أزمة الديمقراطية البرجوازية

أزمة الديمقراطية البرجوازية

http://www.albadil.org/spip.php?article49

 

من الشائع أن الأنظمة البرجوازية في أوروبا (الغربية بالخصوص) وأمريكا الشمالية هي أنظمة “برجوازية”. ومن المتداول أيضا أن باقي الأنظمة السياسية في العالم لا تحوز على هذا الوصف “القيم” و”الإنساني” و”الحضاري” إلا نادرا. أما الأنظمة الشيوعية السابقة فهي، في نظر الدعاية السائدة، أنظمة “كليانية”، “شمولية” أي أنها تتناقض مع الديمقراطية وتعاديها. وبعد تفكك تلك الأنظمة، أصبحت الدعاية الغربية (أي في الولايات المتحدة وأوروبا) تصف الأنظمة التي قامت على أنقاض الأنظمة “الشيوعية” وبمساعدة ذلك الغرب الرأسمالي، بأنها دول ديمقراطية أو سائرة في طريق الديمقراطية.

 

لقد أصبح شعار الديمقراطية واسع الاستعمال وخاصة في العقد الأخير من القرن المنقضي وخلال الأعوام الأولى من القرن الجديد، وذلك سواء في إطار الدعاية الليبرالية الجديدة المكثفة ضد الشيوعية والاشتراكية، لفائدة النظام العالمي الجديد” (أو العولمة) أو في إطار الحملة الأمريكية-الأوروبية ضد “الإرهاب” منذ بداية خريف 2001. وقد وصل الأمر إلى حد استعمال هذا الشعار “السحري” لتبرير غزو أو احتلال هذا البلد أو ذاك، بدعوى مقاومة “الدكتاتورية” أو “الإرهاب” و”مساعدة الشعب المحرر” على وضع أسس نظام “ديمقراطي”. وهي ذات المصطلحات المستعملة عند غزو يوغسلافيا ثم أفغانستان وعند احتلال العراق مؤخرا.

 

وفي خضم هذه الدعاية لـ”الديمقراطية”من طرف الأنظمة البرجوازية الصناعية في الغرب، نلاحظ من حين لآخر انتهاك الحريات داخل تلك البلدان ذاتها أو مساندتها لأنظمة دكتاتورية أو استعمارية توسعية!

 

فكيف يمكننا تفسير هاته الظواهر المتناقضة؟ وأين يكمن الحل الجذري لها أو كيف يمكن للشعوب أن تتجاوز تلك التناقضات الخطيرة على السلم والاستقرار والعدالة الاجتماعية.

 

1 – جذور أزمة الديمقراطية البرجوازية :

 

إن الجذع الأصلي لتناقضات الديمقراطية التي تقوم عليها الأنظمة السائدة في أوروبا الغربية وفي أمريكا الشمالية، تعود إلى طبيعة تلك الديمقراطية ذاتها. إنها الديمقراطية البرجوازية أي ديمقراطية الأقلية الحائزة على ملكية وسائل الإنتاج (المعامل، الآلات، العقارات…) وترغم الشعب على استعمالها لفائدتها بمقابل ضئيل أكثر فأكثر وفي ظروف تزداد صعوبة وقساوة في زمن الإمبريالية وخاصة تحت قيادة الليبرالية الجديدة. وهذه الأقلية المالكة لا تتردد في استعمال جهاز الدولة القمعي كلما دعت الحاجة لحماية مصالحها الطبقية الضيقة، وذلك سواء في علاقتها بـ”شعبها” أو بالشعوب الأخرى التي تستغل خيراتها بصفة مباشرة (الاستعمار العسكري الذي تقلص بعد الحرب العالمية الثانية وخلال الحرب الباردة) أو بصفة غير مباشرة (الاستعمار الجديد، كشكل مهيمن بعد الحرب العالمية الثانية وإلى اليوم). لقد شاهدنا أنظمة “عريقة” في الديمقراطية تستعمل مختلف أشكال “العولمة” (تيار “البديل العالمي للتنمية” وأحداث مدينة سياتل مثلا). إنها ديمقراطية الأقلية المالكة (الثرية) التي تمارس دكتاتوريتها ضد أغلبية الشعب. وديمقراطية من هذا النوع لا يمكنها أن تعمر طويلا دون أن تتأزم تناقضاتها الداخلية وكذلك علاقاتها بالطبقات والفئات الأخرى في المجتمع. وقد حصل ذلك منذ أن بلغت الرأسمالية مرحلتها الإمبريالية. وقد ازدادت تلك الأزمة عمقا وتعقيدا منذ انتهاء الحرب الباردة أي منذ هيمنة القطب الواحد في العالم.

