مختارات شعرية….سميح القاسم

مختارات شعرية

 

سميح القاسم

 

بطاقات معايدة إلى الجهات الست

 

أُسْوَةً بالملائكةِ الخائفينَ على غيمةٍ خائفهْ

في مَدى العاصفهْ

أُسْوَةً بالأباطرةِ الغابرينْ

والقياصرةِ الغاربينْ

في صدى المدنِ الغاربَهْ

وبوقتٍ يسيرُ على ساعتي الواقفَهْ

أُسْوَةً بالصعاليكِ والهومْلِسّ

بين أنقاضِ مانهاتن الكاذبَهْ

أُسْوَةً بالمساكينِ في تورا بورا،

وإخوتِهم، تحت ما ظلَّ من لعنةِ التوأمينِ،

ونارِ جهنَّمها اللاهبَهْ

أُسْوَةً بالجياعِ ونارِ الإطاراتِ في بوينس إيريسْ،

وبالشرطةِ الغاضبَهْ

أُسْوَةً بالرجالِ السكارى الوحيدين تحت المصابيحِ،

في لندنَ السائبَهْ

أُسْوَةً بالمغاربةِ الهائمينَ على أوجه الذلِّ والموتِ ،

في ليلِ مِلِّيلَةَ الخائبَهْ

أُسْوَةً بالمصلّينَ في يأسهم

والمقيمينَ ، أسرى بيوتِ الصفيح العتيقْ

أُسْوَةً بالصديقِ الذي باعَهُ مُخبرٌ ،

كانَ أمسِ الصديقَ الصديقْ

أُسْوَةً بالرهائن في قبضةِ الخاطفينْ

أُسْوَةً برفاقِ الطريقْ

أُسْوَةً بالجنودِ الصِّغار على حربِ أسيادهم ،

وعلى حفنةٍ من طحينْ

أُسْوَةً بالمساجين ظنّاً ،

على ذمّةِ البحثِ عن تهمةٍ لائقَهْ

أُسْوَةً بالقراصنةِ الميّتينْ

بضحايا الأعاصيرِ والسفنِ الغارقَهْ

بالرعاةِ الذين أتى القحطُ عاماً فعاماً

على جُلِّ إيمانهمْ

وعلى كُلِّ قُطعانهمْ

أُسْوَةً بالشبابِ المهاجرِ سرّاً ،

إلى لقمةٍ ممكنَهْ

خارجَ الجوعِ في وطنِ الفاقةِ المزمنَهْ

أُسْوَةً بالفدائيِّ أَوقَعَهُ خائنٌ في كمينْ

أُسْوَةً بالنواصي التي جزَّها النزقُ الجاهليّ

والرقابِ التي حزَّها الهَوَسُ الهائجُ المائجُ الفوضويّ

أُسْوَةً بالمذيعِ الحزينْ

مُعلناً ذَبْحَ سبعينَ شخصاً من العُزَّلِ الآمنينْ

باسم ربِّ السماءِ الغفورِ الرحيمْ

والرسولِ العظيمْ

والكتابِ الكريمْ

وصراط الهدى المستقيمْ

أُسْوَةً باليتامى الصغارْ

بالمسنّينَ في عزلةِ الزمنِ المستعارْ

بينَ نارٍ وماءٍ.. وماءٍ ونارْ

أُسْوَةً بالجرار التي انكسرتْ ،

قبلَ أن تبلغَ الماءَ ،

في واحةٍ تشتهيها القفارْ

أُسْوَةً بالمياهِ التي أُهرقتْ في الرمالِ ،

ولم تستطعْها الجرارْ

أُسْوَةً بالعبيد الذينْ

أَعتقتْهم سيولُ الدماءْ

ثمَّ عادوا إلى رِبْقَةِ السادةِ المترفينْ

في سبيلِ الدواءْ

وبقايا بقايا غذاءْ

أُسْوَةً بالقوانين ، تقهرها ظاهرَهْ

بالبحارِ التي تدَّعيها سفينَهْ

بالجهاتِ التي اختصرتْها مدينَهْ

بالزمانِ المقيمِ على اللحظةِ العابرَهْ

أُسْوَةً برجالِ الفضاءِ وحربِ النجومِ اللعينَهْ

أُسْوَةً بضحايا الحوادثِ في الطرقِ المتعَبَهْ

وضحايا السلامْ

وضحايا الحروبِ وأسرارِها المرعبَهْ

وضحايا الكلامْ

وضحايا السكوتِ عن القائلينَ بحُكم الظلامْ

وبفوضى النظامْ

أُسْوَةً بالمياهِ التي انحسرتْ ،

عن رمادِ الجفافْ

والجذوعِ التي انكسرتْ ،

واستحالَ القطافْ

أُسْوَةً بالشعوبِ التي أوشكتْ أن تبيدْ

واللغات التي أوشكتْ أن تبيدْ

في كهوفِ النظامِ الجديدْ

أُسْوَةً بضحايا البطالَهْ

يبحثونَ عن القوتِ في حاوياتِ الزبالَهْ

أُسْوَةً بالطيورِ التي هاجرتْ

ثم عادتْ إلى حقلِهَا الموسميّ

في الشمالِ القَصِيّ

لم تجدْ أيَّ حقلٍ.. ولا شيءَ غير المطارْ

والفراشاتُ ظلُّ الفراشاتِ في المشهد المعدنيّ

ظِلُّ نفاثةٍ قابعَهْ

خلفَ نفّاثةٍ طالعَهْ

بعدَ نفّاثةٍ ضائعَهْ

خلفَ نفّاثةٍ راجعَهْ

لم تجدْ غير دوّامةٍ من دُوارْ

أُسْوَةً بغيومِ الشتاءِ على موتها مُطبِقَهْ

بالبراكينِ في آخرِ العمرِ.. مُرهَقةً مُرهِقَهْ

بالرياحِ التي نصبتْ نفسها مشنقَهْ

وتدلَّتْ إلى قبرِهَا

بين قيعانِ وديانها الضيّقَهْ

أُسْوَةً بالشعوبِ التي فقدتْ أرضَها

بضحايا الزلازلِ والإيدز والجوعِ والأوبئَهْ

