بولندة عام 1980: ثورة الكومونة من جديد!

بولندة عام 1980: ثورة الكومونة من جديد!

 

 

أنور نجم الدين

 

 

رغم مرور فترة طويلة جدًّا على ما تسمى بالدولة البروليتارية في أوروبا الشرقية، فلم تتوقف البروليتاريا عن نضالاتها لتحقيق أهدافها التي أعلنتها منذ أول ثورة فريدة من نوعها وهي الثورة الكومونية الباريسية، أي إقامة الإدارة الذاتية في الإنتاج، فالبروليتاريا هي التي تقوم بالإنتاج، وهي التي تديرالإنتاج.

 

وهكذا، فلا الإيديولوجية، ولا المطرقة والمنجل، ولا الكتاب الأحمر المقدس، قد جعلت من البروليتاريين الكومونيين ينسون هدفهم الاجتماعي المنشود لديهم. فعَبْر النصف الثاني من القرن الماضي، جابهت البروليتاريا أشد الهجمات العنيفة للدولة في ألمانيا الشرقية، وهنغاريا، وجيكسلوفاكيا، وبولندة بحجة “العمالة للغرب”. ورغم استخدام كل أنواع العنف إزاء العمال في تلك الدول لم تتوقف النضالات إلى أن سقطت الاشتراكية المزيفة السوفييتية والشرقية بصورة نهائية.

 

بولندة عام 1970:

 

نتيجة للأزمة الاقتصادية العالمية التي كانت تنتشر في كل بقعة من بقع العالم، من ضمنها الدول الأوروبا الشرقية، فقد أُصِيب الاقتصاد البولندي بتأزم عميق لم يُبْقِ أمام الدولة حلا سوى قطع لقمة عيش العمال، ففي عام 1970م، واجه العمال البولنديون ارتفاعًا مفاجئًا للأسعار بنسبة 30%، الأمر الذي أدى مباشرة إلى الاصطدامات الطبقية بين العمال وقوات أمن الدولة، والهجوم المباشر على مقر الحزب الشيوعي.

 

بولندة عام 1976:

 

لقد استمرت الأزمة الاقتصادية البولندية. وفي حزيران عام 1976م قامت الدولة مرة أخرى برفع أسعار المواد الاستهلاكية، وبعد الصراعات بين العمال والدولة جرى سحب القرار بخصوص رفع الأسعار من قبل الدولة. ولكن لم تَنْتَهِ العملية إلا باعتقال المئات من العمال.

 

بولندة عام 1980:

 

بعد وقفة قصيرة جدًّا من النضال، ومع تعمق الأزمة الاجتماعية في بولندة، عاد البروليتاريون من جديد إلى ساحة الصراع مع الدولة المقنعة بالشيوعية، ففي حزيران عام 1980 اندلعت الإضرابات ردًّا على الارتفاع الجديد في أسعار المواد الغذائية، خاصة اللحوم.

ولكن هذه المرة قام العمال دون تأخير بإيجاد وسيلة اجتماعية فعالة لمجابهة الدولة، الا وهي تنظيم أنفسهم في الجمعيات العامة للعمال.

 

وقد انتخب العمال لجنة للإضراب بسرعة، وقدمت اللجنة قائمة من المطالب العاجلة مثل ارتفاع الأجور وإلغاء ارتفاع الأسعار من قبل الدولة. وخلال أيام قليلة انخرط العمال في لجان جديدة في مصانع الكهرباء والطائرات في وارشو وغدانسك والمدن البولندية الأخرى.

 

ولتهدئة المضربين قامت الدولة رأسًا برفع الأجور الوسطية 10%. ولكن مع ذلك فقد توقف عمال السكك الحديدية وعمال النقل في لوبلان عن العمل، وانتشر الإضراب إلى كل المصانع الموجودة في المدينة بشكل سريع، وفي مدينة غدانسك توقف عمال إنشاء السفن عن العمل.

 

لقد طرحت الجمعية العامة للعمال مطالب جديدة، مثل: إعادة العمال المفصولين إلى العمل، زيادة التعويضات للعوائل، زيادة الأجور، حل النقابات الرسمية، إلغاء امتيازات البيروقراطيين، ضمان سلامة المضربين، ونشر المعلومات الصادقة عن الإضرابات.

وأثناء المفاوضات مع ممثلي الدولة البرجوازية وضع العمال مايكروفون ومكبرة صوت ليكون المفاوضات علنية ومفتوحة للجميع، وبعدها مباشرة قام العمال بتوزيع الأشرطة المسجلة للمفاوضات بين العمال في كافة أنحاء البلاد.

