انتقاد كارل ماركس للجدل الهيجلي

 

انتقاد كارل ماركس للجدل الهيجلي

 

 

عبد السلام المؤذن

 

 

لقد ثمن ماركس تثمينا عاليا اكتشاف هيجل للجدل. والأساسي في ذلك الاكتشاف، هو موضوعية الجوهر الجدلي.. هو كون العلاقات التناقضية التي هي المحرك للصيرورة الجدلية، هي علاقات موضوعية.

 

لكن العيب الحاسم في الجدل الهيجلي، هو مثاليته. بمعنى أن العلاقات التناقضية الموضوعية.. أن موضوعية الجوهر الجدلي، تتم داخل الفكرة المطلقة.

 

وما يريده ماركس إذن، هو “إخراج” الجدل من الفكر إلى الواقع.. من مجال الفكر الخالص إلى مجال الواقع المادي.. هو التأكيد على الطابع المادي الموضوعي للعلاقات الاجتماعية الواقعية.. بمعنى أن العلاقات التناقضية الموضوعية.. أن موضوعية الجوهر الجدلي.. أن الصيرورة الجدلية الموضوعية، يجب ألا تنطلق من الفكرة المطلقة وتتم داخلها، بل عل العكس يجب أن تنطلق وتتحرك على أرض الواقع المادي والاجتماعي.

 

فماركس إذن يريد إفراغ الجدل الهيجلي، من مضمونه المثالي، ليعطيه مضمونا ماديا.

 

لكن ماركس لم يتمكن من تحقيق انقلابه ذاك، إلا بعد أن راجع وأعاد النظر في كل المقولات الجدلية الهيجلية الأساسية. إن هذه المراجعة النقدية، قامت عل الأسس التالية:

 

 

أولا : مقولة التناقض :

 

إن هيجل له فهم خاص لمقولة التناقض. فهي تعني بالنسبة إليه أن الحل للتناقض يأتى عن طريق تجاوزه مع الحفاظ عليه في نفس الوقت.

 

ولمقاربة المعنى الملموس لهذه الفكرة، بشكل أكبر، يتعين علينا عرض نظرية هيجل حول الدولة.

 

إن هيجل ينظر إلى صيرورة تشكل الدولة، على الشكل التالى : في الأصل كانت هناك تناقضات طبقية داخل المجتمع المدني. هذه التناقضات أدت إلى تمزيق المجتمع المدني، بحث أن الحرب، كما يقول، كانت “حرب الكل ضد الكل”. من هنا برزت مع التطور، الحاجة إلى وسيلة توسط بين الأطراف المتناقضة، لمنع التناقضات من التعمق والاحتدام. وهذه الوسيلة قد تجسدت في ظهور طرف ثالث، اتخذ له شكل الدولة.

 

في رأي هيجل إذن، ان الدولة قد مثلت تجاوزا للتناقضات الاجتماعية، مع الحفاظ عليها في نفس الوقت.

 

إن عظمة هيجل هنا، تكمن في كونه أول واحد استطاع ربط وجود الدولة، بالتناقضات الاجتماعية التي تمزق المجتمع المدني. لكن مثالية جدله، جعلته يسقط في خطإ نظري كبير. في رأيه، إن الدولة هي الحل التاريخي للتناقضات الاجتماعية. إن الكائن (وجود الدولة)، يقدمه إلينا هيجل إذن، على أنه هو ما ينبغي أن يكون. لذلك فإن خطأ هيجل لا يكمن في كونه، اكتشف جوهر الدولة الحديثة كما هي في الواقع، بل في كونه اعتبر واقعها القائم هو جوهرها.

 

إن النظرية الهيجلية في الدولة (الكائن هو ما ينبغي أن يكون)، هي إذن نظرية تبريرية، هدفها تخليد الدولة. والجذر النظري لذلك الخطأ المنطقي، هو بالضبط مقولة “تجاوز التناقضات في إطار الحفاظ عليها”. فهذه المقولة تعني، بأن التجاوز لا يجب تحقيقه عن طريق إلغاء أحد الطرفين المتناقضين، وتحرير الآخر، بل عن طريق ظهور طرف ثالث (الدولة) للتوفيق والمصالحة بين الطرفين المتصارعين. بهذا المعنى، إن الدولة بالنسبة لهيجل، هي الأداة التي يتحقق فيها التماثل بين الضدين ووحدتهما، لا الأداة التي يستخدمها طرف في صراعه ضد الطرف الآخر.

