المرأة في تاريخ الشرق الأوسط

 

المرأة في تاريخ الشرق الأوسط

 

سيبقى أي تحليل إجتماعي قديرٍ شديدَ النقصان، بدون تحليل الأسرة في الحضارة الشرق أوسطية على أنها نموذج مصغر للدولة. وإن كانت مشكلة المرأة متفاقمة بقدر مشكلة الدولة – على الأقل – في مجتمعنا الشرق أوسطي الراهن

 

 

تحليل الدولة دون تحليل الذهنية، أو تحليل الأسرة دون الدولة، أو تحليل الرجل دون المرأة؛ فسيبرز النقصان عينه لدى الهرع نحو الحل.

 

منطقة الشرق الأوسط هي مركز ثقافة الأم الأهلية. تشهد هذه الثقافة حالة من التطور المتواصل منذ أعوام 1500ق.م. فوجود النباتات والحيوانات على الحواف الداخلية لسلسلة جبال طوروس وزاغروس، قد زَوَّدها بالإمكانيات الأولية اللازمة من أجل التأهيل. ولعب المناخ والبنية الأرضية الملائمين لزراعة الحبوب وتربية المواشي دوراً رئيسياً في ذلك.

لا يمكن أن تتحقق إحتياجات المرأة اللازمة لإنجاب الأطفال وتنشئتهم ورعايتهم بسهولة، إلا في الظروف الأستيطانية المستقرة. ولدى التحام هذه لأحتياجات مع الظروف المناخية المناسبة ووجود الحيوانات والمواشي؛ تولَّدت الشروط الأولية للتأهيل والاستئناس. وفن جمع الثمار والعديد من الفواكه والأعشاب، يلبي الأحتياجات اللازمة من أجل القوت. بالإضافة إلى أن تدجين الماعز والمواشي البرية زاد من وفرة المحاصيل لتلبية لإحتياج اللازم من الصوف والحليب. ومع التجربة، شوهد أن زراعة النباتات والأشجار المفيدة والمثمرة في الحقول يزيد من وفرة الإنتاج أضعافاً مضاعفة. وعوضاً عن قتل الحيوانات مباشرة، سيكون من الناجع أكثر تدجينها ورعايتها والإفادة من حليبها وصوفها، وقتل الجوع بها في أوقات العَوَز والفاقة. كانت المرأة الأم صاحبة خبرة واسعة في كلا المسألتين لتطوير النظام الأهلي من حولها مع أطفالها الذين ترعاهم وتربيهم. قد يكون الخروج من المغاور والكهوف من أجل زراعة المحاصيل وتربية الحيوانات في الأماكن المناسبة، وبناء البيوت؛ أمراً بسيطاً آنذاك. ولكنه لعب دوراً تاريخياً عملاقاً فيما بعد ، مثلما لعبه الصعود إلى القمر في أيامنا.

. يمكن العثور على بقايا الآثار القوية لهذه الثقافة المستمرة حتى أعوام 11000ق.م، في العديد من مناطق كردستان اليوم، مثل “أرغاني جايونو” في ديار بكر، و”جمه خالان” في باطمان، و”نوالا جوليه” و”كوبه كلي تبه” في أورفا، ومنطقة برادوست، و”ماغ” في هكاري. لم يُعثَر بعد على مواطن استيطانية أقدم من هذه في أي بقعة أخرى من العالم. تأتي في مقدمة البراهين المؤكدة على كثافة ثقافة المرأة الأهلية في هذه المناطق، كون التماثيل المنحوتة هي تماثيل نساء. كما أن البادئات الأنثوية في البنية اللغوية لتلك المناطق أيضاً مثال يُحتَذى به. هذا وكون المرأة ماهرة في نفس المجال من تلك الثقافة، يؤكد صحة هذه الحقيقة.

