حول تحليل ماركس لنمو المتناقضات داخل الظواهر الاقتصادية

حول تحليل ماركس لنمو المتناقضات داخل الظواهر الاقتصادية *

 

عرض وتلخيص ونقد

 

بقلم ابراهيم كبة

 

– أولا –

 

نشأة النظام الراسمالي – التراكم البدائي لرأس المال

 

يستعمل الاقتصاديون الاكاديميون تعبير (رأس المال) بمعنى تكنيكي صرف، أي كمجرد وسيلة انتاج، ولكن الماركسيين طبعا يستعملونه بمعناه في النظام الرأسمالي، أي (العمل الميت الذي يعيش على العمل الحي). قبل القرن السادس عشر لم يكن هناك بصورة عامة لا رأسمال ولا رأسماليون. كان هناك نظام الحرف أو الطوائف، حيث تمتلك الشغيلة اغلب وسائل انتاجها، وتعيش على عملها الخاص. ولكن ابتداء من القرن السادس عشر على وجه التقريب، طرأت عدة احداث خطيرة تكنولوجية واقتصادية وسياسية واجتماعية وثقافية …. الخ، يصفها ماركس تفصيلا في الفصول التي كرسها لما أسماه (التراكم الاصلي)(1) لرأس المال Ursprunglich ومنها وسائل المواصلات الحديثة والاسواق الجديدة والاكتشافات الجغرافية، ونشوء الدول الحديثة ونمو المؤسسات المصرفية والشركات الاستعمارية الكبرى والاستثمارات الجديدة المختلفة في الارض والتجارة الخارجية والاسهم والسندات، وتجارة الرقيق والقرصنة … الخ، أدت بالنتيجة الى تراكم رأس المال في ايدي فئة محدودة بعد نزع ملكية الجماهير المنتجة في الريف والمدينة، وتحويلها الى بروليتاريا، بعد الفصل بين عنصري العمل ووسائل العمل، وخلق الطبقتين الرئيسيتين في المجتمع الرأسمالي، طبقة الرأسماليين التي تعيش باستثمار رؤوس اموالها في استغلال البروليتاريا، وطبقة البروليتاريا المضطرة لبيع الشيء الوحيد الباقي لديها وهو قوة عملها الى الطبقة الاولى، بعد ان نزعت عنها وسائل الانتاج.

 

من هذا يظهر ان عملية التراكم الاصلي أو البدائي أو الأولي لرأس المال، أي عملية القضاء على الملكية الشخصية او البرجوازية الصغيرة السابقة لنشوء الرأسمالية والفصل بين عنصري العمل ووسائل العمل وخلق الطبقتين الأساسيتين في النظام الجديد، كانت الشرط التأريخي المسبق لنشوء النظام الرأسمالي. ومن المستحيل فهم طبيعة هذا النظام وقوانين تطوره الدينامية وتشخيص اتجاهات سيره في المستقبل، من دون الاعتماد على هذا المفهوم الماركسي الاساسي (2).

 

هذا بالنسبة لتأريخ الرأسمالية. اما بالنسبة لمصيرها، فتحدده التناقضات المشار اليها في الفقرات التالية والتي حللها ماركس في كتابه (رأس المال) تحت اسم القانون العام للتراكم الرأسمالي.

 

لقد القى الاستاذ هنري دني ضوءاً جديدا على هذا التحليل الماركسي للتناقضات الثلاثة للتراكم الرأسمالي وحاول ان يقارن بينه وبين بعض التحليلات الاقتصادية الحديثة وخاصة التحليل الكينزي، وفيما يلي سوف نقوم بتلخيص اراء الاستاذ دني، مع ابداء بعض الملاحظات الموجزة حولها.

 

 

 

– ثانيا –

 

مصير النظام الرأسمالي – القانون العام للتراكم الرأسمالي

 

 

 

يشير الاستاذ دني الى ان جوهر نمط الانتاج الرأسمالي بقي مجهولا في العالم الرأسمالي حتى من قبل الاقتصاديين الذين حللوا ظاهرة القيمة ولكنهم لم يستطيعوا الافادة من هذا التحليل. ينتج عن ذلك – في نظر ماركس – بأن (ظواهر) الحياة الاقتصادية، أي الوسط الاقتصادي المنظور، ينطوي على تناقضات لا يتوقف فهمها وحلها على ارادة الافراد، وبالتالي فانها تميل الى اصابة النظام بالعجز عن مواصلة العمل، وبهذا فهي تخلق حتما الفرص الملائمة لاستحواذ البروليتاريا على السلطة، وبناء مجتمع جديد مبني على التملك الجماعي لوسائل الانتاج. وفيما يلي تلخيص للاتجاهات العامة التي تعكس هذه التناقضات في حركة النظام الرأسمالي.

 

 

 

(1)

 

إملاق الطبقة العاملة وتفاقم الصراع الطبقي

 

ان التناقض الاول الذي يكشف عنه ماركس في الجزء الاول من كتاب (رأس المال) يكمن في ان العمال الذين يخلقون ثروة المجتمع محكوم عليهم بالحياة حياة البؤس والفاقة. ويحاول ماركس البرهنة على اشتداد هذا البؤس بمرور الايام. الا ان هذا التناقض المشتد بين ثروة الرأسماليين وبؤس العمال يصبح بالتدريج اصعب احتمالا، بحيث يدفع البروليتاريا بصورة حتمية الى الثورة والاستحواذ على السلطة السياسية وبناء المجتمع الاشتراكي. وهذا ما يتضمنه الفصل (23) من الكتاب الاول من رأس المال، المعنون (القانون العام للتراكم الرأسمالي) (3). يختلف موقف ماركس بالنسبة لتحديد مستوى الاجور وتطورها عن موقف ريكاردو، بالتأكيد على اهمية نشاط العمال المنظمين في تحديد (معدل فائض القيمة) أي العلاقة بين العمل المدفوع أجره، والعمل غير المدفوع أو المجاني، كما ظهر ذلك في زمن ماركس بالنسبة لنجاح البروليتاريا البريطانية في تحديد يوم العمل بصورة قانونية. ويمكن احراز نتائج مماثلة بالنسبة لمجموع شروط العمل بما في ذلك مستوى الاجور. ومع ذلك فيعتقد ماركس بان الاجور تتحدد، الى حد كبير، بظروف تطور عرض وطلب سلعة (قوة العمل). ان عرض هذه السلعة يتوقف على التطور السكاني ، بينما يعتمد طلبها على حجم الرأسمال الموظف في الاقتصاد وعلى التكنيك الانتاجي المستخدم. وعلى خلاف مالثس وريكاردو، اعتقد ماركس بأنه في حال ثبات التكنيك الانتاجي يميل الطلب على قوة العمل الى النمو أسرع من عرضها، وبالتالي تميل الاجور الى الارتفاع. الا ان التقدم التكنيكي ظاهرة ملازمة للرأسمالية، بحكم اضطرار اصحاب الرساميل الى استخدام طرق انتاج جديدة لزيادة ربحية رساميلهم. وهذا ما يتسبب في تباطؤ ملحوظ في زيادة الطلب على قوة العمل، الى ان يصل الامر الى حد انخفاض وتيرة نمو الطلب المذكور على وتيرة نمو عرض قوة العمل. ومثل هذا الموقف يكون في غير صالح الطبقة العاملة لحد خطير. ومع ذلك فلا يعتقد ماركس حتى في هذه الحالة بحتمية استمرار معدل الاجور في الانخفاض، وان كان يجزم فقط بان جزءاً من الطبقة العاملة محكوم عليه بالبؤس، بسبب تجريده من امكانية الحصول على فرص للعمل. ويؤكد ماركس على ان هذه (البطالة) هي شرط ضروري لنمو الاقتصاد الرأسمالي، ذلك لان الرأسماليين لا بد انهم مواجهون لهذا (الجيش الصناعي الاحتياطي) حالما تتيح لهم الظروف ذلك. ومع زيادة الاهمية الاقتصادية للبروليتاريا في نظام الصناعات الكبرى تزداد اهمية هذا الجيش من العمال العاطلين، وبالتالي يزداد بؤس الطبقة العاملة. هذا بالاضافة الى ان التقدم الألي – كما يلاحظ ماركس – يؤدي دائما الى جعل العمل اكثر ايلاما في الصناعات الكبيرة. ويستنتج ماركس بأنه (مهما كان معدل الاجور ارتفاعا او انخفاضا، فان حالة العامل يجب ان تزداد سوءاً مع نمو التراكم في رأس المال). ان قانون التراكم هذا هو الذي (يحدد العلاقة المتبادلة بصورة حتمية بين تراكم رأس المال وتراكم البؤس، بشكل يجعل تراكم الثروة في احد القطبين مساويا لتراكم الفقر والمكابدة والجهل والتبلد والانهيار الاخلاقي والرق في القطب المقابل، في جانب الطبقة التي تنتج رأس المال نفسه )(4).

