مؤامرة اغتيال فرج الله الحلو

1 ـ مؤامرة اغتيال فرج الله الحلو

في اواخر السنة الماضية، عقد الحزب الشيوعي اللبناني مؤتمره التاسع، وسط جو من الازمة السياسية العامة التي تشمل البلاد، على خلفية الهجمة الاميركة ـ الصهيونية على المنطقة العربية والاسلامية، والازمة العامة التي تمر بها المنطقة ككل، بنتيجة هذه الهجمة. وهذا من ضمن الازمة الفكرية والسياسية والتنظيمية الشاملة، للحزب الشيوعي ذاته، على خلفية انهيار المنظومة السوفياتية السابقة، والازمة العامة للحركة الشيوعية العالمية.

ونظرا للاهمية السياسية والفكرية والبنيوية، التي تضطلع بها الحركة الشيوعية، وبالاخص الحزب الشيوعي اللبناني، في حركة اليسار العربي خاصة، وحركة التحرير الوطني العربية عامة، فإن كل ما يجري ضمن اطار الحزب الشيوعي اللبناني ومحيطه، كان وسيكون له اهمية خاصة، بالنسبة له، وبالنسبة للوضع اللبناني والعربي بمجمله، وقد لا نغالي القول: وبالنسبة للوضع الدولي ايضا.

ولعله ليس من الصدفة ان الشيوعيين اللبنانيين رفعوا، في صدر قاعة اجتماعات المؤتمر، لوحة كبيرة للقائد الشيوعي التاريخي الشهيد فرج الله الحلو.

فهذا القائد ـ الذي عاش بتواضع وتفان مثاليين، ومات مرفوع الرأس تحت التعذيب، ووطئ بموته، كما بحياته الكفاحية، رؤوس قاتليه، كما ورؤوس الذين سلموه للموت ـ هو مدرسة حقيقية لكل مثقف ولكل كادر قيادي، شريف، وقدوة حقيقية لكل مناضل وطني، من اي انتماء حزبي وعقائدي وسياسي كان. ولهذه الجهة، فهو جدير بكل تكريم، من قبل حزبه، كما من قبل الحركة الوطنية والبلاد بأسرها.

وانها لمفخرة للبنان، انه اعطى للوطن العربي، وللانسانية جمعاء، شهداء للفكر والحرية والوطنية والعروبة، من امثال انطون سعادة وفرج الله الحلو وكمال جنبلاط. وإن اقل واجب الوفاء والتكريم تجاه مثل هذه القمم الانسانية، هو تطويبهم، من قبل المجتمع اللبناني بمجمله، بما في ذلك الدولة اللبنانية، بوصفهم “شهداء للوطن”، الوطن ـ الوطن، الوطن ـ الشعب، لا الوطن ـ الطائفة، والزعامة، والوصولية والمنفعة والدكتاتورية.

ولا شك أنه، لتكريم هؤلاء الكبار، ينبغي ليس فقط تكريمهم الاحتفالي الشكلي، وكيل المديح العائم لهم، بل انصافهم تاريخيا، اي اجراء “المحاكمة السياسية التاريخية” الضرورية، لاسباب ودوافع قتلهم، وذلك ليس من زاوية قضائية شكلية، وليس لاجل الانتقام الشخصي او السياسي، بل لاعطاء شهادتهم قيمتها التاريخية، بتسليط الضوء على قضيتهم، وكشف وتبيان اسباب ودوافع قتل كل منهم، لا سيما وان القضية التي قدم كل منهم حياته لاجلها لا تزال ليس فقط حية وآنية، بل ولا تزال هي القضية الاهم بالنسبة للحركة الوطنية اللبنانية والعربية عامة، ولا تزال ـ بالنسبة لاستشهاد فرج الله الحلو ـ هي القضية الاولى ايضا للحزب الشيوعي اللبناني والحركة الشيوعية العربية، ومن اهم قضايا الحركة الشيوعية العالمية.

واننا نرى ان الحزب الشيوعي اللبناني، بالرغم من تكريمه المعنوى العام والعائم لفرج الله الحلو، فإنه لا يزال مقصرا جدا لهذه الناحية، التي بدونها يفقد التكريم العائم اي معنى حقيقي له، بل يصبح اشبه شيء بعملية إلهاء وتخدير، وتستير غير مقصود على الجريمة واسبابها ودوافعها، وبالتالي دفاعا غير مقصود عن قتلة فرج الحلو واليوضاسيين الذين سلموه اليهم.

ان محور ازمة هذا الحزب ـ لا سيما بعد انهيار تجربة النظام السوفياتي، الذي كان الحزب الشيوعي اللبناني يرتبط به، وكانت قيادته تتبع لأجهزته ـ هي ازمة البحث عن “الهوية الذاتية” للحزب. و”قضية فرج الله الحلو”، ولا سيما استشهاده، تمثل على وجه التحديد، في كل تاريخ الحزب الشيوعي اللبناني ـ السوري، ابرز مظهر من مظاهر ازمة البحث عن “الهوية الذاتية” للحزب.

وفي هذه الظروف الحرجة، لبنانيا وعربيا وعالميا، يرتفع أكثر من اي وقت مضى التساؤل المشروع: إلام يتم التستير على مؤامرة تصفية فرج الله الحلو، التي تضافرت على المشاركة فيها عدة اطراف، متعارضة في الظاهر، “متعاونة” في الجوهر؟!

ونحاول فيما يلي ان نلقي نظرة على بعض “القرائن والتفاصيل الوقائعية” البسيطة، التي في متناولنا، والمتعلقة بالجريمة، وعلى الخطوط العريضة لـ”المسارات السياسية” التي تقاطعت فيما بينها، لينتج عنها الحكم بالموت على هذا المناضل والقائد الشيوعي الحقيقي، من خلال التناقض الجذري بين تلك “المسارات السياسية” المكيافيلية، وبين “القناعات المبدئية” الاساسية التي عاش ومات لأجلها فرج الله الحلو:

الجريمة

1 ـ من المهم اولا، ولا سيما بالنسبة للجيل الشاب من الشيوعيين، والمناضلين الوطنيين الاخرين، ان نعود بالذاكرة قليلا الى الوراء، لنذكر بأن فرج الله الحلو (اللبناني الاصل) اعتقل في سوريا في 1959، ابان الوحدة السورية ـ المصرية، على ايدي المخابرات التي كان يقف على رأسها في “الاقليم الشمالي” لـ”الجمهورية العربية المتحدة” (اي سوريا) ضابط سوري يدعى عبدالحميد السراج. وفور اعتقاله، اخضع فرج الله الحلو للتعذيب الوحشي، ومات تحت التعذيب بعد بضع ساعات فقط. ولاخفاء معالم الجريمة، تم في البدء دفن الجثة سرا، ووضعت “المقبرة” تحت الحراسة. ولكن فيما بعد، وبعد ان شك حرس “المقبرة” بسيارة تحوم بشكل “مشبوه” في المكان، وخوفا من “سرقة” الجثة وانفضاح الجريمة، تم نبش الجثة من جديد وجرى تذويبها بالاسيد. (وهذه الرواية تم نشرها في جريدة “الاخبار” التابعة للحزب الشيوعي، وذلك بعد انهيار الوحدة السورية ـ المصرية).

وهناك اربعة جوانب ينبغي تناولها، تتعلق بعملية قتل فرج الله الحلو:

اولا ـ الجريمة بحد ذاتها، والتي تنقسم الى قسمين:

أ ـ عملية القتل.

ب ـ عملية “ارسال” فرج الله الحلو الى سوريا، وبالتالي تسليمه عمليا الى ايدي القتلة.

ثانيا ـ مسؤولية النظام الناصري واجهزته عن الجريمة.

ثالثا ـ مسؤولية القيادة البكداشية عن “تسليم” فرج الله الحلو.

ورابعا ـ مسؤولية القيادة السوفياتية عن قرار “ازاحة” فرج الله الحلو شخصيا وسياسيا.

ونتناول فيما يلي الجانب الاول، اي الجانب الفيزيائي للجريمة، او جانبها “الفني”، اذا صح التعبير.

من قتل فرج الله الحلو؟

للاجابة على هذا السؤال هناك جواب اولي واضح وهو: ان الذي نفذ عملية القتل هو اجهزة النظام الدكتاتوري، الذي فرض على “الجمهورية العربية المتحدة”. وقد قتل كثيرون غيره ايضا حينذاك تحت التعذيب. كما اعتقل، واضطهد، وعذب، وشرد، عشرات الالاف، من الشيوعيين، كما من مختلف الاتجاهات الحزبية الاخرى، في سوريا، وكذلك في مصر.

فهل تم قتل فرج الله الحلو عن طريق الخطأ، كضربة “حظ سيئ” لم يكن يريدها القتلة انفسهم؟

او هل ان قاتليه الصغار ارتكبوا جريمتهم، بقصد او بدون قصد، دون ان يعرفوا من هو، وبغير علم المسؤولين الكبار، اي المسؤولين السياسيين؟

ان الوقائع التي نشرتها جريدة “الاخبار” التابعة للحزب، بعد انهيار الوحدة، تشير الى ان عناصر المخابرات الذين اعتقلوه في البيت الذي توجه اليه في دمشق، استقبلوه “مرحبين”: “أهلا ابو فياض!” (وهذا كان لقبه الحزبي حينذاك)، اي ان الذين اعتقلوه، وطبعا المسوؤلين المباشرين الذين ارسلوهم لاعتقاله، كانوا يعرفون من هو “الضحية”، قبل، او على الاقل من لحظة اعتقاله بالذات.

وحتى لو افترضنا جدلا ان اعتقاله تم بالصدفة، او بنتيجة وشاية ما، مفاجئة، فنظرا لكونه “صيدا ثمينا”، فمن المستبعد “منطقيا” ان لا يكون العناصر الذين اعتقلوه و”المسؤولون” المباشرون عنهم، قد قاموا فورا، بابلاغ المراجع الاعلى منهم، اي المسؤولين الكبار في “الجمهورية العربية المتحدة”، او على الاقل في “الاقليم الشمالي” (اي سوريا)، عن “نجاحهم الكبير” في اعتقال فرج الله الحلو. من هنا الاستنتاج انه، حتى يستقبله معتقلوه بالترحاب ( “اهلا ابو فياض!” )، فهذا يدل ان اعتقاله كان محضرا سلفا، ومن ثم ان قتله السريع كان ايضا مقررا سلفا، وان العناصر المجرمة التي نفذت الاعتقال، ثم نفذت حكم الاعدام، لم تفعل سوى تنفيذ “الاوامر الصادرة من فوق” (قبل الاعتقال او بعده فورا). وفي حينه كان عبدالحميد السراج هو المسؤول الاول عن الامن واجهزة المخابرات في “الاقليم الشمالي”، وهو كان من اقرب المقربين من الزعيم الراحل جمال عبدالناصر. وبالرغم من هذه القرائن، فإن سلطات الجمهورية العربية المتحدة حينذاك لم تتورع عن نفي اعتقال فرج الله الحلو. واكد هذا النفي الزعيم عبدالناصر شخصيا، حينما سأله عن الموضوع الصحافي الهندي المشهور كارانجيا، خلال زيارة عبدالناصر للهند في 1960 او 1961، حسبما نشرته ايضا جريدة “الاخبار”.

بالاستناد الى ما تقدم، يمكن اعادة تركيب صورة الجريمة كما يلي:فرج الله الحلو يذهب الى كمين معد سلفا. عناصر المخابرات الذين اعتقلوه كانوا يعرفون مسبقا “من هو القادم”. يعتقل فرج الله. يؤخ> الى اقبية المخابرات، ويقتل فورا تحت التعذيب. يدفن سرا. ثم تنبش الجثة ويتم تذويبها بالاسيد، بقصد اخفاء الجريمة تبعا للقاعدة البوليسية المعروفة “يوجد جثة… يوجد جريمة؛ لا يوجد جثة… لا يوجد جريمة”. ينكر المسؤولون، بمن فيهم الرئيس عبدالناصر ذاته اعتقال فرج الله الحلو (وبالتالي ينكرون قتله).

ان هذه القرائن تعني منطقيا تأكيدا لأمرين:

1 ـ نية القتل العمد لفرج الله الحلو، بشكل تآمري “سري”، يتيح التنصل من الجريمة.

2 ـ ان عبدالناصر شخصيا، اما انه كان عالما بالجريمة قبل وقوعها. او انه لم يكن في البدء عالما بها، ولكنه “دخل في اللعبة” بعد وقوع الجريمة. واما انه “قد وُرّط” هو ايضا في الجريمة، سواء علم بها فور الاعتقال، او فور القتل، ام لم يعلم. وهذا الموضوع سنبحثه لاحقا.

ومن سلمه؟

ونأتي الى الجانب الاخر من الجريمة وهو: كيف “وصل” فرج الله الحلو الى سوريا، وكيف وقع في قبضة المخابرات والقتلة؟

ان الاجابة عن هذا السؤال تقع بالدرجة الاولى على الحزب الشيوعي، وربما كان هذا اهم واخطر ما يجب على الحزب كشفه، وقد آن الاوان لذلك منذ وقت ليس بالقصير، لانه يتعلق ليس بـ”انصاف” فرج الله الحلو فحسب، بل يتعلق بمدى جدية الحزب في التعامل مع أخطائه التاريخية، وبالتالي في تحديد “هويته” الاساسية ذاتها.

ونحن لا شك لا ندعي اننا نمتلك جوابا متكاملا على هذا السؤال الشائك. ولكننا نجد من واجبنا طرح ما لدينا، مهما كان بسيطا، كمحاولة لوضع حد من التهرب، العبثي والمشين، من جلاء هذه النقطة السوداء في تاريخ الحزب الشيوعي في سوريا ولبنان، وتاريخ الحركة الشيوعية العربية والعالمية بأسرها.

ـ قبل اعتقاله مباشرة، في اوج حملة الاعتقالات ضد الشيوعين في سوريا، كان فرج الله الحلو موجودا في لبنان. وشخصيا يمكن ان أؤكد على ذلك بالواقعة التالية: كنت حينذاك اعمل محررا للشؤون النقابية والمعيشية في جريدة “النداء”، التابعة للحزب. وفي تاريخ لا اذكره بالضبط في 1959، جرت محاولة من قبل مخابرات السراج، لاغتيال المحامي الشيوعي فاروق معصراني، بتفجير سيارته، في مدينة طرابلس. وقد استدعاني الرفيق فرج الله الحلو، في مكاتب “النداء”، وطلب مني الذهاب الى طرابلس لتغطية الحادث صحفيا للجريدة. وفي هذه الاثناء، وصل الى مكاتب الجريدة الرفيق كريم مروة. فطلب منه الرفيق فرج الله ان يذهب هو لتغطية الخبر بدلا مني. ولا شك ان الرفيق كريم يتذكر هذه الحادثة. وقد جرت حينذاك ايضا محاولة اغتيال القائد الشيوعي التاريخي المرحوم ارتين مادويان. وفي هذه الاجواء المضطربة كان الحزب الشيوعي اللبناني ـ السوري، الموحد حينذاك، يسحب اعضاءه ومناضليه، حتى ابسطهم، من سوريا الى لبنان، ويخبئهم ويحميهم. وبعد ايام قليلة من مقابلتنا مع الرفيق فرج الله في مكاتب جريدة “النداء”، فوجئنا بنبأ اعتقاله في سوريا، الذي وقع على الحزب كله وقوع الصاعقة.

ولإعطاء “فكرة” عن الاجواء التي كانت سائدة حينذاك، وعن “مشبوهية” وفظاعة “ارسال” فرج الله الحلو الى سوريا، اذكر ايضا ان الحزب كلفني بتقديم المساعدة لعدد من الرفاق السوريين، الفارين من الملاحقة على ايدي مخابرات السراج. وقمت بتوصيل العشرات منهم لتخبئتهم في بيوت الشيوعيين العرب والارمن واصدقائهم في محلة الاشرفية ببيروت. وللمقارنة وحسب، اذكر انه من بين الذين خبأتهم طالب جامعة مسكين، يدعى الياس ش. وكان شابا انيقا، ذا جسم رياضي ويظهر عليه انه كان “ابن نعمة”. ولما كان الحزب غير قادر على الانفاق على جميع الفارين، كنا نحاول ان ندبر عملا لمن يسمح وضعه الامني بذلك. وقد دبرنا لـ”الرفيق الياس” عملا مع معلم بناء. وبعد ايام اخذ الياس يشكو من سوء حالته، وانه غير معتاد على العمل، وان يديه تؤلمانه الخ. وفجأة اختفى الياس، ليطلع علينا صوته بعد ايام من اذاعة السراج، وهو يتهجم على الحزب الشيوعي. خلاصة القول ان الحزب كان في حالة انسحاب شاملة امام هجوم شرس. فكيف يجوز المغامرة بمصير قائد تاريخي معروف، وركن اساسي من اركان الحزب، مثل الرفيق فرج الله الحلو، حينما كان الحزب يسحب ويخبئ ويقدم الحماية حتى لعناصر لا بالعير ولا بالنفير مثل ذلك الطالب المسكين، الذي لم يطق العمل الجسدي بضعة ايام، والذي لا ادري لماذا كان قد “عمل شيوعيا”؟

كان هذا السؤال يقلقني جدا. ولم اجد لـه حينذاك جوابا.