تشير المصادر السومرية أيضاً إلى مدى نفوذ تأثير هذه الثقافة لدى تأسيس المدن الأولى، وإلى إستمرار وجودها بشكل وطيد. والحِبكة الميثولوجية المحبوكة حول الإلهة إينانا (إلهة أوروك) تلقننا دروساً كبرى. نخص بالذكر هنا مقاومتها العنيدة تجاه تصاعد الهيمنة الرجولية، بحيث تضاهي في حِدّة مقاومتها الحركات الفامينية الأكثر وثوقاً بنفسها في راهننا. فإينانا هنا تدافع عن معتقداتها بأن المرأة صاحبة الحضارة، وتتحدى بكل قوتها الإله أنكي (العنصر الممثل لنظام السلطة الأبوية المتصاعدة لدى السومريين). وتسرد إينانا بلغة شعرية بارعة كيف أنها تملك الـ”ما”ءات المائة والأربع (وهي الأكتشافات والمخترعات والمصطلحات الحضارية لتلك الحقبة)، وأن أنكي سرقها منها بالحيلة والمكر، وأنه عليه ردها إليها. يشير هذا السرد الميثولوجي الممتد حتى أعوام 3000ق.م، بشكل ملفت للنظر، إلى دور المرأة فيما بعد الحضارة السومرية. هذا وتعود إينانا في جذورها إلى نينهورساغ، إلهة الجبل القديمة. وكلمة “نينهورساغ” من ناحية علم الصرف والاشتقاق تكون كما يلي: “نين = Nin = إلهة”، “هورhur = kur = = الجبل”، و”ساغ = sag = منطقة”. أي أن كلمة نينهورساغ تعني “إلهة منطقة الجبل”. وبما أنَّ سلسلة جبال زاغروس وحوافها تأتي على البال بمجرد لفظ كلمة “الجبل” في منطقة ميزوبوتاميا السفلى، فهذا يشير إلى أن ثقافة الإلهة الأنثى قد نزلت من المنطقة الجبلية نحو السهول المنخفضة.

تبقى ثقافة المرأة الأم لدى السومريين مؤثرة كمركز حضاري في الفترة المتراوحة ما بين 4000 – 2000ق.م. وتتمتع بثقل يوازي ثقل الرجل. وقد انعكس ثقلها هذا على جميع الوثائق الميثولوجية المتعلقة بتلك الحقبة. فمعابد الإلهات الإناث منتشرة في كل مكان. ولم تتطور بعد قوة التوبيخ والتعييب المحيطة بالمرأة. بل وتُسرَد ممارسة الجنس بشكل خاص كعملية مقدسة. دعك من التوبيخ والتعييب، بل ثمة سرد أدبي لا يمكن مصادفته حتى في أروع القصص الجنسية والشَّبَقيّة. كل تصرف أو عملية معنية بممارسة الجنس، تجد معناها كجماليات الحياة وقيمها الثمينة. وجنسية المرأة تلقى جاذبية عظمى وتبجيلاً خارقاً. لم يكن آنذاك ثمة أي تلويم أو تعييب خاص بالمرأة على نحو طراز الحياة التي شكلت الثورة المضادة الكبرى لها فيما بعد. كان جسد المرأة موضع مدح وتقدير على الدوام. ومراسيم الزواج المقدس الحالية تعود إلى تلك الحقبة، وإنْ كانت أصبحت بشكل محرَّف ومشوَّه (عملية تقبيح الرجل لها). تصوِّر العديد من النقاط المعنية بالشكل والمضمون في ملاحم “ممه آلان” و”مم وزين” و”درويش عبدي” – التي لا تزال تُذكَر اليوم في كردستان – المنزلة الرفيعة والمرموقة للمرأة. وبالإمكان القول أنه يمكن العودة بأصل هذه الملاحم إلى فترة أعوام 4000ق.م.

تصوِّر إينانا في حِبكتها الميثولوجية الرجلَ الراعي والرجلَ المزارع كمساعدَين لها. فالراعي “دوموزي” (هذا الأصطلاح هو الأصل الأول لكل ظواهر تصاعد الرجل) والمزارع “أنكومدي” يتبارزان على الإعراب عن إرتباطهما وتقديرهما لإينانا. ولم يبقَ عمل إلا وهرعا إليه كي يكونا مساعدَين أوليَّين لها. وإينانا لا تزال تتمتع بالريادة البارزة، في حين أن الرجل – مزارعاً كان أم راعياً – لا يزال بعيداً عن الهيمنة. نرى أن الوضع ينقلب رأساً على عقب في الملحمة الشهيرة الأخرى للسومريين، ألا وهي الملحمة البابلية “أنوما أليش”. فثنائية الإله “ماردوخ”، ممثل الرجل المكتسب للقوة الخارقة، والإلهة “تيامات”، ممثلة الأم الخائرة القوى؛ تلقننا دروساً كبرى. حيث ثمة ثقافة تعييب وتعتيم مروِّعة بحق المرأة الأم والإلهة الأم. وتُقحَم القوالب الأيديولوجية في مصاعب حقيقية بهدف إبراز المرأة ككيان عديم الفضائل، عديم الفائدة، كثير الضرر ومخيف.