 

ظهور الكومونة من جديد:

 

في 15/ 8/ 1980 أعلن العمال إضرابًا عامًّا في (مصنع لينين لإنشاء السفن)، ولقد شل الإضراب حياة الدولة في غدانسك بأكملها، وظهرت فجأة جنين كومونة باريسية بين عمال السفن في غدينيا، احتلت المنطقة كلها، وقررت بنفسها ازدياد الاجور إلى 2100 زلوتي، وبدأ العمال بتحضير انتخاب مندوبيهم لإقامة الإدارة الذاتية للمعامل.

 

في يوم 16/ 8/ 1980 قطعت الدولة جميع الاتصالات مع غدانسك. في يوم 18/ 8، انتشر الإضراب إلى 250 مصنعًا في منطقة غدانسك. وقد ازداد عدد المضربين إلى الأضعاف. وقام العمال بنشر صحيفة ودعوا إلى (حركة التضامن).

 

تحت ضغط النضالات الجماهيرية بدأت الاتصالات من جديد مع المناطق الأخرى، وأعلن 30 مصنعًا في وارشو وبوزنان إضرابًا عامًّا وأرسلت مندوبيها إلى غدانسك، وبوزنان كان غني في التقاليد الثورية اعتبارًا من عام 1956، التقاليد التي خلفت أثرًا عميقًا على انطلاق ثورة السوفييتات الهنغارية في عام 1956.

 

أما الضعف الأساسي للحركة فكان تحويلها إلى حركة نقابية، والبدء بالمناقشات مع عمال غدانسك حول إنشاء النقابات الحرة، فمندوبي عمال وارشو، قاموا بنشر فكرة الهدوء، وطلبوا منح العمال نقاباتهم الحرة بحجة أن الإضرابات سوف تدفع البلاد إلى الانهيار.

 

في 29/ 8 وصل مندوبو التيار النقابي والدولة إلى حل وسطي: منح العمال النقابات الحرة، الدور القيادي للحزب، دعم الدولة البولندية وحلف وارشو.

 

وهكذا، فكانت الفاجعة الختامية هي شق الحركة البروليتارية، واللجوء إلى خدعات سياسية جديدة، وبعدما أخذت النقابة زمام الأمور في يدها تحت قيادة ليغ فاليسا أصبحت الحركة جسمًا جامدًا مقارنةً بقوتها وأعدادها، فقامت النقابة بتوجيه العمال للحفاظ على المصلحة الوطنية. ولكن الإضراب العام المعلن من قبل عمال مناجم الفحم والنحاس في سيليزيا دام إلى 3 سبتمبر.

ورغم تلاعب الدولة البرجوازية بالكلمات، والمصطلحات، والاتفاقات، وحرية النقابات، فإن المطالب العمالية قد زادت، فطالب العمال بإلغاء الجيش، والشرطة، والأمن العام، والنيابة العامة، وقام العمال باحتلال المكاتب الحكومية، والإضرابات. ووقفت النقابة ضد هذه الأساليب، رغم أن الدولة فقدت كل كفاءاتها في الرد على هذه النضالات بسبب مدى اتساع الحركة العمالية.

 

وهكذا، فقد كانت النقابة آخر لعبة للدولة لتهدئة الوضع داخليًّا، ومنع انتشار الحركة البروليتارية إلى الدول الأخرى أيضًا، فكانت الدولة السوفييتية تهدد دون جدوى بالتدخل العسكري، وهذا لخوف العمال من إعادة ما قام به الجيش الأحمر في هنغاريا في عام 1956م من قتل الآلاف من ثوار المجالسية.

في بداية عام 1981 وصل عدد العمال في حركة التضامن إلى 3 ملايين، ومن كل الجهات بدأت النضالات المباشرة ضد “البيروقراطيين الفاسدين”، ورغم تعديل وجه بآخر في الدولة، فلم يتوقف العمال عن النضال. ولكن أخذ كل شيء طابع مراوغات ومناورات ما بين الدولة وما يسمى بممثل العمال، أي نقابة التضامن، ففي آذار عام 1981 دعت النقابة إلى إضراب وطني عام في ما يُسَمَّى بمجابهة عنف الشرطة بدلا من تكميل الهجوم الذي بدأه العمال منذ بداية إعلان حركتهم، وانتهى التهديد ببساطة باتفاق النقابة مع الدولة.