وفي ايلول 1959، ارسلني الحزب الى بلغاريا، للدراسة في المدرسة الحزبية فيها. وكان الحزب الشيوعي البلغاري قد عقد قبل ذلك بفترة وجيزة جدا مؤتمره الثامن. وكان الرفيق خالد بكداش قد حضر المؤتمر، والتقى خلال وجوده هناك مع الطلبة السوريين في المدرسة الحزبية. وكان مسؤولا عنهم رفيق يدعى م. غ.، وبطبيعة الحال ان موضوع اعتقال فرج الله الحلو كان مطروحا بشدة. واذكر ان الرفيق م.غ. كرر امامنا بالحرف ما قاله لهم الرفيق خالد بكداش: “اذا خلص الرفيق فرج الله من إيد عبدالناصر، ما رح يخلص من إيدنا”. وكان تفسيرنا لهذا القول هو: اما ان فرج الله الحلو ذهب الى سوريا “من رأسه”، والقيادة ستحاسبه على هذا “التفرد”. واما ان فرج الله سبق وارتكب اخطاء جسيمة ستحاسبه عليها القيادة “اذا خلص من إيد عبدالناصر”. وهذا القول بحد ذاته يتضمن، من جهة، تبرؤا واضحا من “ارسال” فرج الله الحلو الى سوريا، ولكنه، من جهة ثانية، يشي ضمنا بأن القائل كان يعرف بأن فرج الله الحلو كان معرضا للموت، او انه قد مات فعلا، وهو ما كانت تخفيه القيادة، وسأعود للحديث عن ذلك لاحقا.

فهل ذهب فرج الله الحلو الى سوريا “من رأسه”، بدون علم الامين العام، وبدون قرار قيادي؟

ان الحزب الشيوعي يتستر حتى الان على هذه النقطة، تهربا من الجواب على الأسئلة اللاحقة: من؟ وبتأثير من؟ ولماذا، ارسل فرج الله الحلو الى الاعتقال، فالموت، في سوريا؟

واحاول فيما يلي، جلاء ما يمكن جلاؤه حول هذه النقطة:

ـ طبقا للممارسة القيادية المألوفة في تلك الاوقات، فإن الرفيق فرج الله الحلو لم يكن بالامكان ان يذهب الى سوريا بدون موافقة الامين العام، وبدون موافقة الهيئة القيادية المعنية بالساحة السورية.

ولا يمكن لاي عاقل ان يصدق ان الرفيق فرج الله ذهب الى سوريا في تلك الفترة العصيبة “من رأسه”، وبدون ان يبلغ احدا. فقد كان قائدا مثقفا، ناضجا، مجربا ومحنكا، بعيدا كل البعد عن اي تصرف يتصف بالفردية ورد الفعل غير المحسوب. ولذلك يستبعد تماما ان يكون قد ذهب الى سوريا “من رأسه”. وحتى ولو كان حينذاك هو المسؤول عن الساحة السورية، وقرر ذاتيا الذهاب اليها لمتابعة الوضع ميدانيا “على الارض”، فهذا القرار، المتعلق بشخص مثله، ينبغي، اولا، ان يبحث مع الامين العام، وأن ينال موافقته، وكان حينذاك الرفيق المرحوم خالد بكداش، الذي لم تكن “تسقط شعرة” من رأس انسان (حزبيا) في الساحة السورية بالاخص، بدون رأيه وموافقته. وينبغي، ثانيا، ان يبحث في الهيئة القيادية المعنية، المسؤولة مباشرة عن الساحة السورية.

اذن يفترض منطقيا انه كانت هناك موافقة من قبل الامين العام، وكذلك كان هناك قرار، من قبل الهيئة القيادية المعنية، التي تضم عدة اشخاص على الاقل، بالطلب من فرج الله الحلو، او بالموافقة لـه على رغبته الخاصة، بالذهاب الى سوريا.

فكيف أخذت موافقة خالد بكداش على “ارسال” فرج الله الحلو الى سوريا؟ وما هو قرار الهيئة المعنية، بهذا الشأن؟ وما هي حيثياته؟ ومن هو المبادر لاقتراح مثل هذا القرار؟ ومن هم اعضاء هذه الهيئة، التي ارسلت فرج الله الحلو الى المقصلة؟

وحتى لو كان اقتراح ذهاب فرج الله الحلو الى سوريا كان بمبادرة شخصية منه، فإن الامين العام، اي خالد بكداش، من جهة، والهيئة القيادية المعنية، من جهة ثانية، كان بامكان كل منهما على حدة، عدم الموافقة على مبادرته، ومنعه من الذهاب.

ـ فيما بعد، علمت من احد الرفاق، من المطرودين الكثر من الحزب (ولا اسمح لنفسي بالاشارة حتى الى الاحرف الاولى لاسمه، بناء لرغبته)، بأن الرفيق فرج الله بات ليلته الاخيرة في لبنان في منزل مسؤول حزبي هو الرفيق المرحوم ط. د.، الذي سار في “الخط البكداشي ـ الاولترا سوفياتي” في ازمة 68، وان شقيق الاخير، الرفيق ج. د.، كانت لديه “تغطية امنية” للانتقال الى سوريا، حيث كان يعمل في نقل بضاعة ما (ربما الكتب على ما اذكر) بين لبنان وسوريا، وهو الذي نقل بسيارته الرفيق فرج الله الى دمشق، وتركه في وسط المدينة. ومن هناك ذهب فرج الله لوحده الى حيث يريد (اي، وهذا ما سأذكره لاحقا: الى البيت “السري” لصبحي الحبل)، واعتقل على الفور في ذلك البيت.

ـ وفي شتاء 59 ـ 1960، كنت مع بعض الطلبة العرب في المدرسة الحزبية في بلغاريا، في منتجع شتوي خاص باللجنة المركزية. وقد التقينا هناك، صدفة، بمسؤول رفيع المستوى، هو وزير المالية البلغاري، الذي جرت لنا معه نقاشات عديدة. وكان موضوع الوحدة السورية ـ المصرية والموقف من عبدالناصر من اهم مواضيع النقاش. وقد هاجم الوزير المذكور عبدالناصر بشدة، وكال له ما كال من النعوت، مشبها اياه حرفيا بهتلر. وهاجم كذلك “الوحدة”، معتبرا ان “عبدالناصر يريد ضم سوريا، ولكن فمه صغير و”الملعقة” (حسب تعبيره الحرفي) كبيرة عليه”. وهذا يدل انه كان هناك موقف معمم، ضمن الكتلة السوفياتية و”حلفائها” (وبكداش في طليعتهم)، ضد الوحدة المصرية ـ السورية، وضد عبدالناصر بسبب الوحدة، كما ضد اي اتجاه “قومي” مؤيد للوحدة، خصوصا في صفوف الشيوعيين، كما كان فرج الله الحلو.

ـ وفي سنة 63 او 64 لا اذكر تماما، تعرفت على رفيق من طرابلس يدعى ر. ك.، اخبرني بـ”قصة طريفة”، مفادها انه جاءه شخص يدعى صبحي الحبل، وهو ـ حسب قول ر. ك. ـ حزبي سابق اتهمه الحزب بتسليم فرج الله الحلو. وحسب رواية ر.ك.، ان صبحي الحبل شكا له وضعه قائلا: انه ـ اي صبحي ـ كان هو المسؤول عن بيت حزبي “سري” في دمشق، هو البيت الذي اعتقل فيه الرفيق فرج ألله، فور وصوله الى البيت، وطرقه على الباب، بالاشارة المتعارف عليها، (حيث كانت عناصر من المخابرات بانتظاره داخل البيت، كما اسلفت، و”رحبوا” به قائلين: “اهلا ابو فياض”). وقد خرج صبحي من السجن في سوريا، حسب روايته للرفيق ر. ك.، بعد انهيار الوحدة، وجاء وسكن في المينا في طرابلس، لا اذكر لماذا. وحسب قوله انه كان مهددا من قبل الحزب، لاتهامه اياه بـ”تسليم” الرفيق فرج الله. ويقول ر.ك. ان صبحي هذا ابلغه انه بريء من تهمة تسليم الرفيق فرج الله، ودافع عن نفسه بأنه كان قد تم اعتقاله قبل شهرين من اعتقال فرج الله، وانه علم باعتقال فرج الله وهو في السجن، وبالتالي لم يكن يتصور ان الرفيق فرج الله يمكن ان يأتي الى “بيته”، في حين انه هو كان قد اعتقل قبل شهرين. ويقول انه فوجئ بأن الرفيق فرج الله اعتقل في البيت “السري” ذاته الذي كان هو مسؤولا عنه، وهو بيت ـ حسب قوله ـ لم يعد بالطبع “سريا”، بعد اعتقاله (اي صبحي). ويقول صبحي ـ ايضا حسب رواية ر.ك. ـ ان الحزبيين المعنيين كانوا يعلمون باعتقال صبحي، وبـ”انكشاف” البيت “السري” الذي كان هو مسؤولا عنه. ويتساءل صبحي: كيف يمكن ان يأتي الرفيق فرج الله الى بيت حزبي “سري” صاحبه معتقل منذ شهرين؟ وهل كان الرفيق فرج الله يعلم بأن “صاحب” هذا البيت “السري” (اي صبحي) هو معتقل؟ وهل كان يعلم ان البيت اصبح “مكشوفا”؟ وقال صبحي لـ ر.ك. انه جاهز لتقديم نفسه لمحاكمة حزبية حول اتهامه بتسليم فرج الله الحلو، وانه مستعد لتحمل النتائج. وسلم رسالة بهذا كله الى الرفيق ر.ك.، وطلب منه ان يوصلها الى القيادة. وقد اوصلها ر.ك.، حسب قوله، الى الرفيق المرحوم نقولا الشاوي، على ما اذكر من حديث الرفيق ر.ك.، وقد طلبت القيادة من الاخير قطع اي اتصال له مع صبحي الحبل، على اعتبار انه عدو للحزب، والحزب “رح يدبرو”. ماذا حدث بعد ذلك؟ ما هو مصير صبحي الحبل؟ ليس لدي اي علم عن “بقية الحكاية”. ولكن الرفيق ر. ك.، المطرود من الحزب في ازمة64 ـ 65 هو حي يرزق، وهو يمتلك الاخلاق والشجاعة الادبية اللازمة لتأكيد روايته.

وبناء على ذلك، يمكن اعادة تركيب الصورة كما يلي: الامين العام، اي الرفيق خالد بكداش، الذي كان منذ البداية ضد الوحدة، غادر الى موسكو، بعد بدء الحملة ضد الحزب، ليكون بعيدا عن الخطر، وفي الوقت ذاته قريبا من “مصادر وحيه” في المعركة ضد الوحدة وضد عبدالناصر. يقرر السوفيات وبكداش التخلص من فرج الله الحلو، الذي يطرح خطا شيوعيا مؤيدا للوحدة، ومعارضا للممارسات الدكتاتورية (عبر عنه في مقالة “من مواطن لبناني الى الرئيس جمال عبدالناصر”، التي نشرت في جريدة “الاخبار” حينذاك). يطلب الرفيق بكداش من الهيئة القيادية المعنية ارسال فرج الله الحلو لاستلام الساحة السورية مباشرة، وليس عبر “المندوبين” او “المراسلين” الحزبيين، كما هي الحال في الحالات الاستثنائية. وتجتمع الهيئة، ويوافق اعضاؤها على اقتراح الامين العام، عن قناعة، او عن غير قناعة، اذعانا شخصيا له، ولادراكهم ان هذه هي “رغبة موسكو”.

ومرة اخرى، واخيرة، يخضع فرج الله الحلو للقرار البكداشي ـ السوفياتي، كما خضع سابقا حينما استكتب “رسالة سالم” المشينة، المعروفة في تاريخ الحزب، والتي سآتي على ذكرها لاحقا. ولكنه هذه المرة خضع لقرار اجرامي، كلفه حياته ذاتها. الا ان الرفيق فرج الله رضخ لذلك القرار، للاسف، ايمانا منه بضرورة الحفاظ على “وحدة الحزب” وعلى “هيبة القيادة”، “البكداشية ـ السوفياتية”، التي لم تكن شيئا آخر سوى قيادة مكيافيلية ـ قمعية، لاشيوعية ـ لاقومية. وهذا يذكر تماما بما لا يحصى من الكوادر العليا والمناضلين السوفيات، الشيوعيين الحقيقيين، الذين ارسلهم ستالين الى الموت، وكانوا ـ امام فرق الاعدام بالذات، وايمانا منهم بقضية الحزب ـ يهتفون: عاش ستالين العظيم!

XXX

نخلص مما تقدم الى ما يلي:

ـ ان اجهزة الدكتاتورية التي كان يقودها السراج هي التي تتحمل مسؤولية اعتقال وقتل فرج الله الحلو.

ـ وإن “القيادة البكداشية ـ السوفياتية” واجهزة الكا جي بي هي التي “سلمته” يدا بيد الى الجلادين.

ويبقى ان نتساءل:

اولا ـ عن دوافع الدكتاتورية لقتل فرج الله الحلو.

ثانيا ـ عن “الاخطاء” التي ارتكبها فرج الله الحلو، والتي كان خالد بكداش، سيحاسبه عليها “اذا خلص من إيد عبدالناصر”!

وثالثا ـ عن دوافع “الرفاق السوفيات” لمعاداة الوحدة، وعبدالناصر، وفي الوقت ذاته التواطؤ للتخلص من فرج الله الحلو.

وهذا ما سنتناوله لاحقا.

 

 

2 ـ مؤامرة اغتيال فرج الله الحلو:

من هم “الناصريون!” القتلة؟

مضى حوالى نصف قرن على اغتيال القائد الشيوعي التاريخي الشهيد فرج الله الحلو، تحت التعذيب في اقبية المخابرات التي تحكمت بسوريا في عهد الوحدة المصرية ـ السورية. وفي مقالة سابقة تساءلنا: “إلام يستمر التعتيم على هذه المؤامرة؟”، التي وقعت نتيجة التواطؤ الضمني، وربما المباشر، بين القتلة الذن نفذوا الجريمة، وبين “اليوضاسيين” الذين “سلموا” فرج الله الحلو للموت، بإرساله الى سوريا، في تلك الظروف العصيبة.

وفي هذه المقالة نحاول مقاربة الجواب حول مسألة: لماذا قتل “الناصريون!” فرج الله الحلو؟ ومن هم بالحقيقة هؤلاء “الناصريين!”؟ وما هي حقيقة موقف عبدالناصر؟

قبل ذلك علينا ان نلاحظ:

1 ـ ان الملابسات “العملانية” للجريمة، والظروف السياسية التي احاطت بها، وأعقبتها، تجعل منها جريمة سياسية كبرى بامتياز، ارتكبها النظام الناصري. وليس في علمنا ان الناصرية، كقيادة، وكحركة سياسية، في حياة وبعد وفاة جمال عبدالناصر، قد اجرت اي نقد ذاتي حول هذه الجريمة.

2 ـ ان الناصرية قد سقطت كنظام، وفشلت كحركة سياسية كبيرة سابقا، ليس فقط كنتيجة للوفاة المبكرة للزعيم الراحل جمال عبدالناصر، بل ولأن الاخطاء والانحرافات والارتكابات ـ ومنها جريمة اغتيال فرج الله الحلو و”المعركة ضد الشيوعية” ـ كانت هي السبب الرئيسي لذلك الفشل.

3 ـ ان اغتيال فرج الله الحلو، على خلفية العداء والحملة المسعورة على الشيوعية، تختص بميزة خاصة، وهي انه يعود لها بالتحديد “تدشين” تقليد العداء المميت والقتل والاقتتال فيما بين القوى الوطنية والتقدمية، والتي اصبحت فيما بعد ظاهرة عربية “معممة”، شملت جميع البلدان ذات الانظمة الوطنية: مصر، سوريا، لبنان، اليمن، الجزائر واخيرا لا آخر العراق، الذي بز الجميع في الاقتتال والارهاب والقمع الدموي ضد مختلف القوى الوطنية والقومية والتقدمية والثورية، مما آل في النهاية الى الفشل في تحقيق المهمات التاريخية لحركة الثورة العربية، واخيرا لا آخر الى الانهيار الذريع لنظام صدام حسين الدكتاتوري وتسهيل سقوط العراق في براثن الاحتلال الاميركي.

ولذلك فإن مناقشة جريمة اغتيال فرج الله الحلو تكتسب اهمية خاصة، ليس فقط كدرس وعبرة تاريخيين، بل لأن الاوضاع الشاذة الراهنة، في العلاقات اللدودة بين مختلف القوى الوطنية والقومية، بما فيها القوى الدينية الشريفة المناضلة، هي نتيجة واستمرار للعقلية والمفاهيم التي انتجت تلك الجريمة، والتي كان للناصرية “شرف” تدشينها.