 

ان هذا الاستقطاب في المجتمع الرأسمالي يؤدي الى نتائج غير قابلة للاحتمال يصفها ماركس بهذه العبارة الشهيرة: (مع تناقض عدد اقطاب رأس المال الذين يغتصبون ويحتكرون جميع فوائد هذه المرحلة من التطور الاجتماعي، يزداد البؤس والاضطهاد والاسترقاق والتدهور والاستغلال، ولكن مع كل ذلك تزداد مقاومة الطبقة العاملة، التي يتضخم عددها دون توقف ويزداد ضبطها وتنظيمها بحكم نفس آلية الانتاج الرأسمالي. ان احتكار رأس المال يصبح عقبة امام نمط الانتاج الذي نما وازدهر في ظله. ان اجتماعية الطبقة العاملة وتركز مقوماتها المادية تصل درجة تعجز فيها عن الاستمرار في النمو داخل غلافها الرأسمالي. ان الغلاف المذكور يتمزق شذر مذر. لقد حانت ساعة الملكية الرأسمالية. ان نازعي الملكية محكومون بدورهم بنزع ملكيتهم) (5). من هذا يظهر بان قانون التركز الرأسمالي هو القانون الذي يحدد اتجاه النظام الى مصيره الحتمي بفعل التناقضات التي ينطوي عليها، والاستقطاب الاجتماعي الذي يؤدي اليه، وما يخلقه من تراكم الثروة الى تراكم البؤس، والجيش الاحتياطي الصناعي للعاطلين، والازمات الاقتصادية الدورية….. الخ، تسنده عدة ظواهر اقتصادية ملموسة، يشير الشراح (6) عادة من بينها الى ما يلي:

 

 

 

– نمو الانتاج الكبير: نتيجة التقدم التكتيكي والترشيد العلمي …. الخ، على حساب اضمحلال الانتاج الصغير من جهة وعلى حساب تضخيم جيش البروليتاريا من جهة اخرى، وكما يقول (البيان الشيوعي): (ما تنتجه البرجوازية قبل كل شيء انما هو حفار قبورها).

 

– ظاهرة فيض الانتاج، وما تخلقه من (الجيش الاحتياطي الصناعي) أي جيش العاطلين.

 

– تركز الشغيلة في المدن، بنتيجة التركز في القطاع الزراعي واضمحلال الملكيات الصغيرة وحلول الرعي محل الزراعة الغذائية وتفاقم الهجرة من الريف الى المدن…. الخ.

 

الخلاصة ان الكفاح الطبقي الذي خلق النظام الرأسمالي سوف يؤدي هو الاخر بهذا النظام. وهذه العملية التي يسميها بعض الشراح المعاصرين خطأ بـ (عملية التحطيم الذاتي) (7) أو (عملية التملك التلقائي) تجد مصداقها التأريخي في ظواهر اساسية في النظام، من اهمها الازمات الاقتصادية وظاهرة الاملاق المطلق والنسبي وظاهرة الانفصال بين التملك والادارة في المشروعات الرأسمالية الحديثة، وانكشاف الطابع الطفيلي لراس المال خاصة بعد انتشار نظام الشركات المساهمة، مما يجعل نزع ملكية الرأسماليين الجدد (8) اسهل منالا من الوجهة التكنيكية من نزع الملكيات الحرفية السابقة في عملية التراكم البدائي لرأس المال.

 

من الطبيعي ان موضوعة املاق الطبقة العاملة، بالنتائج التي استنتجها ماركس منها، اثارت ولا تزال تثير جدلا عنيفا حولها حتى هذه اللحظة. يقال مثلا ان هذه الموضوعة تتناقض مع ارتفاع القوة الشرائية والاجور الحقيقية للطبقة العاملة في البلدان الغربية المتقدمة وفي الولايات المتحدة خلال القرن الاخير. ان هذا الارتفاع هو حقيقة غير قابلة للجدل، ولكنه من المشكوك فيه انه يمس الموضوعة الماركسية سابقة الذكر. فاولا لم يقل ماركس ان انخفاض الاجور الحقيقية هو ضرورة حتمية في البلد الرأسمالي، بل كان على العكس يتصور امكان وجود الاملاق بالرغم من ارتفاع الاجر الحقيقي، بسبب التقدم الانتاجي الهائل الذي صاحب تطور الرأسمالية والانخفاض النسبي لحصة العمل بالنسبة لحصة رأس المال لمجموع الانتاج القومي. أو بعبارة اخرى ان ماكان يفكر به ماركس هو موضوعة الاملاق النسبي وليس موضوعة الاملاق المطلق. ومما يؤيد هذا التفسير ان موضوعة الاملاق النسبي كانت معروفة في زمن ماركس، بل انه اشار اليها في بعض مؤلفاته. فعلى سبيل المثال، اشار اليها في مؤلفه (مخطوطات 1844) باقتباس فقرة طويلة من مؤلف الالماني المعاصر له (شولتزه) Schulze (تطور الانتاج) المطبوع في زوريخ عام 1843. ومما جاء في هذا الاقتباس (بسبب زيادة الانتاج الكلي بالضبط، تزيد ايضا الحاجات والرغبات والشهيات، وبهذا يمكن ان يزيد الفقر النسبي بينما ينقص الفقر المطلق) (9). ولكن الحجة القاطعة التي تدعم موضوعة الاملاق الماركسية، وتفند الحجة البرجوازية السابقة في تفنيدها، هي ضرورة عدم حصر الاملاق في بلدان رأسمالية بعينها (اوربا الغربية والولايات المتحدة) واهمال ما يجري في البلدان الرأسمالية المتخلفة التي كانت حتى الامس القريب مستعمرات او شبه مستعمرات للرأسمالية الغربية والتي لا تزال تابعة لها من الوجهة الاقتصادية. كما يقول الاستاذ دني(10)، من المستحيل اعطاء حكم على موضوعة ماركس بتجزئة النظام الرأسمالي العالمي، فلا تزال تعيش في ما يسمونه (البلدان المتخلفة) ملايين البروليتاريا في حالة من البؤس والاملاق دونها حالة البروليتاريا الانكليزية في منتصف القرن الماضي. بل ان تطور النظام الرأسمالي خلق في البلدان المذكورة جماهير هائلة من الفلاحين هي اكثر بؤسا بما لا يقاس حتى من البروليتاريا. ولهذا فينبغي اخذ مجموع هذه الظواهر بنظر الاعتبار عند تقييم نتائج التراكم الرأسمالي في عالم اليوم. صحيح ان هذه الظواهر وما ادت اليه من نتائج هي اكثر تعقيدا اليوم مما تصوره ماركس، ولكن فحصها واستيعابها لا يقللان من اهمية الاطروحة الماركسية، بل على العكس يوضحان اسباب استمرار اهمية هذه الموضوعة حتى هذه الساعة.