 

2 – مظاهر أزمة الديمقراطية البرجوازية :

 

تتجلى أزمة الديمقراطية البرجوازية الديمقراطية من خلال مظاهر عديدة، نتعرض فيما يلي إلى أهمها

 

– مقاومة دائمة للنقابات العمالية : منذ ظهور النقابات إلى اليوم (ما يزيد عن القرن) اتخذت تلك المقاومة أشكالا عدة (عنف/تخريب- مساومات/تنازل ظرفي…) لازالت متواصلة إلى اليوم بوتيرة وحدة مختلفة حسب درجة تطور البلدان (الغنية والفقيرة: الأولى أكثر قدرة على تقديم التنازلات للنقابات وإن كانت هذه القدرة تتضاءل في زمن العولمة) وحسب حالة موازين القوى الطبقية ( بين فترات الجزر والمد). إن النقابيين في مختلف بلدان العالم، من الشمال إلى الجنوب يتعرضون يوميا للضغوطات والتعسف. وقد ازداد ذلك حدة وتوسعا مع توسع نفوذ الرأسمال الخاص في زمن “العولمة” بقيادة الليبرالية الجديدة. إن طرد النقابيين –من أمريكا الشمالية إلى تونس- وتجويع عائلاتهم ومساومتهم على نضالهم يمثل مظهرا جليا من مظاهر أزمة الديمقراطية البرجوازية. وتسعى هذه الأخيرة بكل حرص ودهاء إلى طمس هذه الحقيقة وابتذالها إلى أبعد الحدود، حتى يصبح طرد النقابيين وتجويعهم مسألة عادية، “طبيعية”، لا توحي بوجود أزمة لصيقة بالنظام البرجوازي وبديمقراطيته.

 

– ظاهرة استعمار الشعوب : لما ضاقت الأسواق الوطنية للأنظمة الديمقراطية البرجوازية، اتجهت أنظارها صوب شعوب أخرى لم تبلغ بعد المرحلة الرأسمالية فغزتها واحتلتها واستغلتها بطرق حديثة (المكننة) وجعلت من تلك البلدان أسواقا خارجية لبضائعها المصنعة. في كلمة، حولت تلك البلدان، بقوة السلاح والقهر، من ناحية و”بخلق” نموذج جديد للحياة عن طريق “المعمرين”، من ناحية أخرى، إلى بلدان رأسمالية من النوع الهجين. وقد كانت المعارك الكثيرة التي خاضتها الديمقراطيات البرجوازية فرصة لتطوير أسلحتها الحربية، لحسم مثل تلك المعارك من ناحية، وحماية أسواقها الجديدة وضمان استقرارها، من ناحية أخرى. وشعورا منها بأن السياسة الاستعمارية تتناقض مع مبدأ الديمقراطية الذي تنسبه لنفسها، سعت تلك الديمقراطيات البرجوازية إلى تبرير ذلك بأن وضعت برامجها الاستعمارية تحت شعار “مساعدة تلك الشعوب على التطور والتحضر”! وفضلا عن بطلان هذا الشعار المخادع، فقد تسبب الاستعمار المباشر في تكسير حلقات التطور الداخلي الخاص بالشعوب المستعمَرة ولم تمكنها الرأسمالية التي دخلت بلدانها قسرا من التطور الفعلي المستقل بل ظلت تابعة، على كل المستويات، إلى البلدان الاستعمارية حتى بعد أن تحولت العلاقة بينهما إلى علاقة استعمار جديد. وقد أجهضت هذه العلاقة نتائج حركات التحرر التي اندلعت داخل المستعمرات القديمة، فقامت فيها أنظمة دكتاتورية عميلة للإمبريالية الجديدة (استعمار غير مباشر) مقام الحكام العسكريين الاستعماريين.