الطابع المتناقض للناصرية

ونبدأ بالسؤال: ما هي الدوافع السياسية لـ”الناصرية” لقتل فرج الله الحلو؟

أ ـ ان الحركة الناصرية، ولا سيما الزعيم عبدالناصر شخصيا، اكتسبا شعبية عربية هائلة لم يسبق ان اكتسب، ولم يكتسب حتى الان مثلها فعليا، اي تيار واي زعيم عربي آخر. ولكن هذا لا يعني ابدا ان الناصرية، كمفاهيم وكممارسة سياسية، كانت بحد ذاتها ذات منطلقات مبدئية جماهيرية. اذ انها، بصفتها الانقلابية والعسكرية، لم تخرج عن كونها احدى الحركات البورجوازية الصغيرة، ذات الطبيعة المتناقضة

ـ فهي، من جهة، كانت ذات اتجاه “جماهيري”، إذ كانت ترتبط “تحتيا” بالجماهير الشعبية الكادحة، وتعبر بشكل غائم عن التطلعات الشعبية، الاجتماعية والوطنية والقومية.

ولكنها، من جهة ثانية، كانت ايضا ذات اتجاه “تسلطي”، إذ كانت ترتبط “فوقيا” بالطبقات المالكة وخصائصها، و”اخلاقياتها”، و”تقاليدها”، الاجتماعية والتسلطية، وتطمح ليس فقط لتقليد تلك الطبقات والسير على خطاها، بل ولازاحتها والحلول محلها واحراز قصب السبق عليها في “امتلاك” السلطة وممارستها.

واذا اجرينا مقارنة، في مدى الاستفادة من السلطة، بين المسؤولين في الانظمة العربية التقليدية، والمسؤولين في الانظمة العربية المسماة “وطنية” و”قومية” و”تقدمية” و”ثورية”، وفي مقدمتها “النظام الناصري”، لوجدنا ان الاخيرين بزوا الاولين بأشواط واشواط في سوء استعمال السلطة بلا حسيب ولا رقيب. واذا كان الاولون ـ اي حكام الانظمة العربية التقليدية، سواء منها “الرجعية” او شبه الليبيرالية “غير الثورية” ـ يشوهون الدستور ويتحايلون على القوانين، فإننا نجد ان الاخيرين ـ اي حكام الانظمة “الوطنية” و”التقدمية”، فإنهم، باسم “الشعب” و”الثورة” و”الحرية” و”الوحدة” و”الاشتراكية” ـ يدوسون على كل قانون وكل دستور، حتى الذي يضعونه هم انفسهم.

وكل تاريخ الناصرية، حتى في اشد مراحل المواجهة مع الامبريالية والصهيونية واسرائيل، هو تاريخ التردد بين هذين الاتجاهين المتناقضين، تبعا لمؤثرات تطور الاحداث السياسية، والميول والقناعات الذاتية للزعيم، وضغط وتأثير “حركة الشارع” عليه، من جهة، ومدى تأثرالزعيم بميول وقناعات الشخصيات التي تشكل الحلقة الضيقة المحيطة به، من جهة ثانية.

ب ـ ان النفوذ، بل والتأثير على عبدالناصر شخصيا، الذي كانت، بدرجات مختلفة، تتمتع به مختلف شخصيات الحلقة الضيقة المحيطة به، لم يكن موحدا. ذلك ان هذه الشخصيات لم تكن متجانسة. كما لم يكن جميع هؤلاء يتمتعون بالالتزام بقضايا الجماهير الشعبية العربية، ومنها بالاخص قضيتا الاشتراكية والوحدة القومية.بل كان بعضهم، ومن اقرب المقربين لعبدالناصر، يمثلون مصالح الطبقات والفئات الاستغلالية. ويمكن ان نعطي مثال شخصيتين بارزتين، كان لهما دور مميز في التاريخ القصير لـ”الجمهورية العربية المتحدة”، وفي التأثير على آراء وقرارات عبدالناصر تحديدا، ولا سيما فيما يتعلق بسوريا حينذاك:

الأول ـ هو الاستاذ محمد حسنين هيكل، المستشار الاعلامي والسياسي الاول لعبدالناصر. فهو من اكبر المثقفين والاعلاميين العرب المعاصرين. وربما يكون اكبرهم. ولكن هذا لم يكن ليجعل منه مؤمنا بقضايا الجماهير الشعبية ووحدويا وتقدميا وثوريا. بل ربما كان العكس هو الاقرب الى الواقع. فهو مثقف “برجعاجي”، و”صديق” لكيسنجر وبريجنسكي وامثالهما، وينتسب بالضبط لمثل هذا “النادي” من “المثقفين العولميين الكبار”، الذين “يخططون” ويضعون “التصاميم” و”الوصفات” لـ”اصحاب القرار”. ومثل هؤلاء “المثقفين” لا يؤمنون طبعا بالشعوب، ويتعالون عليها، وينظرون اليها ويتعاملون معها كـ”قطعان” بشرية لا اكثر ولا اقل. ولم يكن الاستاذ هيكل اكثر من “هامان” كبير. ولم يكن يريد لعبدالناصر ان يكون اكثر من “فرعون” جديد، يمسك “هامان” بمفاتيح تفكيره. وكان هيكل ضد تحول الناصرية الى حركة ثورية شعبية عربية، كما كان يطمح “الفلاح” القابع في جلد عبدالناصر ذاته. وكان، اي هيكل، ضد القطيعة مع الغرب الامبريالي، ومع “التفاهم” مع الدول الامبريالية. وهذه هي الارضية الاساسية التي كان ينطلق منها هيكل في “الاستشارات” التي كان يقدمها لعبدالناصر. وتبدى ذلك، بالاخص، في المواقف الرئيسية التالية، التي لعبت دورها الفاصل في تقرير مصير الناصرية، كنظام وطني، وكحركة جماهيرية:

I ـ موقف هيكل من الحريات الدمقراطية، ولا سيما حرية الرأي والصحافة: كي يستطيع ان يكون “هامانا” بدون منازع، مستغلا قربه من عبدالناصر وثقته به، كان هيكل مع الاعلام الموجه، ومع “الدمقراطية الموجهة”. وكان ذلك كله غطاء لاحتكار السلطة والحكم القمعي والدكتاتوري. وكان لذلك تأثيره الكارثي بعد تحقيق الوحدة، وبالاخص في سوريا، التي كانت خارجة لتوها من تجربة الدكتاتوريات العسكرية في1949 ـ 1954، وكانت لا تزال تنعم بثمرات تجربة الحريات الدمقراطية في الفترة الذهبية التي سبقت الوحدة. وهذا كله اضعف الوحدة جماهيريا، حيث بدت وكأنها نقيض للحريات الدمقراطية، التي كانت الجماهير الشعبية السورية تتمسك بها.

II ـ موقف هيكل من الاحزاب والقوى السياسية، وهو الموقف الذي حدد موقفه الفعلي من الوحدة ذاتها: شكليا كان هيكل “مع الوحدة”، ولكنه عمليا كان “ضدها”. ففي الوقت الذي أيد فيه هيكل شكليا قرار الوحدة، الذي لم يكن له يد او فضل فيه، فهو قد وقف عمليا موقفا عدائيا من “الوحدويين” السوريين، الذين صنعوا الوحدة مع مصر، اي من الاحزاب والقوى السياسية المستقلة التي قامت الوحدة على اكتافها، ولم يكن بالامكان ان تستمر بدون دعمها وتأييدها. وهو قد أيد حل وقمع تلك الاحزاب والقوى، ومنها ـ في سوريا ـ حزب البعث العربي الاشتراكي وكتلة الفريق عفيف البزري، وطبعا “الجناح القومي” في الحزب الشيوعي، الذي كان يمثله ـ بالاخص ـ فرج الله الحلو.

III ـ موقف هيكل من الشيوعية: فالوحدة السورية ـ المصرية كانت تقتضي السعي لاحتواء التناقضات في صفوف القوى الوطنية، وكذلك الاختلافات والتناقضات مع الحلفاء الخارجيين المحتملين، وتأليب جميع القوى الداخلية والخارجية الصديقة، لدعم الوحدة الوليدة وتأييدها، بوجه المؤامرات الامبريالية والصهيونية. ولكن “استشارات” هيكل لعبدالناصر ذهبت تماما بالاتجاه المعاكس. فالمعروف انه هو الذي رفع، في ذلك الحين، الشعار الانتحاري المشبوه “انتهت المعركة مع الامبريالية، وبدأت المعركة مع الشيوعية”. وهذا مع العلم ان العلاقات المصرية مع الاتحاد السوفياتي والمعسكر الاشتراكي السابق كانت تسير بشكل ايجابي جدا بعد صفقة الاسلحة التشيكية لمصر في 1955، والعدوان الثلاثي على مصر في 1956، وموافقة الاتحاد السوفياتي على تمويل السد العالي، بعد امتناع البنك الدولي عن ذلك. وقد جاء الشعار الاستفزازي المذكور لهيكل مفاجئا تماما، ويفضح تماما حقيقة توجهاته السياسية الاساسية. ان العداء للشيوعية كان على الدوام هو “المدخل” او “الفاتورة”، او “العربون السياسي”، الذي كانت الحركات وانظمة الحكم الوطنية المتذبذبة، ذات المنشأ البرجوازي الصغير، تدفعه للامبريالية، للتعبير الملموس لها عن الرغبة في “عدم القطيعة” معها، وعن امكانية اللقاء معها على ارضية مشتركة، تقوم على منع تطور حركة التحرير الوطني باتجاه التحرر الوطني والاجتماعي الراديكالي، اي باتجاه الاستقلال التام عن الهيمنة السياسية والاقتصادية للامبريالية، وباتجاه الافق الشعبي والاشتراكي الحقيقي، كما جرى في الصين الشعبية وفيتنام وكوبا الخ، وهو اخشى ما كانت تخشاه الامبريالية العالمية. وبطبيعة الحال فان تطبيق شعار “انتهت المعركة مع الامبريالية، وبدأت المعركة مع الشيوعية” قد اسهم ليس فقط في ايجاد شرخ كبير في صفوف القوى الوطنية في الداخل، بل اسهم ايضا، الى حد كبير جدا، في العزلة الدولية للسلطة الناصرية ابان عهد الوحدة، مما سهل على القوى الامبريالية والصهيونية مهمة ضرب هذه التجربة الرائدة.

IV ـ وبعد نكسة الانفصال، وظهور الحركة الفدائية ضد اسرائيل في اواسط الستينات، كان من “الطبيعي” ان يقف “المستشار” هيكل بشدة ضد الحركة الفدائية وستراتيجية حرب التحرير الشعبية، التي تعتمد على القدرات الثورية والعبقرية الجماهيرية للشعب المعني. وكانت حجته في هذه المعارضة ان ستراتيجية الحرب الشعبية لا تصلح للاوضاع العربية، لانها ـ اي تلك الستراتيجية ـ ليست صالحة، حسب مفهومه، سوى للبلدان التي تتوفر فيها الغابات والادغال كما كان الحال في فيتنام، مما هو غير موجود في البلاد العربية. وبطبيعة الحال، كان هيكل من منظري ستراتيجية الحرب النظامية، واشد المدافعين عنها، وهي الستراتيجية التي كانت تلائم تماما اسرائيل، ولا تخدم سواها، والتي سقطت شر سقوط، عربيا، في حرب5 حزيران 1967.

هذه الارضية الاجتماعية ـ السياسية ـ الفكرية هي التي كان يقف عليها “المستشار الاول” لعبدالناصر، المثقف الكبير ورجل الكلمة، الاستاذ محمد حسنين هيكل. وهي لم تكن تعبر عن مصلحة الجماهير الشعبية المصرية والسورية والعربية، بل عن المصالح الطبقية للطبقات الاستغلالية والعناصر ذات الميول والمطامع البرجوازية، وكذلك العناصر الفاسدة، التي كانت تعشش بالاخص في اجهزة السلطة القمعية في مصر وسوريا، والتي كانت تعتبر ان الوحدة، اذا ما اتخذت طابعا جماهيريا، فهي كانت ستهدد مصالحها في الصميم. وهذه الارضية هي التي دُفعت اليها الناصرية في حينه، بفضل “الاستشارات” المبنية عليها، والتي كانت تقدم الى عبدالناصر.

وكما اثبتت التجربة التاريخية، فإن العداء للشيوعية كان على الدوام بمثابة “فاتحة” للانشقاقات والنزاعات في الصفوف الوطنية والقومية بمجملها، لأنه يبدأ بالشيوعية وينتهي حتما بالعداء لكل ما هو تقدمي ودمقراطي وشعبي، وفي الاخير بالعداء لكل ما وطني وقومي، وضربه في الصميم. وهذا بالضبط هو السبب الرئيسي الذي ادى الى سقوط الوحدة السورية ـ المصرية، بعد ان فقدت شعبيتها، كما كانت تريد الامبريالية والصهيونية، وكما كان يريد “المستشارون” البرجعاجيون من امثال هيكل، وليس كما كان يريد “ابن الفلاح” جمال عبدالناصر.

وان إعطاء الأذن لآراء كارثية بالنسبة لمصير حركة التحرير الوطني العربية عموما، والناصرية خصوصا، وعبدالناصر شخصيا، كآراء هيكل، قد دلت بوضوح على الطبيعة الازدواجية، البرجوازية الصغيرة، للناصرية.

وإنه لأمر مؤسف بأن زعيما قوميا، حتى من مستوى عبدالناصر، الذي كانت تقع عليه مسؤولية قيادة امة كبيرة بأسرها، وثق بـ”مستشار” مثل محمد حسنين هيكل، بالصورة وبالدرجة التي وثق فيها به. وانطلاقا من التحليل السياسي، فإن مثل هذا المثقف “البرجعاجي” يبدو ابعد ما يكون عنه كمثقف ثوري ملتزم بقضايا الجماهير، كما كانت تحتاجه القيادة الناصرية، واقرب الى ان يكون احد اعضاء ما يسمى “مجتمع البنائين الاحرار” (اي الفري ماسون)، من درجة رفيعة، الذين يعتقدون انهم هم الذين بنوا اهرامات مصر، وهيكل سليمان، والذين “يطمحون” الان لاعادة بناء هيكل المجتمع الدولي. ومثل هؤلاء “البنائين” هم من “تآمروا” على الناصرية من داخلها، ووجهوها نحو الانحرافات والهزائم.