نرى أن هذه الثقافة تبدأ بالأنتشار إعتباراً من أعوام 2000ق.م. حيث ثمة تغير ملحوظ على حساب المرأة في المكانة الإجتماعية. ويمتلك مجتمع السلطة الأبوية القوة التي تؤهله لتحويل هيمنته ونفوذه إلى ملاحم بطولية. كل شيء معني بالرجل يُعلى من شأنه، ويُنعَت بالبطولة والبسالة؛ في حين أن كل ما يَمُتُّ للمرأة بِصِلة يُحَط من شأنه ويُعاب ويُجرَّد من قيمته.

هكذا حصل إنكسار جنسي من النوع الذي مهد الطريق لأكبر التغييرات في حياة المجتمع على مر التاريخ. يمكننا تسمية هذا التغيير الأول المعني بالمرأة والجاري في الثقافة الشرق أوسطية بـ”ثورة الانكسار الجنسي المضادة الكبرى الأولى”. إننا نقول بأنها ثورة مضادة. بالتالي، فهي لا تساهم في حصول التغييرات الإيجابية في المجتمع. بل، وعلى النقيض، إنها تجلب النفوذ والهيمنة المجحفة للسلطة الأبوية على المجتمع، وتُخرِج المرأة من دائرة المجتمع وتُهَمِّشها؛ لتمهد السبيل بالتالي لسيادة حياة مجدبة وقاحلة. إنها تقود إلى المجتمع الرجولي الأحادي الصوت، بدلاً من المجتمع الثنائي الصوت. و كان هذا الانكسار الحاصل في الحضارة الشرق أوسطية، الخطوة الأولى للسقوط والتهاوي. فنتائجه تزداد دِكنة وحِلكة مع تقدم المراحل. لقد تم العبور إلى ثقافة المجتمع الذكوري المفرط الأحادي البُعد. وبينما يضيع ويخبو ذكاء المرأة العاطفي، صانع المعجزات والحيوي والإنساني إلى أبعد حدوده؛ يتولد الذكاء التحليلي ويولد معه ثقافة ظالمة مستسلمة للدوغمائية، منقطعة عن الطبيعة، تَعتَبِر الحرب فضيلة نبلى، وتتلذذ من سفك دماء البشر حتى الركب، وترى في ذاتها الحق بمعاملة المرأة والرجل المستعبَدين كيفما تشاء وتهوى. وهذا الذكاء (أو نوع التفكير) يتميز ببنية مناقضة كلياً لذكاء المرأة العادل والمتمحور حول الطبيعة الحية والإنتاج الإنساني.

فبينما حصلت الآلاف من الاكتشافات والإختراعات في الحقبة ما بين 6000 – 4000ق.م (عهد المرأة الأم)، لوحظ أنه ثمة عدد ضئيل جداً من الإكتشافات المأخوذة على محمل الجد بعد أعوام 2000ق.م. إلى جانب ذلك فقد شهدت هذه الحقبة بروز ثقافة السلطة القتالية ببنيتها التي عمت الأرجاء، وأعتَبَرت الفتوحات أسمى مهنة (مهنة الملوك)، وهدفت فيها الدول أساساً إلى الفتح. باختصار، تزامَنَ وتشابَكَ تهميش المرأة مع إيلاء القيمة الكبرى للسلطات ذات البنية الرجولية القتالية والفاتحة. وبينما تُكتَسَب مؤسسة الدولة كبُدعة من بُدع الرجل بكل معنى الكلمة، غدت الحروب الهادفة إلى النهب والسلب وجمع الغنائم، ضرباً من ضروب الإنتاج. وحَلَّ النفوذ الإجتماعي للرجل، والمعتمد على الحروب والغنائم، محل نفوذ المرأة الإجتماعي المستند إلى الإنتاج. ثمة أواصر كثيبة بين أسْر المرأة وبروز ثقافة المجتمع القتالي (المحارب). لكن الحرب لا تنتج، بل تستولي وتنهب وتسلب.