 

 

 

استحالة الاحتفاظ بالتوازن بين القطاعين الكبيرين

 

للانتاج الرأسمالي – ازمات فيض الانتاج

 

يحاول ماركس – بالاستناد الى الدكتور كني – بيان كيفية استخدام المدخولات الموزعة خلال عمليات الانتاج الرأسمالي في شراء السلع المنتجة. ومن المعروف ان جميع المنتوجات – في جدول كني – تباع باسعارها الاعتيادية. وقد تبنت جميع المدارس اللبرالية وجهة نظره هذه (11). ولكن ماركس لا يجد أي مبرر لهذا الافتراض طالما ان الواقع يثبت وجود فترات ازمة، لا يتسنى خلالها تصريف مجموع الانتاج. فما هو السبب في ذلك؟ عندما حاول ماركس الاهتداء الى ذلك، اكتشف الخطأ الاساسي لادم سميث وريكاردو، في تصور الانتاج القومي وكأنه يتألف فقط من سلع استهلاكية. انه في الواقع يتألف ايضا من قيم السلع الانتاجية المنتجة خلال العام. وهي اما ان تذهب لتعويض ما اندثر من التجهيزات الانتاجية خلال السنة، او تصنيف اضافة جديدة الى التجهيزات المذكورة. وفي الحالة الثانية من الواضح تماما خطأ عدم اخذها بنظر الاعتبار في حساب الانتاج السنوي. كذلك من الخطأ البيّن في التحليل الاقتصادي عدم التمييز بشكل او باخر بين انتاج وسائل الانتاج وانتاج السلع الاستهلاكية. ذلك لان عملية تعويض اندثار وسائل الانتاج لا تتم بصورة حتمية وذاتية (اوتوماتية)، فهي تحتاج الى قرارات خاصة محددة. كما انها قد تتعرض لعراقيل تبطئ من سيرها، بل اكثر من ذلك، قد يصادف ان مجتمعا ما، يتوقف عن تجديد تجهيزاته تماما خلال مدة قد تطول. ومن اجل اعتبار كل هذه الظواهر لابد من التمييز بعناية بين عمل السنوات الماضية المتضمن في وسائل الانتاج المندثرة والذي يساهم في خلق قيم السلع المنتجة خلال السنة وبين عمل السنة الجارية المنفق لانتاج وسائل الانتاج التعويضية (أي المخصصة لتعويض الاندثار). ذلك لان هاتين الكميتين من العمل ليستا متساويتين بالضرورة. ولهذا السبب، يميز عادة بين (الانتاج القومي الصافي) من جهة، أي الذي يضم قيمة السلع الاستهلاكية المنتجة والتجهيزات الاضافية، و (الانتاج القومي المكور) أي الذي يضم بالاضافة الى ما سبق قيمة وسائل الانتاج التعويضية، أي المخصصة لتعويض التجهيزات المندثرة. لقد ميّز ماركس بكل دقة بين هذين الصنفين بهذه العبارة (ان القيمة المنتجة في هذه السنة، أي القيمة المنتجة اضافيا بشكل سلع، هي اقل مقدارا من قيمة المنتوجات، أي القيمة الكلية لمجموع السلع المصنوعة خلال السنة كاملة). ان مصطلح (القيمة المنتجة) يقابل ما نسميه الآن (الانتاج القومي الصافي)، ومصطلح (قيمة المنتوجات) يقابل ما نسميه الآن (الأنتاج القومي الصافي)، ومصطلح (قيمة المنتوجات) يقابل ما نسميه الآن (الانتاج القومي المكور).

 

وانطلاقا من هذا التمييز الدقيق، يرسم ماركس لوحته المشهورة لاثبات القانون الاساسي الذي يقر بان (التصريف الاعتيادي للسلع الاستهلاكية المنتجة، لا يمكن ان يتحقق الا اذا انتج بنفس الوقت المقدار الكافي من وسائل الانتاج). ويمكن تلخيص لوحة ماركس بالشكل التالي:- تنقسم قيمة الانتاج الكلي الى ثلاثة عناصر هي التالية:-

 

– قيمة الراسمال المنفق بشكل اندثار مادي (والذي يؤدي الى تناقض مخزون المواد الاولية). ويمكن الرمز اليه بحرف C.

 

– قيمة الراسمال المنفق على هيئة اجور. ويسمى ماركس هذا العنصر (الراسمال المتغير المنفق). وسنرمز اليه بحرف V. ان تسمية هذا الجزء من راس المال بالراسمال المتغير، تعود ببساطة الى ان شراء قوة العمل، وحده، في النظرية الماركسية، وبالتالي دفع الاجور، يخلق فائض القيمة، والذي يمكن بدوره من زيادة او (تغيير) الراسمال الموظف في الانتاج.

 

– فائض القيمة، الذي سنرمز اليه بالحرف PL. بعد تحديد هذه التعاريف يقسم ماركس مجموع الانتاج القومي الى قطاعين: الاول يضم جميع الفروع او المشاريع الانتاجية المنتجة للسلع الاستهلاكية ومن الطبيعي ان تركيب قيمة الانتاج في كلا القطاعين لا يختلف عن تركيب قيمة الانتاج القومي المشار اليه سابقا.

 

ففي القطاع الاول تساوي قيمة الانتاج C1+V1+PL

 

وفي القطـاع الثاني تساوي قيمة الانتاج C2+V2+PL2

 

واذا اريد تصريف (أي تحقيق قيمة) جميع المنتوجات، لا بد اولا من التاكد من ان جميغ القيم المنفقة من قبل المشاريع تستخدم فعلا من قبل مستحقيها على شراء السلع. وبتحقق هذا الشرط، يكون الطلب الكلي على السلع (بلغتنا اليوم) مساوياً للعرض الكلي (أي لقيمة الانتاج). ان هذا يقتضي في الاساس ان لا يحصل اكتناز، لامن قبل المشاريع التي تشكل احتياطيات لتعويض المندثر من تجهيزاته، ولا من قبل الراسماليين الذين يدخرون جزءا من مدخولاتهم. فاذا استثنينا الاكتناز، لا بد ايضا من ان الطلب في كل من القطاعين يكون مساويا للعرض.

 

ان الطلب على وسائل الانتاج يساوي مقدار التجهيزات التعويضية C1+C2 زائدا الجزء المدخر من فائض القيمة من قبل الرأسماليين والذي سنرمز اليه بالرمز a(PL1+PL2). اذن يمكن التعبير عن المساواة بين عرض وطلب وسائل الانتاج في القطاع الاول، بالمعادلة التالية:

 

C1+V1+PL1= C1+C2+a(PL1+PL2)

 

 

 

اما الطلب على السلع الاستهلاكية فيكون مساويا لمقدار الاجور V1+V2 – باهمال مدخرات العمال الاجراء (12) زائدا الجزء المستهلك من فائض القيمة من قبل الراسماليين المساوي لـ (1-a) (PL1+PL2).

 

اذن يمكن التعبير عن المساواة بين عرض وطلب انتاج القطاع الثاني بالمعادلة التالية:-

 

 

 

C2+V2+PL2=V1+V2 + (1-a) (PL1+PL2)

 

 

 

ومما سبق يمكن ملاحظة انه في حالة افتراض مساواة العرض الكلي بالطلب الكلي، يكون تحقق المساواة بين العرض والطلب في أي من القطاعين ضامنا لتحقق المساواة بينهما في القطاع الاخر.

 

ذلك لانه في حالة عرض 1+ عرض 2= طلب 1 + طلب 2 واذا كان عرض 1 + طلب 1 فلا بد ان يكون عرض 2 = طلب 2

 

ويمكن بالاضافة على الفور (وسنعود لهذه النقطة بعد قليل) بانه في حالة (العرض 1) > (الطلب1)

 

فلا بد ان يكون (العرض 2) < (الطلب 2). والعكس يكون صحيحا ايضا.

 

وطالما كان التوازن في أي من القطاعين ضامنا (في افتراضاتنا) تحقق التوازن في القطاع الاخر، فيكفي لابراز شروط التوازن العام، البحث عن شروط التوازن في أي من القطاعين.

 

 

 

لننطلق اذن من المعادلة التي تحدد توازن القطاع الاول:

 

C1+V1+PL1= C1+C2+a(PL1+PL2)

 

 

 

ان الجانب الايسر من هذه المعادلة يحدد مجموع الاستثمار المكور في الاقتصاد القومي (مجموع قيم وسائل الانتاج المنتج خلال السنة). اما الجانب الايمن من المعادلة فيحدد الادخار المكور (أي احتياطيات تعويض الاندثار في كلا القطاعين زائدا ادخار الرأسماليين). اذن فالمعادلة السابقة ترمز الى ان الاستثمار المكور يساوي الادخار المكور. والان نحن نعلم بانه في حالة تحقق هذه المساواة يتحقق التوازن ايضا في القطاع الثاني، أي ان الطلب على السلع الاستهلاكية يساوي عرضها.

 

واذن ففي فرضياتنا تكون المساواة بين الاستثمار المكور والادخار المكور هي الشرط الضروري للتوازن في سوق السلع الاستهلاكية على انه يمكن التعبير عن هذا الشرط بشكل آخر: لا بد من ملاحظة ان الادخار المكور هو جزء محدد من قيمة الانتاج الكلي، طالما ان ((C1 و (C2) و (PL1) و (PL2) هي مقادير متناسبة مع قيمة السلع الاستهلاكية المنتجة او مع قيمة وسائل الانتاج المنتجة. واذن حتى يكون الاستثمار المكور مساويا للادخار المكور، لا بد ان يكون الاستثمار المذكور جزءا محددا من القيمة الكلية للانتاج. هذا هو الاستنتاج الذي صاغه ماركس. ومن الواضح ان ماركس وضع في الواقع الشرط الكينزي للتوازن العام، أي المساواة بين الاستثمار والادخار، مع فارق واحد هو ان ماركس يفكر في اطار الاستثمار والادخار المكورين وليس الصافيين. وهكذا نرى ان القانون المهم الذي يعتقد ان اللورد (كينز) اكتشفه عام 1930 في مؤلفه (المطول في النقود)، سبق لماركس ان اكتشفه قبله بحوالي الستين عاما وعرضه بشكل لا يختلف عن العرض الكينزي الا قليلا، وذلك في الجزء الثاني من (رأس المال) المنشور عام 1885.