الثاني ـ من الشخصيات “الملتبسة” الاخرى التي كانت تحيط بعبدالناصر، والتي لعبت دورها السلبي في اضعاف الناصرية وضرب الوحدة من داخلها، هو الضابط السوري عبدالحميد سراج، الذي ذكرناه آنفا، والذي اضطلع بالدور “المشرّف” كسجان لسوريا في عهد الوحدة. ويؤكد الاستاذ ص. ب. ـ د.، وهو كاتب ومسؤول حزبي كردي سوري، ان عائلة السراج هي من اصل كردي، مثلها في ذلك مثل عائلة خالد بكداش، الامين العام السابق للحزب الشيوعي في سوريا ولبنان. وليس في ذلك طبعا اي ضير. ولكن اذا كان ذلك صحيحا ام لا، فالملاحظ ان السراج يشارك الاستاذ هيكل في الموقف الملتبس من الوحدة، على طريقة د. جيكل ومستر هايد. فهو ايضا كان مع الوحدة شكليا، وضدها عمليا، اي ضد “الوحدويين”: بدءا بحزب البعث، وكتلة الفريق عفيف البزري، وانتهاء بتيار فرج الله الحلو في الحزب الشيوعي. فاذا صح ان عائلة السراج هي من اصل كردي، فمن المنطقي ان يكون لشخص ما من اصل قومي ما، موقف من القضية القومية لشعبه الاصلي، وهنا هو الشعب الكردي، لا سيما وان القضية الكردية هي من اهم القضايا المطروحة على الساحة العربية. ولكنه ليس من المعروف ان بكداش، او السراج، كان لهما موقف من القضية القومية الكردية، التي ينتسبان بأصلهما اليها. فاذا كان موقف السراج ـ او بكداش ـ هو موقف عدمي قومي ((national nihilist حيال قوميته الاصلية، فمن الطبيعي ان يكون موقفه لاقوميا، او عدميا قوميا، من “قوميته” المكتسبة، اي القومية العربية، وبالتالي من قضية الوحدة العربية. وبالتالي من “المنطقي” ان يكون له هذا الموقف “الملتبس” والمتناقض من الوحدة، بالعداء العملي للوحدويين، وعدم الحرص الفعلي على مصير الوحدة في سوريا. اما اذا لم يكن السراج من اصل كردي، فإن اخذه على عاتقه، وامثاله من الضباط والسياسيين السوريين “الناصريين!”، المهمة “غير المشرفة”، ونعني بها مهمة القمع الدموي للقوى الوطنية والتقدمية والقومية المعارضة للدكتاتورية، بما فيها القوى السورية ذاتها التي صنعت الوحدة، فهذا يدل على الانتهازية والوصولية التي كانت تتميز بها بعض العناصر القيادية، ولا سيما العسكرية، التي اعتمدت عليها السلطة الناصرية في سوريا، بمواجهة الاحزاب والقوى السياسية الاخرى ذات المصداقية السياسية والشعبية الحقيقية. وقد تحولت هذه العناصر الى منفذ اعمى لأي سياسة خرقاء، على غرار “انتهت المعركة مع الامبريالية، وبدأت المعركة مع الشيوعية”، ولارتكاب الجرائم الكبرى مثل جريمة اغتيال فرج الله الحلو. وضمن هذا السياق، أرى انه من حق المواطن العربي ان يطلع على بعض الوقائع البسيطة التي اعرفها، وتتناول السراج بشكل ما: بعد التصويت على قرار الوحدة، وهو التصويت الذي لم يشارك فيه خالد بكداش، كما اسلفنا، غاب بكداش عن سوريا لفترة قصيرة. ثم، في تاريخ لا اذكره بالضبط في اواخر 1958 او اوائل 1959، عاد بكداش الى الظهور العلني في دمشق. وقام الحزب الشيوعي بتنظيم ارسال وفود حزبية ـ جماهيرية، من سوريا ولبنان، لزيارة بيت خالد بكداش في حي ركن الدين بدمشق، والالتقاء معه، حيث كان يلقي كلمات قصيرة في الوفود. والتفسير الوحيد لهذه الحملة هو، من جهة، إظهار “شعبية” بكداش بالرغم من عدم تصويته على الوحدة، ومن جهة ثانية، اخذ “مبايعة الحزب” لبكداش، على خلفية ظهور خلافات داخل القيادة الحزبية، ولا سيما مع فرج الله الحلو، حول قضية الموقف من الوحدة. وكنت احد الحزبيين الذين شاركوا في احد هذه الوفود، مع المنظمة الحزبية من محلة الاشرفية في بيروت. واثناء الزيارة، التقيت في بيت بكداش مع رفيقين سوريين، احدهما اسم عائلته (ز.) ولا اتذكر اسمه الاول، والثاني اسمه (ن. ك.)، وكنت قد تعرفت على الاخير سابقا، خلال قيامي بمهمة حزبية سرية في دمشق، ايام الشيشكلي. وقد اخبرني هذان الرفيقان انهما كانا يشاركان في حراسة بيت بكداش، وعلمت منهما ان الحرس لديه اسلحة، مرخصة من السراج. وفيما بعد، اختفى بكداش سالما معافى قبل، او مع بدء حملة الاعتقالات ضد الشيوعيين. وهذا يدفعني الى الشك، طبعا دون اي تأكيد، بوجود علاقة خاصة بين بكداش والسراج، وان السراج كان “مشغولا” من قبل الكا جي بي، وان “الوسيط” الذي “اشتغله” هو على وجه التحديد خالد بكداش.

مسؤولية عبدالناصر

ان امثال هؤلاء “الناصريين!” الوصوليين والانتهازيين والمشبوهين، لم يكونوا في حقيقتهم يؤمنون بأي من المبادئ التي كان يؤمن بها عبدالناصر، بما في ذلك الوحدة القومية. وكانوا يعرفون ان النضال لاجل تلك المبادئ وتطبيقها الصحيح يعني كشف وصوليتهم و”حرقهم”. ولذلك كانوا يبالغون بالتمسك بالولاء الشخصي الكرنفالي لعبدالناصر، ويتسترون به، لكي يحققوا وصوليتهم ويضربوا القضية الوطنية والاجتماعية للناصرية، بما في ذلك اسس الوحدة، من داخلها. ولم يكن من مصلحة مثل هؤلاء الاشخاص وجود تيار حزبي وشعبي، “قومي”، مؤيد للوحدة مبدئيا، في سوريا، كما كان الامر بالنسبة لحزب البعث العربي الاشتراكي وكتلة الفريق عفيف البزري والجناح “القومي” في الحزب الشيوعي، وعلى رأسه فرج الله الحلو. ذلك ان وجود هذا التيار، وامكانيات تلاقيه المبدئي مع عبدالناصر، كان من شأنه ان يكشف الوصولية والانتهازية وسوء استعمال السلطة الخ. وهذا يفسر ان يقوم الوصوليون والانتهازيون “الناصريون!” بكل ما من شأنه الإضرار عمليا بالوحدة، كما هو الامر بالنسبة لقتل فرج الله الحلو تحت التعذيب. ولا بد ان نذكر هنا، ان مؤامرة الانفصال ذاتها قد عششت وفرخت وخرجت من مكتب عبدالحكيم عامر بالذات، و”تحت انف” مخابرات “الناصري المتشدد جدا” عبدالحميد السراج بالذات. وبالمقابل، وفي الوقت الذي قتل فيه فرج الله الحلو تحت التعذيب، وكان ابسط الشيوعيين يلاحقون بشراسة، هناك شكوك بأن السراج، مثلا، كان على “علاقة خاصة من خلف الستار” مع خالد بكداش، وانهما كانا “يتبادلان الخدمات”، وان السراج لعب دوره في “التغاضي” عن اختباء بكداش وعدم اعتقاله في دمشق، التي كان لا يزال موجودا فيها عندما فتحت المعركة ضد الشيوعيين، ومن ثم “تسهيل” هربه الى لبنان، ومنه الى موسكو. ومن ضمن هذا السياق، فإن “ازاحة” فرج الله الحلو من الطريق هي خدمة سراجية ـ “ناصرية!” قدمت لبكداش، الذي كان معارضا للوحدة منذ قيامها.

وللاسف الشديد ان مثل هذه القيادات “الناصرية!” اضطلعت حينذاك بدور حاجز سياسي ـ جهازي، يفصل بين القائد جمال عبدالناصر وبين الجماهير الشعبية الناصرية ذاتها، وبطبيعة الحال ان يفصل بينه وبين مختلف القوى السياسية المنظمة وخاصة “المعارضة”. وليس من المستبعد في هذه الحالة ان تكون مثل هذه العناصر قد اخفت، في حينه، عن عبدالناصر، الكثير من الارتكابات والفظاعات، ومنها قتل فرج الله الحلو تحت التعذيب، واذابة واخفاء جثته، كي تضع لاحقا عبدالناصر امام الامر الواقع. ولكن حتى في هذه الحالة، فإن هذا لا يبرئ عبدالناصر، باعتباره المسؤول الاول والاكبر، بل ينطبق عليه المثل: ان كنت تدري، فتلك مصيبة! وان كنت لا تدري، فالمصيبة أعظم!

واذا كان بالامكان، جدلا، تبرئة عبدالناصر شخصيا، بعدم المعرفة (كي نصدق تصريحه امام الصحفي الهندي كارانجيا، اثناء زيارته للهند في 1960 او 1961، بعدم وجود شخص باسم فرج الله الحلو معتقلا في سوريا)، فهذا لا يبرئ النظام الناصري من مسؤولية الجريمة، بل يضاعف هذه المسؤولية، لجهة ـ ايضا ـ جريمة إخفاء الجريمة.

المسؤولية التاريخية

اخيرا، اذا كانت الناصرية قد دشنت سياسة وتقاليد القمع والنزاعات الدموية في الصفوف الوطنية والقومية المناضلة، فهل يمتلك الناصريون الشرفاء اليوم المصداقية والشجاعة الادبية كي يدشنوا ايضا المراجعة النقدية الصادقة لهذه الاخطاء القاتلة، التي لم تود فقط بحياة القائد الشهيد فرج الله الحلو والمئات غيره، بل ادت ايضا الى تسهيل ضرب الوحدة المصرية ـ السورية، وفي النهاية الى اسقاط النظام الوطني الناصري ذاته في مصر، كما أدت الى اضعاف حركة التحرير الوطني العربية برمتها، وسببت لها افدح الاضرار، التي لم تتخلص من آثارها حتى الان!

 

 

3 ـ مؤامرة اغتيال فرج الله الحلو:

الدور السوفياتي!

لا يمكن اجراء “محاكمة سياسية تاريخية” حقيقية لجريمة “تصفية” فرج الله الحلو، بدون تناول دور السوفيات في الموقف من عبدالناصر والوحدة المصرية ـ السورية، ومن ثم من فرج الحلو بالذات، ودورهم في مؤامرة “تسهيل” تسليمه للموت المحتم.

وقد يرى البعض ان البحث في الدور السوفياتي، بعد انهيار الاتحاد السوفياتي ذاته، هو عملية نافلة وغير مجدية لانها تأتي “ما بعد الواقعة” (post factum). وهذا غير صحيح لسببين:

الاول ـ ضرورة اجراء التقييم التاريخي لهذه المؤامرة الكبرى، الذي، بدون تسليط الاضواء على مختلف جوانبه، وفهمه الصحيح، القريب قدر الامكان من الواقع، لا يمكن فهم مرحلة مفصلية من تاريخنا المعاصر، وبالتالي لا يمكن الفهم الصحيح لحاضرنا ذاته.

الثاني ـ ان القوى التي هي على علاقة اساسية، ايا كانت، بجريمة اغتيال فرج الله الحلو، بما فيها القيادات والاجهزة السوفياتية السابقة، قد تكون، او هي بالفعل، غيّرت مواقعها السلطوية، الا ان هذه القوى لا تزال موجودة على الساحة السياسية الدولية، وتستطيع، بل هي فعلا، تلعب دورها في مواقعها الجديدة. كما ان “المفاهيم” او “الاعتبارات” او “المصالح” التي “حركت” تلك القوى، في مواقعها السلطوية السابقة، لا تزال هي ايضا موجودة، ويمكن ان “تحرك” جزئيا او كليا ـ في الاتجاه ذاته ـ القوى التي حلت محلها.

وبتجاوز الإشكالية “الشكلية” لضرورة “المحاكمة السياسية التاريخية” لجريمة اغتيال فرج الله الحلو، نأتي الى البحث في “المضمون”. وفي هذا المقال، نتناول الخلفيات السياسية للدور السوفياتي في تسليم فرج الله الحلو:

أ ـ لقد جرت مؤامرة اغتيال فرج الله الحلو، في عهد خروشوف، الذي كان في اوج حملته على الستالينية. ولكن هذا لا يلغي، بل يؤكد، الطابع الاجرامي ـ المكيافيلي، الستاليني، للجريمة، مما يفضح تماما حقيقة “الاصلاحية الدمقراطية” الكاذبة لـ”الخروشوفية”. فبالرغم من الانتقاد العنيف الذي وجهته “الخروشوفية” في حينه الى الستالينية، فإن انتقادها للستالينية بمجمله لم يخرج عن نطاق معادلة “حق يراد به باطل”. وإذا كانت الستالينية، في رأينا، تعتبر تشويها او “تشوها خلقيا” في النظام السوفياتي، فإن “الخروشوفية” ليست سوى “ارتقاء” بهذا التشوه الى مستوى خيانة اساسية للاشتراكية. و”الخروشوفية” هي السلف الطالح لـ”الغورباتشوفية”، التي مثلت انقلابا و”ثورة مضادة” على الاشتراكية، باسم “الشفافية” و”الاصلاح” و”الدمقراطية” و”حقوق الانسان”، وما اشبه من الشعارات البراقة التي استخدمت لاهداف معاكسة تماما لمضمونها. وليس من الصدفة ابدا اننا نجد اليوم، ان سرغيي خروشوف، ابن نيكيتا خروشوف، قد حاز على الجنسية الاميركية، وفتح “مركز دراسات” في واشنطن، متحولا الى عميل اميركي، مثله مثل غورباتشوف وعصابته تماما. وربما من غير الصدفة ان تتسمى حركة غورباتشوف باسم “البيريسترويكا” اي “اعادة البناء”، الذي هو اسم ماسوني حرفيا. وتعبير “فري ماسون” ذاته، يعني حرفيا “البنائين الاحرار”. من هنا ان “الخروشوفية” لم يكن من مهمتها ان تنقض كل “الستالينية”، بل هي انتقدتها بشكل انتقائي، و”طورتها” بشكل يخدم اهداف البيروقراطية الجديدة، التي سميت حينذاك “القيادة الجماعية”، ويخدم المؤامرة الامبريالية الكبرى على الاشتراكية وحركة النضال العالمي ضد الامبريالية، وهو ما تطوعت له الخروشوفية ووريثتها الغورباتشوفية. ولذلك كان من الطبيعي ان ترث الخروشوفية اسوأ ما في الستالينية، وان تحافظ عليه و”تطوره”. ومن اسوأ ما ورثته الخروشوفية عن الستالينية هو الموقف الميكانيكي ـ المكيافيلي من القضية القومية وقضية الدين، بشكل عام، ومن القضية القومية العربية واسرائيل والدين الاسلامي، بشكل خاص. وهذا ما نتناوله فيما يلي، لارتباطه الوثيق بالموقف الخروشوفي حينذاك، من الوحدة المصرية ـ السورية، المرتبط بدوره بمؤامرة تصفية فرج الله الحلو.

ب ـ ان الموقف السلبي للقيادة السوفياتية من القضية القومية العربية، كان هو السبب السياسي الرئيسي وراء التناقض السوفياتي مع التوجه القومي لفرج الله الحلو، ومن ثم “الموافقة على” و”تسهيل” تسليمه للموت على يد المخابرات السراجية. وهذا الموقف هو، بادئا ذي بدء، “نتاج تاريخي” للمفهوم والموقف الستاليني من القضية القومية ومن قضية الدين بشكل عام، ومن القومية العربية والاسلام بشكل خاص. ومن المهم التأكيد ان هذا المفهوم والموقف الستاليني من القضية القومية، العربية خصوصا، ومن الدين، الاسلامي خصوصا، لا علاقة له بالفكر الاشتراكي، المعادي للرأسمالية والامبريالية والظلم الاجتماعي والاستعمار. وهو ما يجب التوقف عنده بايجاز:

ج ـ اذا عدنا الى المرحلة اللينينية، لوجدنا ان القيادة البلشفيكية للدولة السوفياتية الجديدة، وعلى رأسها لينين، كان لها موقف ايجابي من القضية القومية للشعوب المظلومة، وبالاخص الشعوب الاسلامية. ولا بد لنا من ان نلاحظ ان البلشفيك الروس، وبقيادة لينين، استطاعوا في حينه ايجاد “لغة مشتركة” مع الشعوب الاسلامية ضمن الامبراطورية القيصرية السابقة، مع ان هذه الشعوب كانت شعوبا رعوية ـ فلاحية فقيرة جدا وشبه امية تماما، وكانت تقوم بينها وبين “الروسي” ثلاث دوائر من الاختلاف والحقد: بصفته السلطوية القيصرية، وبصفته القومية الروسية، وبصفته الدينية المسيحية الارثوذكسية. ومع ذلك فإن البلشفيك الروس، وبعدد قليل جدا من الدعاة والمناضلين الواعين، استطاعوا ان يخترقوا هذه الدوائر السياسية ـ الاجتماعية ـ الدينية ـ النفسية، التي كانت تفصل “الظالم” المسيحي الروسي، عن “المظلوم” المسلم غير الروسي، واستطاعوا ـ اي البلشفيك الروس ـ ان يكتسبوا، في عين تلك الشعوب، “وجها انسانيا آخر”، مغايرا لوجه “الروسي القيصري الكريه”، واخيرا ان يستميلوا الشعوب الاسلامية المظلومة الى جانب الثورة الاشتراكية والسلطة السوفياتية. ومن ضمن هذا السياق نفسه، حينما دخل الانكليز الى افغانستان، في المرحلة التاريخية ذاتها، فإن البلشفيك بقيادة لينين، لم يستغلوا ذلك للتدخل في افغانستان واحتلالها او احتلال جزء منها، بل ايدوا “امير افغانستان” المسلم و”الرجعي”، ضد الاحتلال الانكليزي، واحترموا رغبة الشعب الافغاني بالاستقلال، ووقعوا “معاهدة صداقة” مع افغانستان، ظلت سارية المفعول حتى عهد بريجنيف وتدخله المشؤوم في افغانستان، لضرب الدمقراطيين، بمن فيهم الشيوعيين الافغان، بعد ان جاؤوا الى السلطة فيها، واصبحوا يشكلون خطرا موضوعيا على “نمط حكم” البيروقراطية السوفياتية. اي انه كان هناك “فهم تاريخي ديالكتيكي”، من قبل الشيوعيين السوفيات في عهد لينين، للقضية القومية والمعتقدات الدينية للشعوب الاسلامية. وهذا الفهم هو الذي مكن البلشفيك الروس في حينه من ايجاد “اللغة المشتركة” بينهم وبين تلك الشعوب.