 

ثورة الانكسار الجنسي المضادة في عهد الأديان التوحيدية

 

تقطع “ثورة الانكسار الجنسي المضادة الكبرى الثانية” أشواطاً ملحوظة حول المرأة في عهد الأديان التوحيدية. وفي هذه المرة، تغدو الثقافة البارزة في الانكسار الحاصل في العهد الميثولوجي قانوناً إلهياً. وتُرجَع الممارسات المطبقة بحق المرأة إلى كونها أمر إلهي مقدس. فمحور العلاقة الكامنة بين سيدنا إبراهيم وزوجتيه سارة وهاجر، يشيد بالمصادقة على تفوق الرجل. أي أن السلطة الأبوية مترسخة تماماً. كما وتشكلت حينها مؤسسة الجواري، ويُصادَق على تعدد الزوجات بأعداد كبيرة. أما العلاقة القاسية بين سيدنا موسى وأخته ماريام، فتفيد بأن المرأة لم يعد لها نصيب من الميراث. أي أن مجتمع سيدنا موسى مجتمع ذكوري بكل معنى الكلمة. حيث لا تُناط النساء بأية مهمة أو وظيفة. هذا هو السبب الأصلي للصراع مع ماريام. ومقولة “على المرأة ألا تحشر نفسها في أمور الرجل، ويدها ملوثة بالعجين” تعود إلى هذه الحقبة.

ومع عهد داوود وسليمان نلاحظ العبور إلى ثقافة الحَرَم النسائي في المَلكية العبرية المتصاعدة في أواخر أعوام 1000ق.م وما قبلها. وكانت النساء تُهدى آنذاك. إنها بداية مرحلة جديدة تُكبَت فيها أنفاس المرأة أكثر. إذ لا فرق على الإطلاق بين التصرف بالمرأة أو بأي مُلك آخر. هذه الحالة المعاشة في الدولة الدينية الجديدة نجد إنعكاساتها على الأسرة أيضاً. بات من المحال الحديث عن أي دور للمرأة القابعة تحت الهيمنة الثنائية لثقافة السلطة الأبوية من جهة، وثقافة الدولة الدينية من الجهة الثانية. المرأة المثلى هي الأكثر تأقلماً مع رَجُلها، ومع نظام السلطة الأبوية. لقد أصبح الدين أداة للتعتيم على المرأة وتسويدها. فهي (حواء) المرأة الأولى المذنبة، التي سلبت عقل آدم وتسببت في طرده من الجنة. و”ليليت” التي لم تخنع لإله آدم (رمز نظام السلطة الأبوية)، تعمل بأقوال الشيطان (رمز الإنسان الذي لم يسجد لآدم ورفض تَعَبُّده)، وهي صديقة له. أي إنه أُخِذ بالتعتيم الميثولوجي كقدوة، وحُوِّل إلى تعتيم ديني. بل واحتل الزعم الذي كان سائداً في أيام السومريين، والقائل بخلق المرأة من ضلع الرجل؛ مكانه في الكتاب المقدس أيضاً. هذا ولا يوجد نبي واحد “أنثى” من بين ما يقارب الآلاف من الأنبياء الذكور. كما يُنظَر إلى جنسية المرأة كأكبر حرام، لتُعاب وتُعتَّم باستمرار. بل واحتُقِرت، حتى غدا ذلك مبدأ تقليدياً وعرفياً. هكذا غدت المرأة ذات المنزلة المرموقة في المجتمعات السومرية والمصرية، مادةَ معابة وحرام وسالبة للعقول.

لدى وصولنا إلى عهد سيدنا عيسى، ينتصب رمز مريم أمامنا بحيث لا تكون لها أية علاقة بالألوهية، رغم أنها أم “ابن الإله”. أي أن عنوان الإلهة الأنثى للإلهة الأم قد ترك محله للأم الصامتة الدامعة العينين. هكذا يستمر السقوط والتهاوي.

الغريب في الأمر هو أنه، وبينما كان من الواجب أن تكون مريم أيضاً إلهة بأقل تقدير، نُظِر إليها كآلة تنفخ فيها الروح القدس. تشير هذه الظاهرة إلى “تذكير” الألوهية بكل ما للكلمة من معنى. في حين كانت الآلهة والإلهات الإناث متكافئة تقريباً في عهد السومريين والمصريين. بل وحتى في العهد البابلي، كان لا يزال صوت الإلهة الأم جهوراً.

