نظام خامنئي – نجاد: استثمار «نجاحات» الخارج في الداخل

نظام خامنئي – نجاد: استثمار «نجاحات» الخارج في الداخل / محمد مشموشي

لم تعد سياسات النظام الايراني خارجية أساساً، أو خارجية قبل كل شيء، كما كان حالها في السنوات الماضية، بل يمكن القول ان الخارج عندها بات جزءاً لا يتجزأ من سياسات النظام الداخلية، بعد أن تصاعد أخيراً التململ الشعبي، ويتوقع أن يتصاعد أكثر في المستقبل، نتيجة الوضع الاقتصادي – الاجتماعي في البلاد، بما في ذلك التأثيرات المباشرة للعقوبات الدولية المفروضة عليها.

 

 

 

في ايران، تتجسد على الأرض الآن النظرية التي عبّر عنها رئيس وزراء بريطانيا السابق ونستون تشرشل عندما قال ان لا سياسات خارجية، وأخرى داخلية، للدول في العالم، وإنما سياسات واحدة.

 

 

 

في ضوء ذلك، ومن ضمن أمور أخرى، لم يأت الرئيس الايراني محمود أحمدي نجاد الى لبنان (وبخاصة الى بنت جبيل على بعد أمتار من اسرائيل) ليخاطب اللبنانيين، أو بعضهم، فيكرر على مسامعهم ومسامع العالم ما يقوله منذ سنوات عن زوال اسرائيل وعودة الإمام المهدي أو قيام «جبهة الشعوب المقاومة» في المنطقة، بل ليخاطب الشعب الايراني في المقام الأول… وحتى العصبية الفارسية وطموحاتها الامبراطورية، جنباً الى جنب مشروعها النووي الذي بات قضية قومية لا يختلف معه حولها حتى معارضوه في «الثورة الخضراء».

 

 

 

وهذا ما قاله بالضبط، وإن بصورة غير مباشرة، مرشد الجمهورية الاسلامية الايرانية السيد علي خامنئي عندما أشاد باستقبال بعض اللبنانيين لنجاد، ووصفه بأنه «يبين جاذبية وعظمة الشعب الايراني في أنظار الشعوب الأخرى»، متسائلاً: «كيف يمكن أن يلقى رئيس جمهورية مثل هذا الاهتمام من جانب شعب لا صلة قربى بينهما؟».

 

 

 

وفي اشارة مباشرة الى مشروع بلاده النووي، مشروع ايران القومي على الصعيد الشعبي، قال خامنئي ما حرفيته: «ان الشعب الايراني استطاع ان يكون عزيزاً وجذاباً ومقتدراً في أنظار الشعوب، وأن يكون له دور مؤثر في أحداث العالم حتى من دون أن يمتلك المعدّات العسكرية المعقدة».

 

 

 

وفي ضوئه كذلك، يأتي اتصالا نجاد الهاتفيان بالملك السعودي عبدالله بن عبدالعزيز عشية زيارته لبنان ثم بعدها، كما يأتي حديثه المتكرر عن العقوبات الدولية باعتبارها «سخيفة» من جهة أولى، وقوله من جهة ثانية إن اجراءات استثنائية قد اتخذت داخلياً وخارجياً لتطويق أية آثار محتملة لها على الشعب في ايران وعلى القوة السياسية والعسكرية التي تتمتع بها بلاده في مواجهة العالم الخارجي.

 

 

 

واذا أضيفت الى ما سبق زيارة خامنئي غير المسبوقة من زمن بعيد الى مدينة قم ولقاءاته فيها كبار رجال الدين، بخاصة منهم من يتحفظون على سياسات نجاد وممارساته، يكون الاطار العام لصورة النظام في طهران – صورة محاولته ترتيب الوضعين السياسي الشعبي والشرعي الديني في الداخل – قد أخذ شكله الواقعي.