د ـ اما في عهد ستالين، فقد تغير الوضع جذريا، وبدأ “تدهور تاريخي” في نظرة، وممارسة، القيادة والاجهزة السوفياتية حيال القضية القومية والدينية عامة، والقضية القومية والمعتقدات الدينية للشعوب الاسلامية خاصة. ويعود ذلك، بدرجة أساسية، الى النشأة الذاتية لستالين التي تتبدى فيما يلي:

ـ نشأته “اللاقومية”، او “العدمية القومية”. فخلافا لما يعتقده كثيرون خطأ، فإن ستالين لم يكن روسيا من حيث الانتماء القومي، بل كان جورجيا. ولم يكن لديه “قضية قومية”، وبالتالي كان لهذه الجهة “عدميا قوميا” (national nihilist). فـاسم “جورجيا”، البلد الذي يعود اليه ستالين بأصله “القومي”، يدل على مفهوم جغرافي، اكثر مما يدل على مفهوم قومي. و”القومية الجورجية” هي قومية صغيرة جدا لا يتعدى تعدادها 4 ملايين نسمة في كل انحاء الاتحاد السوفياتي السابق، و3،5 ملايين في جورجيا نفسها، من اصل حوالى 5،3 ملايين نسمة يعيشون في هذه الجمهورية. ويطلق “الجورجيون الاقحاح” على انفسهم اسم “كارتفيليين”. وتعيش في جورجيا اقليات اتنية كثيرة اخرى، اهمها: الاوسيتيون، الابخازيون، ، الاجاريون، الارمن، الروس، الاذربيجانيون وغيرهم العديد من الاتنيات الاصغر عددا. والارضية السياسية ـ الانسانية الهامة الوحيدة التي كان يقف عليها ستالين هي: الانتماء للحزب (الشيوعي)، الذي كان يشمل كل الامبراطورية القيصرية السابقة الكبيرة، ومن ثم الدولة (السوفياتية) العظمى، والكومنترن (الذي يشمل العالم).

ـ كما ان ستالين كان في مطلع حياته يدرس في احدى المدارس الداخلية الارثوذكسية. وقد طرد من المدرسة، بعد ان اكتشف انتماؤه السياسي، فأثر ذلك عليه في ان رسخ لديه نظرة سياسية وحيدة الجانب وحاقدة الى الدين بشكل عام. ومع وجود بعض الترسبات الاسلامية الرجعية، والمعادية للروس، ومن ثم للسوفيات، لدى قطاع جماهيري معين في الجمهوريات الاسلامية السوفياتية، وذلك خاصة تحت التأثير التركي، اتخذ العداء الستاليني العدمي للدين عامة، طابعا معاديا للاسلام خاصة.

وهذه النشأة القومية والدينية، “العدمية”، لستالين، هي التي كونت مفهومه الميكانيكي للقضية القومية والمعتقدات الدينية. وهذا المفهوم الميكانيكي هو الذي فرضه ستالين، من ضمن مختلف مفاهيمه المكيافيلية التعسفية، على الحزب الشيوعي والسلطة السوفياتيين، والحركة الشيوعية العالمية، حينما اصبح في السلطة.

وطبعا ان ستالين و”مدرسته” الستالينية كانا يجدان المرتكزات “الواقعية” و”النظرية” اللازمة، للنظرة الميكانيكية السلبية الى القومية والدين، في بعض الممارسات السلبية للكنيسة الارثوذكسية في العهد القيصري، وفي “التعاون” مع المحتلين النازيين من قبل بعض الجماعات “القومية” و”الدينية” المتخلفة والحاقدة في الجمهوريات السوفياتية الاسلامية، كما وفي التأويل الميكانيكي المشوه والمبتسر لمقولات “ماركسية” مفصولة عن سياقها الديالكتيكي والتاريخي، مثل شعار “العمال لا وطن لهم!” و”الدين افيون الشعوب!”.

وهذه “النظرة العدمية” الستالينية، الى القومية والدين، هي التي دفعت ستالين الى التطبيق، المستهتر انسانيا وقوميا، للعقوبات الجماعية ضد الشيشانيين والتتار، حينما قام قسم محدود منهم، بالتعاون مع المحتلين الهتلريين، كما حدث في فرنسا وغيرها من البلدان التي احتلها هتلر، والتي وُجد فيها “متعاونون” فيشيون وكيسلنغيون الخ، على طريقة تعامل “الكتائبيين” و”القوات اللبنانية” و”جيش لبنان الجنوبي” مع الاحتلال الاسرائيلي في لبنان.

هـ ـ ان هذه النظرة الستالينية العدمية، للقومية وللدين، وجدت بالضرورة ترجمتها في التعامل مع القضية القومية العربية، ومع حركة التحرر الوطني العربية، بما فيها الحركة الشيوعية العربية. فالقيادة السوفياتية، منذ ايام ستالين، وبتأثير منه اولا، كانت تخشى اي شكل من اشكال الوحدة العربية، والوحدة العربية ـ الاسلامية، بما في ذلك امكانية قيام حزب شيوعي عربي موحد. لانها كانت ترى:

ـ اولا، انه سيكون من الصعب عليها السيطرة على مثل هذه الوحدة، دولة او حزبا، الخ.

ـ وثانيا، لانها كانت ترى ان اي وحدة عربية، او عربية ـ اسلامية، يمكن ان تتحول الى مركز استقطاب يمارس تأثيره السياسي، المباشر او غير المباشر، على شعوب الجمهوريات الاسلامية السوفياتية، وعلى الشيوعيين فيها، نظرا للعلاقات التاريخية والثقافية والدينية، بين العرب وهذه الشعوب.

وكانت القيادة السوفياتية، الستالينية، ووريثتها الخروشوفية، ترى ان مثل هذا التأثير سيكون مناقضا للهيمنة الدكتاتورية والبيروقراطية للقيادة السوفياتية على شعوب تلك البلدان واحزابها الشيوعية ذاتها. وهذا هو الاساس الفكري والسياسي، “السوفياتي” الخاص، الذي انطلقت منه القيادة السوفياتية في موقفها السلبي من القضية القومية العربية، ومن الوحدة المصرية ـ السورية.

و ـ ان هذه العوامل السلبية نفسها، لعبت دورها الفاصل في ان يدخل ستالين تغييرا جذريا على الموقف السوفياتي الاصلي من التقسيم الاستعماري للشرق، بما في ذلك تقسيم فلسطين وإقامة دولة اسرائيل.

فمعلوم ان الدولة السوفياتية الناشئة، بقيادة لينين، هي التي سبق لها وفضحت اتفاقية سايكس ـ بيكو (ووعد بلفور هو جزء لا يتجزأ منها). وقبل الحرب العالمية الثانية، كانت الدولة السوفياتية، والحزب الشيوعي السوفياتي، والكومنترن (الاممية الشيوعية)، تعارض انشاء اسرائيل، والهجرة اليهودية الى فلسطين، وتعتبر ذلك من ضمن سياسة التوسع الاستعماري للدول الامبريالية الغربية، للسيطرة على الشرق العربي. وكان هناك ادانة صريحة للحركة الصهيونية. ولكن مع وجود ستالين على رأس السلطة السوفياتية، بمفاهيمه المكيافيلية اللامبدئية، و”عدميته” القومية والدينية، اخذ يطبع بتلك المفاهيم مجمل السياسة السوفياتية، ويفرضها على الحركة الشيوعية العالمية ذاتها. وقد بدأ ستالين والقيادة السوفياتية في التعامل تعاملا سياسيا لامبدئيا ومكيافيليا مع ما يسمى “المسألة اليهودية”، والاعتراف بتقسيم فلسطين وقيام اسرائيل. وقد اكتسبت هذه العملية طابعا ضاغطا بشكل خاص، في ظروف الخطر الهتلري، وخاصة بعد الهجوم على الاتحاد السوفياتي في 1941، حينما دخل الاتحاد السوفياتي في معركة حياة او موت مع الهتلرية، واصبح بحاجة الى المساعدات الاقتصادية والتسليحية الغربية. ومن السذاجة الاعتقاد ان “ستالين العظيم” حصل على تلك المساعدات بدون ثمن سياسي.

ـ وكان اول ثمن، دفعته الحركة الشيوعية العالمية، هو القرار الستاليني بحل الكومنترن (الاممية الشيوعية) في 1943. وكان هدف الدول الغربية من هذا القرار هو منع “التدخل الخارجي” في شؤونها، عبر “العلاقة التنظيمية” للاحزاب الشيوعية فيها مع “الكومنترن”. ومنذ ذلك التاريخ، تحولت علاقة الحزب الشيوعي السوفياتي مع اي حزب او حركة او نظام سياسي في الخارج، بما في ذلك الاحزاب الشيوعية، الى علاقات ثنائية وحسب. وقد ادى حل “الكومنترن”، وتطبيق قاعدة “العلاقة الثنائية” مع السوفيات، الى إعطاء الستالينية امتيازا واسبقية كبرى، في علاقتها مع اي حزب شيوعي اجنبي، اولا لان الستالينية كانت تمثل دولة كبرى كالاتحاد السوفياتي، بكل امكانياته الهائلة، وثانيا لاطلاق يد الستالينية في التعامل مع اي طرف واي قضية خارجية، بدون الرجوع الى، وبدون الالتزام برأي اي “مرجعية” اخرى، وأي حزب شيوعي آخر، بما في ذلك الحزب الشيوعي المعني، الذي تقوم معه “العلاقة الثنائية”. واصبح بمقدور الستالينية، بامكانياتها الدولوية، التفرد في تطويع اي “طرف شيوعي آخر”، وحتى قمعه حينما تستدعي الحاجة.

ـ وبعد انتصار الشعب السوفياتي الباهر على الهتلرية، الذي قطفت الستالينية ثماره السياسية، عقد مؤتمر “يالطا ـ بوتسدام”، في 1945، الذي تمت فيه اتفاقات تقاسم النفوذ الدولي، بين الدول المنتصرة، وتحديدا بالاخص بين ستالين وروزفلت وتشرشل. واصبحت تلك الاتفاقات هي المرجع، والناظم الاساسي، وإن “السري”، في العلاقات الدولية برمتها، بوصفها المرجع والناظم للعلاقات السوفياتية (الروسية) ـ الغربية. وهذه الاتفاقات تقر، لكل من الطرفين، التمتع بالقرار الستراتيجي، المتعلق بالتكوين والكيان الاساسي للدول القائمة في “منطقة نفوذه”، بدون اعتراض الطرف الاخر. كما انها تتيح لكل طرف العمل السياسي في “منطقة نفوذ” الطرف الاخر، فقط تحت عنوان “السياسة الداخلية” لكل من الدول الاقليمية الموجودة في المنطقة المعنية. بعد هذا التاريخ، فإن القيادة السوفياتية، وعملا بتلك “الاتفاقات”، سحبت فعليا اعتراضها التاريخي على “اتفاقية سايكس ـ بيكو”، وملحقها “وعد بلفور”، لوقوع المنطقة العربية ضمن “منطقة النفوذ الغربي”، بموجب اتفاقات يالطا ـ بوتسدام. وهذا يعني ان الدولة السوفياتية اصبحت “ملزمة”، بموجب اتفاقات يالطا ـ بوتسدام، بتأييد، والمحافظة على، التقسيم الذي فرضته اتفاقية سايكس ـ بيكو على البلدان العربية.

ز ـ انطلاقا من كل ذلك، فإن القيادة الستالينية اصبحت ملزمة ايضا ـ بصفة “تعاقدية” مع الدول الغربية ـ بتأييد تقسيم فلسطين، وهو ما فعلته في 47. وليس من الصدفة ان الدولة “الشيوعية” الوحيدة التي اعترضت على قرار تقسيم فلسطين، الصادر عن الامم المتحدة، هي الدولة التي عصت على ستالين، ونعني بها يوغوسلافيا تيتو، التي كان لها مندوب في لجنة الامم المتحدة التي زارت فلسطين واوصت بالتقسيم، وكان المندوب اليوغوسلافي هو المعارض الوحيد، الذي اقترح، بدلا من التقسيم، اقامة دولة موحدة ثنائية عربية ـ يهودية.

ومن ضمن هذا السياق، اعترفت القيادة الستالينية بدولة اسرائيل، مباشرة بعد اعتراف الولايات المتحدة، فور اعلانها في ايار 48.

وقد حاولت القيادة الستالينية، من ضمن ما “تتيحه” لها اتفاقات يالطا ـ بوتسدام، ان “تتشاطر” على الغرب الامبريالي والصهيونية العالمية، بمحاولة “لغم” اسرائيل من “الداخل”، حسب زعمها ووهمها. فاتخذت ـ اي الستالينية ـ القرارات الحزبية والدولوية المطلوبة لارسال يهود اوروبا الشرقية (وبالاخص الشيوعيين منهم) الى اسرائيل، كي يقاتلوا في جيشها في حرب 48 ـ 49، كما ارسلت لها السلاح (قبل صفقة الاسلحة التشيكية لعبدالناصر في 1955، كان هناك صفقة اسلحة تشيكية اخرى، لاسرائيل، في فترة الهدنة في حرب 48-49. واول طائرات حربية استخدمها الجيش الاسرائيلي في تلك الحرب ضد الجيوش العربية، كانت طائرات “شيوعية” تشيكية. وكان رئيس الوزراء التشيكي حينذاك الشيوعي اليهودي سلانسكي، الذي اعدمه ستالين لاحقا، ضمن حملات التطهير). وقد توهمت الستالينية انها، بواسطة هذه “المساعدة” و”المشاركة” في انشاء اسرائيل، يمكنها ان تضرب اكثر من عصفور بحجر واحد:

اولا ـ ان تلتزم باتفاقات يالطا حرفيا، في “منطقة النفوذ الغربي”، لتجبر الدول الغربية على الالتزام بتلك الاتفاقات في “منطقة النفوذ الروسي” ولا سيما في اوروبا الشرقية.

ثانيا ـ ان تتخلص قدر الامكان من اليهود، وخصوصا الشيوعيين اليهود، في اوروبا الشرقية، الذين لم تكن الستالينية تثق بهم.

ثالثا ـ ان تلغم “وعد بلفور” من الداخل، بمحاولة تحويل اسرائيل، عبر الهجرة اليهودية الشيوعية، الى “موطئ قدم” سوفياتي في هذه المنطقة الحساسة من العالم، عوضا عن ان تكون “مركز نفوذ” غربي.

ثالثا ـ ان تتحكم بالاوضاع العربية برمتها، عبر اللعب بالطابع المزدوج لـ”اسرائيل”، كما كان يريدها ستالين: اي طابعها الفعلي الاصلي، اي الصهيوني، المعادي للعرب والاسلام، من جهة، وطابعها الوهمي، “الاشتراكي اليهودي”، “الصديق” الوهمي المفترض للعرب والاسلام، من جهة ثانية.

ولعله من المعبر، على هذا الصعيد، ان اول زيارة لوزير خارجية اسرائيلي الى الخارج، كانت زيارة غولدا مائير (وزيرة خارجية اسرائيل حينذاك) الى الاتحاد السوفياتي في 1952، حيث جرى لها استقبال مميز.

ولـ”إنجاح” هذه السياسية التعسفية المكيافيلية، الخاطئة من اساسها، وبالرغم من حل الكومنترن، فإن الستالينية ذهبت الى النهاية في المعاندة في الخطأ، باستخدامها نفوذها التاريخي، كحزب شيوعي سوفياتي وكدولة سوفياتية، وامكانياتها المادية والمخابراتية الهائلة، لاجبار الاحزاب الشيوعية العربية ذاتها على الاعتراف بتقسيم فلسطين، اي عمليا الاعتراف بـ”الشرعية السياسية والقومية” لإقامة اسرائيل، مما يناقض على خط مستقيم لا الماركسية وحسب، بل وابسط المفاهيم السياسية والاجتماعية المنطقية التي تميز بين الدين، من جهة، وبين الامة والقومية، من جهة ثانية.

ولكن الستالينية، بسياستها المكيافيلية هذه، لم تفعل سوى ان تقدم اكبر خدمة للامبريالية والصهيونية، بمساهمتها في اعطاء انشاء اسرائيل طابعا “يهوديا عاما”، ايده وشارك فيه، بل وحارب لاجله، الاعداء الاساسيون التقليديون للصهيونية بين اليهود، ونعني الشيوعيين اليهود. وقد فشل وهم انشاء “اسرائيل اشتراكية” فشلا تاريخيا ذريعا.

ح ـ كانت سنة1947 محطة تاريخية، بالنسبة للمسألة القومية بشكل عام، وبالاخص قضية فلسطين وقضية الوحدة القومية عموما، والوحدة المصرية ـ السورية تحديدا. كما كانت محطة “تاريخية” ايضا في السيرة السياسية لخالد بكداش. حيث انه في هذه السنة صدر قرار تقسيم فلسطين. وقد برز في الحزب الشيوعي السوري ـ اللبناني اتجاهان:

ـ اتجاه “قومي عدمي”، تزعمه خالد بكداش، الذي أيد قرار التقسيم، إما تسترا وراء الموقف السوفياتي، او إذعانا له.

ـ واتجاه قومي، كان ابرز شخصياته فرج الله الحلو.

