حول الشرط التاريخي أو عالمية الرأسمالية وأفق التطور- سلامة كيلة

 

سلامة كيلة

الأحد, 21 تشرين ثان 2010 21:38

(استكمال النقاش مع سامي العباس)

خاص الأفق الاشتراكي- لازال النقاش مع سامي العباس يتمحور حول نقطة واحدة، يعتبر أنها هي العمود الفقري في كل ما طرحت في مقالي “الأحزاب الشيوعية العربية: علينا أن ندفن موتانا” التي نشرت في جريدة الأخبار وقبلها في موقع الأفق الاشتراكي ومواقع أخرى. النقطة التي يتناولها هي ممكنات التطور في الأمم التي تخلفت وباتت مخلّفة.

ويبدو أنه يعترض على تأكيدي على استحالة التطور الرأسمالي، وبالتالي على ضرورة أن يلعب العمال والفلاحون الفقراء من خلال الحزب الماركسي الدور الذي يفضي إلى تحقيق التطور وصولاً إلى الاشتراكية. رغم أنه يطرح المسألة في شكل من يريد التفحص، حيث يقول بأنه ذهب إلى العمود الفقري فيما قلت “لأتفحص هل مازال قادراً على النهوض بالعبء النظري لإشكالية التحول الاشتراكي التي وضعتها اللينينية في أمر اليوم بدءاً من مطلع القرن العشرين؟” (سامي العباس، محاولة لتعميق فهمنا لشرطنا التاريخي المنشور في موقع الافق الاشتراكي). وهو ينتقد “نقديتي” لأنها “تحشر نفسها في مخنق” أن الأحزاب الشيوعية لم تكن لينينية بل بيرنشتاينية وكاوتسكية وبليخانوفية، رغم أن هذا “المحشر” هو الذي يقول أنه العمود الفقري لرأيي. بمعنى أنني كنت أميّز بين رؤية تقوم على دعم التطور الرأسمالي وأخرى تتجاوز ذلك. كل ذلك انطلاقاً من تحليل لطبيعة التكوين العالمي الذي أوجدته الرأسمالية منذ بداية القرن العشرين إلى الآن، وهو “الشرط التاريخي” الذي يجري فيه التطور، والذي يجب أن يجري تحليله من أجل الإجابة على سؤال التطور ذاته.

لكن بدءاً أشير إلى أن اللينينية كما يفهمها سامي لا تمت إلى اللينينية، حيث أنه يعتقد بأن لينين استنتج بـ “إمكانية التحول الاشتراكي” على خلفية انسداد الطريق على التحول الرأسمالي في الأطراف بقيادة البرجوازية (وهو هنا يوافق لينين على وجود هذا الانسداد). لكن لينين لم يطرح التحول الاشتراكي رغم دعوته لاستلام البروليتاريا السلطة في أكتوبر سنة 1917، بل أكد على أن الهدف ليس تحقيق الاشتراكية بل تحقيق المهمات الديمقراطية، لأنه كان يعي عمق التخلف الذي تعيشه روسيا. وواضح بأن كل ما قاله في هذا المجال بعيد عن المعرفة لكثير ممن تناول رؤية لينين (يمكن العودة مثلاً إلى موضوعات نيسان وكثير مما كتب بعد انتصار الثورة). وكنت أشرت في العديد من الدراسات إلى تصوره حول المهمات المطروحة على السلطة السوفيتية لا أود تكرارها هنا. بمعنى أن لينين كان يطرح تحديث المجتمع قبل اشتراكيته، لأن الثانية ترتبط بنجاح الأولى.

هذه نقطة أولى في النقاش، ترتبط بها نقطة أخرى، حيث ينطلق سامي من نقد “التحول الاشتراكي” عند لينين للقول بأن”الانسداد كان فقط للتحول الأعمى إلى الرأسمالية الذي يقوده المحامون ورجال الأعمال وليس –الانسداد- للتحول الرأسمالي بشكل عام”، وأنه بدأ من ألمانيا قبل روسيا.