 

ان التحليلات الكينزية هي اساس النظريات المعاصرة التي تحاول تفسير الازمات الاقتصادية. ولكن ماركس حاول تفسيرها في نفس الاتجاه بفضل مخططاته المشهورة (مخططات تجديد الانتاج) الواردة في الجزء الثاني من رأس المال. بالرغم من ان ماركس لم يستطع انجاز عمله الهام في هذا الصدد، الا ان ماكرسه من الصفحات لنظرية الازمة يدلل بشكل قاطع على انجازه العبقري. والواقع اذا كان الاستثمار اقل من الادخار، أي، بالتعبير النقدي، اذا كان:

 

 

 

C1+C2+a (PL1+PL2) > C1+V1+PL1

 

 

 

فلا بد ان يكون هنالك بالضرورة نقص في الطلب على السلع الاستهلاكية بالنسبة لعرضها، أي ان هناك ما يسمى بفيض انتاج السلع.

 

 

 

إذن حسب هذا التحليل يكون السبب المباشر في الازمات هو عدم كفاية الاستثمار. لقد فهم ماركس ذلك قبل كينز. وهو يؤكد حتمية حدوث الازمة، لعدم امكان استمرار الاستثمار بالمستوى المطلوب، لانه لا بد من زيادته احيانا او نقصه احيانا اخرى عن النسبة الضرورية. والواقع ان ما يحدد حجم الاستثمار هو رغبة الرأسماليين في تحقيق الارباح بتطوير جهازهم الانتاجي. ان الاستثمارات لا تتم لاشباع حاجات المستهلكين بل لتحقيق الارباح لفئة الرأسماليين: وهذا جانب من ابرز جوانب نزع الطابع الانساني عن العلاقات الاقتصادية في النظام الرأسمالي. على ان الرأسمالية تتضمن هنا تناقضا واضحا: ان تحقيق الارباح يتطلب بيع السلع المنتجة بقيمها، وهذا يتطلب، كما راينا، نسبة محددة بين حجم الاستثمار وحجم الادخار. واختلال هذه النسبة – وهو شيء حتمي في الرأسمالية – هو الذي يسبب الازمة. اذن فازمة فيض الانتاج ما هي الا مظهر للتناقض الناتج عن ان الجهاز الانتاجي الذي لا يمكن استخدامه الا لاشباع الحاجات الانسانية، لا يتم انشاؤه في النظام الرأسمالي بقصد اشباع تلك الحاجات بل لمجرد تحقيق الارباح الرأسمالية بصرف النظر عن اية حاجات انسانية. ومن الضروري جدا التأكيد على ان هذا التحليل الماركسي – والكينزي الان – لاسباب الازمة، لا يمكن قبوله الا بقبول نظرية موضوعية في القيمة، وهذه بدورها لا يمكن ان تكون الا نظرية قيمة العمل. ان كل التحليل قائم في الواقع على الفكرة الرئيسية القائلة بضرورة بيع مجموع الانتاج القومي بسعره الاعتيادي، اذا تركنا جانبا مسألة قيمة النقود. ولا يمكن الاكتفاء بالقول – كما يزعم بعض نقاد الماركسية – بان هذا السعر الاعتيادي هو الذي يغطي نفقات الانتاج ويسمح بتحقيق نسبة صغيرة من (الربح الاعتيادي) لعدم وجود مقياس يسمح مسبقا بتحديد مقدار الربح الاعتيادي المذكور. لهذا فلا بد من تصور السعر الاعتيادي للانتاج القومي باعتباره يمثل العلاقة بين الكمية الكلية للعمل المتجسد في الانتاج وكمية العمل المتجسدة في الوحدة النقدية او الممثلة بالوحدة النقدية. او بتعبير اخر لا بد من تصور السعر الاعتيادي للانتاج القومي، كتعبير عن قيمة الانتاج القومي المذكور.

 

 

 

قانون ميل معدل الربح نحو الانخفاض

 

1. مبدأ تفسير الظاهرة

 

لقد لاحظ الاقتصاديون الكلاسيك منذ (آدم سميث) هذه الظاهرة الهامة بآثارها، ظاهرة ميل معدل الربح نحو الانخفاض، وقد استنتجوا منها بان تراكم راس المال سوف يتوقف عن الاستمرار عاجلا او آجلا، وعندها يدخل المجتمع في حالة الركود. وقد اهتم ماركس بهذا التحليل الكلاسيكي وتبناه، مع محاولة اعطاء الظاهرة تفسيرا ادق، وترتيب نتائج مختلفة كليا عليها. لقد استبعد ماركس تماما امكانية بقاء الاقتصاد الراسمالي في حالة ركود مزمنة، بل رأى بالعكس ان انخفاض معدل الربح، من شأنه ان يخلق حالة انفجارية خطرة، بسبب عدم استخدام القوى الانتاجية، تؤدي حتما الى قلب النظام. ان تحليلات ماركس حول هذا الموضوع واردة في الفصول (13) و (14) و (15) من الكتاب الثالث من (رأس المال) (13). الا ان انكلز يوضح بان هذه الفصول الثلاثة مستقاة من مسودة لماركس كتبها، او القسم الاكبر منها، بين 1864، و 1865، أي قبل كتابة الجزء الاول من (رأس المال) (14). ومعنى ذلك ان ماركس توصل في وقت مبكر الى تكوين فكرة واسعة جدا عن التناقضات الراسمالية، ومع ذلك فاننا نجد بوضوح ان صياغة هذا القسم من الفكر الاقتصادي الماركسي غير كاملة، وان فهمها يحتاج لجهد ذهني كبير. وفي بداية الفصل الثالث عشر المشار اليه سابقا نجد تدليلا اوليا على ان (قانون ميل معدل الربح نحو الانخفاض) يمكن تلخيصه بالشكل التالي: ان تقدم التكنيك الانتاجي يؤدي الى ارتفاع نسبة التركيب العضوي لرأس المال، أي علاقة الرأسمال الثابت بالرأسمال المتغير، بحيث ان معدل الربح يميل الى الانخفاض بالضرورة في حالة ثبات معدل فائض القيمة. وبالرغم من ان ماركس يستخدم هنا امثلة رقمية لاثبات القانون، الا انه يمكن استخدام المعادلة الجبرية البسيطة التالية لاثباته بصورة اوفى. لنفرض، كما يفعل ماركس لغرض التبسيط، ان سرعة دوران جميع اصناف رأس المال تساوي (1)، أي ان راس المال المنفق سنويا في كل صنف يساوي رأس المال المستثمر. والان لو استعملنا الرموز التالية:

 

 

 

PL لفائض القيمة

 

K لمجموع رأس المال في الاقتصاد

 

C للرأسمال الثابت (المنفق والمستثمر)

 

V للرأسمال المتغير (المنفق والمستثمر)

 

 

 

فيكون معدل الربح PL/K أو PL/C+V

 

 

 

واذا رمزنا بحرف X للعلاقة بين C/V (أي التركيب العضوي لرأس المال) فيمكن عندئذ ان نكتب C = VX

 

وعندئذ يمكن كتابة معدل الربح PL/VX+V أو PL/ V(1+X)

 

أو اخيرا 1/1+X.PL /V

 

 

 

واذا كان معدل فائض القيمة PL /V بحكم التعريف لا يتغير، بينما X يزداد، فمعنى ذلك ان 1/1+X يصغر بالتدريج، والمنتوج (أي معدل الربح) 1/1+X.PL /V ينخفض هو الآخر.

