عن ثورة أكتوبر برغم انهيار الاشتراكية

عن ثورة أكتوبر برغم انهيار الاشتراكية

سلامة كيلة

الأحد, 07 تشرين ثان 2010 13:55

خاص الأفق الاشتراكي- كما نعلم كان انهيار الدولة السوفيتية، ومن ثم انهيار المنظومة الاشتراكية، مدخلاً للتأكيد على خطأ ثورة أكتوبر، وخطيئة زعيمها فلاديمير إليتش لينين. من منطلق أن الانهيار قد أوضح بأن التسارع من أجل تحقيق الاشتراكية كان مجافياً لـ “التطور التاريخي” من زاوية التعجل في خطوة سابقة لأنوانها.

سابقة لأنوانها لأن وضع روسيا كان يتسم بسيادة العلاقات الإقطاعية، وهو الأمر الذي يفرض انتصار الرأسمالية، بالضبط كما جرى في أوروبا. حيث أن التاريخ يمشي الهوينا من الرق إلى الإقطاع إلى الرأسمالية ثم إلى الاشتراكية، وأي قفز عن مرحلة سوف يؤدي إلى كارثة، تتمثل في “عقاب الرب”. فأوروبا هي المسار الذي فرضه التاريخ، وليس من الممكن إلا أن يسير التطور وفقه. هذا المنطق هو الذي كان يحكم “الماركسية الكلاسيكية” آنئذ، من الأممية الثانية إلى بليخانوف والمناشفة، وهو منطق تطوري لم يفهم من الماركسية إلا مبدأ التراكم الكمي والتغيّر النوعي، الذي سيصبح منطقاً داروينياً في التطور الاجتماعي.

لهذا كانت ثورة أكتوبر “انحرافاً” عن مسار التاريخ، انحراف قسري حققه فرد إسمه لينين. لكن كما هو معلوم أن الواقع لا يحقق إلا ما يحمل هو بالذات في ثناياه ممكناته. وبالتالي ليس في مقدور فرد أو حزب أو طبقة أن يفرضوا على الواقع مسار غير المسار الممكن، وإلا كان هؤلاء قوة فوق الطبيعة، وهذا ما يعبّر عن تصور مثالي مفرط، يرى الإرادة وكأنها قادرة على كل شيء.

نقول ذلك الآن لأن هناك من لا زال يعتقد بهذا المعتقد، ولازال يحمّل ثورة أكتوبر ولينين وزر “تجربة فاشلة” لأنها جاءت خارج المسار التخطيطي لما يجري الاعتقاد بأنه تطور التاريخ. وهناك من لازال يحلم بالتطور الرأسمالي، ولهذا يشدد الهجوم على لينين وثورة أكتوبر لأن الخيار هنا مناقض لمصالحه الطبقية. ولاشك في أن المدقق في موقف هؤلاء يلمس الرعب الليبرالي من اللينينية، مادامت ثورة أكتوبر تنسب إلى لينين بالأساس، نتيجة أنها أعلنت نهاية إمكانية التطور الرأسمالي، والسير في طريق آخر يعبّر عن مصالح طبقية مختلفة هي مصالح العمال والفلاحين الفقراء.

إنه ليس من الممكن أن تنتصر ثورة دون أن يكون الواقع يحمل من الممكانات من يجعلها تنتصر، ولهذا يجب أن نتلمس مدى التصاعد في الصراع الطبقي من قبل طبقات متعددة الذي أوصل إلى أن يصبح ممكناً الانتصار، خصوصاً وأن الحزب البلشفي بات يحظى بدعم هذه الطبقات. هذا الدعم هو الذي مكّن من انتصار الثورة وليس إرادوية لينين، التي لم تكن سوى التعبير عن هذا الميل الجارف لتحقيق التغيير. لكن الأساس هنا هو أن تناقضات المجتمع، التي كانت تتمثل في الصراع مع الإقطاع القيصري والبرجوازية الملحقة به، من قبل العمال والفلاحين، كانت تفرض الحسم، ولقد كانت الجبهات واضحة: الإقطاع والبرجوازية من جهة والعمال والفلاحين من جهة أخرى.

