البارع، المطور والذي لا يعتذر

البارع، المطور والذي لا يعتذر

 

 

يعقوب ابراهامي

 

 

عن ابي العلاء المعري (هو أحمد بن عبد الله ابن سليمان، 973-1057) :

في اللاذقية ضجةٌ ما بين أحمد والمسيح

هذا بناقوس يدق وذا بمأذنة يصيح

كل يعظّم ديـنه ياليت شعري ما الصحيح ؟

 

وعنه ايضاً:

يرتجي الناسُ أن يقـومَ إمــامٌ ناطقٌ في الكتيبة الخرســاء

كذب الظنُّ لا إمام سوى العقل مشيرا في صبحه والمســاء

 

(هذا المقال هو عن النزاهة الفكرية، عن القول الجريء ونقاوة اللغة، عن حرمة الكلمة المكتوبة وعن احترام القراء. ساحاول ان اثبت ان هذه الخصال، و بدونها لا يمكن ان يسمى المثقف مثقفاً ، لا تتوفر بغزارة لدى كتابنا الستالينيين.

هذا المقال هو ايضاً، إذا شئتم، صدى لمقال صديقي (من بعيد) الأخ رعد الحافظ الذي نشر في “الحوار المتمدن” بتاريخ 2010 / 11 / 25).

 

” ليس أبرع (=امكر) من الماركسيين (=الستالينيين) في احترام (=خداع) العقول.”

(في لحظة نادرة من الصراحة الفرويدية يكشف فؤاد النمري القناع عن الضغوط النفسية التي تدفعه الى ان يقول عن خصومه في الرأي، وفقاً لكل تقاليد محاكم التفتيش الستالينية، ما يلي: “ان الصهيوني يعقوب والبدري وتوما هم من طينة هذا النازي الألماني الذي حارب في ستالينجراد والذي كان يشرف على تعذيبنا في السجن.”).

 

” في ١٩٣٣ انتهى عمليا القضاء على الكولاك كطبقة واصبحت الزراعة السوفييتية زراعة تعاونية غالبة.”

(باقتضاب وبلغة يابسة، وذلك كي لا يسيء الى مشاعر القراء، يصف حسقيل قوجمان المجاعة التي اودت بحياة خمسة الى ثمانية ملايين من مواطني بلد الأشتراكية في الثلاثينات من القرن الماضي. قوجمان لا يدخل في التفاصيل، احتراماً، كما قلنا، لمشاعر القراء، ولا يشير، مثلاً، الى روايات تقشعر لها الأبدان عن حوادث اكل لحوم البشر تناقلها الناس في حينه، بينما كان ستالين يواصل سياسته الحكيمة في تصدير القمح والحبوب الى غرب اوربا، بغية الحصول على العملة الصعبة اللازمة لتمويل المشاريع الصناعية على حساب الشعب المنكوب (في عام 1930 باع ستالين للغرب 864 الف طن من الحبوب، في عام 1931 – 918 الف طن، في عام 1932 – 324 الف طن، وفي ذروة المجاعة عام 1933، السنة التي يحتفل بها قوجمان، صدر ستالين للغرب 180 الف طن من الحبوب). حسقيل قوجمان، الذي يرى في اجتثاث البعث جريمة ضد الأنسانية، لا يرى جريمة ضد الأنسانية في موت الملايين جوعاً وفي تشريد عشرات الآلف من العائلات الفلاحية (كولاك؟) وفي سجن مئات الآلاف من “اعداء الشعب” وفي محاكمات “نزيهة” يعترف فيها المتهمون بكل جريمة يمكن ان تخطر على بال انسان ويعرف الجميع احكامها (الأعدام) سلفاً. هذه في نظر قوجمان لم تكن واحدة من اكبر الجرائم ضد الأنسانية في القرن العشرين بل كانت “تحضيراً” لمجتمع اشتراكي سعيد “لا يحلم به اي عامل في النظام الراسمالي”. المشكلة الوحيدة هي ان ضحايا هذا “المجتمع السعيد” لم يعرفوا في حينه ما يعرفه حسقيل قوجمان الآن.)