وعلى ما اذكر، بالسماع، انه قبل شهر من صدور قرار تقسيم فلسطين، وكان موضوع التقسيم قيد البحث المحموم اقليميا ودوليا، اصدرت القيادة الحزبية في لبنان، التي كان يترأسها فرج الله الحلو، بيانا تعارض فيه التقسيم. وبعد شهر او اكثر صدر قرار التقسيم، بموافقة ستالين العظيم. وكانت هذه المخالفة لـ”الارادة السنية” (اي معارضة قرار تقسيم فلسطين، من قبل فرج الله الحلو)، بمثابة “نقطة سوداء” لا تمحى في “الاضبارة البكداشية ـ السوفياتية” لفرج الله الحلو، وضربة قاضية بالنسبة لمستقبله الحزبي. فجرى إبعاده من قيادة الحزب، وانزل الى مستوى عضو عادي. وصدر بيان حزبي جديد بتأييد التقسيم. وكل ذلك بمبادرة، وتحت “قيادة” خالد بكداش، الذي ارتفعت حينذاك اسهمه “السوفياتية” بشكل كبير جدا.

وبواسطة عملاء الكا جي بي، المخابرات السوفياتية، في الاحزاب الشيوعية العربية، وابرزهم المرحوم خالد بكداش، استطاعت القيادة الستالينية ان تخنق اي معارضة شيوعية عربية لقرار تقسيم فلسطين والاعتراف باسرائيل. ولما كان فرج الله الحلو ابرز المعارضين، فقد نال نصيبه من الاضطهاد والاذلال، وابعد عن المواقع القيادية لسنوات. وعلى الطريفة الستالينية المعهودة، استكتب رسالة مشينة، معروفة باسم “رسالة سالم”، التي يقدم فيها فرج الله الحلو “نقدا ذاتيا” يلصق فيه بنفسه ما هب ودب من الاخطاء، وكل ذلك لتشويه سمعته لدى القاعدة الحزبية وتبرير اقصائه عن القيادة، وطمس سبب الخلاف الرئيسي حول الاعتراف بتقسيم فلسطين. وقد جرى تعميم “رسالة سالم” على الحزب كله. ومنذ ذلك الحين، دخلت هذه “النقطة السوداء” في سجل فرج الله الحلو لدى القيادة السوفياتية. واعتقد ان فرج الله الحلو فضل عدم المواجهة مع بكداش والستالينية في حينه، لأنه كان يراهن على عامل الوقت، ويأمل بتصحيح مواقف الحزب “من الداخل”، وبتصحيح مواقف القيادة السوفياتية من خلال “العلاقات الرفاقية”، التي لم تكن القيادة السوفياتية تقيم لها اي اعتبار.

وللاسف، وهذا رأيي الشخصي، ان فرج الله الحلو لم يخرج حينذاك من تحت الوصاية القسرية لبكداش على الحزب، وهي الوصاية المفروضة ستالينيا، ولم يقف علنا مدافعا عن صحة موقفه بمعارضة تقسيم فلسطين على اساس عنصري. ولو فعل ذلك لشكل نقطة تحول في تاريخ القضية الفلسطينية، وتاريخ الحركة الشيوعية العربية. والان، بعد كل هذه الحروب والدماء والتضحيات غير المحدودة، وبعد “تخوين الشيوعيين” حينذاك، من قبل “الاسلاميين” و”الشوفينيين” العرب، يتأكد صواب موقف معارضة التقسيم العنصري لفلسطين، ويبدو بوضوح ان مشروع الكيان الاسرائيلي، بالرغم من كل خصوصياته بالنسبة لليهود، لم يكن كارثة للجماهير الفلسطينية والعربية فقط، بل هو لا يحمل ايضا اي امل حقيقي بالخلاص الانساني المشرف لليهود المضللين انفسهم، وان هذا المشروع، كما كان المشروع الطائفي للكتائب في لبنان، والمشروع العنصري للبيض في افريقيا الجنوبية، يحمل مقومات موته في ذاته. ولا مستقبل لخلاص اليهود المضللين افضل من مستقبل الجماهير المسيحية التي كانت تضللها الكتائب في لبنان، وجماهير البيض الذين كانوا مضللين بالعنصرية في افريقيا الجنوبية. اي ان خلاص اليهود المضللين ينحصر تحديدا في الانضواء تحت سقف حركة التحرر الوطني الفلسطينية والعربية، بعد هزيمة المشروع الطائفي ـ العنصري للصهيونية.

وقد برز الخلاف مرة اخرى بحدة في1959 ، بين الاتجاهين “القومي” و”اللاقومي” في الحزب الشيوعي السوري/اللبناني، حينما كتب فرج الله الحلو مقالة بعنوان “من مواطن لبناني الى الرئيس جمال عبدالناصر”، التي نشرت في حينه في جريدة “الاخبار” الاسبوعية العائدة للحزب، والتي اعرب فيها فرج الله الحلو عن تأييده للوحدة، وانتقد بشكل ايجابي وبناء الاخطاء الحاصلة، ولا سيما لجهة مكافحة الحريات الدمقراطية، والتي اعتبرها تضر بقضية الوحدة، وطالب الرئيس عبدالناصر بالتدخل لاصلاح الاخطاء حرصا على الوحدة. فمع هذه المقالة، “طفح الكيل” بالنسبة للقيادة البكداشية ـ السوفياتية، من فرج الله الحلو! ويمكن القول ان هذه المقالة هي التي “قتلته”. فكان قرار ارساله الى سوريا، الذي جاء من موسكو، بواسطة بكداش، الى القيادة الحزبية في بيروت، التي “وافقت” على ارسال فرج الله الحلو الى سوريا، اي عمليا تسليمه للموت. وقبل عشر سنوات من ذلك كان الدكتاتور حسني الزعيم قد قام بجريمة مماثلة، حينما سلم انطون سعادة للاعدام في لبنان. ويبدو من ذلك كيف ان الاتجاهات العربية اللاقومية، على مستوى الانظمة والاحزاب والمنظمات معا، “تتبادل الخدمات” ضد اي مشروع قومي يهدد “كيانات سايكس ـ بيكو”.

ط ـ تشغل تجربة الوحدة المصرية ـ السورية حيزا كبيرا في التاريخ العربي الحديث، ولا سيما في تاريخ حركة التحرير الوطني العربية. ومع ذلك فهي لم تعط َ، في رأينا، الاهتمام الكافي الذي تستحقه، لجهة الاستفادة من الدروس التي قدمتها. وينطبق ذلك بشكل خاص على الحزب الشيوعي السوري/اللبناني بشكل خاص، والحركة الشيوعية العربية بشكل عام.

فالواقع ان تلك “النقلة النوعية” في الحياة السياسية لمصر وسوريا تتجاوز بكثير اهمية البلدين مجتمعين. فهي كانت اول اختراق اساسي للتركيبة البنيوية للهيمنة الامبريالية الغربية على الوطن العربي، وعبره على العالم الاسلامي وآسيا وافريقيا، ومن ثم على العالم برمته.

ان حجر الزاوية في هذه التركيبة هو التقسيم الاستعماري للشرق، الذي تمت بموجب اتفاقية سايكس ـ بيكو (وملحقها “وعد بلفور”). ذلك ان الدول الامبريالية أدركت، منذ ذلك الحين، ان امكانية نشوء دولة عربية موحدة، من شأنها التحكم بمنابع النفط، والممرات الدولية، وتحريك العالم الاسلامي، ومن ثم قلب المشهد السياسي والاقتصادي والستراتيجي الدولي رأسا على عقب. ولا يزال التقسيم الاستعماري للشرق العربي حتي اليوم، هو حجر الزاوية في نظام الهيمنة الامبريالية على العالم.

وهكذا كانت اتفاقية سايكس ـ بيكو، التي قامت اساسا بين بريطانيا وفرنسا وروسيا القيصرية، ثم فضحتها وعارضتها روسيا السوفياتية، وانضمت اليها بالمقابل اميركا، ومن ثم حازت موافقة جميع الدول الغربية الاخرى. وعلينا ان نذكر هنا ان بريطانيا وفرنسا حاولتا في البدء تمرير الاتفاقية “سلميا”، عن طريق الخداع والتضليل والكذب. ولكن بعد فضح الاتفاقية من قبل الثورة الروسية في 1917، قامت الحكومة العربية في سوريا، برئاسة فيصل الاول، واخذت تدعو لانشاء الدولة العربية الموحدة. واصبح الحكم العربي في سوريا حينذاك عقبة كأداء امام التطبيق الكامل لاتفاقية سايكس ـ بيكو، مما هددها بالفشل. ولكن بعد عقد مؤتمر الصلح في باريس في 1919ـ1920، حازت اتفاقية سايكس ـ بيكو على الاعتراف الدولي، وحصلت فرنسا الاستعمارية على التفويض الدولي اللازم، كي تشن ـ انطلاقا من لبنان ـ الهجوم على سوريا، فاشتبكت مع الجيش العربي على مداخل دمشق، ودمرته في معركة ميسلون، التي استشهد فيها وزير الدفاع في حكومة فيصل، البطل القومي يوسف العظمة. وبالرغم من التواطؤ الدولي، فإن احتلال سوريا بالقوة المسلحة، أفقد اتفاقية سايكس ـ بيكو طابعها “السلمي” الكاذب، بحيث تعرت تماما كاتفاقية قرصنة استعمارية تمت بالقوة، رغم ارادة جماهير الامة العربية. ومنذ ذلك الحين، فتحت الطريق ايضا لتطبيق “وعد بلفور”، وبدأت الهجرة اليهودية المكثفة الى فلسطين، المحتلة من قبل الانكليز. وبالرغم من كل التطورات الاقليمية والدولية، التي اعقبت الحرب العالمية الاولى، ثم بالاخص الحرب العالمية الثانية، وظهور المعسكر الاشتراكي، وانهيار النظام الكولونيالي التقليدي في العالم، بقيت اتفاقية سايكس ـ بيكو، التي تقضي بتجزئة الوطن العربي، ـ بقيت تلك الاتفاقية مصانة دوليا، لا سيما بعد ان اصبحت روسيا الستالينية في عداد الدول الموافقة عليها فعلا، عبر منطوق اتفاقيات يالطا ـ بوتسدام بين المنتصرين في الحرب العالمية الثانية.

وجاءت اتفاقية الوحدة بين مصر وسوريا، لتقلب “رقعة الشطرنج” الدولية تماما، بخرقها “النظام الدولي” المركب، القائم على اتفاقية سايكس ـ بيكو اقليميا، واتفاقيات يالطا ـ بوتسدام دوليا. وكان لقيام الوحدة بين مصر وسوريا بالتحديد قيمته الكبيرة الخاصة، الرمزية ـ التاريخية، والستراتيجية ـ السياسية، في آن واحد:

ـ فهي، من جهة، اعادت الى المسرح التاريخي المعاصر، الوحدة التي تمت بين مصر وسوريا ابان حكم صلاح الدين الايوبي، التي مهدت لتحرير القدس من الصليبيين،

ـ ومن جهة ثانية، كانت بمثابة رد تاريخي، من سوريا بالذات، على اتفاقية سايكس ـ بيكو، التي سبق لها ان تكرست، انطلاقا من هزيمة الجيش العربي في سوريا ذاتها (معركة ميسلون).

وبقيام “الجمهورية العربية المتحدة”، نشأ على الارض عامل اقليمي جديد، هو العامل “العربي”، الذي يتجاوز ويسحب البساط من تحت اقدام التقسيمات الكيانية القطرية، وهو ما شكل اول تهديد اقليمي فعلي للشرعية التاريخية ولامكانية وجود دولة “وعد بلفور”.

وكان من الطبيعي ان تلقي الدول الامبريالية خاصة، والغربية عامة، ومعها اسرائيل والصهيونية العالمية، بكل ثقلها السياسي والاقتصادي والمخابراتي والعسكري، لضرب الوحدة السورية ـ المصرية. وليس من شك ان الدول الغربية حركت آلية اتفاقات يالطا ـ بوتسدام، كي تطلب من السوفيات عدم تأييد الوحدة المصرية ـ السورية، و”التعاون” في ضربها، مقابل “التعاون” الغربي مع الوجود السوفياتي، المتزايد الاهتزاز، في اوروبا الشرقية، لا سيما بعد احداث المجر في 1956.

من هنا كان التحول المفاجئ في العلاقات السوفياتية مع مصر وسوريا، بعد قيام “الجمهورية العربية المتحدة”، إذ انقلبت تلك العلاقات 180 درجة، وتحولت من علاقات ايجابية جدا، الى علاقات متوترة في منتهى السلبية. وكان موقف بكداش السلبي، بتغيبه عن جلسة مجلس النواب السوري، التي تم فيها التصويت على الوحدة في شباط 1958، تعبيرا عن حقيقة الموقف السوفياتي المعارض للوحدة، ارضاء للغرب.

وجاء الموقف القومي السليم لفرج الله الحلو، الذي أيد الوحدة مبدئيا وعمليا، بالرغم من انتقاده للسلبيات المرافقة لها، ولا سيما الممارسات المخابراتية للدكتاتورية، ـ جاء هذا الموقف ليفاجئ السوفيات، ويهدد بامكانية وقوع تطور “غير محسوب” للاحداث، يتبدى في امكانية انفتاح عبدالناصر شخصيا على القوى الدمقراطية والقومية، الشيوعية والبعثية وغيرها، المؤيدة للوحدة، والمعارضة للممارسات الدكتاتورية والمخابراتية. ومثل هذا التطور للاحداث كان من شأنه تلافي انهيار الوحدة، ونجاحها، الامر الذي يفقد السوفيات امكانية تقديم “تعاونهم” للغرب في الشرق العربي، مقابل الحصول على “تعاون” الغرب، الذي اصبحوا بأمس الحاجة اليه، في اوروبا الشرقية.

وهكذا تقاطعت الممارسات الخاطئة للدكتاتورية الناصرية، مع “المسارات السياسية” الغربية والسوفياتية، التي قضت بـضرورة ضرب الوحدة المصرية ـ السورية، بمختلف الاشكال، ومن ذلك القضاء على الجناح “القومي” في الحزب الشيوعي بشكل عام، و”ازاحة” فرج الله الحلو بشكل خاص. وتولى خالد بكداش، بصفته الامين العام للحزب الشيوعي في سوريا ولبنان، “توصيل” الارادة السوفياتية الى “من يلزم”، فأتخذت قيادة الحزب الكارتونية المطواعة القرار الاجرامي المستهتر، بإرسال فرج الله الحلو الى دمشق، الى بيت حزبي “سري” كان مكشوفا للمخابرات السراجية، قبل شهرين من وصول فرج الله اليه، حيث اعتقل لحظة وصوله بالضبط، وتمت تصفيته جسديا تحت التعذيب، بعد بضع ساعات فقط.

وقد تواطأت المخابرات السوفياتية، والسراجية، وبكداش و”قيادته” الكارتونية، على إخفاء خبر موت فرج الله الحلو، والتظاهر أنه معتقل وحسب، وذلك من اجل إطالة امد الحملة ضد الوحدة وضد عبدالناصر اطول مدة ممكنة. وهنا تتجلى مكيافيلية القيادة السوفياتية ـ البكداشية، بأبشع صورها الستالينية.

وبموت هذا المناضل الدمقراطي الوطني البطل، والقومي العربي الصادق والواعي، والقائد الشيوعي الحقيقي، ضربت القيادة السوفياتية ـ البكداشية اكثر من عصفور بحجر واحد:

اولا ـ الاقتصاص من فرج الله الحلو والتخلص من “الكابوس” المبدئي والسياسي والحزبي الذي كان يمثله بالنسبة لها.

ثانيا ـ الاستفادة من “ازاحته” لشن حملة دولية شعواء ضد الوحدة المصرية ـ السورية، وضد عبدالناصر شخصيا، تحت ستار المطالبة بالافراج عن فرج الله الحلو، ومن ثم استنكارا لقتله.

ثالثا ـ تقديم خدمة لا تثمن للامبريالية والصهيونية، بإعطاء ضرب الوحدة المصرية ـ السورية، طابعا “تقدميا” و”دمقراطيا”، معاديا للدكتاتورية، تماما على الطريقة التي تم فيها احتلال العراق، ويتم فيها الان التحضير لتدمير سوريا من الداخل، باسم “الحرية” و”الدمقراطية”.

ولعله يمكن القول ان المواجهة الغربية ـ السوفياتية المشتركة، ضد الوحدة المصرية ـ السورية، وهي المواجهة التي ذهب فرج الله الحلو كبش فداء فيها، كانت من “أنجح” العمليات المشتركة للمخابرات السوفياتية والغربية، الكا جي بي والسي آي إيه والموساد، بعد الحرب العالمية الثانية. وكان القاسم المشترك الذي جمع الطرفين، هو الخوف من تلاقي القوميين العرب، الناصريين وغير الناصريين، مع الشيوعيين “القوميين”، وظهور حركة قومية عربية ذات وجه اشتراكي حقيقي، وحركة شيوعية عربية ذات وجه قومي حقيقي.