ما وقع على كاهل المرأة مع سيدنا عيسى ومريم، هو أنْ تكون تلك المرأة والأم الدامعة العينين، الهادئة والصامتة. وهي لا يمكن أن تتحدث عن الألوهية عبثاً في أي وقت من الأوقات. بل ستعتني أشد الاعتناء بأطفالها الذكور (أولاد الإله) ذوي القيمة الخاصة في بيتها. إذ ما من دور مُناط بها، سوى أن تكون امرأة منعكفة في منزلها. أما الساحة العامة، فهي موصَدة تماماً في وجهها. أما ممارسة القدِّيسات (العزيزات، النساء العذراوات) في المسيحية، فهي حالة المرأة المنزوية على نفسها للتخلص من ذنوبها الكبرى. لكن، بالإمكان القول أنها أسفرت عن تطور إيجابي لديها، وإنْ ضمن حدود ضيقة. فالقديسات تعني – على الأقل – الخلاص من المصطلحات والتعييبات والتوبيخات الجنسية. ودوافع تفضيلها إياها على الحياة المستعرة في البيت، قوية مادياً ومعنوياً. ما من شك في أنها ممارسة عملية تاريخية. بل ويمكن نعتها بأنها ضرب من ضروب أول حزب للنساء الفقيرات. بل وتعبِّر عن إحياء ثقافة معابد الإلهات الإناث، داخل ثقافة دير الراهبات، وإنْ بشكل باهت.

لممارسة القديسات مكانة مهمة في تاريخ الحضارة الأوروبية. فقد استَلهم الزواج من زوجة واحدة فقط (الزواج الثنائي) فكرته من ممارسة القديسات بنسبة كبرى. ورغم عيش المرأة فيها ضمن شروط شديدة القساوة، فقد ساهمت بعذريتها الجنسية في إعلاء شأن المرأة، وإنْ كانت تَعتَبِر جنسيتها مصدر أخطار ومهالك. أما الجانب السلبي لهذه الممارسة، فهو تقييم المرأة كسلعة جنسية، كَرَدّة فعل متطورة تجاه الزواج الكاثوليكي في الحضارة الأوروبية (حيث الطلاق محظور). بالطبع، فقد برز هذا بفضل الرأسمالية المتنامية.

أما المرتبة الجديدة التي اكتسبتها المرأة مع سيدنا محمد والدين الإسلامي

حيث ينظر المفهوم القائل: “المرأة حقلكم، فاحرثوه كما شئتم”، إلى المرأة المُلك كمعطاة هِبة، لا غير.

مفهوم سيدنا محمد في العشق أيضاً غريب الأطوار. إذ يشير هيامه بعائشة رضي الله عنها، التي تبلغ التاسعة من العمر – رغم أنه في عقده الخامس – إلى رفعة اهتمامه بالمرأة. كما ينمّ مدحه الدائم لزوجته الأولى خديجة، عن القيمة التي يوليها إياها. إنه حساس ويقظ عموماً إزاء المرأة. إلا أن تركه مؤسسة الحَرَم النسائي والجواري وشأنها، وعدم مسه إياها، سيُستخدَم بأسوأ الأشكال من بعده، داخل شرائح الدولة.

عندما تدخلت السيدة عائشة في أمور السلطة والصراع عليها مع الخلفاء الراشدين، بعد وفاة سيدنا محمد، خسرت المعركة. وأدركت بألم شديد قيمة المرأة ومنزلتها، فتذمرت قائلة: “يا رب، ليتك صنعتني قطعة حجر، على أن تخلقني امرأة!”. لقد حُدِّد حظر السلطة على المرأة منذ أيام العلاقة القائمة بين موسى وماريام.

في العصور الوسطى الإقطاعية لم تحصل أية تطورات إيجابية في موقع المرأة داخل الشرق الأوسط فالقوالب التاريخية لا تزال دارجة. وحتى في علاقة العشق المرموز إليها في العلاقة بين ليلى ومجنون، ليس هناك نتيجة تنمّ عن الخير والبشرى. أي، لا مكان للعشق في الإقطاعية.

المهم وضع مشروع تخطيطي يتناول تاريخ عبودية المرأة وتحليلها من الناحية السوسيولوجية – ولو بشكل محدود – باعتبارها الجنس والنَّسَب والطبقة الأقدم في تعرضها للأَسْر والاستعباد؛ وإلا فمن الصعب تفهم الأسرة والرجل، وبالتالي الدولة والمجتمع من الجوانب الأخرى. وسيتضمن فهمنا لها عندئذ نواقص حقيقية لا تُغتَفَر.