السؤال الأساس هنا هو: لماذا كانت البرجوازية في تواشج مع الإقطاع؟ وبالتالي باتت غير معنية بالتغيير الرأسمالي؟

إن هذا التواشج، وبالتالي العزوف عن تحقيق انتصار الرأسمالية هو الذي طرح السؤال حول: من يحقق المهمات الديمقراطية؟ ولأن البقاء في إطار نمط مهلهل، في ظل السلطة القيصرية، بات مستحيلاً، كانت الطبقات المفقرة تعمل على تحقيق التغيير، وكان الحزب البلشفي يلاقي هذا الطموح، ليس من أجل تحقيق الاشتراكية بل من أجل تحقيق مطالب هذه الطبقات في سياق الانتقال إلى الاشتراكية. هنا لم يكن ممكناً القول بأن لينين حرف المسار، بل لقد عبّر عن تصاعد الصراع الطبقي، وعن ميل العمال والفلاحين لتحقيق التغيير.

وبالتالي يصبح السؤال الأساس هو: لماذا سار الواقع في هذا المسار؟ لماذا كان ضرورياً أن يصبح الحزب الشيوعي هو السلطة التي تأخذ على عاتقها تصفية الإقطاع وبناء الصناعة وتحديث التعليم، وتطوير الاقتصاد إجمالاً، وتحقيق الحداثة على العموم، أي كل ما حققته الرأسمالية خلال قرن ونصف من تطورها؟

سأقول الآن بأن كل ذلك قد تحقق، وإن كانت الاشتراكية قد انهارت بعد تحققه. وهو ما لم يتحقق إلا من خلال دور الحزب الشيوعي، حيث لم يتحقق أي تطور رأسمالي في أي من البلدان التي لم تكن قد أصبحت صناعية بداية القرن العشرين (سوى استثناء النمور لأسباب سياسية، والهند جزئياً بالتعاون مع السوفيت). إن فهم مسار التطور يفرض أن يدرس وضع العالم على ضوء تحوّل الرأسمالية إلى نمط عالمي، أي إلى رأسمالية في المراكز تهيمن على السوق العالمي. فهذا ما فرض نشوء وضع جديد لم يكن زمن ماركس، وافضى إلى تجاوز العديد من أفكاره، وهذا أمر طبيعي في الماركسية التي تنطلق من أن الواقع في صيرورة. وعلى ضوئه غدت البرجوازيات المحلية تميل للتوظيف في قطاعات غير منتجة، مثل التجارة والخدمات والمال، وبالتالي باتت كومبرادور لبرجوازية المراكز. وهو الأمر الذي جعلها غير معنية لا ببناء الصناعة ولا بتحديث المجتمعات، ولا بالقطع مع البنى التقليدية السائدة.

إن الإجابة على سؤال: من يحقق التطور؟ هو الذي حكم ثورة أكتوبر، ولقد أفضى إلى تحقيق التطور الضروري لكي تكون روسيا بلداً حديثاً. ربما لا يكفي ذلك بالنسبة لطموح يهدف إلى تحقيق الاشتراكية الحقة، لكنه خطوة مهمة من أجل الوصول إلى ذلك. حيث ليس من الممكن أن يجري تجاوز الرأسمالية وهي لاتزال تنهب الأطراف، وبالتالي تمتلك كل المرونة من أجل تكييف بنى المراكز والأطراف معاً.

ثورة أكتوبر، بالتالي، فتحت طريق تطور في وضع لم يعد ممكناً فيه التطور الصناعي والحداثي عموماً على ضوء سيطرة الرأسمالية، ونفعيتها التي فرضت أن تبقي باقي العالم في وضع مخلّف. وهو طريق يتجاوز الرأسمالية وإن كان يحقق ما أنجزته، وأيضاً برغم أن انهيار الاشتراكية يبقى ممكناً. هذا في صلب كل الهجوم الشديد على لينين وثورة أكتوبر، لأن الرأسمالية لا تريد تحقيق التطور في الأمم التي أبقتها متخلفة من أجل استمرار نهبها.

عن ثورة أكتوبر برغم انهيار الاشتراكية- سلامة كيلة

 

Advertisements

About منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني

موقع منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني
هذا المنشور نشر في الماركسية. حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s