 

” اين الدقه يا يعقوب؟”

(عبد المطلب العلمي يهزأ من كاتب هذه السطور ويعاتبه لأنه يخالف “قواعد عبد المطلب العلمي في الدقة”.

“قواعد العلمي في الدقة”، كما سنرى لاحقاً، تتألف من ثلاثة اجزاء:

1 . اخترع “الحقائق” التي تحتاج اليها. (استعن بترجمات خاطئة متى دعت الحاجة الى ذلك).

2. استنتج من “الحقائق” التي اخترعتها كل ما تريده من نتائج

3. اتهم خصمك ب”عدم الدقة” عندما يمسك بك متلبساً ب”الجريمة”. )

 

ولكي نخفف من “عبأ” هذا المقال الثقيل على القراء (ونغريهم بقراءته حتى النهاية) نبدأ بفكاهة (من وحي الأنتخابات “الديمقراطية” الأخيرة في مصر):

يدخل مواطن سوفييتي في عهد ستالين غرفة الأنتخابات، يتسلم ظرفاً مسدوداً ويطلبون منه ان يلقيه في صندوق الأقتراع.

“ألا يحق لي ان اعرف اسماء الذين انتخبتهم؟” – يسأل المواطن السوفييتي الساذج.

“كلا!” – يجيبه بصرامة الشرطي بلبوس مدني – “الأنتخابات عندنا هي انتخابات سرية”.

 

فؤاد النمري “يكتب” التاريخ وعبد المطلب “يحفر”:

المفكر الذي قال: “ان المنتصرين هم الذين يكتبون التاريخ” لم يعرف فؤاد النمري.

ففي الضجة التي قامت على صفحات “الحوار” حول موضوع “البيضة” و”الدجاجة”، هذا يقول “البيضة” أولاً وذاك يقول “الدجاجة” أولاً، (على اثر مقال لحسقيل قوجمان حول ثورة اكتوبر: هل كانت ثورة اشتراكية ثم تحولت الى برجوازية، ام برجوازية ثم انقلبت الى اشتراكية)، لم ينتبه القراء الى قنبلة فجرها فؤاد النمري. وهكذا قال هذا “البارع” في “احترام” عقول الناس (وفي كتابة “التاريخ”):

” دعوة لينين لسائر الأحزاب للإشتراك في حكومته في صبيحة الثورة ومنها حزب الكاديت الرجعي هي برهان قطعي على أن الإنتفاضة كانت بورجوازية الأهداف”.

لكي يدرك القراء خطورة هذا الأكتشاف نذكرهم ان “حزب الكاديت الرجعي”، الذي يتحدث عنه “المؤرخ” فؤاد النمري، هو حزب “الديمقراطيين الدستوريين”، Constitutional Democrats، حزب البرجوازية الروسية الذي وصل الى السلطة، مع احزاب اخرى، على اثر ثورة شباط 1917. حتى الآن كنا نعتقد ان انتفاضة اكتوبر جاءت لأزاحة الأحزاب البرجوازية (ومنها “حزب الكاديت الرجعي” ) من السلطة، لا لدعوتها للأشتراك في السلطة. حتى الآن كنا نعتقد ان لينين كان يريد اقامة حكومة ثورية مؤلفة من ممثلي العمال والفلاحين فقط، بدون اشتراك ممثلي البرجوازية. حتى الآن كنا نعرف ان لينين في اول كلمة القاها امام سوفييت بتروغراد غداة الثورة قال بصورة لا تقبل التأويل: “ان اهمية هذه الأنتفاضة (اي: انتفاضة اكتوبر) تكمن قبل كل شيء في حقيقة ان جهاز سلطتنا سيكون بأيدي حكومة سوفييتية بدون اي اشتراك، مهما كان، من البرجوازية.”