سيبقى أي تحليل إجتماعي قديرٍ شديدَ النقصان، بدون تحليل الأسرة في الحضارة الشرق أوسطية على أنها نموذج مصغر للدولة. وإن كانت مشكلة المرأة متفاقمة بقدر مشكلة الدولة – على الأقل – في مجتمعنا الشرق أوسطي الراهن، فالسبب في ذلك يكمن في تاريخ عبوديتها الطويل والمعقد بقدر تاريخ الدولة. لذا، وبدون وضع البنان على مثلث برمودا “المرأة – الأسرة – الرجل” في الخريطة، لن تنجو سفينة أي حل اجتماعي مارٍّ بجانبه من الغوص في أغواره. إذاً، فالأسرة (كدولة مصغرة) في الشرق الأوسط هي مثلث برموذا السابح في المحيط الإجتماعي. ولدى تصاعد الدولة والهرمية، محال ألا تتركا آثارهما على مؤسسة الأسرة بشكل مطلق. وأي هرمية أو دولة لا تعكس صداها على الأسرة، لن تعزز من فرص حياتها، ولن تؤمِّن سيرورتها. يتم تلمس هذه الثنائية الجدلية وتناولها بعناية فائقة، ودون أي إهمال، داخل الحضارة الشرق أوسطية.

تشَكِّل الذهنية والسلوكيات الإجتماعية المتشكلة حول المرأة والأسرة، مشكلة تساوي في ثقلها ما عليه مشكلة الدولة بأقل تقدير. الدولة في الأعلى والأسرة في الأسفل. كلاهما يشكلان تكاملاً جدلياً أشبه بثنائية الجنة والسعير. فبينما تطبِّق الدولة نموذجها المصغر في الأسرة، تكون الدولة نموذجاً مكبَّراً لمتطلبات الأسرة المتعاظمة. كل عائلة تجد الحل الأمثل في التدول. وإنعكاس إستبداد الدولة على الأسرة هو الرجل “رب الأسرة”، الذي يظهر كـ”مستبِد صغير”. وبقدر ما يسعى المستبد الكبير في الدولة لإضفاء نظام معين على العالم عبر صلاحياته ومواقفه المؤثرة والمزاجية، يقوم الرئيس الصغير بالإنهماك في أعمال نظامية مطلقة مماثلة، ليطبقها على حفنة من النساء والأطفال.

شهدت المرأة أكثر مراحلها تجرداً من الشخصية داخل الأسرة القابعة تحت وطأة السباق القائم بين الدولة ونظام السلطة الأبوية. إنها أسيرة مطلقة لنزوات وشهوات أصحاب السلطة

. وهي آلة مكمَّلة لتعزيز سلطاتهم. لقد تجردت من المجتمع عموماً. هكذا باتت امرأة المدينة تتخبط في أغوار العبودية الغائرة. في حين أن المرأة ضمن الجماعات التي تعيش في شروط البداوة والترحال، والحاملة بين طياتها الآثار المتبقية لديها من النظام المشاعي البدائي؛ لا تزال تلقى الإحترام والتقدير.

فالمرأة في راهننا تعيش حالة أنقاض وأطلال، كمعطاة من معطيات ممارسةٍ دامت آلاف السنين. فحتى التأثير المُغوي والمفسِد للنظام الرأسمالي، بعيد كل البعد عن الإنعكاس والظهور على حقيقته. إنها – المرأة – العضو الأصلي القابع في نواة التخلف السائد في المجتمع الشرق أوسطي. والرجل الشرق أوسطي الفاشل في كل الميادين، يفجر سخطه بفشله هذا على رأس المرأة. فبقدر تعرضه للإهانة والإزدراء في الخارج، يُفرغ جام غضبه على المرأة، سواء بوعي أو بشكل تلقائي. والرجل المغتاظ والمشحون بالنقمة لعجزه عن حماية مجتمعه، وعن إيجاد منفذ له؛ يصب جام حنقته على المرأة والأطفال كالمجنون داخل الأسرة، ويفرِّغ عنفه الصارم عليهم. وما ظاهرة “جنايات الشرف” في حقيقتها سوى عملية يقوم بها الرجل الذي يطأ شرفه وكرامته في كافة الميادين الإجتماعية، فيُفرِغ نقمته، وبشكل معكوس، على رأس المرأة. وهو يعتقد بذلك أنه حل قضية الشرف بتظاهر بسيط ورمزي، ولكنْ باهتٍ وفانٍ. إنه يطبق نوعاً من العلاج النفسي*. ما يتوارى تحت المعضلة أصلاً هو تاريخٌ وقضيةٌ اجتماعية مفقودان. من أهم المشاكل التي تواجهنا هي إفهام هذا “الرجل” وإقناعه بإستحالة خلاصه من تلطخ شرفه، ما لم يواجه تلك القضية التاريخية الإجتماعية، وما لم يقم بواجباته تجاهها. يجب، وبكل تأكيد، تعليمه أن الشرف الحقيقي لا يمر من عذرية عضو المرأة الجنسي، بل من تأمين العذرية التاريخية والإجتماعية؛ وأن نحثه على تطبيق هذا المبدأ.

