الشباب الماركسي في الوطن العربي مستقبل واعد- عديد نصار

الشباب الماركسي في الوطن العربي مستقبل واعد- عديد نصار

خاص الأفق الاشتراكي- بعد الانكفاءة الكبرى التي تعرضت لها الثقافة الماركسية و اليسار عموما على إثر انهيار الاتحاد السوفياتي و التجربة الاشتراكية المرتبطة به، و في وقت لا تزال أحزاب و قوى الحركة الشيوعية العربية الكلاسيكية تصارع أزمتها،

و تفقد الكثير من فاعليتها، ليس فقط في السياسة و البرامج السياسية ، بل ايضا في الفعل الثقافي و البعد النظري، نجد أن ثلّة تتوسع من الشباب من كافة الأقطار العربية تتوجه بدأب و نهم لتتعرف على المنهج الماركسي و لتغذي فكرها العلمي بما يمكنها الوصول إليه مستعينة بآخر ما توصلت إليه من معارف في تقنية التواصل و الاتصال لتقيم حوارات مفتوحة في ما بينها و مع أكبر عدد ممكن من المثقفين و الكتاب و المفكرين الماركسيين.

الواقع الثقافي – السياسي:

إن ما يتعرض له الشباب في الوطن العربي و في كافة أقطاره من ألوان الضغوط يدفعهم إلى البحث عن السبل التي تمكنهم من الوصول إلى التغيير الجذري للأوضاع التي تولد هذا الكم من الضغوط، سواء في التحصيل العلمي أو في الحصول على عمل أو في مواجهة القضايا السياسية الكثيرة التي تلقي بثقلها على المجتمعات العربية على كافة المستويات السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية و الأمنية و ما يطال المستقبل من تهديدات جوهرية متفاقمة تمس كل جوانب الحياة في الوطن العربي.

و هذا، إلى جانب خلو الساحة العربية لعقدين من الزمن من قوى المعارضة الطبقية – الوطنية الفاعلة، أتاح لقوى الاسلام السياسي أن تستقطب الكثير من الشباب و تسيطر على الشارع طيلة هذه المدة. فقد احتلت تلك القوى موقع معارضة النظام القائم و احتكرت لنفسها القضية الوطنية و ألبستها اللبوس الديني و أغدقت مساعداتها المادية على الشباب حيث أتيح لها من الامكانات المادية ما مكنها من ذلك. ففي غياب النوادي الرياضية و الفرق الكشفية ( لبنان ) استطاعوا أن يقيموا النوادي و الفرق الكشفية للآطفال و المراهقين ، و بذلك استطاعوا ان يستوعبوا الأطفال و من بعدهم الفتيان و من خلال المساعدات الدراسية و الاجتماعية و الصحية و العينية .. استطاعوا استمالة الشارع..

ربما لا ينطبق هذا الوصف تماما في جميع الأقطار العربية ، و لكنه و بشكل متفاوت ، شكل نموذجا عاما.

غير أن تراجع المشاريع الدينية ، الاسلامية خصوصا ، بعد أن تبين أنها غير قادرة أن تذهب أبعد من المشاريع الطائفية و التفتيتية، يجعل الشباب العربي يقف موقف المشكك، و من ثم المعترض.

و في موضوع الأحزاب و القوى الشيوعية و اليسارية صاحبة الإرث النضالي الذي لا يستطيع أحد أن يتجاهله، فقد أدى الانكفاء الكبير إثر انهيار الكتلة الشرقية، و ما رافقه من تخلي نسبة كبيرة من كوادر تلك الاحزاب و القوى عن الفكر الماركسي و التحاقهم بالنموذج الليبرالي، و بعد أن تحولت هذه القوى و الأحزاب إلى العمل من ضمن النظام لا ضد النظام، فشاركت في الانتخابات النيابية رغم احتجاجاتها المتكررة على قوانين الانتخاب. و بعضها تحول إلى لاجئ لدى الحزب الحاكم في إطار ما سمي بالجبهة الوطنية .. هذا الوضع، لم يقف في الواقع حجر عثرة في طريق الاندفاعة الشبابية باتجاه تلك الأحزاب. فالشباب الذي يرفض كل أشكال التمييز، لن يجد له مكانا، في ظل سيطرة القوى الدينية و المذهبية، إلا في الأحزاب الشيوعية، و على أمل إحداث التغيير المنشود في بنية و برامج هذه الأحزاب كي تتناسب مع مطالب و طموحات الشرائح الشبابية تلك.

لقد تحولت الأحزاب الشيوعية مؤخرا إلى أحزاب بقواعد شبابية واسعة نسبيا و قمة هَرِمة فكريا و برنامجيا، ما خلق هذا التنازع الداخلي بين قطاعات الشباب و القيادات الحزبية و الذي وسم تقريبا كافة الأحزاب الشيوعية في الوطن العربي.

