في ظل البحث في أزمة اليسار يكون السؤال2

في ظل البحث في أزمة اليسار يكون السؤال2

سلامة كيلة

 

خاص الأفق الاشتراكي-إذا كانت قوى اليسار في أزمة، كما يتوضح في الواقع، وكما باتت تعترف هي ذاتها، لا بد من أن نلحظ بأن تمظهرها مختلف بين طرفين انطلاقاً من تحديد ينطلق من التعبير الطبقي لكل منهما، والطرفين هما: الأحزاب التي تنطلق من أنها تمثل الطبقة العاملة، وهي هنا الأحزاب الشيوعية والقوى الماركسية التي تبلورت منذ نهاية ستينات القرن العشرين،

والأحزاب القومية والوطنية الأخرى التي تطرح ما هو أعم، فتقول أنها تمثل الشعب أو الطبقات الكادحة، وهي تمثل في الواقع الفئات الوسطى. وهذه الأحزاب الأخيرة هي التي لعبت في الغالب دوراً تغييرياً في المرحلة الماضية.

ولأنها لعبت هذا الدور سوف أتناولها أولاً، حيث يمكن الانطلاق من أن هذه الأحزاب تعاني من “أزمة بنيوية” فيما يتعلق بمقدرتها على تحقيق الأهداف التي طرحتها هي بالذات، وهي أزمة العجز عن حلّ التناقض بين الأهداف التي تطرحها (ويطرحها الواقع أساساً كونها تعبّر عن أهداف التطور العام) من جهة، والميل الإمبريالي للسيطرة من جهة أخرى. حيث أنها تسعى إلى تحقيق هذه الأهداف انطلاقاً من مصالحها التي ترتبط بالتطور الرأسمالي. أو فلنقل في إطار استمرار الملكية الخاصة، وفي “تقديسها”، رغم الشعارات “الاشتراكية” التي رفعتها، والتي لم تكن تعبّر سوى عن ميل يخصّ الفئات الوسطى مادامت تنطلق من التمسك بالملكية الخاصة، ومن حلمها في أن تتملّك، أو تضخم ملكياتها الصغيرة. وهذه المصالح التي تفرض السعي للتملّك تجعلها في وضع مرتبك، ومأزوم.

بالتالي قلت “أزمة بنيوية”، بمعنى أن تحقيق هذه الأهداف العامة، أهداف التحرر والاستقلال والوحدة والتطور، يفرض تعميق التناقض مع الرأسمالية المهيمنة عالمياً، التي تصيغ الواقع وفق مصالحها، إلى حدّ القطع مع النمط الرأسمالي بمجمله مادام تحقيق هذه الأهداف ليس ممكناً بالتوافق مع الرأسمالية في إطار النمط الرأسمالي ذاته. إن تأسيس دولة صناعية موحدة وحديثة هو أمر يتناقض مع نمط رأسمالي لا يقبل سوى باخضاع الأطراف لهيمنته، وبالتالي لنهبه. وهنا ليس من خيار إلا تحقيق “القطع”، من أجل تأسيس مفاعيل تطور داخلي مستقل، بعيداً عن كل تأثير النمط الرأسمالي. وفي المقابل ليس من خيار لدى الرأسمالية سوى قطع كل طريق على أي خيار يهدف إلى تحقيق التطور. التطور “محشور” هنا، وليس من إمكانية إلى زحزحته باتجاه يلغي جذرية تناقضه مع النمط الرأسمالي، لأن ذلك يعني العودة إلى فرض قوانين السيطرة الإمبريالية.