 

الدور الأخير للنقابة:

 

في تموز عام 1981 ارتفعت أسعار الوقود 400%، وانخفضت حصص اللحوم من جديد، وبدأت الإضرابات والمسيرات من جديد. أما النقابة فدعت إلى انهاء المسيرات الاحتجاجية. ولكن بالعكس من ذلك، ففي منتصف أكتوبر 1981، ظهرت موجة من الإضرابات لا سابقة لها. ونظرًا لفقدان الثقة بين العمال والنقابة، فقد قامت مجموعات عمالية متفرقة بنشاطات غير مرغوبة لدى القادة النقابيين، فبدأت النقابة بشل النضالات العمالية، وحولت النقابة شعار الإدارة الذاتية إلى الدفاع عن الاقتصاد الوطني. ولم يكن السبب هو وجود قادة سيئين، أو تأثيرات الكنيسة، أو تأثير الشعارات الديمقراطية الغربية، بل طبيعة العمل النقابي ذاتها، حيث إن النقابة سينتهي دورها في تقديم الإصلاحات، وإنها لم تصبح أبدًا وسيلة لتطوير العمل المجالسي، بل وبالعكس أصبحت النقابية في بولندة وسيلة للتراجع، وتخريب العمل المجالسي، ودمج نضالها الوطني مع الدولة، ثم النهوض من جديد للاقتصاد الوطني، والتفاعل مع النقابات الرسمية الأوروبية، ودعمها ماليًّا من قبل هذه النقابات، وحضور مندوبي نقابة التضامن في مؤتمرات النقابية العالمية.

 

وهكذا، فأصبحت مصالح العمال ضحية للعمل النقابي، فالضربة القاضية للدولة كانت هي انتصارها في تحويل الهيئات المشتركة للمصانع إلى هيكل رسمي لنقابة حرة للتفاوض معها باسم ممثلي العمال، فالنقابة أصبحت وسيلة للمساومة بين الدولة وحفنة من المشاهير لا تطوير العمل المجالسي. وكانت النتيجة النهائية لهذا العمل هي منح ليغ فاليسا جائزة نوبل للسلام، ورفعه إلى سدة الحكم في آخر المطاف، وبالطبع لم تختر الدول فاليسا بالصدفة، بل إنه كان بالفعل شخصيةً مرموقةً بين العمال في نضالات عام 1970 بالذات.

 

وهكذا، فبحلول نهاية عام 1980 وبداية عام 1981، أصبح جنين الكومونات البولندية شيئًا من الماضي، ودعت النقابة علنًا إلى التجارة الحرة، ومن خلال النقابة أصبحت حركة التضامن تضامنًا مع الدولة، حيث حاولت النقابة إقناع العمال بالعمل مجانًا أيام السبت، وهذا بحجة نهوض الاقتصاد الوطني المتأزم، فنجحت النقابة بالفعل في إعادة الهدوء إلى الحياة السياسية للبلد، والحفاظ على الدولة.

 

ولكن في شباط عام 1981 بدأت الهجمات العمالية من جديد، وخارج سيطرة النقابة، وأصدرت الحركة بيانًا أعلن فيه العمال بإصرار على ضرورة الوحدة بين العمال والابتعاد عن النقابة التي أصبحت أيدي الدولة، وتقوم بتفعيل الرأسمالية البولندية بدل الدفاع عن مطالب العمال.

 

دروس حركة البروليتاريا البولندية:

 

– إن المغزى الأساسي لنضالات العمال في بولندة هو جواب الأسئلة التي بدأت تطرحها العمال في العالم عما يسمى بالاشتراكية المزيفة الشرقية: كيف ممكن أن يجابه العمال دولتهم؟ هل للبروليتاريا دولة خاصة بها؟ ما الكومونات؟ ما المجالسية؟

 

– كما وفي نفس الوقت كانت الحركة البولندية جوابًا مباشرًا لبعض التيارات الأناركية النقابية، أي هؤلاء الذين يتصورون بأن العمال لا يمكنهم تطوير النضال صوب الهدف دون تشكيل نقاباتهم.

 

– إن فاليسا ورفاقه كانوا حفنة من أوباش الدولة، لم يفعلوا في النهاية سوى ما طلبته منهم الدولة، وكان دورهم الاستسلامي قد أتى من العمل النقابي إزاء العمل المجالسي.