وفيما بعد ردت الدول الامبريالية “الخدمة” للسوفيات، حيث شهدت اوروبا الشرقية عملية مخابراتية سوفياتية ـ غربية مشتركة اخرى، خلال حركة دوبتشيك وما سمي “ربيع براغ” في تشيكوسلوفاكيا في 1968، اذ ان الدول الغربية سهلت للسوفيات احتلال تشيكوسلوفاكيا والقضاء على تلك الحركة، لأن الطرفين، البيروقراطية السوفياتية والدوائر الامبريالية الغربية على السواء، خشيا انتصار ظاهرة “اشتراكية ذات وجه انساني”، التي دعا اليها دوبتشيك. وكما صفي فرج الله الحلو جسديا، فقد جرى ايضا تصفية دوبتشيك جسديا، بعد “انتصار الدمقراطية!” في تشيكوسلوفاكيا، بحادث سيارة مشبوه.

وكلمة اخيرة لا بد منها، وهي ان مؤامرة تصفية فرج الله الحلو لم تصبح صفحة مطوية في الماضي، لأن الذين قاموا بها وشاركوا فيها، من العملاء والعناصر الاجرامية للمخابرات “القومية” العربية، كما ومن قيادات وايتام الكا جي بي، في الاحزاب الشيوعية وغيرها، لا يزالون يمارسون دورهم التخريبي والاجرامي، على النطاق العالمي، وفي مختلف البلدان العربية، متسترين بمختلف الاقنعة: “الشيوعية” و”الدمقراطية” و”الوطنية” و”القومية” و”الاسلامية”.

 

 

4 ـ مؤامرة اغتيال فرج الله الحلو:

آلية القمع الستالينية

في مقالتنا السابقة تناولنا المواقف “السوفياتية”، الستالينية في الاساس، والتي لا تخرج الخروشوفية عن كونها نسخة معدلة عنها. وهي المواقف الممالئة للغرب، في تطبيق اتفاقات يالطا ـ بوتسدام (التي اصبحت تدخل فيها اتفاقية سايكس ـ بيكو)، وبالتالي المعادية للوحدة العربية، والمؤيدة لتقسيم فلسطين والاعتراف باسرائيل. وهذه المواقف السياسية هي التي تكمن خلف قرار القيادة السوفياتية في حينه، في التخلص الشخصي من فرج الله الحلو، للتخلص من خطه الشيوعي ـ العروبي المستقل، ولاستخدام اعتقاله وقتله ذريعة مكيافيلية لتبرير وتسعير الحملة على عبدالناصر وعلى الوحدة المصرية ـ السورية.

ومعلوم، في هذا الصدد، ان موقف القيادة البكداشية للحزب الشيوعي في سوريا ولبنان، كان يلتقي ـ او بالاصح: يترجم على الارض، وينفذ ـ موقف القيادة السوفياتية، واجهزتها، من القضية الفلسطينية وقضية الوحدة العربية عامة، والوحدة السورية ـ المصرية خاصة. ومن هنا ان القيادة البكداشية، في رأينا، كانت ضد فرج الله الحلو سياسيا وحزبيا، الا انها لم تكن لها القدرة لاتخاذ قرار تصفيته الجسدية، وهي لم تكن سوى احدى ادوات تنفيذ القرار السوفياتي بـ”ازاحة” فرج الله الحلو.

وهنا يبرز سؤال منطقي جدا: هل ان الاختلاف السياسي، داخل الحزب الشيوعي السوري ـ اللبناني، وبين فرج الله الحلو والقيادة السوفياتية، كان يحتم التصفية الجسدية له؟ ام أنه كان من الممكن ان يبقى الاختلاف ضمن الاطار السياسي ـ التنظيمي؟

اذا اخذنا الوقائع، فإن الذي حدث فعليا هو الشق الاول من السؤال، اي التصفية الجسدية؟ وعلى السؤال: “هل كان ذلك حتميا؟”، يمكن الاجابة:

ـ ان آلية السلطة الستالينية، مع ستالين و”مابعده” كشخص، لم تكن تحتمل وجود “المعارضة”، لا داخل الاتحاد السوفياتي، ولا داخل المعسكر الاشتراكي، ولا داخل الحركة الشيوعية العالمية، ومنها الحركة الشيوعية العربية والحزب الشيوعي في سوريا ولبنان. ومع ذلك ففي تحليل الستالينية لا يجب وضع التشديد على الاختلاف السياسي معها، مهما كان الاختلاف مهما بحد ذاته. فالستالينية قد تقلب مواقفها السياسية، حتى اكثرها اهمية وخطورة، 180 درجة. ولكن ايا كان موقفها السياسي، في اللحظة المعينة، فإن اداتها الرئيسية للتعامل مع “جماعتها” ومع خصومها، مع اصدقائها ومع اعدائها، مع “المتفقين” والموافقين معها ومع المعارضين لها، هو التطويع والتسلط والعنف والقمع. فما يسمى، بشكل عام، الستالينية، لا يجب البحث عنه في آلية المفاهيم والقناعات الفكرية والسياسية، بل في آلية السلطة، وبصفة اكثر تحديدا في آلية العنف السلطوي. فالاساس في الستالينية هو استخدام سلطة العنف، وعنف السلطة، اللتين تمارس بهما قناعاتها السياسية الظرفية، ضد جميع من تختلف معه، اذا رأت انها تستطيع، او انه لا مفر لها من، مواجهته. وقد تبدى ذلك بشكل “فضائحي”، في موقف الستالينية من الهتلرية. فبالرغم من “فظائعية” هذه الظاهرة الوحشية في تاريخ الانسانية، وحتمية اصطدامها المصيري بالحركة الشيوعية، التي هي نقيضها المطلق، فإن الستالينية ظلت لسنوات “مترددة” في ان تدخل في المعركة ضد الهتلرية، ام لا. ولو لم يرتكب هتلر حماقة “نقض” اتفاقية مولوتوف ـ روبنتروب، والمبادرة لمهاجمة الاتحاد السوفياتي، لربما كانت نجحت المفاوضات التي كان يجريها السفير السوفياتي في برلين، حتى لحظة مهاجمة الاتحاد السوفياتي، للجمع بين الفوهرر والجنراليسيموس. ولو تم ذلك، لكان “المارشال بيتان” تحول الى دمية صغيرة امام “الجنراليسيموس ستالين العظيم”، في متحف المتعاونين مع هتلر، ولكان قام حلف دولي، الماني ـ روسي، لا يعلم الا الله ماذا كان سيكون مصير العالم في حال قيامه.

نستنتج من ذلك انه طالما وجد فرج الله الحلو في “حالة خلاف” مع الموقف السوفياتي ـ الستاليني في لحظة معينة، فإن “حل” هذا الخلاف لم يكن ليتم في اطار النقاش الفكري والسياسي والتنظيمي، بل ان “التخلص” منه، بهذا الشكل او ذاك، كان حتميا.

ولكن هذا لا يعني اوتوماتيكيا انه لو لم يتم تصفية فرج الله الحلو على ايدي المخابرات السراجية، فإنه كان من المحتم تصفيته جسديا، بطرق اخرى، من قبل الستالينية وادواتها البكداشية.

اننا نعلم، من تاريخ الستالينية، انها قامت بالتصفية الجسدية لالوف، وربما عشرات الوف، الشيوعيين الاجانب، “غير الموثوق بهم”، الذين شاء سوء حظهم ان يلجأوا الى الاتحاد السوفياتي، هربا من… القمع الدموي في بلدانهم، بما في ذلك هربا من الفاشية والنازية. وهكذا، ولسخرية القدر: من لم يمت بالهتلرية، من هؤلاء الشيوعيين، مات بالستالينية. ولكننا لا نستطيع ان نقول الشيء ذاته عن التصفية الجسدية للمعارضين، خارج الاتحاد السوفياتي والدول الاشتراكية. في هذه الحالة، كانت تتم التصفية السياسية، و”الادبية” والمعنوية اذا صح التعبير. وكان هذا سيطال حتما فرج الله الحلو، كما جرى له في 1947، حينما عزل من القيادة واستكتب “رسالة سالم” المشينة. ولكن وجود امكانية تصفيته الجسدية “بالواسطة”، اي دفعه الى ايدي المخابرات السراجية، التي تولت هي تصفيته الجسدية، كانت ـ اي هذه الامكانية ـ بمثابة “فرصة” لا تعوض، ولا يمكن تفويتها، بالنسبة للستالينية. ولكن السوفيات لم يكن بامكانهم الطلب مباشرة من فرج الله الحلو ان “يذهب” الى سوريا، للوقوع في فخ المخابرات. لهذه الغاية كان يقتضي وجود قرار قيادي حزبي بـ”ارسال” فرج الله الى سوريا. وهنا كان دور بكداش شخصيا، ودور قيادة الحزب الشيوعي الكارتونية، التي كانت خاضعة لنفوذ وسطوة بكداش.

ونخلص من ذلك الى القول: ان الستالينية كانت على استعداد للتصفية الجسدية لأي كان، في اي مكان آخر خارج الاتحاد السوفياتي والدول الاشتراكية، حيث تتاح لها الفرصة لذلك. وان التصفية الجسدية لفرج الله الحلو، من قبل الستالينية، لم تكن لتحدث، لو لم تكن هناك “امكانية” لذلك. ولكنه، طالما انه كانت توجد مثل هذه الامكانية، فقد كانت التصفية الجسدية حتمية. وهذا ما حدث بالفعل.

واخذا بالاعتبار فداحة هذه الجريمة، التي لا تزال مضاعفاتها ونتائجها التاريخية سارية المفعول، نجد من الضروري ان نتناول بشكل خاص الطبيعة الاساسية للستالينية، اي انطلاقها من آلية القمع السلطوية، وارتكازها عليها، واستمرارها بها. ولكن قبل ان ندخل في تشريح آلية القمع، التي هي جوهر الستالينية، علينا ان نورد الملاحظة الاساسية التالية:

ـ منذ وقت طويل ـ ولكن الان بالاخص: بعد انهيار التجربة السوفياتية ـ تقوم محاولات سياسية و”فكرية”، غير علمية وغير بريئة، للمطابقة بين الستالينية وبين النظام الاشتراكي والفكر الماركسي. وتنطلق هذه المحاولات من كون الستالينية نشأت ضمن النظام السوفياتي، كجزء عضوي ـ تكويني فيه، لتساوي بينها، اي بين الستالينية وبين الفكر الماركسي والاشتراكية. وفي رأينا ان هذا مناف للواقع. فالستالينية ليست مرادفة للاشتراكية والماركسية. بل، على الضد تماما، هي انحراف وتحريف مناقضان للاشتراكية والماركسية. وقد قام هذان الانحراف والتحريف على قاعدة السلطة فقط، التي هي احد اشكال او ادوات تطبيق الاشتراكية، ولكنها لا تتطابق معها. وقبل قيام السلطة السوفياتية، لا يمكن الحديث عن اي ستالينية. والماركسية والحركة الاشتراكية نشأتا في ظروف النضال ضد السلطة الرأسمالية والامبريالية والاستعمار، بكل اشكال الاستغلال والقهر والقمع التي تولدها تلك السلطة المعادية للمجتمع الانساني. والاشتراكية تهدف، في نهاية المطاف، كهدف ابعد، الى إلغاء كل سلطة، وتحقيق مجتمع التسيير الذاتي العام. اما الستالينية، فقد ولدت في ظروف وجود السلطة السوفياتية، كما اسلفنا. وقد استمدت قوتها من السلطة بالذات، ضد الفكر والممارسة الاشتراكيين. فمثلما ان السلطة، أي سلطة، بما فيها السلطة الرأسمالية والامبريالية الخ، تمتلك استقلالا نسبيا عن المجتمع المدني الذي تقوم فيه، والذي توجد فيه قوى معادية لها، كذلك الامر بالنسبة لـ السلطة السوفياتية، التي كانت تمتلك استقلالا نسبيا عن المجتمع المدني الذي كانت تقوم فيه، وتمثل مصالح شرائحية معينة قد تكون منسجمة مع المجتمع المدني الذي تقوم فيه، وقد تكون متناقضة ومعادية لمجتمعها المدني ذاته. وهذا هو بالضبط وضع الستالينية، التي مثلت بالضبط شرائحية مناقضة ومعادية لمجتمعها المدني، بما فيه الحزب الشيوعي السوفياتي ذاته، الذي كان اول ضحية من ضحاياها. ولا يغير في جوهر هذه المسألة ان ستالين و”الستالينيين” كانوا فيما سبق جزءا من الحزب الشيوعي السوفياتي والثورة الاشتراكية والنظام السوفياتي. فهنا نحن امام “انقلاب من فوق”، تماما مثل اي “انقلاب من فوق” في اي نظام “دمقراطي رأسمالي” يتحول الى نظام احتكاري، ودكتاتوري، مكشوف او مستور.

وقد تم الانقلاب الستاليني في السلطة السوفياتية، في عملية تحولية بدأت “سلمية” بشكل تدريجي، داخل تركيبة الحزب الشيوعي والسلطة السوفياتيين، وانتهت بأعنف شكل من اشكال التسلط الدكتاتوري والتصفيات الدموية الواسعة. ونجد من الضروري إلقاء نظرة على تلك العملية:

1 ـ بعد انتصار الثورة الاشتراكية في روسيا في 1917، بدأ على الفور الصراع ليس فقط بين السلطة السوفياتية والاعداء، الداخليين والخارجيين، بل بدأ الصراع ايضا بين مختلف الشرائح والاتجاهات، للسيطرة على السلطة السوفياتية من داخلها بالذات. وهنا علينا ان نذكر وقوع ثلاثة احداث، ذات طابع “انقلابي”:

أ ـ في اب 1918، جرت محاولة اغتيال لينين. وكانت تلك المحاولة عملية مركبة من التنسيق بين الاعداء، “الخارجيين” و”الداخليين”، للسلطة السوفياتية، و”من خارج” و”من داخل” تلك السلطة، بهدف: اما القضاء عليها اذا امكن، او حرفها عن الخط اللينيني. ومع ان لينين لم يمت، الا ان محاولة اغتياله اضعفت الخط “الدمقراطي الاشتراكي” اللينيني، وشجعت الميول والاتجاهات القمعية داخل السلطة السوفياتية الجديدة. وكان يمثل تلك الاتجاهات، بشكل خاص، ستالين وامثاله.

ب ـ كان يوجد في روسيا القيصرية تنظيم يهودي “اشتراكي ـ صهيوني” يسمى اختصارا “البوند” (اي “الاتحاد”، بلغة الايديش اليهودية ـ الاوروبية الشرقية)، واسمه الكامل هو “حزب العمال الاشتراكي الدمقراطي اليهودي في لاتفيا وبولونيا وروسيا”. وكان هذا الحزب معارضا للحزب الشيوعي الروسي، ووقف ضد الثورة الاشتراكية والسلطة السوفياتية لدى قيامها. ولكن بعد انتصار الثورة، وترسخ السلطة السوفياتية ضد “البيض” وضد جيوش التدخل الاجنبي التي كان يقودها تشرشل، عمد هذا الحزب الى حل نفسه في 1921، وطلب الى اعضائه الانضمام جماعيا الى الحزب الشيوعي الروسي، الذي كان قد اصبح حزب السلطة المنتصرة. وكان عدد اعضاء “البوند” كبيرا جدا، بالقياس الى عدد اليهود في روسيا. واذا علمنا ان عدد اعضاء الحزب الشيوعي الروسي عند اندلاع الثورة في 1917، (اي الشيوعيين “غير السلطويين” الذين انضموا الى الحزب ما قبل استلام السلطة) كان لا يتجاوز 80 الفا، استشهد اكثر من نصفهم في اثناء المعارك خلال الانتفاضة والحرب الاهلية وحرب التدخل الاجنبي، نرى انه، بانتساب عناصر “البوند”، دخل تعديل سلبي كبير على مجموع عضوية الحزب، حيث تفاقم الطابع الانتهازي ـ المصلحي في تركيبة عضوية الحزب الشيوعي الروسي. وبتزاوج الاتجاهات القمعية الستالينية، بعد محاولة اغتيال لينين، مع الاتجاهات الانتهازية الصهيونية “البوندية”، داخل الحزب الشيوعي الروسي والنظام السوفياتي الجديد، اصبح هناك أرجحية للاتجاهات والشرائح القمعية ـ الانتهازية ـ السلطوية، داخل الحزب الشيوعي والنظام السوفياتي، على الاتجاهات الاشتراكية المبدئية.

ج ـ وعندما مات لينين في كانون الثاني 1924، استخدم ستالين والستالينيون الرصيد الفكري والسياسي والاخلاقي للينين، كي يتخذوا قرارا “انقلابيا” بكل معنى الكلمة، ذا شقين:

اولا ـ قرار تحنيط جثمان لينين، وتحويله الى مومياء، ووضعه في “مزار”. وكان ذلك بمثابة قرار بتحنيط الفكر الماركسي الحي، ووضع وصاية عليه من قبل “رأس كنيسة معصوم”، بشخص الامين العام للحزب، الامر الذي يعني ايضا “التكفير” والاعدام المسبق لكل معارضة، ولكل تفكير وتجديد يتعارض مع القيادة، التي اتخذت ايضا طابعا طقسيا قدسيا، على الطريقة الدينية التقليدية تماما.