 

 

 

على ان ماركس يلاحظ ان فرضية ثبات معدل فائض القيمة هي فرضية غير واقعية. ولذلك فهو يحاول اثبات انه حتى مع ارتفاع معدل فائض القيمة، فان معدل الربح لا بد ان يميل الى الانخفاض عاجلا او اجلا. على ان الايضاحات الواردة في الفصل الثالث عشر لاثبات هذه النقطة غير مقنعة، ولهذا فان ماركس يستأنف دراسة المسألة في الفصل الخامس عشر، ويقدم في الواقع اهم ايضاحاته حول الموضوع. ان ماركس هنا يغير نقطة انطلاقه في التحليل، فيبدل مسألة التركيب العضوي لرأس المال، ويبدأ من انخفاض نسبة عدد العمال بالنسبة لرأس المال الموظف.

 

ان بعض الشراح الماركسيين ومنهم الاستاذ (دني) يرون ان هناك تناقضا بين نقطتي الانطلاق المذكورتين، ولكن الواقع ان زيادة التركيب العضوي لراس المال بفضل التقدم التكنيكي تميل فعلا الى تخفيض نسبة عدد العمال بالنسبة للرأسمال المستثمر، ولهذا فان الاصح ان تعتبر الفرضيتان الماركسيتان متكاملتين. على كل حال يرى ماركس انه في حالة انخفاض هذه النسبة بين العمل وراس المال، لا بد للرأسمال – من اجل الاحتفاظ بنفس معدل الربح لرأسماله الموظف- ان يحرص على ثبات معدل فائض القيمة بالرغم من انخفاض عدد العمال المستخدمين ولتحقيق هذا الغرض يجب على الرأسمالي ان يرفع معدل فائض القيمة بالنسبة لكل عامل. على ان هناك حدودا لامكان زيادة فائض القيمة المنتزع، بالنظر لمحدودية ساعات العمل الممكن تشغيل العمال خلالها، وضرورة تكريس جزء منها لاعاشة قوة العمل. يقول ماركس بهذا الصدد: (ان تعويض النقص في عدد العمال بزيادة درجة الاستغلال، يصطدم بحدود معينة لا يمكن اجتيازها، ولهذا فاذا استطاعت – أي زيادة معدل فائض القيمة لكل عامل – اعاقة انخفاض معدل الربح، فانها تعجز عن ايقافه تماما).

 

يمكن التعبير عن نفس الفكرة بشكل اخر: مع ازدياد تقدم التكنيك الانتاجي، يزداد معدل الرأسمال الموظف بالنسبة للعامل المستخدم. وفي هذه الحالة اذا اريد المحافظة على نفس نسبة معدل الربح للرأسمال الموظف، لا بد من زيادة معدل فائض القيمة المنتزع من العامل بنفس النسبة. ولكن هذا لا يمكن ان يستمر الى ما لا نهاية، لان فائض القيمة الممكن انتزاعه من عامل معين، لا يمكن ان يتجاوز حدا اعلى من القيمة، هو الحد الذي يساوي الحد الاعلى من العمل، الممكن ان يقدمه العامل. بل ان مقدار فائض القيمة يجب ان يكون اقل دائما من هذا الحد الاعلى من العمل، لضرورة تكريس جزء من العمل لانتاج السلع الاستهلاكية الضرورية لاعاشة العامل.

 

ولكن اذا كان لا بد ان تقف زيادة فائض القيمة عند حد معين في الوقت الذي تستمر فيه زيادة رأس المال بالنسبة للعامل بدون حدود، فمعنى ذلك ان العلاقة بين فائض القيمة وراس المال، أي معدل الربح بالضبط، لا بد ان تنخفض في وقت ما. ولا شك ان ماركس كان يفكر في انه مع اقتراب معدل فائض القيمة من الحد الاعلى المشار اليه سابقا، يصبح من الصعوبة الاستمرار في زيادته، وبالتالي لا بد في الواقع ان ينخفض معدل الربح قبل وصول معدل فائض القيمة حده الاعلى. والاثر الوحيد لارتفاع فائض القيمة هو اعاقة انخفاض معدل الربح. لذلك لا ينتظر ان يحصل انخفاض مستمر ومنظم وسريع لمعدل الربح، لتطور عوامل من شأنها ابطاء الانخفاض المذكور، او حتى ايقافه بصورة مؤقتة.

 

ومن العوامل المهمة التي يشير اليها ماركس في هذا الصدد هي التجارة الخارجية. فقد رأى ماركس ان هذا العامل من شأنه ابطاء انخفاض معدل الربح، وهو في هذه النقطة يتفق من حيث النتيجة مع ريكاردو، ولكنه يختلف عنه جذريا في اسلوب ومضمون التحليل: ليس السبب في اعاقة انخفاض معدل الربح، ما يذكره ريكاردو من اثر لاستيراد المواد الغذائية من الخارج على وقف ارتفاع الريع العقاري، بل السبب هو الفرص التي تسهلها التجارة الخارجية، وخاصة الانتاج من اجل التصدير، لامكان تحقيق معدلات من الربح عالية جدا. لا شك ان هذه الفكرة الماركسية فكرة في غاية الاهمية لتفسير تطور النظام الراسمالي. ولكن فكرة ريكاردو هي الاخرى مهمة في تفسير تطور النظام المذكور وخاصة في اوربا الغربية، بفضل استيراد المواد الغذائية الرخيصة من الامريكيتين خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر.

 

على ان ماركس، بالرغم من تسليمه باهمية العوامل التي من شأنها ان تعيق ميل معدل الربح نحو الانخفاض، الا انه كان مقتنعا تماما بان الاتجاه المذكور قد بدأ بالفعل يفرز بعض الظواهر التي تهدد وجود النظام الراسمالي بالذات. فالتجارة الخارجية مثلا، وان كانت تخفف من حدة الاتجاه نحو انخفاض معدل الربح، الا انها من جهة اخرى تزيد من التراكم الرأسمالي، وبالتالي، من التقدم التكنيكي، الامر الذي من شأنه في التحليل الاخير، زيادة حدّة الاتجاه المذكور.

 

 

 

2. اثار القانون

 

يحاول ماركس في الفصل (15) المهم من الجزء الثالث من (رأس المال) ان يوضح السبب في ان انخفاض معدل الربح لا يؤدي الى تثبيت النظام الرأسمالي في حالة ركود دائم، كما يتصو الكلاسيك، بل يؤدي على العكس الى وضع لا يطاق من نقص استخدام القوى المنتجة.

 

لقد افترض الكلاسيك ان الاثر الوحيد لانخفاض معدل الربح هو التحديد المتزايد للادخار. اما ماركس فيوضح ان الاثر الاساسي هو خلق حجم معين من الادخار لا يجد امكانية للاستثمار في شروط مجزية. ان ماركس الذي يقبل في بعض مؤلفاته الاقتصادية الفكرة الكلاسيكية في ان الادخار يجد مجاله للاستثمار بصورة تلقائية، نجده الان على العكس يخالف الاقتصاديين الكلاسيك. ومن هنا اهمية تحليله لهذه النقطة بالذات. يرى ماركس بان انخفاض معدل الربح، لا يخفض من حجم الادخار ولكنه يؤدي الى عدم امكان استثمار الراسمال الجديد ( الا على حساب استثمار الراسمال القديم). وبكلمة اخرى ان ماركس يثير هنا مشكلة توفير السوق الضرورية للرساميل الجديدة. ويبدو انه يذهب الى ان انخفاض معدل الربح يضيق امام الرأسمال الجديد فرص الاستثمار بربحية كافية، ولذا لا بد من شنه كفاحا مريرا للاستيلاء على جزء من اسواق الرساميل القديمة. وفي مثل هذه الحالة يمكن القول ان هناك فيضا من راس المال، وان هذا الفيض يؤدي الى اشتداد المنافسة والمضاربة بين رؤوس الاموال، وبالتالي الى تفاقم خطورة ازمات فيض الانتاج. ومن جهة اخرى تنخفض (الربحية الوسطية لرأس المال) الى الحد الذي يخفض من الميل الاستثماري للراسماليين في مجموع القطاعات الاقتصادية، وبالتالي يؤدي الى عدم تجاوز الانتاج القومي حدا اعلى معينا. وهكذا، كما يقول ماركس حرفيا عن الاقتصاد الرأسمالي (انه يتعرض للركود لا يسبب ضرورة من اشباع الحاجات، بل كلما فرض الانتاج وتحقيق الارباح ذلك الركود).