و من جهة أخرى، و نظرا للإرث الأيديولوجي الذي تركته الانشقاقات في الحركة الشيوعية على مدى القرن العشرين، فإن مجموعات ماركسية مناطقية صغيرة متفرقة ( ماوية ، تروتسكية، غيفارية، يسارية .. ) تنتشر كما في المغرب، تلجأ إلى بعض الشوفينية الحزبية حرصا على تماسكها. و هذا ما أسهم في احتجاز شبابها في أطر مغلقة و ضيقة. ففقدت فاعليتها. و لهذا لجأ الشباب الماركسي في المغرب، في إطار حركته الاحتجاجية و المطلبية إلى الجمعيات، ( جمعية أطاك، أوطم .. ). هذه الجمعيات التي تضم قوى مختلفة، منها الماركسي و منها غير الماركسي، التي مثلت طيلة المدة الأخيرة الإطار العملي للحراك الاحتجاجي و المطلبي في المغرب. غير أن هذه الجمعيات، غير ذات أفق سياسي. و هي بالتالي عاجزة عن الذهاب بعيدا في مراكمة النضالات الشبابية و الشعبية، و تحويلها إلى فعل سياسي له أهدافه.

القضايا واحدة و كذلك الساحة:

إن انفتاحنا على تفاعل حر ضمن الفضاء العربي أثبت أن الخصوصيات التي تتذرع بها قوى ارتبطت سيطرتها بالتجزئة و إشهار التمايز، لا تشكل اي عائق أمام وحدة العمل النضالي المشترك في الوطن العربي كون القضايا الأساسية التي يعاني منها هي نفسها في جميع الأقطار، و كذلك هواجس الشباب و مطالبهم، و الضغوط التي يتعرضون لها.

فالتخلف الاقتصادي و تراجع، بل انهيار قطاعات الانتاج الزراعية و سيطرة الكومبرادور ( الرأسمالية التابعة ) المرتبط بمشاريع و مصالح نظام رأس المال العالمي و مراكز هيمنته، و بالتالي إسقاط القضايا الوطنية المصيرية و في مقدمها قضية فلسطين من أجندة نظم الحكم المسيطرة، إلى جانب سيادة أنظمة حكم أين منها الملكيات الاستبدادية البائدة! و انسداد أفق التغيير، إلى جانب قضايا الشباب المتمثلة في الصعوبات الجمة التي تواجههم في تلقي التحصيل العلمي و التخصص و من بعدها البطالة و التراجع الدائم في فرص العمل و بالتالي الاضطرار إلى الهجرة.

و إذا أضفنا إلى كل ذلك، الهواجس المرتبطة بالمستقبل و الانقسامات التي يغذيها نظام رأس المال العالمي بأدواته و أبواقه و قواه المختلفة، و الحروب الأهلية العبثية المدمرة و الدموية المتنقلة عبر الوطن العربي التي يعمل على تفجيرها و تأبيدها، و الاحتلال المباشر، الاستيطاني في فلسطين و الامبريالي في العراق، و غير المباشر بواسطة قوات حلف شمال الأطلسي المتعددة الجنسيات أو عبر الأمم المتحدة، و التهديد الدائم بالاحتلال .. هذه الضغوطات و غيرها قادرة على لم شتات الشباب في الوطن العربي و دفعهم باتجاه اليسار.

و اليوم، فإذا كانت الطبقة المسيطرة في جميع الأقطار العربية ذات المصالح السياسية و الاقتصادية المرتبطة تماما بمشاريع الهيمنة لمراكز نظام رأس المال ( و الكيان الصهيوني ) قد وحدت الوطن العربي في التبعية و التخلف و الانقسامات الطائفية و المذهبية و العرقية و العشائرية، و وحدته في سيطرة نظم حكم استبدادية أو تحاصصية – استبدادية، و مكنت لهذه الوحدة في سيادة الظلامية الثقافية من جهة و الاستهلاكية العبثية من جهة أخرى و في الخوف من المستقبل القاتم و تلاشي القطاعات المنتجة .. فإن تمكن نسبة كبيرة من الشباب من استخدام وسائل التواصل الحديثة ( الانترنت )، و بالتالي تفاعلهم و قدرتهم على تجاوز كل الحدود يشكل الوجه المضيء لوحدة الفضاء العربي، الذي يدفع باتجاه التغيير و الوحدة الحقيقية التي تؤسس للحداثة و الاستقلال و التقدم .