 

وبذلك تكون أزمة الديمقراطية البرجوازية على مستوى خارجي، قد مرت من صيغة الاستعمار المباشر (في بداية ظهور الإمبريالية) إلى صيغة الاستعمار الجديد، في مرحلة ثانية من تطور الإمبريالية، بعد وقوع أول ثورة اشتراكية ناجحة في التاريخ الحديث ساهمت في تغيير موازين القوى بين الإمبريالية والشعوب المضطهدة وأحدثت تناقضا جديدا على مستوى عالمي، التناقض بين النمط الرأسمالي والنمط الاشتراكي.

 

– ظاهرة مساندة أنظمة دكتاتورية قائمة على رقعة واسعة من العالم، في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، سواء كانت دكتاتورية مدنية (تونس، المغرب..) أو عسكرية دموية (عديد الدول في إفريقيا وأمريكا الجنوبية، طيلة عقود خلت). وتمثل هذه الظاهرة وجها آخر لأزمة الديمقراطية البرجوازية، رغم ويلات الحروب الكونية التي تسببت فيها ورغم إصرار الشعوب وحركات التحرر الوطنية وسائر الحركات التقدمية على مقاومة التعسف وتقديم التضحيات الجسام من أجل الحرية السياسية.

 

– مساندة أنظمة استعمارية توسعية بدعوى أنها ديمقراطية: المثال الصهيوني : إن الديمقراطيات البرجوازية وخاصة منها الولايات المتحدة المعتبرة كأنموذج للديمقراطية البرجوازية، تذهب في مساندة النظام الصهيوني، التوسعي والشوفيني، إلى حد استعمال حق “الفيتو” في “مجلس الأمن” لعرقلة أي إدانة لذلك الكيان الغاصب، مهما كانت فظاعة الجريمة التي ارتكبها في حق الشعب الفلسطيني. ولتبرير هذا الانحياز الفاضح أو ما يسمى بـ”سياسة المكيالين”، يقدم منظرو البرجوازية وساستها “حجة” ديمقراطية النظام الصهيوني الذي تحيط به من كل جانب أنظمة عربية دكتاتورية يأوي بعضها تنظيمات إرهابية بما في ذلك الفصائل الفلسطينية. وبالتالي يُخشى أن تكون الدولة الفلسطينية المرتقبة دكتاتورية وراعية للإرهاب. لذلك عملت الديمقراطيات البرجوازية الإمبريالية، بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية على منع قيام الدولة الفلسطينية المنشودة، وذلك منذ ظهور المسألة الفلسطينية إلى اليوم.

 

وفضلا عن كون هذا الموقف يعكس مفهوما شكليا للديمقراطية (يركز على “شفافية” الانتخابات وإهمال الفاعلين فيها وظروفها وتكاليفها: مسألة إقصاء وتهميش الطبقة العاملة…)، فهو يعكس كذلك مفهوما أحادي الجانب للمسألة الديمقراطية حيث أنه يغيب| طابع السياسة الخارجية للنظام الموصوف بكونه ديمقراطي (سياسة الكيان الصهيوني تجاه الشعب الفلسطيني والشعوب العربية( وإن هذا الأمر يشكل قصورا في المفهوم البرجوازي للديمقراطية إذ أن السياسة الخارجية هي مرآة للسياسة الداخلية لأي نظام سياسي. وإن هذا القصور لعلى درجة كبيرة من الخطورة لأنه يمس بمدى حرية الشعب الذي “يسمح” لنظامه “الديمقراطي” باغتصاب إرادة شعب آخر من ناحية ولأنه يؤدي إلى عجز المفهوم البرجوازي للديمقراطية على حل تناقضاته وتجاوز أزماته الداخلية من ناحية أخرى. لذلك، لا سبيل ولا طائل من البحث عن حل أزمة الديمقراطية البرجوازية في إطار الأفق البرجوازي.