 

ويقول ايضا: (اذا اصبح تكوين رأس المال هكذا قاصرا بشكل استثنائي على عدد قليل من الرساميل الضخمة التي بلغت مستوىالنضوج …. فان الفعالية المنعشة للانتاج تضمحل، ويدخل الانتاج المذكور في سبات). وهنا يعتقد الاستاذ (دني) بان هذه الموضوعة الماركسية تجعل من ماركس رائدا لنظريات الركود التي طورها فيما بعد الاقتصاديون الامريكان بين 1929 – 1939. الا ان الواقع هو ان هذا الشبة ينصب على نتيجة التحليل وحدها وليس على محتوى التحليل أو اليته. ان اصحاب نظرية الركود يعزون الظاهرة في الغالب للعوامل الطبيعية، وخاصة للعوامل الجغرافية والتكنولوجية والديموغرافية، بينما يركز ماركس على العوامل التي تكون جوهر النظام الراسمالي. ان انخفاض معدل الربح، في نظره، وهو ملازم بالضرورة للراسمالية، يؤدي الى البطالة الدائمة، وبالتالي يفرز عددا من الظواهر قابلة لاسقاط النظام نفسه. ان الراسمالية محكومة في نظر ماركس بالزوال، تحت ثقل تناقضاتها الخاصة. واهم مظهر لذلك هو ان الانتاج في هذا النظام لا يستهدف غير الانتاج (أي الربح) وليس اشباع الحاجات الانسانية. يقول ماركس: ( ان العائق الحقيقي امام الانتاج الراسمالي هو الراسمال نفسه: ان راس المال وتثميره يكونان نقطة الابتداء ونقطة الانتهاء على السواء، أي محرك الانتاج وهدفه على السواء. ان الانتاج ما هو الا انتاج من اجل راس المال، وليس العكس. ان وسائل الانتاج ليست مجرد وسائل تصوغ وتوسع عملية الحياة لصالح مجتمع المنتجين. ان الوسيلة – التطوير غير المشروط للانتاجية الاجتماعية – تدخل بصورة مستمرة في تناقض مع الغاية المحددة، أي تثمير راس المال القائم. وعليه فاذا كان نمط الانتاج الراسمالي هو الوسيلة التاريخية لتطوير القوى الانتاج المادية، وخلق السوق العالمية المتفقة معها، فانه يمثل في الوقت نفسه تناقضا دائميا بين هذه المهمة التاريخية وعلاقات الانتاج الاجتماعية المتفقة معها). وفي محل اخر يكتب ماركس: ( يكمن التناقض في نمط الانتاج الراسمالي هذا، في اتجاهه بصورة مطلقة لتطوير القوى المنتجة، التي تدخل بدون انقطاع في تصادم مع الشروط النوعية للانتاج، الذي يتحرك الراسمال في اطارها، والتي لا يستطيع التحرك الا في داخلها).

 

اذن ينتهي تحليل ماركس الاقتصادي الى نتيجة تدعم وتوضح نظريته التاريخية التي عرضها منذ 1845. ان النظام الراسمالي، القائم على الاتجاه نحو الاثراء عن طريق الادخار وتوظيف رأس المال، هو نظام في جوهره يميل الى تطوير القوى الانتاجية للمجتمع. الا ان تنمية قوى الانتاج تخفض بالضرورة معدل الربح، وهذا الانخفاض يميل، بحكم علاقات الانتاج في هذا النظام، الى اعاقة استثمار رأس المال. او بعبارة اخرى ان تناقضا يظهر بين تطوير القوى المنتجة وطبيعة علاقات الانتاج. ولا بد من حل عقدة هذا التناقض، عاجلا ام اجلا، بالانتقال الى نظام اجتماعي جديد اعلى.

 

 

 

ثالثا – تلخيصات لقانون التراكم العام في نقاط

 

فيما يلي سوف نقوم بتلخيص ابرز النقاط التي ينطوي عليها قانون التراكم الراسمالي العام، استنادا الى مصدرين هامين في هذا الصدد، الاول هو (مختصر الاقتصاد السياسي) لمجموعة من الكتاب السوفيات، والمصدر الثاني هو (تاريخ الفكر الاقتصادي) للاستاذ البريطاني (أريك رول)، مع اكمال تحليلهما بالمصادر المتيسرة الاخرى، وذلك من اجل استيعاب ادق لجوهر نظرية التطور الماركسية.

 

 

 

(1) تلخيص المختصر السوفياتي) (15)

 

1. يعالج القانون العام للتراكم الراسمالي حركة (تحول فائض القيمة الى رأسمال) بعد تحققه.

 

2. لهذا القانون ثلاثة جوانب:

 

· قانون تراكم الثروة.

 

· قانون تراكم البؤس (الذي يجد تعبيره في قانوني الاملاق المطلق والنسبي).

 

· قانون تراكم قوة البروليتاريا، بالتنظيم والوعي – أي أنه البرهان على ضرورة التحول الاشتراكي (انجلز).

 

3. يتضمن هذا القانون عدة نتائج، منها:

 

· إن ازدياد الثروة (كرأسمال) يؤدي الى زيادة عدد البروليتاريا المطلق.

 

· إن ازدياد انتاجية العمل يؤدي الى ازدياد فيض السكان النسبي.

 

· إن ازدياد فيض السكان النسبي يؤدي الى تعاظم بؤس الشغيلة.

 

· إذن فإن تراكم الثروة يؤدي الى تراكم البؤس، الذي يجد تعبيره في قانوني الاملاق، كما ذكرنا.

 

4. ان التركز والتمركز هما (شكلان) للتراكم، يؤديان الى (الاحتكار) ثم (الامبريالية)، أي سيطرة الراسمال الاحتكاري.

 

5. إن (فيض السكان) نتيجة حتمية للتراكم الراسمالي، أي زيادة التركيب العضوي لراس المال، أي زيادة كمية (العمل الميت) بالنسبة لكمية (العمل الحي)، أي زيادة قيمة (الراسمال الثابت) بالنسبة لقيمة (الراسمال المتغير)، أي (الفيض النسبي) بالنسبة (لليد العاملة فعلا).

 

6. ان مستوى الاجور وذبذباته، لا تتوقف على عدد العمال المطلق، بل على فيض السكان النسبي، أي على عدد العمال العاطلين (خلاف الفكر الاقتصادي البرجوازي). وان قانون العرض والطلب في سوق العمل يكمل اضطهاد رأس المال، وهو في الحقيقة تعبير عن قانون فيض السكان النسبي، الذي يمثل احدى ضرورات التطور الرأسمالي (لينين).

 

7. هناك عدة عوامل تزيد من فيض السكان النسبي، منها:

 

أ‌. استخدام النساء والاطفال (كمنافسين).

 

ب‌. اطالة يوم العمل، أو تشديد العمل.

 

ج‌. خراب المنتجين الصغار (خاصة الفلاحين) وتحويلهم الى عمال.

 

8. هناك ثلاثة اشكال لفيض السكان في الرأسمالية:

 

أ‌. فيض السكان المتغير (بطالة دورية وتكنولوجية وبسبب السن).

 

ب‌. فيض السكان المقنّع (بطالة مزمنة في الريف)، وهو مصدر الهجرة من الريف الى المدن.

 

ج‌. فيض السكان الثابت (البروليتاريا الرثة، والمعطوبون جسميا أو معنويا).

 

9. تصبح البطالة في مرحلة (الازمة العامة للرأسمالية)، بطالة جماهيرية ومزمنة معاً.

 

10. ان قانون الاملاق النسبي هو نتيجة ارتفاع (معدل الاستثمار) اي معدل فائض القيمة.

 

11. ان قانون الاملاق المطلق قانون صحيح وملازم للرأسمالية، مع اعتبار القضايا التالية:

 

أ‌. يجب اخذ عشرات المؤشرات لانخفاض المستوى المعاشي للعمال، منها على سبيل المثال (الاجور العينية والنقدية، الاجور بالنسبة لقيمة قوة العمل، البطالة، مستوى الشغيلة في المستعمرات، شدة العمل)، مع سوء التغذية، الوضع السكني، الضرائب، الوضع الصحي، الوضع الثقافي، الازمات الدورية …. الخ.

 

ب‌. ان أشكال الإملاق في تغيير مستمر (القلق،الاوضاع النفسية، الاغتراب، الحروب ….. الخ).

 

ت‌. لا بد من دراسة مرحلة تاريخية طويلة لرصد اثار القانون.

 

ث‌. العبرة بالنظام الراسمالي ككل وليس في بلدان معينة وفترات معينة.

 

ج‌. لا يسير الاملاق المطلق في خط انحداري مستقيم في جميع البلدان وفي كل منها على انفراد.

 

ح‌. هذا القانون يظهر ايضا في ارتفاع (شدة أو كثافة العمل)، أي سرعة استهلاك أو اندثار الشغيلة، المصحوب بازدياد طوارئ العمل والامراض المهنية والنفسية.