أُسْوَةً بالبلادِ التي خسرتْ عِرضَها

ومواعيدَ تاريخها المُرجأهْ

في سُدى هيئةِ الأُمم المطفَأَهْ

أُسْوَةً بي أنا

نازفاً جارحا

غامضاً واضِحا

غاضباً جامحا

أُسْوَةً بي أنا

مؤمناً كافراً

كافراً مؤمِنا

أُسْوَةً بي أنا

أرتدي كفني

صارخاً: آخ يا جبلي المُنحني

آخ يا وطني

آخ يا وطني

آخ يا وطني !

 

(26/12/2001)

 

*****

 

الخفافيش

 

الخفافيش على نافذتي،

تمتصّ صوتي

الخفافيش على مدخل بيتي

والخفافيش وراء الصّحف

في بعض الزوايا

تتقصّى خطواتي

والتفاتي

 

والخفافيشُ على المقعد،

في الشارع خلفي..

وعلى واجهة الكُتب وسيقان الصّبايا،

كيف دارت نظراتي!

…………………..

الخفافيشُ على شرفة جاري

والخفافيش جهازٌ ما، خبّيءٌ في جدار.

والخفافيشُ على وشك انتحار.

………………….

إنّني أحفرُ درباً للنهار!

 

****

 

تعالي لنرسم معا قوس قزح

 

نازلاً كنت : على سلم أحزان الهزيمة

نازلاً .. يمتصني موت بطيء

صارخاً في وجه أحزاني القديمة :

أحرقيني ! أحرقيني .. لأضيء !

لم أكن وحدي ،

ووحدي كنت ، في العتمة وحدي

راكعاً .. أبكي ، أصلي ، أتطهر

جبهتي قطعة شمع فوق زندي

وفمي .. ناي مكسّر ..

كان صدري ردهة ،

كانت ملايين مئه

سجداً في ردهتي ..

كانت عيوناً مطفأه !

واستوى المارق والقديس

في الجرح الجديد

واستوى المارق والقديس

في العار الجديد

واستوى المارق والقديس

يا أرض .. فميدي

واغفري لي ، نازلاً يمتصني الموت البطيء

واغفري لي صرختي للنار في ذل سجودي :

أحرقيني .. أحرقيني لأضيء

 

نازلاً كنت ،

وكان الحزن مرساتي الوحيدة

يوم ناديت من الشط البعيد

يوم ضمدت جبيني بقصيدة

عن مزاميري وأسواق العبيد

من تكونين ؟

أأختاً نسيتها

ليلة الهجرة أمي ، في السرير

ثم باعوها لريح ، حملتها

عبر باب الليل .. للمنفى الكبير ؟

من تكونين ؟

أجيبيني .. أجيبي !

أي أخت ، بين آلاف السبايا

عرفت وجهي ، ونادت : يا حبيبي !

فتلقتها يدايا ؟

أغمضي عينيك من عار الهزيمة

أغمضى عينيك .. وابكي ، واحضنيني

ودعيني أشرب الدمع .. دعيني

يبست حنجرتي ريح الهزيمة

وكأنا منذ عشرين التقينا

وكأنا ما افترقنا

وكأنا ما احترقنا

شبك الحب يديه بيدينا ..

وتحدثنا عن الغربة والسجن الكبير

عن أغانينا لفجر في الزمن

وانحسار الليل عن وجه الوطن

وتحدثنا عن الكوخ الصغير

بين احراج الجبل ..

 

وستأتين بطفلة

ونسميها ” طلل “

وستأتيني بدوريّ وفلـّه

وبديوان غزل !

 

قلت لي – أذكر –

من أي قرار

صوتك مشحون حزناً وغضب

قلت يا حبي ، من زحف التتار

وانكسارات العرب !

قلت لي : في أي أرض حجرية

بذرتك الريح من عشرين عام

قلت : في ظل دواليك السبيه

وعلى أنقاض أبراج الحمام !

قلت : في صوتك نار وثنية

قلت : حتى تلد الريح الغمام

جعلوا جرحي دواة ، ولذا

فأنا أكتب شعري بشظية

وأغني للسلام !

 

وبكينا

مثل طفلين غريبين ، بكينا

الحمام الزاجل الناطر في الأقفاص ، يبكي ..

والحمام الزاجل العائد في الأقفاص

… يبكي

ارفعي عينيك !

أحزان الهزيمة

غيمه تنثرها هبة الريح

ارفعي عينيك ، فالأم الرحيمة

لم تزل تنجب ، والأفق فسيح

ارفعي عينيك ،

من عشرين عام

وأنا أرسم عينيك ، على جدران سجني

وإذا حال الظلام

بين عيني وعينيك ،

على جدران سجني

يتراءى وجهك المعبود

في وهمي ،

فأبكي .. وأغني

نحن يا غاليتي من واديين

كل واد يتبناه شبح

فتعالي . . لنحيل الشبحين

غيمه يشربها قوس قزح !

 

وسآتيك بطفلة

ونسميها ” طلل “

وسآتيك بدوريّ وفلـّه

وبديوان غزل !!

Advertisements

About منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني

موقع منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني
هذا المنشور نشر في فن/أدب/وجهة نظر. حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s