ولقد كانت الفئات التي قادت الحركة القومية والقوى الوطنية الأخرى في وضع يفرض عليها خوض الصراع والحلم بتحقيق التطور، كونها كانت تعيش حالة انسحاق طبقي أو وطني، وتخضع لاضطهاد حقيقي، وهو الأمر الذي كان يدفعها إلى تبني كل تلك الأفكار التي سادت مع نشوء الميل للتحرر والوحدة. لكنها لم تكن ترى بأن تناقضاً جذرياً يحكم علاقتها بالقوى الإمبريالية، أو يمكن التدقيق بالقول أنها كانت ترى بأن التناقض هو تناقض سياسي يتعلق بالسيطرة أو تحقيق الاستقلال، أو أنه يمكن الوصول إلى توافق مع تلك القوى في حال مقدرتها على فرض ذاتها. ورغم شعاراتها عالية النبرة فقد وضعت التناقض معها في مرتبة الاختلاف، و”الحلم” في إمكانية التفاهم. فكانت تناور بين التحالف مع السوفيت دون الثقة بهم، وتطوير العلاقة مع البلدان الرأسمالية، أو مع بعضها (أوروبا مثلاً، واليابان كذلك)، خصوصاً في المجال الاقتصادي (التبادل التجاري، أو الاستيراد تحديداً). ولقد كانت ترى أن توضعها الطبيعي هو في الصف الرأسمالي، هذا برغم كل الشعارات وكل الخطاب الاعلامي الحماسي الذي كان يُردَّد آنئذ.

إن ميلها القوي للملكية الخاصة، وتأكيدها على أنه “حق طبيعي”، كان يفرض هذا التصور وهذه الممارسة، في العلاقة مع “السوق الرأسمالي”، وفي تطوير “التبادل التجاري” معه. وكذلك الحلم في الاندماج بالنمط الرأسمالي وفق ما يحقق مصالحها.

وهذا الوضع كان يبقي “المنطق الرأسمالي” قوياً، على العكس كان يفتح الأفق لتوسعه من خلال تلك العلاقة، التي كانت تؤسس لنشوء مصالح لفئات هي على تماس مع السوق الرأسمالي، ويغذي الميل المحلي لانعاش العلاقات الرأسمالية المحلية التي كانت قد خضعت لهيمنة الدولة، ويعزز الميل لانشاء مصالح خاصة لتلك الفئات التي باتت هي السلطة، والتي باتت تتحكم بالاقتصاد والأمن. في وضع يفرض تعزيز تجاوز الرأسمالية من أجل تحقيق مجمل الأهداف المطروحة، والتي تطرحها هي بالذات. الأمر الذي كان يفتح على تغلغل الميل الرأسمالي أكثر فأكثر في بنى الفئة الحاكمة، ويضعف الفئات التي لازالت تتمسك بالمشروع العام، رغم أن تناقضها مع الملكية الخاصة لم يكن جذرياً، وكانت تحاول الاستمرار في الدفاع عن هذا المشروع في مواجهة السيطرة الإمبريالية.

ولهذا كان الضغط الإمبريالي فاعل هنا، حيث فرض اضعاف القوى التي تتمسك بالأهداف، وتعزيز وضع الفئات التي تسعى إلى تحقيق مصالحها الخاصة، والتي منها خرج رجال الأعمال الجدد، أي تلك النخب الكومبرادورية التي تترابط مع النمط الرأسمالي من جديد من موقع تبعي، والتي باتت هي السلطة. وهو ما فرض “الفرز”، حيث ربحت فئات وخسرت أخرى، لكن الأهداف العامة كانت قد أصبحت من الماضي، أصبحت من ذكريات الماضي كون الحاضر عاد يفرض التكوين ذاته الذي يخدم السيطرة الإمبريالية. بمعنى أن الأحزاب التي وصلت إلى السلطة أعادت إنتاج التكوين التبعي الكومبرادوري ذاته، وتهميش الفئات الوسطى ذاتها من جديد بعد التمركز المالي الذي حصل وأسَّس لنشوء طبقي جديد. وأساساً تجاهل المشروع ذاته.

إن طابع “الأزمة البنيوية” يكمن هنا، حيث لا إمكانية لأن تتجاوز هذه الفئات مصالحها، مما جعل بعض منها يكسب ويرتقي طبقياً، ومعظمها ينهار، ويفقر. ويتلاشى المشروع الذي حملته ولم تحقق منه سوى تهديم البنية الإقطاعية التي كانت سائدة، والتي كان التطور العالمي أصلاً يتجاوزها.

إذن، الأزمة تكمن في طبيعة مصالح هذه الفئات التي جعلتها في تناقض مع تحقيق الأهداف التي طرحتها، وهي أزمة كل حزب لا يقطع جذرياً مع الرأسمالية.

في ظل البحث في أزمة اليسار يكون السؤال:- سلامة كيلة

 

Advertisements

About منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني

موقع منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني
هذا المنشور نشر في الماركسية. حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s