 

 

 

(2) تلخيص تحليل الاستاذ رول (16)

 

1. إن قانون التراكم العام هو القانون العام لتطور النظام الراسمالي. ومعناه تحويل فائض القيمة الى رأسمال، أي تجديد الانتاج الموسع.

 

2. يؤدي هذا القانون العام الى عدة نتائج اهمها ما يلي:

 

أ‌. التركز (والتمركز)، أي زيادة حجم رأس المال، أي استخدام (الراسمال الكبير)

 

ب‌. تراكم البؤس (قانون الاملاق).

 

ج‌. زيادة (التركيب العضوي لراس المال).

 

د. زيادة حجم البطالة النسبية (عدد العاطلين بالنسبة للمشتغلين). وتنعكس هذه النتيجة في قانون السكان الراسمالي، المعبر عنه بنظرية الافراط النسبي للسكان.

 

هـ. هبوط معدل الربح، وهو الوجه الاخر المعاكس للتركيب العضوي لرأس المال.

 

3. وسيلة التراكم العام هي زيادة انتاجية العمل (المؤدية الى زيادة التركيب العضوي والتركيب التقني لرأس المال معا).

 

4. من اهم اشكال التنافس للتراكم الراسمالي هو التناقض بين (حجم الربح) المتزايد، و (معدل الربح) المتناقص.

 

5. هناك عدة عوامل معيقة لمفعول قانون انخفاض معدل الربح، منها:

 

أ. زيادة (معدل الاستغلال) اي معدل فائض القيمة.

 

ب. انخفاض الاجور لأدنى من قيمة قوة العمل.

 

ج. انخفاض قيمة الراسمال الثابت.

 

د. زيادة جيش العمل الاحتياطي (البطالة).

 

هـ. التجارة الخارجية.

 

و. التنظيم المالي المعقد للمشروعات الراسمالية.

 

وجميع هذه العوامل يجب ان تدرس ضمن الخلفية العامة للصراع الطبقي (17).

 

6. طور (لينين) هذه العوامل المعيقة في نظريته عن الامبريالية، مشيرا على سبيل المثال الى نشوء الاحتكارات، ودور المستعمرات، والمنافسة بين الدول الاستعمارية والحروب.

 

7. يكمن جوهر تناقضات الانتاج والتراكم الراسماليين في النقطتين التاليتين:

 

أ‌. (تحقيق) القيمة ضروري لتحقيق هدف الراسمالية وهو خلق ورسملة فائض القيمة.

 

ب‌. ولكن شروط التحقيق هي غير شروط (خلق) الفائض: الاولى تتوقف على القوة الاستهلاكية للمجتمع من جهة وعلى نسب قطاعات الانتاج من جهة اخرى، بينما تتوقف شروط الثانية على القوة الانتاجية للمجتمع، أي أن التناقض الجوهري للتراكم هو التناقض بين القوة المنتجة للمجتمع وشروط أو علاقات الانتاج الراسمالي.

 

8. يتضمن التراكم استمرار زيادة القوى المنتجة (بحكم المنافسة). وبالتالي زيادة حدّة التناقض بين الانتاج والاستهلاك، أي بين خلق وتحقيق فائض القيمة. ان تاكيد ماركس على هذا الجانب من التناقض خير رد على لوكسمبرغ التي ادعت اهمال ماركس لهذا الجانب (النقص استهلاكي) من الازمة، الا انه، خلاف رودبرتس مثلا، اعتبر هذا احد الجوانب فقط للتناقضات الراسمالية. كذلك يجب عدم اعتبار الجوانب الاخرى مطلقة او استثنائية (مثلا عدم التناسب بين القطاعات، او هبوط معدل الربح). انها جميعا تعبر عن الصراع الطبقي المميز للنظام الراسمالي وما الازمات الا (حلول) عنيفة ومؤقتة لهذه التناقضات الطبقية.

 

9. ان دور عمليات (المنافسة) هو اقامة توازنات (عادية) بين قطاعات الانتاج من جهة، وبين الانتاج والاستهلاك من جهة اخرى. ولكن هذه العمليات التنافسية تتضمن التراكم وزيادة التركيب العضوي وانخفاض معدل الربح، أي انها تخلق الشروط لزيادة (الاختلال) في التوازنات الاقتصادية المذكورة. اما دور (الازمة) فهو اعادة التوازن بشكل عنيف، أي بتحطيم قيمة جزء من راس المال، لايقاف انخفاض معدل الربح وتشجيع استمرار التراكم، ولكنها عاجزة عن التغلب على (حوافز) النظام الراسمالي، الكامنة في علاقات الانتاج.

 

10. يلخص ماركس جوهر التناقض في عملية التراكم الراسمالي في الجزء الثالث من راس المال، بالنقاط التالية:

 

أ. يتضمن الانتاج الراسمالي، من جهة، زيادة (قوى الانتاج) من دون اعتبار للقيم وفوائض القيم وعلاقات الانتاج، ويتضمن من جهة اخرى، زيادة (القيم الراسمالية) باسرع ما يمكن.

 

ب. اذن الهدف: هو خلق وتراكم (الفائض)، بينما الوسيلة: هي زيادة (القوى المنتجة).

 

ج. ولكن الوسيلة هي اكبر من الهدف، وهذا هو جوهر التناقش الراسمالي. أي ان (قاعدة) النظام الراسمالي، لا تتحمل (جهازه الانتاجي). أي ان (تركز راس المال واجتماعية العمل) يتناقضان مع (فردية تملك الفائض) (18).

 

د. الحل: هو مصادرة رأس المال (أي الغاء النظام الراسمالي) وبناء نظام جديد قائم على الملكية الاجتماعية لوسائل الانتاج.

 

هـ. ان ماركس ضد المفهوم (الجبري)، لأن الثورة في نظره تتوقف على (ارادة) الانسان، بعد فهم قوانين التطور الاجتماعي، وان الكشف عنها هو بالضبط موضوع علم الاقتصاد السياسي (19).

 

رابعا- ملاحظة اخيرة حول قانون التراكم الماركسي

 

 

 

اعتقد ان استيعاب النقاط الواردة في التلخيصات المشار اليها اعلاه، يحصن المرء ضد مئات التشويهات البرجوازية لنظرية التطور الماركسية، المتجسدة في قانون التراكم الراسمالي العام، والقائمة في جوهرها على تفسيرات آلية، تبسيطية، وحيدة الجانب، للفكر الماركسي، مما يتعارض اصلا مع الطابع الجدلي للمنهج الاقتصادي الماركسي، ويجعل جميع المحاولات الحديثة، من الماركسيين أو غيرهم، للتقريب بين الفكر الماركسي وبعض النظريات البرجوازية المعاصرة، لمجرد وجود اوجه شبه سطحية، او تقارب في بعض الاثار والنتائج، محاولات محكوم عليها بالفشل والاخفاق. ان نظرية التراكم الماركسية ليست نظرية نقص استهلاكية (20) لكي يمكن مقارنتها بمدرسة هوبزن مثلا، او نظرية نقص استثمارية (21) لكي يمكن مقارنتها بالمدرسة الكينزية مثلا (على عكس ما يتوهم الاستاذ دني)، او نظرية ركودية (22) بفعل انخفاض معدل الربح حتى يمكن مقارنتها بمدرسة هانسن مثلا، او نظرية تحليل التراكم انطلاقا من تحليل توزيع الدخول (23) حتى يمكن مقارنتها بمدرسة ارثر لويس مثلا، او نظرية تجديدات دينامية (24) على غرار مدرسة شومبيتر مثلا، او نظرية انهيار مفاجئ للراسمالية (25) على غرار مدرسة روزا لوكسمبرغ مثلا…. بالرغم من ان التحليل الماركسي يتضمن فعلا جميع الجوانب السابقة، ولكن جوهره انما يتجسد في الجدل (الدايلكتيك) القائم على فكرة التناقضات الاجتماعية الملازمة للنظام الراسمالي وعلى مجموع الخلفية التاريخية للصراع الطبقي. وهذا ما ابعد هذا المنهج الجدلي عن جميع التفسيرات الميتافيزيقية، الالية والوحيدة الجانب، لمدارس الفكر البرجوازي.