قبل أن نصل إلى ألمانيا نسأل، ماذا يعني هذا الكلام؟ طيب أولاً أعرف أن هناك تطور عفوي (يمكن أن يكون هو الذي يقصده سامي)، لكنه لم يقد من قبل المحامين ورجال الأعمال بل من قبل حرفيين في البدء ثم من قبل الفئات التجارية، ومن ثم من قبل كبار ملاك الأرض، ولقد كان عفوياً لأنه ارتبط باكتشاف الصناعة، واكتشاف أنها تدرّ ربحاً أفضل، وهو الأمر الذي فرض عملية تحوّل في الاستثمار مكّنت من النهوض بالصناعة. ولقد جرى كل ذلك في سوق حر ودون تنافس في بادئ الأمر. وهذا هو الطريق الإنجليزي خصوصاً في التطور الرأسمالي، والفرنسي إلى حدّ ما. بالتالي أين المحامين ورجال الأعمال أصلاً؟ ثم لم يوضح سامي كيف أن التحول الرأسمالي “بشكل عام” هو ممكن؟ فقد أشار إلى تعميم دائرة الإنتاج في رده السابق وأجبته، لكنه بدل الدخول في نقاش المسألة عاد إلى العموميات (التي سوف نلمسها تالياً بشكل أوضح). وربما أكون أنا من أشار إلى خيار للتطور الرأسمالي آخر، وهو خيار الاشتراكية، حيث يمكن فقط توصيف ما حدث في التجربة الاشتراكية لتلمس أن الاشتراكية قد أوجدت “البنية التحتية” التي كانت الرأسمالية الأوروبية قد أنجزتها، ومن ثم تطور الوضع إلى “فشل الاشتراكية” وعودة الرأسمالية، لكن الرأسمالية المتطورة هذه المرة وليست الرأسمالية التابعة. هل من خيار آخر لتطور الرأسمالية؟ آمل أن يوضح ذلك، رغم أنه يشير إلى أنه “لتجاوز صيغة التحول الأعمى ظهر المثقف الثوري كبديل للمحامي، والدولة كبديل لرجل الأعمال، كطريق للتحول المتأخر إلى الرأسمالية تحت القيادة الواعية للفلاسفة”. عن أي تجربة يتحدث؟ عن روسيا أو ألمانيا؟ إنه هنا يحاول الاستفادة مما قاله عبدالله العروي، ويستخدم مصطلحاته، لكنه يشوش فكرة العروي كما سأشير تالياً.

عن الواقع

سامي بالتالي يعود بنا إلى عبدالله العروي وألمانيا. قبل ذلك أود أن أشير إلى أن المسألة لا تحتمل العودة إلى الماضي بل تفرض الذهاب إلى الواقع، فبغض النظر عما قاله العروي الذي أجله (وسوف أوضح كيف أن سامي تناوله بعكس ما أراد، وهذه طبيعة كثير ممن قرأ العروي في مرحلة الانحدار الليبرالي) يجب وعي الواقع. فهل من الممكن أن تقوم فئة تملك مالاً بالتوظيف في الصناعة والبنى التحتية في إطار التنافس العالمي على أرضية اقتصاد السوق؟ لقد درست تاريخ محاولات التطور الرأسمالي في الوطن العربي ووجدت أن من يملك مالاً يميل إلى التوظيف في التجارة والخدمات لأنه يهرب من الوقوع في إطار تنافس غير متكافئ، وكل المحاولات الهامشية كانت تهزم نتيجة هذا التنافس غير المتكافئ. كما أنني أشرت في الرد السابق إلى وهم تعميم دائرة الإنتاج ورسملة الأطراف. وهي فكرة تنطلق من فهم سيء لطبيعة النمط الرأسمالي، سواء بالتقليل من أهمية الصناعة فيه، أو من عدم مسك أثر قانون فيض الإنتاج، فهما معاً يفضيان إلى وقف التوسع الصناعي، الذي بات ممركزاً إلى حدّ فائق، وهو في مركزته يصبح هوامش في المجتمعات الرأسمالية ذاتها (تراجع نسبة العمالة فيه، ونسبته في مجمل الدخل القومي مثلاً). وبالتالي يبقى محتكراً لقلة، وممركزاً في مناطق معينة. حتى حينما “يعمم” فهو ينتقل من بلد إلى آخر في إطار البلدان الرأسمالية ولا يتوسع أفقياً لكي يعم مجتمعات جديدة، وبالتالي لا يوسع الطبقة العاملة ولا يحدث تأثيراً عميقاً في بنية المجتمعات التي تبقى زراعية أو مهمشة، ولا يضيف فائض قيمة لهذه المجتمعات أو يزيد من القطاع السلعي المنتج فيها.