 

ماذا نستخلص من كل ذلك ؟ نستخلص أن مفهوم التناقض عند هيجل، هو التناقض التصالحي.. التوفيقي، لا التناقض العدائي.. التناحري. وهذا الفهم الهيجلي لمقولة التناقض، ينسجم كليا مع منطق الفكرة المطلقة المثالي. إذ أنه داخل هذه الفكرة المطلقة، كل الحركة الجدلية تسير وفق خط واحد لا يتغير : تجاوز التناقضات في إطار الحفاظ عليها.

 

ان النقد الماركسي لمفهوم التناقض الهيجلي، سيقود إلى نتيجتين حاسمتين :

 

الأولى : هي أن ماركس سيدخل اصلاحا جذريا على مفهوم التناقض التصالحي الهيجلي. فبالنسبة لماركس، إن التناقض التصالحي هو موجود فعلا في الواقع، لكن ليس بالمضمون الذي يعطيه له هيجل. فمضمون هيجل هو التالي : هناك طرفان متناقضان، وإذن متصارعان. وفي مرحلة من تطور الصراع، يبرز طرف ثالث من أجل تحقيق الوساطة التصالحية بين النقيضين. وهذا معناه بالتالي، أن الطرف الثالث يمثل تجاوزا للتناقض، في شكل وحدة أرقى، بدون إلغاء الأسس المادية لذلك التناقض الذي تم تجاوزه.

 

إن خطأ هيجل هنا – يقول ماركس – هو التعميم. ذلك أن الطرح الهيجلي، لا ينطبق إلا على النوع الأول من التناقض، الذي هو التناقض التصالحي. ويعرّف ماركس التناقض التصالحي، على النحو التالي : هو التناقض الذي يتميز بكون كل ضد من الضدين، لا يفعل أكثر من نفي تماثله مع الضد الآخر. ولهذا، فمن طبيعته الجوهرية، ان تطوره يقود فقط إلى انفصال مؤقت ونسبي بين الضدين، داخل إطار وحدتهما. وحل هذا النوع من التناقض، يتم عن طريق إقامة شكل جديد أرقى للتماثل بين الضدين.

 

مثال ذلك، التناقض بين البيع والشراء في إطار تبادل البضائع. فصيرورة هذا التناقض، تمر من ثلاث لحظات رئيسية : اللحظة الأولى، هي لحظة التماثل التام ثم تليها لحظة انفصال نسبي ، في الزمان والمكان، بين عمليتي البيع والشراء. وفي الأخير يبرز الطرف الثالث، في شكل عملة نقدية التي تحقق التماثل بين الضدين في إطار وحدة أرقى.

 

مثال آخر : الخلايا الجنسية عند الذكر والأنثى، التي تتوحد في شكل بويضة مخصبة، بعد تجاوز لحظة الانفصال بين السائل المنوي عند الذكر البالغ، وبويضة الأنثى البالغة.

 

ومثال آخر : التناقض داخل حزب سياسي ثوري. يمر تطوره باللحظات الثلاث : لحظة الاتفاق التام، ثم لحظة التمايز بين طرفين رئيسيين (وهو تمايز نسبي، ومؤقت، إذا كان الطرفان معا واعيين لمسؤوليتهما، ويحرصان معا على عدم الدفع بالانفصال المؤقت في الرأي، إلى قطيعة تامة)، ثم لحظة حل ذلك التناقض في إطار وحدة أرقى.

 

باختصار إن حركة التناقض التصالحي، عند ماركس، يمكن اختزالها في : الوحدة (التماثل) – الانفصال (الاختلاف.. التمايز.. النقد) – الوحدة الأرقى.

 

إن هيجل إذن، بسبب عدم إدراكه لطبيعة التناقض التصالحي، قد سقط في خطإ نظري كبير عندما اعتبر الدولة، تنتمي إلى التناقض ذي الطبيعة التصالحية.

 

أما النتيجة الحاسمة الثانية، فهي اكتشاف ماركس لنوع ثان من التناقض، يختلف جذريا عن النوع الأول. وهذا التناقض هو التناقض التناحري. إن تعريف ماركس لهذا النوع الجديد هو : التناقض التناحري هو التناقض، الذي يتميز بكون أحد الضدين ينفي الضد الآخر في وجوده ذاته (وليس فقط في تماثله مع الضد الآخر، كما هو الشأن بالنسبة للنوع الأول). ولهذا فإن ذلك التناقض التناحري، يفترض كحل، عندما يبلغ التطور مرحلة من النضج، إلغاء أحد الضدين وتحرير الضد الآخر.