 

ومن المؤكد ان جميع ما وجه ويوجه لنظرية التراكم الماركسية من عيوب وافات وماخذ مزعومة، انما ينطلق من اغفال تام لهذا المنهج الجدلية (المادية الجدلية) للفكر الماركسي، وتلك هي السمة المشتركة لجميع النقد البرجوازي من زمن بومبافرك (1898) الى النقد الجديد الذي وجهه كبير الاقتصاديين الامريكان المعاصرين (سامولسن) للنظرية الماركسية في مقالاته التي كتبها مؤخرا في عامي 1971 و 1972. لقد وجه سامولسن مجموعة شتائم مقذعة للاقتصاد الماركسي واتهم جهاز تحليله بالعقم والاخفاق، واستعمل مختلف العبارات الساخنة للتهوين من افاق الفكر المذكور.

 

استنادا الى مجموعة من التشويهات والتفسيرات الفجة المعتادة، من قبيل الخلط بين نظرية القيمة ونظرية الاسعار الماركسية، واعتبار نظرية قيمة العمل الماركسية من نظريات نفقة الانتاج الكلاسيكية، وتفسير نظرية الازمة الماركسية تفسيرا نقص استهلاكي وتشويه مفهومي الاملاق المطلق والاملاق النسبي، والخلط بين نظريتي لينين ولوكسمبرغ للامبريالية….. الخ من التشويهات والتفسيرات الاعتباطية التي كنا نظن انها اختفت مؤخرا من اعمال كبار الاقتصاديين البرجوازيين، الا ان مقالات (26) سامولسن الاخيرة خيبت تماما هذا الظن. ولكن لحسن الحظ ان هذا الاتجاه اليميني المتطرف في اعمال سامولسن مختلف تماما عن الطابع المعتدل والمتعاطف بصورة عامة مع الفكر الماركسي وامتداده المتمثل في الاقتصاد الراديكالي الجديد في امريكا، كما تدل على ذلك اخر اعمال مردال وروبنسن(27).

 

 

 

* نشرت هذه الدراسة في مجلة (الاقتصادي) عام 1972، وهي مجلة كانت تصدر دوريا عن جمعية الاقتصاديين العراقيين.

 

 

 

هوامش الدراسة

 

(1) ماركس: (رأس المال)، الفصلان (24) و (25)، طبعة ديتز – برلين، المجلد الاول، 1959، بالالمانية. والفصول الثمانية من القسم الثامن من الجزء الاول، بالترجمة الانكليزية، موسكو، 1958.

 

(2) راجع دراستنا المفصلة لهذه المسألة في العدد الاول، السنة 12 من مجلة (الاقتصادي)، 1971. ويرى البعض ان التراكم البدائي حدث في ظل الاقطاع، راجع المؤلف الجماعي السوفياتي (الاقتصاد السياسي)، ترجمة بدر السباعي، ص 161.

 

(3) راجع ماركس، (المرجع المذكور)، ص 643 – 750، بالالمانية.

 

(4) ماركس (رأس المال)، طبعة الايديسون سوسيال، الجزء الاول، المجلد الثالث، ص 88، بالفرنسية.

 

(5) نفس المرجع، ص 205، بالفرنسية.

 

(6) راجع تفاصيل هذه النقاط في جيد وريست (تاريخ المذاهب الاقتصادية)، بالترجمة الانكليزية، الطبعة الثانية، جورج هاراب، 1948، ص 464 وما بعدها.

 

(7) المرجع المذكور، ص 464. وسبب الخطأ هو اهمال العوامل الذاتية، وخاصة العاملين السياسي والفكري، للقضاء على الراسمالية.

 

(8) نفس المرجع، ص 464 – 467، بالانكليزية.

 

(9) ماركس: (المؤلفات الفلسفية)، طبعة كوست، ص 14، بالفرنسية.

 

(10) دني: (تاريخ الفكر الاقتصادي)، باريس، 1966، ص 423، بالفرنسية.

 

(11) راجع دراستنا حول العلاقة بين الماركسية والفيزيوقراطية في مجلة (الاقتصادي)، حزيران، 1971.

 

(12) كان ماركس مدركا بأن جزءا من الادخار لا يستخدم في شراء وسائل الانتاج بل يكرس لزيادة رصيد الاجور، ولكن يمكن اهمال هذا الجزء، لصغره، في التحليل.

 

(13) راجع ص 238- 297 من طبعة ديتز الالمانية 1957.

 

(14) راجع مقدمة انكَلز للجزئين الثاني والثالث من (رأس المال).

 

(15) راجع (الاقتصاد السياسي)، ترجمة بدر الدين السباعي، الجزء الثاني، القسم الاول، الفصل العاشر، دمشق، 1967.

 

(16) اريك رول: (تاريخ الفكر الاقتصادي)، طبعة 1952، بالانكليزية. اما الترجمة العربية للبراوي فرديئة.

 

(17) نفس المرجع، ص 320.

 

(18) نفس المرجع، ص 322.

 

(19) وليم باربر: (تاريخ الفكر الاقتصادي)، نيويورك 1968، ص 150، بالانكليزية. وهو يرى ان هناك تفسيرين للنظرية الماركسية مترابطين ومتساندين: التفسير الاول اقتصادي (عدم توازن القطاعات الانتاجية) وهو يفسر ازمة التحقيق، أي انهيار الاسعار، ولكنه لا يستوجب انهيار النظام الرأسمالي ككل. اما التفسير الثاني فهو فلسفي وسياسي ولا يستند لحجج اقتصادية تكنيكية، بل يستند لمفهوم ماركس للقوانين الدينامية للتاريخ (عملية التراكم تؤدي الى تراكم الاملاق فتمرد العمال ووحدتهم واخيرا الى الثورة الاجتماعية). ولذلك يرى المؤلف ان نظرية الثورة الماركسية هي جزء لا يتجزأ من نظرية الازمة والتراكم الماركسية.

 

(20) اغلب الاقتصاديين (التصحيحيين) يفسرون النظرية الماركسية على اساس نقص استهلاكي. راجع جون ستراشي (الراسمالية المعاصرة)، 1955، وبالترجمة العربية، لعمر الديراوي، بيروت، 1966، خاصة الفصول المتعلقة بالازمة والتراكم والاملاق.

 

(21) اغلب الكينزيين يفسرونها على هذا الاساس. راجع مؤلفات السيدة روبنسن على سبيل المثال.

 

(22) بعض الماركسيين يقعون في هذا الخطأ، ومنهم هنري دني. (راجع المتن).

 

(23) راجع ارثر لويس (التطور الاقتصادي بعرض عمل غير محدود) في مجلة (مدرسة مانجستر)، مايس، 1954، بالانكليزية.

 

(24) من الاقتصاديين الذين يخلطون بين التحليل الماركسي والتحليل الشومبتري، كوكس (الراسمالية نظاما)، 1963، الفصول الاخيرة، بالانكليزية.

 

(25) هناك تفسيران لنظرية (الانهيار) الماركسية المزعومة: تفسير لوكسمبرغ (تراكم راس المال) 1912، التي تربط بين انهيار الراسمالية وانهيار الكولونيالية، وتفسير كروسمان (قانون التراكم والانهيار) 1929، الذي يعزو انهيار الراسمالية الى عدم كفاية فائض القيمة لاستمرار التراكم بالمعدل المطلوب، وينكر وجود مشكلة (تحقيق) الفائض، بالمعنى اللوكسمبرغي. راجع استعراضا شاملا لنظرية الانهيار وتطورها في الفكر الاشتراكي في: سويزي (نظرية التطور الراسمالي) 1942، بالانكليزية، خاصة ص 212.

 

(26) راجع مقالة سامولسن (انحدار اللبرالية) في مجلة (سوشيل ريسرج)، المجلد 29، العدد الاول، ص 16 -31، 1972، بالانكليزية – ومقالته (حول فهم فكرة الاستغلال الماركسية)، في مجلة (جورنال أوف ايكونومك لترجر)، حزيران، 1971، ص 399 – 431، بالانكليزية، واخيرا مقالته (الاقتصاد الماركسي)، في مجلة (امريكان اكونوميك ريفيو)، مايس، 1967، ص 616 – 623، بالانكليزية.

 

(27) راجع مقالة مردال: (استجابة لمقدمة) في مجلة (امريكان اكونومك ريفيو)، مايس، 1972، ص 456 – 462، بالانكليزية. ومقالة روبنسن الافتتاحية لنفس العدد من المجلة الامريكية، ص 1 -10، بالانكليزية، تحت العنوان الملهم (الازمة الثانية في النظرية الاقتصادية).

Advertisements

About منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني

موقع منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني
هذا المنشور نشر في الماركسية. حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s