هذه هي المشكلة التي جعلت أفق التطور الرأسمالي مسدوداً. وهي المشكلة التي فرضت هذا الشكل من التطور “القسري” في بعض البلدان العربية من خلال الجيش (كما حدث في ألمانيا ربما لكن في وضع مختلف). وهي المشكلة التي تجعل “المثقف الثوري” (أي الماركسي) والدولة، المعبّرين عن العمال والفلاحين الفقراء هم محقق التطور، بغض النظر عن المآل: هل هو الانتقال إلى الاشتراكية الحقة أو العودة إلى الرأسمالية؟ لكن هنا الرأسمالية المتطورة، التي يخلق وجودها أزمة أعمق في النمط الرأسمالي (كما اشرت في كتابي، الاشتراكية أو البربرية). بالتالي المسألة ليست كيف فهم العروي ماركس بل ما هو الواقع القائم؟ وهل أن فكرة لينين مطابقة أو لا له؟ الحل هنا ليس في تحليل الماضي، رغم أهمية ذلك، بل في وعي الواقع. وهو ليس في تفسير قول لماركس أو نص للعروي بل بالتحديد في الذهاب إلى الواقع من أجل تحديد “الشرط التاريخي” الذي يجري فيه التطور، ويحدد ممكناته.

وألمانيا

هل عانت من الانسداد ذاك الذي عانت منه روسيا؟ بالقطع لا، وإلا لما أصبحت رأسمالية. لقد عانت من المنافسة القوية لإنجلترا وفرنسا، حيث تأخرت برجوازيتها (أو التجار وملاك الأرض) عن التوظيف في الصناعة، بل تحالفت مع الإقطاع. ولقد تدخلت الدولة لحسم المسألة بعد استلام بسمارك السلطة، ومن خلال هزيمة فرنسا، وكان لتأخرها في التطور أثر في أزماتها اللاحقة لأنها وجدت عالماً مسيطر عليه من قبل الرأسماليات الأخرى. لكن ما سمح لها بأن تتطور، مثل أميركا التي كانت محتلة وكذلك اليابان، هو أن التشكل الرأسمالي كان قومياً إلى حينها، وكان أولياً (بمعنى أن التطور التقني لم يكن قد بلغ مستوى لا يمكن تجاوزه)، بينما قاد التطور الرأسمالي نهاية القرن التاسع عشر إلى تشكل الاحتكارات، والسيطرة الرأسمالية على العالم، وبالتالي تحوّل الرأسمالية التنافسية القومية إلى إمبريالية. هذه العناصر هي التي جعلت ميل الرأسمال إلى الكف عن الاستثمار في الصناعة والتركيز على القطاع الوسيط والخدمي، وبالتالي لم تعد البرجوازية معنية بأن تحقق التطور المجتمعي، وتكيفت مع “المشروع الإمبريالي”.

وإذا كان تحوّل السلطة هو الذي يفتح الأفق لتحقيق التطور (كما في ألمانيا واليابان) فقد بات منذئذ يجعل الدولة في صراع عنيف مع النمط الرأسمالي ذاته، في ظل موازين قوى تشكلت هي في صالح الرأسمال، وفي ظل لا تكافؤ بات ليس من السهولة تجاوزه. هذا الضغط “الخارجي” بات يمنع الرأسمال المحلي من تحقيق التطور الصناعي، حيث يحاصر ويوضع في ما يمكن أن نسميه “حالة حرب”. الأمر الذي يجعله يتراجع أو ينهار من الداخل (أو حتى بالتدخل الخارجي). هذه المعادلة لم تتجاوزها سوى النظم الاشتراكية.