عبر السرد التاريخي الموجزأنفا، ظهر بشكل أوضح، أن المشاكل المعاشة في الأسرة الشرق أوسطية في راهننا، لها من الأهمية ما للمشاكل المعاشة في الدولة منها. فالكبت والقمع والمشاكل الثنائية الإتجاه، تزداد في حدّتها فيها. أما إنعكاسات مجتمع الدولة ونظام السلطة الأبوية عليها على مر التاريخ من جهة، وإنعكاسات القوالب الحديثة للحضارة الغربية عليها من الجهة الثانية؛ فلا تشكل تركيبة جديدة، بل تخلق معها عقدة كأداء. فالإنسداد المخلوق في الدولة يزداد تعقيداً داخل الأسرة. ويُقحِم عجزُ الشبان اليافعين عن إيجاد عمل لهم، الأسرةَ في شلل حقيقي. باتت الأسرةُ المضبوطة حسب الدولة والأقتصاد، عالقةً في درب مسدود لا يمكن السير فيه، عبر هاتين الرابطتين القديمتين. فلا طراز العائلة الغربية متوطد، ولا طراز العائلة الشرقية. هكذا يتحقق التآكل والنخر في جسد الأسرة ضمن هذه الشروط.

يتأتى حفاظ الأسرة على قوَّتها قياساً بالأواصر الإجتماعية المنهارة والمتفككة بسرعة أكبر، من كونها المأوى الإجتماعي الوحيد. علينا بالتأكيد ألا نستخف بالعائلة أو نستصغرها. والإنتقادات التي طرحناها لا تستوجب رفض العائلة أو دحضها جذرياً، بل تطرح ضرورة إكسابها معناها وإعادة بنائها.

من المهم طرح مشكلة الرجل أيضاً، والتي هي أكثر وطأة من مشكلة المرأة. فتحليل مصطلح الهيمنة والسلطة في الرجل، لا يقل أهمية عن تحليل عبودية المرأة. بل وقد يكون أكثر صعوبة. فالذي لا ينحاز إلى التحول بالأغلب هو الرجل، لا المرأة. ولو تركنا رمز الرجل المهيمن وشأنه، سيشعر بذاته كالحاكم المفتقد لدولته، فيتخبط في عواطف الفشل والهزيمة. في الحقيقة، علينا أن نُظهِر له بأن هذا الشكل الأجوف للهيمنة والتسلط هو الذي أفقده حريته، وجعله متزمتاً بشكل كلي.

فالإعتقاد السائد في الإشتراكية المشيدة بحل مشكلة الدولة أولاً ومن ثم معالجة المجتمع، إن القول بتناول مشكلة الدولة أولاً، ومن ثم مشكلة الأسرة؛ هو موقف خاطئ. يجب دراسة هاتين الظاهرتين المرتبطتين ببعضهما بروابط جدلية، ومعالجتهما بشكل متداخل معاً. والنتائج التي أسفر عنها إنما هي ظاهرة للعيان. لا يمكن حل المشاكل الإجتماعية بإيلاء الأهمية لواحدة منها دون الأخريات. بل إن الأسلوب الأصح والأسلم هو النظر إلى المشاكل الإجتماعية ككل متكامل، وإيلاء المعاني لكل واحدة منها ضمن روابطها مع الأخريات، واتباع الأسلوب عينه لدى العمل على حلها. فبقدر ما يبرز النقص لدى تحليل الدولة دون تحليل الذهنية، أو تحليل الأسرة دون الدولة، أو تحليل الرجل دون المرأة؛ فسيبرز النقصان عينه لدى الهرع نحو الحل دون القيام بخلاف ذلك.

 

Advertisements

About منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني

موقع منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني
هذا المنشور نشر في فن/أدب/وجهة نظر. حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s