكن وضع وتطبيق سياسة مناقضة صراحة لهذه القوى المعادية ومع أي قوى سياسية؟ سؤال لا مفر منه. إن كانت المسألة المطروحة مسألة تقاسم الثروات فهي من مسؤولية حكومة لا يمكن أن تكون حكومة ساركوزي.

 

 

مهامها

 

بعض السبل المقترحة بعجالة

 

1- إعادة نظر في تحليلنا للمرحلة. إننا لا نكف عن الجري وراء الأحداث. آن أوان ضبط ساعتنا حول عمق الأزمة والاتجاه الذي رسمته كفاحات هذا الخريف الجماهيرية.

 

2- حزب مناهضة الرأسمالية الجديد هو حزب الإضراب العام، و قد مثل حتى الآن منظرونا الاستراتيجي وجوابنا المنهجي على كل الأوضاع. و جلي أن هذا لا يكفي. يجب علينا أن نقترح إستراتيجية سياسية على الحركة السياسية الجماهيرية الهاجمة و التي تطرح موضوعيا مسألة السلطة.

 

3- لا يمكننا مواصلة تجاهل السياق المؤسسي الأوربي الجاري بناؤه. انه الآن عنصر من عناصر السياسة اليومية. يجب إتيان إجابات في شكل شعارات واضحة و تحريضية.

 

4- بناء الحزب في المكان حيث ُتقرر الأمور، أي في مصافي النفط وفي الموانئ و في شركة سكك الحديد وعند سائقي الشاحنات. اللائحة غير شاملة، لكن وقف الحركة بالبلد تم في المصانع و وسائل النقل. في اللحظة الحاسمة لم نكن في الأماكن التي تتقرر فيها الأمور. سيكون مبطلا لحزب من قبيل حزبنا أن يكون عاجزا عن الارتباط بقطاعات الطبقة العاملة، القادرة وحدها على تركيع البرجوازية. ولتوضيح الأمور أكثر، المطلوب إيصال سياسة الحزب إلى المصانع، وهي مسالة لا تقتصر على بناء تكتلات نقابية.

 

5- حزب النضالات يجب أن يكون أولا حزب الذين يناضلون. هذا ما يجب أن يوجه اشتغالنا وكذا اختيار هيئاتنا.

 

لا أدعي إتيان أي جواب على هذه الأسئلة في حدود هذا النص رغم أن لدي، مثل الجميع، بعض الأفكار.

 

ثمة أمر بالأقل أنا متأكد منه، هو أن التشكل الذي يسير عليه حتى الآن مؤتمر حزب مناهضة الرأسمالية الجديد لا يتيح طرح الأسئلة الوجيهة. فالانقسامات سابقة “للأحداث”. و الحزب بمجمله، بكافة اتجاهاته، ركض خلف التعبئة.

 

سيكون ضارا تماما تخيل إمكان إغلاق القوس و العودة بهدوء إلى أمورنا الصغيرة المتعلقة بالاتجاهات.

 

موقع A l encontre

 

3 نوفمبر 2010

 

تعريب المناضل-ة

 

 

 

 

جان لويس مارشيتي مناضل نقابي في الفيدرالية النقابية الموحدة FSU ( التعليم)، عضو بحزب مناهضة الرأسمالية الجديد في بوش دي رون Bouches-du-Rhône وعضو لجنة البيئة بالحزب.

Advertisements

About منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني

موقع منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني
هذا المنشور نشر في حول العالم. حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s