بمعنى أنه يجب أن نلحظ التشكل العالمي للرأسمالية، وتبلور الاحتكارات، واللا تكافؤ، من أجل فهم الوضع الجديد الذي نشأ بداية القرن العشرين. وهو الوضع الذي أوجد الانسداد، وجعل إمكانية التطور الراسمالي، سواء العفوي (الكلاسيكي) أو عبر الدولة (القسري)، ليس ممكناً، إلا كاستثناء إمبريالي (كوريا/ تايوان) رغم أن التحولات العالمية بعد انهيار الاشتراكية سدت هذه الإمكانية ومنعت تكرارها، حيث فُرض على الرأسمالية الأميركية تطوير تلك البلدان لـ “وقف المد الشيوعي”. بالتالي لا يجب القياس على ما قاله ماركس عن ألمانيا، أو على وضع ألمانيا ذاته، فالوضع كله مختلف، وإلا لا نكون قد استوعبنا معنى تشكل الإمبريالية، أو تحوّل الرأسمالية إلى نمط عالمي. وبالأساس لا يجب القياس كمنطق، رغم أن ما قاله ماركس حول ألمانيا كان مدخل لينين لتقديم تصوره الذي بدا مفاجئاً لكلاسيكيي الماركسية حينها (كاوتسكي وبليخانوف والأممية الثانية).

إن جوهر الانسداد هنا هو أن كل شكل للتطور ينطلق من أسس الرأسمالية بات “مقموعاً” سلفاً، سواء عبر الاختلال في التكافؤ في إطار سوق راسمالي عالمي، أو بكل أشكال الضغط والحرب التي لا يحتملها إلا من لا يملك ما يخسره. وبالتالي من هو في تناقض جذري مع الرأسمال.

عبدالله العروي وكارل ماركس

اعتذر مسبقاً لأنني لم أفهم ما يراد قوله من الاستشهاد بنص عبدالله العروي، خصوصاً أنه يوجهه ضد لينين، الذي سيكون أقرب إلى “المثقف الألماني” الذي نقده ماركس. وخصوصاً أيضاً أن النص يتناول إشكالية هي بعيدة من حيث الجوهر عن الإشكالية التي نناقشها. فماركس “الشاب” كما يقول العروي (وليس كما أشار سامي) “لم يحافظ على إشكالية الأيديولوجية الألمانية كما هي، بل رفض الأجوبة التي كانت تحتوي عليها ضمنياً”، لكنه كذلك نزع عنها “كل غرض قومي أو محلي ورفعها إلى درجة من الدقة والتجريد جعلتها جاهزة لكي يستعملها غير الألمان”. ما هي هذه الاشكالية التي رفعت إلى أعلى درجة من التجريد؟ يشير العروي إلى أنها “التاريخ، الثورة، الجدل” (ص158 من كتاب العرب والفكر التاريخي الذي يعيد إليه سامي). ولقد ركز على هذه المسألة في سياق رفضه التفسير الليبرالي للماركسية، ومن محاولة إحداث قطيعة مع هيغل بحجة “المادية التاريخية” كما فعل ألتوسير. بمعنى أن العروي كان يؤكد على ما ورثه ماركس من الأيديولوجية الألمانية، ألا وهو الجدل والفهم التاريخي والثورة، ولم يكن يبحث في “الانسداد” الذي كان يواجهه التطور في ألمانيا. أكثر من ذلك أن العروي رأى أن ماركس قد أقام فصلاً بين الطبقة البرجوازية والثقافة البرجوازية، وأنه بقي متشبثاً بأن البروليتاري هو الذي سيرث هذه الثقافة (ص168). ويكمل العروي بأن ماركس “لم يتجمد في انتظار ثورة بورجوازية في ألمانيا بل اعترف بإمكانية تجاوزها” (ص 168). ويتمم “واتضح للجميع بعد خمسين سنة أن مركز التناقض التاريخي –التأخر الواعي بذاته والمعلن عنه وعن ضرورة استدراكه- تحوّل من ألمانيا إلى روسيا، وكان الجميع يلمس أن ما كان ممكناً إلى حد ما في ألمانيا، أي أن تأخذ البورجوازية زمام القيادة السياسية والثقافية، عاد مستحيلاً في روسيا وأكثر استحالة في آسيا” (ص 168). وهو انطلاقاً من ذلك يقول بتمثل الليبرالية دون المرور فيها كمرحلة تاريخية.