 

– لم تكن الطبقة البروليتارية البولندية في أجيالها الجديدة متدربة على النضال، فالوصول إلى الكومونات والإدارة الذاتية للمعامل بحاجة إلى تجارب تاريخية متراكمة أو النضالات المتكررة، فالبروليتاريين في غدانسك مثلا كانوا بالفعل متمرسين في النضال الطبقي، ولهم تقاليد قوية في مجابهة الدولة اعتبارًا من نضالات عام 1970 ومرورًا بنضالات عام 1976. فلذلك لم يتأخروا في إعلان المجالسية في نضالاتهم اللاحقة في الثمانينات، فنتيجة لتجاربهم الخاصة وصل البروليتاريون في تلك المنطقة إلى إنشاء جنين المجالسية.

 

– لقد أثبتت البروليتاريا بنفسها بأنها ليست هناك مدارس اشتراكية مختلفة -اللينينية، التروتسكية، الستالينية، الماوية-، فالهدف المنشود لدى البروليتاريا هو تحطيم آلة الدولة القامعة واستعاضتها بإدارة كومونية، فالهدف هو تنظيم الكوموني للإنتاج والتوزيع لا أكثر.

– لقد أسرعت النضالات البروليتارية البولندية من انهيار الاتحاد السوفييتي والمعسكر التابع له في الشرق وانهيار جدار برلين، فإيقاف قطارات نقل المواد الغذائية من قبل العمال البولنديين إلى السوفييت، خلف أثرًا عميقًا على اقتصاد الامبراطورية السوفييتية في الثمانينات، واقتربت سريعًا ساعة انهيارها الحتمي.

 

بعد انهيار الامبراطورية السوفييتية:

 

بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، أصبح الندم والشعور بالفشل وخيبة الأمل ينتشر مثل الوباء في العالم، وأصبح الزعم القائل بأن العالم الرأسمالي هو البديل الوحيد أمام البشرية ينتشر مثل دواء لعلاج مرض سرطان الاشتراكية.

ولكن لا مجال للخُدَع حين تجد الرأسمالية نفسها غارقة في تناقضاتها، وعاجزة كليًّا عن إنهاء البطالة، والفقر، والمجاعة مادامت عاجزة كليًّا عن السيطرة على أزماتها، فلا التقشف، ولا العلاج التسكيني، ولا الإصلاحات يقلل من الآلام البشرية، فالثورة الشيوعية تأتي ما لم تجد البشرية حلا للنوبات الدورية والأزمات الاقتصادية للمجتمع الرأسمالي، ولكي تسيطر البشرية على أساس كل هذه المأساة فعليها أن تُخضع الإنتاج للإشراف الجماعي للمجتمع، فيجب دفع إدارة الإنتاج إلى مستوى المنتجين أنفسهم، لذلك فتتلخص المهمة الأولى للبروليتاريين وحسب تجاربهم الخاصة لا الكتب الأحمر السوفييتية، تدمير الماكينة البيروقراطية للدولة -تدمير سيادة البشر على البشر- وتحويل الوظائف السيادية إلى وظائف اجتماعية، وتحويل الأجهزة البيرقراطية إلى محرك ذاتي للإنتاج والتوزيع. وهذا ما قامت به البروليتاريا في كل ثوراتها في المعسكر التنافسي للشرق مثل زميله المعسكر الغربي، فأثبتت البروليتاريا أن الخطوة الأولى نحو الشيوعية ليست سوى تحقيق الإدارة الذاتية للمجتمع، وتنظيم التعاونيات الإنتاجية، أي تنظيم الإنتاج والتوزيع وفق خطة اجتماعية مشتركة، فالشيوعية تعني تحديدًا محو الأساس التاريخي المشخص للأزمات الاقتصادية من خلال تنظيم التعاونيات -الكومونات- الإنتاجية والاستهلاكية، فحسب التجارب التاريخية لا يسيطر المجتمع على الاختلال الدوري للاقتصاد والأزمات الاجتماعية في اقتصاد السوق -النموذج الأمريكي مثلا- أو الاقتصاد الاحتكاري – النموذج السوفييتي مثلا- فالحل هو إنشاء الكومونات الإنتاجية والإدارية، فقامت البرجوازية بِخَدْع العمال خلال التجربتين، ولكن دون جدوى، ففي الحالتين جابهت الرأسمالية صراعات بروليتارية عنيفة لأجل إقامة إدارة كومونية، وكل حملة لتشويه المغزى التاريخي للكومونة ليست سوى انعكاس خوف الدولة من الثورة الكومونية، فلا مجال للهرب، فما دمنا نواجه الأزمات الاقتصادية في العالم فسنواجه الثورات الكومونية في العالم أيضًا.

Advertisements

About منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني

موقع منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني
هذا المنشور نشر في حول العالم. حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s