ثانيا ـ وللتغيير التام للتركيب النوعي لعضوية الحزب الشيوعي، عمد الستالينيون الى ضم، دفعة واحدة، 250 الف عضو جديد الى الحزب، بدون اكتمال شروط العضوية، وبمجرد تقديم لوائح كاملة بطلبات انتساب شكلية، اعدها الستالينيون بالذات. وفي هذه العملية الانقلابية ايضا، جرى استخدام اسم لينين، حيث سميت هذه “الدفعة الاغراقية” من المنتسبين الجدد “فوج لينين”، بحجة ان الجماهير تنتسب الى الحزب، دعما له بعد موت لينين. وبالطبع فان الغالبية الساحقة من المنتسبين الجدد لم يكونوا عناصر مبدئية تنتسب الى حزب مناضل، كما كان الامر بالنسبة للشيوعيين القدامى، بل كانوا عناصر انتهازية، غالبيتهم من مختلف اجهزة ادارة الدولة، ومختارين من قبل الاجهزة الستالينية والستالينيين، جرى تنسيبهم اداريا الى “حزب السلطة”، للاستفادة منهم، مقابل الفوائد التي يحصلون عليها من السلطة. واذا اجرينا عملية حسابية، لمن تبقى حيا من الشيوعيين القدامى الذين صنعوا الثورة الاشتراكية، ولعدد اعضاء “البوند” الذين دخلوا الحزب في 1921، واخيرا ما سمي “فوج لينين”، نجد ان ستالين اصبح في امكانه كسر مبدأ التصويت والاكثرية والاقلية في الحزب، والاعتماد على اكثرية “حزبية” انتهازية، تماشي السلطة، وتصفق لها، وتطبق قراراتها، كما تشاء، ضد ارادة غالبية الشيوعيين القدامى، الحقيقييين، الذين قامت الثورة والحرب الاهلية، وجميع التضحيات، على اكتافهم.

ومع تحنيط لينين، وإغراق الحزب بـ”البونديين” الصهاينة و”فوج لينين”، أتم الانقلاب الستاليني في السلطة السوفياتية دورته. وتحول الاشتراكيون الحقيقيون، المبدئيون، في الحزب الشيوعي الروسي، وفي اجهزة السلطة السوفياتية، الى اقلية عددية، والى معارضة، ليس إلا، للانحراف الستاليني. ولكنها كانت لا تزال معارضة قوية، نظرا للرصيد النضالي لاعضائها، الذين هم من قدامى اعضاء الحزب المناضلين، من جهة، ولارتباطهم بالقضايا والمصالح الحقيقية للجماهير الشعبية وتعبيرهم الصادق عنها، من جهة ثانية. وكانت هذه المعارضة تجد سندا لها في الحركة الشيوعية العالمية، والحركات الدمقراطية والتقدمية والوطنية، في العالم بأسره، داخل الكومنترن وخارجه.

2 ـ من هنا انه كان على الستالينية، كي تستطيع الاستمرار:

اولا ـ ان تعمل، بالترهيب والترغيب، لتطويع الحزب الشيوعي السوفياتي والمنظمات الجماهيرية والمؤسسات الثقافية ومختلف اجهزة السلطة ولا سيما الجيش الاحمر، داخل الاتحاد السوفياتي الناشئ.

ثانيا ـ ان تعمل، بالمثل، لتطويع الحركة الشيوعية العالمية، و”عزل” العلاقة “الندية” المباشرة بينها وبين الحزب الشيوعي السوفياتي، واخضاع هذه العلاقة لتحكم اجهزة المخابرات والبوليس السياسي، التي عرفت باسماء مختلفة، كان اخرها اسم الكا جي بي.

وقبل الحرب العالمية الثانية، كانت القيادة الستالينية، واجهزة مخابراتها، تضع نصب عينيها تحقيق المهمة الاولى، اي تطويع الحزب الشيوعي السوفياتي ذاته، والدولة السوفياتية ذاتها. وبعد ان حازت الستالينية على “الاكثرية” في صفوف الحزب والمنظمات الجماهيرية واجهزة الدولة السوفياتية، اتخذت حملة التطويع ضد المعارضة مختلف الاشكال، بشكل “مدوزن” تماما بين التشهير السياسي والمعنوي والادبي وفبركة الافتراءات والتهم الملفقة، و”الحرب الاقتصادية” بحرمان المغضوب عليهم وعائلاتهم من امكانية العمل ومصدر الرزق والتعليم والطبابة الخ، وصولا الى القمع والتعذيب الوحشي والسجن والنفي والاشغال الشاقة والاغتصاب والمحاكمات الصورية والتصفية الجسدية. وعلينا الاعتراف هنا ان “المكارثية”، التي ظهرت في اميركا في الخمسينات، لم تكن شيئا آخر سوى نسخة كاريكاتورية باهتة عن الاساليب الستالينية التي طبقت ضد المعارضة الحزبية في الاتحاد السوفياتي في الفترة بين اواسط العشرينات واواسط الثلاثينات من القرن الماضي. وبلغت حملة القمع أشدها وابشع اشكالها في حملات التطهير والمحاكمات الصورية، التي جرت في السنوات 35 ـ 1937، والتي ذهب ضحيتها عشرات الالوف من الشيوعيين السوفيات وضباط الجيش الاحمر، وكذلك الالوف من الشيوعيين الاجانب اللاجئين الى الاتحاد السوفياتي. وربما من المفيد ان نذكر هنا، ان الستالينية لم ترحم “معارضيها” حتى بعد اندلاع الحرب مع هتلر، والمشاركة الفعالة لهؤلاء المعارضين في المقاومة ضد القوات النازية. ومن ابشع الامثلة على ذلك ما جرى للحزب الشيوعي البولوني وانصاره. فقد كان هذا الحزب من اشد المعارضين لستالين، فجرى اعدام قيادته، وتشكيل قيادة جديدة. ولكن القيادة الجديدة ايضا وقفت ضد ستالين، فجرى اعدامها ايضا، واعلان حل الحزب. ولكن الحزب رفض قرار الحل، واستمر في العمل والنضال ضد هتلر. وحينما قامت انتفاضة فرصوفيا في نهاية الحرب، حررت المقاومة المدينة قبل دخول الجيش الاحمر اليها. وحينما دخل الجيش الاحمر الى المدينة المحررة، دخلت عناصر الكا جي بي ومعها لوائح كاملة بالشيوعيين البولونيين المعارضين لستالين، فجرى سحبهم من المتاريس والمواقع التي كانوا يقاتلون منها القوات الهتلرية، واعدامهم فورا. كما ان الجيش الاحمر حرر معسكر اعتقال نازيا، كان فيه حوالى عشرين الف ضابط بولوني من المقاومة، فجاءت الكا جي بي واعدمتهم جميعا. واعلنت السلطة الستالينية ان الهتلريين هم الذين اعدموا الضباط البولونيين، ولكن بعد مجيء ليش فاليسا الى السلطة في بولونيا، اعترفت القيادة السوفياتية ان الكا جي بي هي التي صفت الضباط البولونيين، نظرا لكونهم كانوا يشكلون خامة بشرية واسعة وصلبة لمعارضة التسلط الستاليني. وهذا غيض من فيض من جرائم الستالينية بحق الشيوعيين في المعسكر السوفياتي ذاته.

واما بعد الحرب العالمية الثانية، التي تمخض عنها، فيما تمخض، ظهور المعسكر الاشتراكي، وانهيار النظام الكولونيالي القديم، وظهور الدول الوطنية المستقلة، ومنها الدول العربية، وُضعت الستالينية امام تحديين كبيرين هما:

الأول ـ إخضاع وتطويع وتتبيع الدول الاشتراكية الجديدة واحزابها الشيوعية بالاخص.

والثاني ـ إخضاع وتطويع الاحزاب الشيوعية في البلدان المستقلة حديثا، كشرط ضروري لاخضاع وتطويع وتتبيع حركات التحرير الوطني والانظمة الوطنية الحديثة في تلك البلدان.

ذلك ان الحركة الشيوعية العالمية، والاحزاب الشيوعية الاجنبية كانت، منذ المرحلة اللينينية، تتمتع باستقلالية ذاتية وبعلاقة ندية مع الحزب الشيوعي السوفياتي، وبالتالي كانت قادرة مبدئيا على نقد التجربة الستالينية ومعارضة القيادة الستالينية وآرائها وقرارتها وتوجيهاتها الخاطئة. وقد اتخذت الستالينية، بالتواطؤ مع “الدمقراطية الغربية”، قرار حل الكومنترن، للتخلص من هذه العقبة “التنظيمية” في العلاقة “الندية” مع الاحزاب الشيوعية الاجنبية.

ولكن الستالينية، والبيروقراطية السوفياتية، والكا جي بي، منذ ستالين حتى خروشوف، ورغم كل الجهود التي بذلتها، فشلت في تطويع وتتبيع البلدان ذات الاحزاب الشيوعية القوية، التي كانت على رأس النضال ضد الفاشية والامبريالية والكولونيالية، مثل يوغوسلافيا، والصين الشعبية، والبانيا، وفيتنام وكوبا. ونتج عن ذلك نشوء الانشقاق والنزاعات “الحامية” في المعسكر الاشتراكي، ، كما كان الامر مع يوغوسلافيا والصين والبانيا. ونشوء الخلافات والنزاعات “الباردة”، كما كان الامر مع فيتنام وكوبا.

اما في البلدان التي كانت فيها الاحزاب الشيوعية اضعف، واكثر حاجة للسوفيات، فقد اتخذت حملة التطويع والتتبيع صيغة التطهير السياسي، وجرت تلك الحملة في فترة 49 ـ 53، حيث تمت موجة من الاعتقالات وسلسلة من المحاكمات والاعدامات في مختلف البلدان الاشتراكية والاتحاد السوفياتي. وكان ذلك صورة مصغرة عن حملة التطهير الدموية والمحاكمات الشهيرة في 35-1937.

واتخذت حملة الستالينية لتطويع الاحزاب الشيوعية خارج السلطة، أشكالا مختلفة، وتمخضت عن خلافات عديدة، نجد ذيولها الى اليوم.

3 ـ من ضمن حملات التطهير، وتطويع الاحزاب الشيوعية في العالم، التي اجرتها الستالينية بعد الحرب العالمية الثانية، بعد ان فشلت في اخضاع تيتو، هو عملية التطهير ضد كوكبة من مثقفي الحزب الشيوعي في لبنان، ذوي التفكير “الاستقلالي”، ونذكر منهم: رئيف خوري، اميلي فارس ابرهيم، قدري قلعجي، هاشم الامين، ماير مسعد. وقد ألقي هؤلاء خارج الحزب، وألقيت عليهم كل القاذورات الستالينية ـ البكداشية المعهودة. وكانوا قد شكلوا، على ما اذكر، لجنة سموها “اخوان عمر” (نسبة الى الاديب عمر فاخوري، الذي كان محبوبا جدا، ويبدو انه كان مقربا من هذه المجموعة)، فأطلقت عليهم القيادة البكداشية تسمية “خوّان عمر”. واخذ الحزب ينظم كل سنة مسيرة الى قبر عمر فاخوري في ذكرى وفاته، بهدف “قطع الطريق” على تلك المجموعة من “استغلال!” اسم عمر فاخوري. وقد اتهم هؤلاء المثقفين بـ”التيتوية”، والعمالة للامبريالية العالمية، وغير ذلك من الصفات الحسنى! واذكر ان الاديب الكبير المرحوم رئيف خوري كان قد نشر رواية بعنوان “الحب اقوى”. فنشرت ضده مجلة “الطريق” الستالينية ـ البكداشية مقالا “نقديا!” بعنوان “الدولار اقوى”. ان المرحوم قدري قلعجي هو الوحيد الذي، برأيي، انحرف عن جادة الصواب تحت تأثير ردة الفعل، وعمل مستشارا صحفيا لدى الدكتاتور اديب الشيشكلي. وللتاريخ ان يحكم لـقدري قلعجي او عليه. ولكن الاخرين جميعا “عضوا على الجرح”، وانطووا على انفسهم. ولا يجب ان تغيب عن البال هنا نقطة جوهرية جدا وهي، بالاضافة الى موضوع الصراع بين “الاستقلالية” أو “الذيلية” للستالينية، ان تطهير هذه المجموعة كان ايضا على صلة بالمسألة القومية، حيث كانت مسألة فلسطين قد طرحت بشدة في ذلك الحين. وهذه المجموعة من المثقفين كانت ذات طرح قومي، وكان اعضاؤها ـ كلهم او بعضهم ـ يعملون في اطار “عصبة مكافحة الفاشية والصهيونية”، في وقت كانت فيه الستالينية لا تزال تعارض الهجرة اليهودية الى فلسطين، قبل الحرب العالمية الثانية. والقائد التاريخي الشهيد فرج الحلو كان يتعاطف مع هذه المجموعة. وهو قد وقف ضد قرار تقسيم فلسطين، كما اشرت سابقا، خلافا لموقف بكداش. وهذه المواقف “الاستقلالية” و”القومية” هي السبب الاساسي في النقمة الستالينية ـ البكداشية عليه، التي ادت الى عزله من القيادة واستكتابه “رسالة سالم” المشينة، وفي النهاية الى رميه في براثن الجلادين.

ان فرج الله الحلو كان متهما بالتعاطف الضمني، كما اسلفت، مع مجموعة “اخوان عمر” او “خـوّان عمر”، حسب التعبير “الحزبي” الرسمي. وفي سنة 1947 كان فرج الله الحلو هو سكرتير الحزب في لبنان، في حين كان خالد بكداش السكرتير العام للحزب في سوريا ولبنان. وقد ترشح فرج الله الحلو للانتخابات في ايار1947 في الجبل، وحصل، حسب اعتراف الدولة، على اكثر من14 الف صوت (اذا لم تخني الذاكرة)، وكاد ينجح لولا التزوير المشهور في تلك الانتخابات. وفي رأيي ان القيادة الفردية البكداشية الستالينية كانت تنظر الى فرج الله الحلو كـ”لغم موقوت” في الحزب، وان نجاحه الجماهيري كان مصدر غيظ لدى تلك القيادة المرتبطة بالمراجع الستالينية، خصوصا اذا اخذنا بالاعتبار الشخصية المثقفة والدمقراطية ومستقلة التفكير وواسعة العلاقات السياسية الداخلية والدولية والمحبوبة شعبيا، كما كان فرج الله الحلو. والشيء بالشيء يذكر، فحينما اشترك المناضل الشيوعي والنقابي التاريخي المحبوب جماهيريا مصطفى العريس بانتخابات 1953، في ظل العهد الاسود لكميل شمعون، ونال كمية كبيرة من الاصوات، اكثر بكثير مما يمكن ان يناله الحزب، بدون شخصية العريس، جرت “قصقصة جوانح” مصطفى العريس نقابيا وحزبيا. وقد سمعت بنفسي “القائد الستاليني ـ البكداشي” الرفيق ص.ص. يتحفنا بقاعدة عجيبة قائلا حرفيا:”لا يجوز لرفيق فرد ان تكون شعبيته اكبر من شعبية الحزب”.

واخيرا لا آخر، ان القيادة السوفياتية، وذيلها البكداشي، لم يكونا على ثقة، بعد قيام الوحدة المصرية ـ السورية، وبوجود قيادة ديناميكية كقيادة عبدالناصر، بأنه سيمكن الحصول على “تعاون” فرج الله الحلو نفسه، بالصمت والعزل واستكتابه رسالة نقد ذاتي ثانية كـ”رسالة سالم”، ذلك ان الظروف كانت قد اصبحت مختلفة ومعقدة جدا، والمعركة مع الامبريالية والصهيونية مفتوحة وقاسية، مما يهدد بانفلات الحزب الشيوعي السوري، واللبناني، والفلسطيني، او قطاع واسع منه، من تحت الوصاية الستالينية ـ البكداشية. ولذلك وجدت الستالينية نفسها مدفوعة الى ارتكاب جريمة دفع فرج الله الحلو الى الموت.

واخذا بالاعتبار فداحة هذه الجريمة، التي لا تزال مضاعفاتها ونتائجها التاريخية سارية المفعول، نجد من الضروري اعادة مناقشتها، بشكل خاص، ليس فقط لإلقاء الضوء على الارتكابات السابقة للدكتاتوريات العربية، والستالينية وخلفائها، بل ايضا، وبالاخص، نظرا لاهمية ذلك في “فهم” طبيعة القيادات الشيوعية العربية، التي قامت في السابق الاجهزة السوفياتية، المخابراتية، البوليسية ـ السياسية، بتفصيلها على قياس التبعية والذيلية. فهذه القيادات لا زالت الى اليوم تمارس دورها “التوجيهي” و”القيادي” على مساحة أساسية من الحياة الحزبية العربية، وحركة التحرير الوطني العربية، هي مساحة الحركة الشيوعية العربية.

جورج حداد

(كاتب لبناني مقيم في بلغاريا)

Advertisements

About منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني

موقع منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني
هذا المنشور نشر في شخصيات ثورية. حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s