أين موقع لينين من كل ذلك؟ إنه ليس المثقف الألماني الذي كان “يحل المسألة نظرياً”، ولا الذي كان يفسرها مثالياً، بل انطلق من تحليل سبب التأخر وأجاب على سؤال كيف نتجاوزه. المثقف الألماني كان يعيش في الأفكار بينما عاش لينين في الصراع الواقعي. وكما كان يعتقد ماركس في بعض اللحظات بأن عليه أن يقيم جمهورية حمراء في ألمانيا عمل لينين على إقامتها في روسيا. بالتالي لم يكن يعيش في فذلكات فكرية عن تطور الرأسمالية، ولا نسي بأن على روسيا أن تتمثل الثقافة الأوروبية، وأيضاً دون أن يقع في وهم أنه يبني الاشتراكية في هذا الواقع المتخلف. لقد عرف بأن على البروليتاري أن يدخل الحداثة إلى روسيا قبل أن يحقق مهمته “التاريخية” ببناء الاشتراكية. هذه المسألة الأخيرة هي التي بنى عليها لينين، وهي جوهر الإشكالية التي نناقش، وعبدالله العروي معنا في ذلك.

أين نجد “المثقف الألماني”؟ يشير العروي إلى أن “التأويل الليبرالي” لماركس هو الذي يوصد “أبواب المستقبل في وجه مثقف العالم الثالث ويطالبه بالتأني والخضوع للقوانين التاريخية الحديدية” (ص 167). بالتالي هل ننتظر انتصار الرأسمالية؟

عن لينين أخيراً

يبدو أن سامي قرأ كتاب العروي بتسرع، أو أنه التقط بعض الفقرات دون أن يقرأ الكتاب، لأنه يتوصل إلى ما يعاكس ما هدف إليه العروي، كما أشرنا للتو. فالعروي حين يتناول إشكالية الأيديولوجية الألمانية يشير إلى التفسير المادي الذي توصل إليه ماركس، لكنه كذلك يؤكد على تضمن الماركسية لخلاصة “الأيديولوجية الألمانية”، أي الجدل. وهو بالتالي كان يشير الى نقد الفهم المثالي لتلك الأيديولوجية من قبل ماركس. هذا هو جوهر النص الذي يورده مختصراً، أو مفككاً، من كتاب العروي المشار إليه. ويبغي من كل ذلك القول بأن لينين هو مثل المثقف الألماني. لكن نص العروي يوصل إلى غير ذلك صراحة، حيث يشدد على فكرة لينين، وبالتالي يقول باستحالة أن تأخذ البرجوازية دور القيادة. ويعتبر بأن لينين هو استكمال لماركس وليس للمثقف الألماني.

أما أن لينين كان “أقرب .. إلى المثقف الألماني الذي يملك مفتاح لكل المشكلات لأنه يظن في قدرته على طرحها وتحليلها بأنه يتغلب عليها ويحلها في الواقع”، فهو ما يثير الضحك، لأن لينين حل المشكلات واقعياً ولم يقف عند الفذلكات النظرية. ولقد انطلق من “التحليل الملموس للواقع الملموس”، أي من تحليل البنى الاقتصادية والمجتمعية (كما فعل ماركس في ألمانيا) ولم يظل يحلم، ويهجس، بحل رأسمالي. لهذا غيّر الواقع، وانتقلت روسيا من القرون الوسطى إلى الحداثة. بالتالي لقد فعل ما لم يستطع ماركس فعله في ألمانيا نتيجة وجود إمكانية لتطور رأسمالي آنئذ.