 

 

 

ذلك أن هذا النظام، بزعامة خامنئي ونجاد، يقيم سياسته في المرحلة الحالية على أساس أن «الثورة الخضراء» لم تعد تشكل تحدياً جدياً له انطلاقاً من عدد من الاعتبارات في مقدمها أن الاصلاحيين الذين يقودونها يطرحون اصلاحات من داخل النظام، وإن تكن تغييرية بالنسبة اليه، وأنه تمكن في الفترة السابقة، من خلال القمع الجسدي والسجون والإبعاد والمضايقات، من تطويقهم وحتى شلّ قدراتهم، لكن التحدي الحقيقي الذي يواجهه عملياً، أو سيواجهه في المستقبل القريب، يأتي من الشارع هذه المرة ومن الجماهير العريضة التي بدأت العقوبات الاقتصادية تفعل فعلها في صفوفها.

 

 

 

وليس الانخفاض المريع في الأسابيع القليلة الماضية (حوالى ضعفين تقريباً) في سعر تبادل العملة الايرانية (الريال) إزاء العملات الأجنبية الأساسية لاستيراد السلع الحياتية من الخارج، وتهافت الناس نتيجة لذلك على شراء الذهب، ثم رد السلطة بأن فرضت قيوداً صارمة على عمليات بيع الذهب وشرائه في الأسواق، إلا أحد مظاهر هذا التحدي. وفي التحليلات المالية الدولية، أنه حتى على فرض صحة ما يقوله نجاد من أن لدى ايران احتياطياً من العملات الأجنبية بأكثر من مئة بليون دولار، فلن ينفع ذلك إلا لفترة زمنية قصيرة في درء المخاطر التي تتهدد الايرانيين في معيشتهم كما تتهدد وضع البلاد المالي والاقتصادي.. وتالياً النظام نفسه.

 

 

 

كيف يواجه نظام خامنئي – نجاد هذه المخاطر؟

 

 

 

في اعتقاد النظام أنه حقق نجاحاً كبيراً، في السنوات الماضية، في اعادة انتاج عصبية قومية فارسية، وحتى طموحات امبراطورية بالمعنى التاريخي، من خلال مشروعه النووي من ناحية، وبناء قوة عسكرية في البحر والجو والبر على السواء من ناحية ثانية، ومد نفوذه في الكثير من دول الجوار وفي المنطقة من ناحية ثالثة. وعلى خلفية ذلك، فهو يعمل الآن على استثمار ما بناه، بما فيه أساساً النزعة الامبراطورية الفارسية على مساحة الاقليم، من خلال «فائض القوة» الذي امتلكه عبر امتداداته الخارجية (في العراق ولبنان تحديداً) تغطية لوضعه الداخلي الراهن وما يمكن أن ينزلق اليه في المستقبل.

 

 

 

وفي هذا السياق، يمكن فهم خطاب النظام المزدوج مع الولايات المتحدة إن في العراق أو في افغانستان، وخطابه المماثل مع اللبنانيين – دولة من ناحية وجماهير شعبية شيعية من ناحية ثانية -، فضلاً عن خطابه التصالحي المستجد مع السعودية ومصر، وصولاً الى محاولة تبرير كلام نجاد عن «جبهة الشعوب المقاومة» بالقول انها ليست موجهة ضد الأنظمة في الدول الأربع المعنية (سورية وتركيا ولبنان والأردن)، بل هي «عامل دعم» لها بقدر ما هي «قوة ردع» للمنطقة كلها في مواجهة المشاريع الأميركية – الاسرائيلية – الأوروبية الغربية الموضوعة لها.

 

 

 

ما يفعله نظام خامنئي – نجاد الامبراطوري الفارسي، في هذه المرحلة من تاريخه، ليس الا عملية استثمار لما يعتبره «انجازات» تمكن من تحقيقها في اطار مخططه الاستراتيجي الواسع في الخارج في مساعيه لمعالجة مأزقه الكبير ومشكلاته الراهنة والمنتظرة في الداخل.

 

 

 

وفيما لا يستبعد أن تحمل الفترة المقبلة عدداً من اشارات «التهدئة» في المنطقة و «التصالح» مع دول الجوار من جانب هذا النظام، فمن السخف الظن أنه تراجع ولو قيد أنملة عن مشروعه الأساسي في السيطرة على الاقليم.

 

 

 

عن جريدة الحياة

Advertisements

About منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني

موقع منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني
هذا المنشور نشر في حول العالم. حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s