و اليوم نلحظ وجود نسبة كبيرة من الشباب، تتوسع، تلاحقنا بهذا الكم من الأسئلة التي تمثل الإجابات عليها ما يمكن أن يشكل المشروع الوطني للتغيير الثوري المطلوب في الوطن العربي و الذي ينبغي لنا صياغته معهم ليتمكنوا من شق الطريق النضالي الهادف في هذا الوعر الصعب و في ظل تركز كل الإمكانيات المادية في أيدي القوى المعادية، و التي تستخدمها في تحطيم طموحات الشباب و حرفهم عن خط النضال الطبقي – الوطني الثوري و زجهم في الاستقطابات الفئوية التناحرية و العبثية المدمرة، أو تدفعهم إما إلى اليأس أو إلى الهجرة.

 

مسؤوليات و متطلبات:

إن تمكن الشباب من امتلاك تقنيات الاتصال و التفاعل الحديثة التي تجعلهم قادرين على تجاوز كل الأطر و الحدود في البحث عن المعرفة بكل أوجهها، كما تمكنهم من نسج شبكات العلاقات بينهم بدون إذن مسبق من أحد، يترتب عليه مسؤوليات جسام تقع على عاتق من يتنكب جهد و مسؤولية قضايا التحرر و التقدم و صياغة مشروعي الحداثة و الوحدة العربيين، و يجعل من صياغة هذين المشروعين قضية راهنة.

لقد عملنا مطولا مع القوى و الأحزاب اليسارية و الشيوعية من أجل توحيد العمل اليساري قطريا و عربيا و قدمنا العديد من الأوراق و الاقتراحات، غير أنه تبين أن تلك القوى و الأحزاب بهيكليتها الراهنة و النهج التي يتبناه كل منها غير قادرة على ذلك. في حين أن الشباب اليساري الماركسي العربي القادر على تجاوز تلك الأطر و من داخلها أكثر حيوية و كفاءة و أكثر استعدادا و قدرة على تلبية هذا المطلب. و من أجل ذلك فإنه بحاجة إلى:

– جهد مضاعف يبذله المفكرون و المثقفون الماركسيون لتلبية المطالب الثقافية لهؤلاء الشباب، و الإجابة على تساؤلاتهم و توجيه جهودهم و متابعتها،

– تمتع الرفاق الشباب في سائر الأقطار و من سائر الأطر التنظيمية و من خارجها بالحيوية و اللياقة الفكرية التي تمكنهم من تجاوز كل الأطر التنظيمية و القطرية الضيقة و التخلي الطوعي عن كل عصبوية أو شوفينية حزبية أو أيديولوجية أو قطرية أو قومية، و تفعيل التواصل و الحوار المنتج في ما بينهم و ملاحقة كل مثقف أو كاتب ماركسي يمكنه تقديم الرأي و الإجابات عن أسئلتهم دون كلل و دون تمييز وصولا إلى صياغة المشروع الوطني الثوري الذي يطمحون إليه و الذي يلبي متطلبات التحرر و الوحدة العربية و تحديث المجتمع بما يكفل لهم تحقيق ذواتهم في مستقبل واعد.

– الضغط المتواصل على قيادات الأحزاب و القوى اليسارية و الشيوعية من أجل إفساح المجال و بشكل ديمقراطي لكافة الرفاق الشباب في أن يتزودوا بالمعرفة من أي مصدر ماركسي حاضر أو ماض بدون أي تأثير على واقعهم الحزبي إذا كانوا من المنتسبين لتلك الأحزاب. كما في إفساح المجال لهم إن أرادوا أن ينتسبوا إلى أية هيئة ثقافية أو سياسية ماركسية فوق قطرية مع احتفاظهم بحق العضوية في أحزابهم القطرية.

مستقبل واعد:

إن الرفاق من الشباب الماركسي في الوطن العربي الذين ربما لم يعايشوا وجود إتحاد سوفياتي و كتلة شرقية، و ربما لم يعيشوا فترة انهيار تلك الكتلة، بل عايشوا أزمة الحركة الشيوعية بكل تفاصيلها و سيادة الدين السياسي على حركة الشارع، هؤلاء الرفاق الذين بالرغم من كل ذلك، يضربون المثل في الاندفاع نحو تملك المعرفة و المنهج الماركسي و يُقبلون على العمل النضالي الثوري بقلوب كبيرة، يعززون لدينا الأمل و يعدون بمستقبل تتحقق فيه أهدافٌ ما كان يستطيع أن يحلم بها سابقا، كبارُ المناضلين الشيوعيين الذين قضوا و استشهدوا نموذجا في التضحية و قدوة في العمل.

الشباب الماركسي في الوطن العربي مستقبل واعد- عديد نصار

 

Advertisements

About منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني

موقع منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني
هذا المنشور نشر في الماركسية. حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s