 

وكمثال على ذلك، الصرع الطبقي وانعكاساته على الدولة. فالدولة لا تمثل بالنسبة لماركس حلا للتناقضات الاجتماعية في إطار الحفاظ عليها، كما يقول هيجل. بل تمثل التعبير المكثف لتماثل الضدين، ومكانا إضافيا ومركزيا لصراعهما.

 

وعلى أساس اكتشاف ماركس للتناقض التناحري، توصل أيضا إلى استخلاص نتيجة حاسمة على صعيد المنطق الجدلي، وهي : بما أن العلاقة التناقضية الأصلية (الجوهر)، التي تؤسس كل الصيرورة الجدلية للتناقض التناحري، تجد حلها النهائي في إلغاء أحد الطرفين المتناحرين وتحرير الطرف الآخر.. فلذلك فإن حل التناقض التناحري، يعني في نفس الوقت ظهور تناقض تناحري جديد، وبالتالي انطلاق صيرورة جدلية جديدة، مؤسسة على علاقات تناقضية جديدة (جوهر جديد). وهذا يعني أن العلاقة التناقضية الأصلية، المؤسِّسة للصيرورة الجدلية، هي نفسها نتاج لصيرورة جدلية سابقة. والنتيجة هي أن الجوهر نفسه، ليس شيئا ثابتا بل متغيرا.

 

 

ثانيا : مقولة الضرورة التارخية :

 

إن هذه المقولة تحتل مركزا أساسيا في الجدل الهيغلي. بالنسبة لهيجل ان العلاقة التناقضية الأصلية.. الجوهر، يحمل معه منذ اللحظة الأولى الجنينية، الشكل المحدد الذي سيكون عليه الحل للتناقض. إنه يرسم إذن مسبقا، الحل الضروري الذي سيقود إليه التطور بالضرورة. وما على الصيرورة الجدلية سوى تحقيق ذلك الحل المحدد سلفا.

 

وحين يطبق ذلك الطرح الهيجلي على التاريخ، فإنه يعني بأن التاريخ يتحرك وفق قوانين الضرورة التارخية الصارمة. فالتاريخ يعرف مسبقا هدفه منذ لحظة انطلاقه الأولى. وغايته هي بالضبط الوصول إلى هدفه وتحقيقه. فهو يشبه القطار الذي يتحرك فوق خط السكة الحديدية، الذي يعرف سلفا المحطة التي سيتوجه اليها قبل انطلاقه.

 

إن التاريخ بالمعنى الهيجلي إذن، له معنى لأنه له غاية يسعى لتحقيقها.. هذه الغاية المحددة سلفا، والتي ستقود إليها بالضرووة حركته.

 

إن ماركس ينتقد بشدة هذا الفهم الجبري.. اللاهوتي، لمسألة التناقض وسبل حلها. فماركس يؤكد على أن هناك فرقا نوعيا بين الضرورة التاريخية الهيجلية، وبين قانون التطور التاريخي. بالنسبة لماركس، ان القانون يحدد فعلا التطور، لكن بدون أن يرسم له سلفا الشكل المحدد للحل الذي سينتهي إليه. فهذه المسألة تبقى مفتوحة. ولذلك فإن ماركس لا يرى حلا واحدا، ضروريا، جبريا، للتناقض. بل مجموعة حلول ممكنة. أما الضروري بالنسبة لماركس، فهو فقط حاجة التناقض إلى حل. بمعنى أن ما هو ضروري، هو كون التناقض بعد تطوره وتعمقه، يخلق شروط حله وتجاوزه. لكن هذا الحل قد يتخذ هذا الشكل أو ذاك.. فهو قد يكون على شكل إلغاء التناقض القديم وحلول تناقض جديد محله، أو على شكل الاجهاض، أو على شكل انشطار الوحدة وتطايرها إلى ضدين منفصلين.

 

هناك إذن مجموعة حلول ممكنة، وليس حلا واحدا ضروريا. لكن ما أن يتحقق الحل الممكن.. ما أن يغلب أحد الحلول الممكنة على الأخرى ويزيحها من الطريق، حتى يبدو الحل المنتصر وكأنه حل ضروري اقتضته الضرورة التاريخية. وهذا هو الوهم الذي سقط فيه هيجل.

 

 

ثالثا : مقولة نفي النفي :

 

إن ماركس لا ينكر الوجود في حد ذاته لتلك المقولة ، بل ينتقد الفهم اللاهوتي الذي أعطاه هيجل لها. إن مقولة نفي النفي الهيجلية، لها صلة وثيقة بمقولة الضرورة التاريخية الهيجلية. فكما أن هيجل يعتبر الحل الذي يتخذه التناقض، هو حل ضروري محدد مسبقا بمقتضى الضرورة التارخية، فكذلك هو يعتبر بأن الصيرورة الجدلية تتحرك وفق قانون نفي النفي الضروري.