أشرت قبلاً إلى أنني لم أفهم ما يراد من الاستشهاد بالعروي وماركس، ولقد أوضحت التشويش الذي طال الاستشهاد، لكن هل أن الهدف منه هو القول بأن روسيا، كما حدث في ألمانيا، قد تطورت رأسمالياً، وبالتالي كانت كل أفكار لينين “هذر”، كما ظهر لدى المثقف الألماني؟ يقول سامي “إن نزعنا الطرابيش الأيديولوجية –اشتراكية أو ليبرالية- عن التجارب الناجحة للتحول المتأخر إلى الرأسمالية سنجد تحتها دولة تحتل محل رجل الأعمال، ومثقف ثوري يحتل محل المحامي. أي باختصار شديد رأسمالية دولة تتولى حمل مجتمعاتها إلى جنة الرأسمالية” (طبعاً لم أفهم حشر الزقفونه والمعري، وآمل أن يشرحها لنا). لكن هذا غير الهذر الألماني، وواضح بأنه لم يلتقط فكرة العروي، وهي تطرح مسألة أخرى غير هذا الهذر. فسواء أسميت التطور بالتطور الرأسمالي من خلال الدولة أو لم تسمه فقد حدث التطور، وهذا يعني بأن التصور الذي طرحه لينين حقق الهدف منه، وهو نقل روسيا إلى الحداثة. فإذن، أين وجه الاعتراض؟ هل انطلاقاً من “التشدد” في الميل الاشتراكي الذي عادة ما يوصم هذه التجارب بأنها تجارب رأسمالية دولة فيرفضها؟ أم من موقع الرأسمالي؟ وبالتالي أين وجه الاعتراض هنا؟ ما يمكن أن نستنتجه هنا هو أن الهدف هو تخطيء لينين ليس أكثر، ولهذا يجري التركيز “الشكلي” على تسمية التجربة دون الإشارة إلى ما حققته. المهم أنه يجب دفنها كما الماركسية السوفيتية، لأنها خاطئة مثلها.

فإذا كان الهدف فقط هو “توسيع دائرة التفكير في الاخفاقات والنجاحات” فلا تعود المسألة هي مسألة تعميم نقد الماركسية السوفيتية لتصل إلى لينين، بل يكون البحث فيما قدمه لينين ولم تقدمه تلك الماركسية. أليس هذا هو مبتدأ النقاش؟ بمعنى البحث فيما حققته التجربة ولماذا انهارت؟

على كل، التاريخ لا يسير بما ترسمه الأفكار، لكنه يطرح الأسئلة التي يستطيع الإجابة عليها كما أشار ماركس. وما هو مطروح هو ممكنات الانتقال إلى مجتمع صناعي حديث، فمن يستطيع تحقيق ذلك؟ أما هل ما ساد في التجارب الاشتراكية هو رأسمالية دولة فهذا يحتاج إلى بحث لأننا ندخل في تحديدات أخرى، لكنها تجارب حققت الانتقال إلى المجتمع الصناعي الحديث. ولقد حققته من خلال العمال والفلاحين الفقراء والحزب الماركسي بغض النظر عما يمكن أن يطلق أي كان عليها. إن عالمية الرأسمالية تفرض هذا الطريق … بغض النظر عن المآلات.

فالمسألة هنا هي مسألة تحليل واقع وليس تهويم نظري كما كان يفعل المثقف الألماني. لقد أصبح التطور مرتبطاً بهذا الطريق وليس من طريق آخر. فهو من يمكن أن يؤسس لبناء مجتمع صناعي حديث، حتى وإن عاد إلى الانكفاء إلى الرأسمالية، فهذه تتعلق بمدى الإفادة من التجارب التي انهارت. ونحن لا نملك ترف التوصيف والتصنيف حول ماهية النظم التي كانت تسمى اشتراكية (رغم أهمية دراسة هذه المسألة) بل علينا أن نجيب على سؤال التطور والحداثة: كيف نتطور؟ وكيف نصبح مجتمعات صناعية حديثة؟ وليس من إجابة أخرى إلى الآن، غير ما طرحت.

حول الشرط التاريخي أو عالمية الرأسمالية وأفق التطور- سلامة كيلة

 

Advertisements

About منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني

موقع منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني
هذا المنشور نشر في نظريات وحركات يسارية وثورية. حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s