 

3 – حل أزمة الديمقراطية البرجوازية: الثورة الاشتراكية

 

إن الثورة الاشتراكية في بلدان أوروبا الغربية وفي الولايات المتحدة الأمريكية كفيلة، وحدها، بحل أزمة الديمقراطية البرجوازية وإحداث المنعطف التاريخي النوعي والحاسم لتحقيق الانسجام التام والمستقر بين السياسة الداخلية والسياسة الخارجية لتلك البلدان المتطورة صناعيا وتقنيا، على عكس ما نشاهده اليوم من تنافر وتناقض بين موقف حكوماتها وموقف شعوبها من المسألة العراقية والقضية الفلسطينية.

 

أ) على مستوى السياسة الداخلية : إقرار وتطبيق مبدأ سحب الثقة وتوسيع قاعدة الانتخاب.

 

إن مبدأ سحب الثقة، عندما يتم إقراره بحل التناقض المحتمل بين موقف الشعب وموقف الحكومة عند بروز أي حدث على الساحة الدولية مما يجعل الربط بين الديمقراطية المطبقة في الداخل ومضمون السياسة الخارجية، ممكنا ومضمونا. وهذا الأمر يكتسي أهمية كبرى إذ تصبح السياسة الخارجية راجعة بالنظر إلى الشعب الذي يمكنه أن يحسم، بصفة فورية ودون تعقيدات برجوازية، فـيفي المسألة المطروحة على نطاق دولي. وبذلك تودع الإنسانية مثل تلك المواقف المحزنة التي عاشتها إبان الحرب العدوانية على العراق حيث شاهدنا كيف أن الشعب البريطاني والشعب الإسباني والشعب الأمريكي، صاحب “أرقى” ديمقراطية برجوازية، لم يتمكنوا من فرض إرادتهم والحال أنها إرادة الأغلبية وكيف فرضت “كمشة” من السياسيين إرادتها ومصالحها والحال أنها “حفنة” من اللصوص والسماسرة ومثيري الحروب بين الشعوب التواقة إلى السلم والاستقرار والعدالة الاجتماعية.

 

إن مبدأ سحب الثقة المدعم بقرار توسيع مبدأ انتخاب ليشمل كل المؤسسات السياسية الاقتصادية والقضائية، يحل حقيقة أزمة الديمقراطية البرجوازية التي ترفض مبدأ سحب الثقة رفضا قطعيا لأنها تدرك أنها أقلية في المجتمع والتي تضيق من قاعدة الانتخاب إلى أقصى حد (تقصره على الهيئات السياسية وتقصي منه المؤسسات الاقتصادية والقضائية والعسكرية).

 

ب) على مستوى السياسة الخارجية : إقرار وتطبيق مبدأ “حق الأمم في تقرير مصيرها”

 

إن الخلاف في هذا المجال ليس إقرار هدا المبدأ في حد ذاته، إذ حدث أن أعلنته الديمقراطية البرجوازية منذ بداية القرن العشرين، وإنما بخصوص تطبيقه بصفة عادلة ومنسجمة إلى النهاية. وهذا غير وارد وغير ممكن في إطار الديمقراطية البرجوازية المحكومة بمصالح طبقية ضيقة، لذلك فلا أمل في تطبيقه بانسجام وعدل إلا تحت قيادة ثورية ومنقادة بمصالح أغلبية الشعب المتمسك بالبعد الأممي لثورته وتضامنه.

 

ج) في البلدان التابعة :

 

إن أزمة الديمقراطية في هذه البلدان تتسم بغياب الديمقراطية أو يمكننا القول بمعاداة أنظمتها للمسألة الديمقراطية. إن أزمتها تكمن في دكتاتورية الأنظمة السياسية لتلك البلدان وفي تبعيتها الكاملة للإمبريالية ودوائرها المالية والعسكرية وشركاتها العالمية الاحتكارية. لذلك فحل الأزمة في تلك البلدان يمر عبر الثورة الوطنية الديمقراطية، من منظور اشتراكي وبقيادة ثورية بروليتارية.

 

Advertisements

About منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني

موقع منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني
هذا المنشور نشر في نظريات وحركات يسارية وثورية وكلماته الدلالية . حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s