 

لكن ماركس من جهته، فكما أنه يعتبر أن التناقض له حلولا متعددة ممكنة، هو يعتبر أن مقولة نفي النفي يمكن أن تكون بدورها واحدا من تك الحلول الممكنة فقط. بمعنى أن الحركة الجدلية يمكن أن تسير وفق مقولة نفي النفي، في بعض الأحيان، وتعاكسها في أحيان أخرى.

 

 

رابعا: مقولة وحدة الفكر والواقع :

 

تحتل هذه المقولة موقعا محوريا في المنظومة الفلسفية الهيجلية. ما هو معناها الدقيق عند هيجل ؟

 

إن الواقع الملموس، الطبيعي أو الاجتماعي، هو ملموس لأنه عبارة عن وحدة من الخاصيات والجوانب المتعددة والمتنوعة. فالواقع إذن شديد الغنى بهذا التنوع في محدداته، وأوصافه، وخاصياته، وجوانبه، وعلاقاته.

 

فالكتاب، على سبيل المثال، هو وحدة متعددة من حيث تنوع الخاصيات والجوانب: الكتاب هو شكله الهندسي (متوازي السطوح مثلا) ، وهو حجمه، وهو وزنه، وهو لون غلافه، وهو لون أوراقه، وهو اللغة المكتوب بها، وهو مؤلفه، وهو سنة صدوره، وهو دار نشره، وهو وسيلة للقراءة. . إلى غير ذلك من الخاصيات التي لا تحصى. فالكتاب إذن، هو كل تلك الخاصيات والجوانب. . إنه التنوع في إطار الوحدة. إن الواقع الملموس، بالتالي، ليس شيئا آخر سوى الواقع المشروط بكل جوانبه وخاصياته.

 

لكن خاصيات الواقع الملموس، ليست موجودة بالصدفة، بل تدخل ضمن وحدة من الحلقات المتواصلة، تقوم على ارتباط جدلي عميق.

 

كيف يمكن للفكر إدراك وامتلاك الواقع، كشيء ملموس؟ في الوهلة الأولى التي ينظرفيها الواقع الملموس، تظهر أمامه كل خاصيات وجوانب ذلك الواقع دفعة واحدة. بشكل عشوائي يفتقر إلى النظام والترتيب، فيختلط الأمر على الفكر. هنا اذن، في اطار هذا الخلط، يتبخر الواقع الملموس، يتحول إلى واقع مجرد.

 

هكذا تبرز الحاجة الملحة بالنسبة للفكر، إلى تنظيم وترتيب جوانب وخاصيات الواقح الملموس، أي اكتشاف الخيط الرابط بين كل تلك الجوانب، إقامة تسلسل منطقي بينها في الفكر، يكون بمثابة تصور ملموس يعكس الواقع الملموس.

 

وما هي وسيلة الفكر إلى ذلك ؟

 

هي التجريد، أي أن الفكرسيلجأ إلى محو، وإلغاء، وتجريد – عن طريق الذهن – الواقع الملموس من كل خاصياته وجوانبه، باستثناء خاصية واحدة، تكون هي الخاصية الجوهرية… هي العلاقة التناقضية الأصلية. ثم على أساس تلك الخاصية الجوهرية، يشرع الفكر في إعادة بناء الواقع الملموس، ذهنيا، بطريقة متسلسلة منطقيا تؤدي إلى تجميع كل خاصيات وجوانب الواقع الملموس بشكل حي.

 

مثال ذلك : الكتاب، كواقع ملموس.

 

كيف يمكن امتلاك تصور ملموس، على صعيد الفكر، للكتاب كشيء ملموس في أرض الواقع ؟

 

ينطلق الفكر من تجريد الكتاب من كل خاصياته المباشرة. إنه إذن يرمي جانبا، الشكل، والحجم، واللون، والوزن، وكل الخاصيات الأخرى المشابهة، (يتم ذلك بالطبع ذهنيا فقط، لأنه في الواقع لا يمكن عزل خاصية عن أخرى).

 

إن هذا التجريد يقود الفكر إلى البحث عن الخاصية الجوهرية للكتاب .. عن العلاقة التناقضية الأصلية. وهذه الخاصية الجوهرية، هي العلاقة بين المقروء والقارئ. واللحظة الأولى لتلك العلاقة التناقضية، هي علاقة القارئ بأول كلمة في الكتاب. وعلى أساس تلك اللحظة الأولى، تنطلق صيرورة التشكل الجدلي للكتاب، على صعيد الذهن. إذ شيئا فشيئا، وبالتدريج، يتوصل الفكر إلى تجميع كل خاصيات الكتاب التي سبق له أن جردها في البداية. وهذا التجميع يتم وفق تسلسل منطقي مرتبط الحلقات، يمكن عرضه على النحو التالي:

 

اللحظة الأولى هي علاقة القارئ بأول كلمة في الكتاب. إن قراءة الكلمة الأولى، تتلوها قراءة الكلمة الثانية، والثالثة، فالرابعة… إلخ.

 

وتراكم عدة كلمات، يؤدي إلى تشكل سطر. والتراكم الكمي لعدة سطور، يؤدي إلى تشكل صفحة. وتراكم الصفحات يؤدي بدوره، إلى ظهور شكل هندسي واضح ومتبلور الجوانب (متوازي السطوح مثلا) . والشكل المتوازي السطوح، له حجم ووزن وخاصيات أخرى. وهذا هو الكتاب.

 

بهذه الطريقة إذن، يتمكن الفكر من امتلاك التصور الملموس للواقع الملموس. وهذه الطريقة، من حيث الخطوط العريضة، تمثل النظرية المادية في المعرفة.

 

الجدير بالملاحظة هنا، هو أن الفكر لا يمكنه أن يمتلك ذهنيا، الواقع، بشكل ملموس، إلا كنتيجة… إلا كحصيلة لحركة التجميع الجدلية لكل خاصيات الواقع.. هذه الحركة التي تنطلق من المجرد (الخاصية الجوهرية الأساسية)، ثم تتبع مسارا من التطور يغتني باستمرار بالخاصيات، قبل أن تصل إلى لحظة التجميع النهائية. إن هذه الملابسة الخاصة.. ملابسة امتلاك الواقع كنتيجة، هي التي جعلت هيجل يسقط في هذا الوهم : الاعتقاد بأن الواقع ما هو إلا نتيجة للفكر.. الفكر الذي ينمو في ذاته، ويتجمع في ذاته، ويغتني بالخاصيات الجديدة في ذاته، ويتحرك من تلقاء ذاته. في حين أن لجوء الفكر إلى التجريد، أي الانطلاق ذهنيا من المجرد نحوالملموس، ما هو إلا وسيلة يستعملها الفكر من أجل امتلاك الملموس.. من أجل إعادة انتاجه كملموس بالنسبة للفكر، ولا يعني بتاتا بأن ذلك يمثل صيرورة تشكل الملموس ذاته.

 

فالملموس الفكري هو، عند ماركس، مجرد انعكاس للملموس الواقعي. إن الفكر لا ينتج المعرفة.. لا ينتج الواقع، بل فقط يعيد إنتاجها.. يعيد إنتاج الواقع بالنسبة إليه كفكر.

 

فحتى إذا كان الفكر، في حركته نحوامتلاكه الملموس، ينطلق من المجرد، فإن ذلك المجرد نفسه يوجد في الواقع لا في الفكر.

 

إن نظرية ماركس في المعرفة، تختلف إذن جذرياعن نظرية هيجل. فبالنسبة لهيجل، بما أن الواقع هو مجرد نتيجة للفكر، لذلك هناك وحدة بين الاثنين.. هناك تطابق بينهما.. والاختلاف ينهما ليس اختلافا جوهريا.

 

أما ماركس فيعتبر الاختلاف بين الملموس الفكري، والملموس الواقعي، هو اختلاف جوهري، وليست هناك بينهما أية وحدة وأي تطابق، بالمعنى الذي يعطيه هيجل للكلمتين.

 

بالنسبة لماركس إذن، الملموس الفكري هو مجرد انعكاس للملموس الواقعي. ومفهوم الانعكاس هو مفهوم حاسم في النظرية الماركسية للمعرفة.

 

وحين يتحدث ماركس عن التطابق بين الفكر والواقع، فإنه يستعمل الكلمة بمعنى قدرة الفكرعلى عكس الواقع بشكل صحيح – مع حفاظ كل طرف بهويته الخاصة -، لا بمعنى : الواقع نتيجة للفكر، كما عند هيجل.

 

 

 

 

المصدر : ثورة كارل ماركس في نظرية المعرفة

كتبة عبد السلام المؤذن

المصدر : الطبقة العاملة الحديثة والنظرية الماركسية – عيون المقالات – الدار البيضاء – الطبعة الاولى 1990

نسخ الكتروني مجموعة من المتطوعين مايو 2005

اعدة هذة الفقرة للنشر

Advertisements

About منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني

موقع منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني
هذا المنشور نشر في الماركسية. حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s