 

جاء فؤاد النمري وقلب الأمور رأساً على عقب. وهذه ليست المرة الأولى. قصصه عن الحرب العالمية الثانية، رغم خلوها من كل قيمة تاريخية او علمية او ادبية او فنية، تفوق في سعة الخيال قصص “الف ليلة وليلة”. “براعة” فؤاد النمري في كتابة التاريخ هي “براعة” معترف به، فاقتها في الماضي فقط “براعة” معلمه ستالين في كتابة “تاريخ الحزب الشيوعي البولشفي”، إذ على هذا الكتاب تربى جيل كامل من “مؤرخين” براعتهم الوحيدة هي الأختلاق والتملق للزعيم.

 

في عهد ستالين انتشرت في ارجاء روسيا الفكاهة التالية:

سؤال: ما هي اصعب واخطر مهنة في الأتحاد السوفييتي؟

جواب: التنبؤ بالماضي.

 

ولكن فؤاد النمري هذه المرة لم يأخذ بنظر الأعتبار ان هناك من يقف له بالمرصاد.

هنا المكان والزمان الملائمان للأدلاء باعتراف خطير: انا مصاب بهوس (يكاد يبلغ حد الجنون) للكشف عن جذور الستالينية التي حطمت الحركة الشيوعية ذات التاريخ المجيد. واين يمكن البحث عن جذور الستالينية أن لم يكن في تاريخ الثورة الروسية؟ لذلك قرأت كل ما وقعت عليه يدي عن هذه الثورة. كل وثيقة او ورقة استطعت الحصول عليها. وبينما انا ابحث وانقب، اقارن الشهادات والوثائق، اجمع واطرح بحثاً عن الحقيقة، إذا بفؤاد النمري يعلن عن كشف كبير لم اسمع عنه أو اقرأ عنه من قبل: لينين دعا “حزب الكاديت الرجعي” للإشتراك في حكومته في صبيحة الثورة! من كان يصدق؟ كيف كشف فؤاد النمري عن هذا السر الدفين الذي لم يعرفه احد من قبل؟ كيف غاب عني؟ وهل هذا هو لينين الذي نعرفه؟

للأجابة على هذه الأسئلة، ودفاعاً عن الحقيقة التاريخية بوجه مزيفيها (وليس لأهمية النقاش العقيم حول ما إذا كانت ثورة اكتوبر ثورة اشتراكية ام برجوارية ، إذ اية اهمية، عدا الأهمية الأكاديمية، يمكن ان يكون لهذا النقاش بعد ان لم يبق من اللينينية سوى جثة محنطة في الكرملين، وبعد ان رجعت لينينغراد لتصبح بطرسبورغ، وبعد ان عاد القيصر ليرقد في مثواه الأخير؟)، وجهت النداء التالي الى كل من يهمه الأمر:

” بينما يستمر النقاش الهام (جداً) حول ما إذا كانت البيضة قد سبقت الدجاجة ام ان الدجاجة هي التي سبقت البيضة (رغم ان الدجاجة قد ماتت منذ زمن طويل ولم يبق منها سوى جثة محنطة)، يواصل المؤرخ فؤاد النمري جهوده لطمس وتزوير الحقائق التاريخية.

يقول المؤرخ (الأمين؟) فؤاد النمري: “دعوة لينين لسائر الأحزاب للإشتراك في حكومته في صبيحة الثورة ومنها حزب الكاديت الرجعي هي برهان قطعي على أن الإنتفاضة كانت بورجوازية الأهداف”. وحتى يثبت لنا فؤاد النمري برهانه القطعي هذا بوثائق امينة (اين انت عبد المطلب؟) يمكنه ان يتقلد وسام (صانع التاريخ) عن جدارة.”

 

لم يجبني فؤاد النمري، وكان هذا امراً متوقعأً، إذ ان النمري لا يجيب على أسئلة “برجوازي وضيع”. لكن عبد المطلب (“الحفار”) لم يخيب الظن. وفي ثلاثة تعليقات طويلة، لا تخلو من اخطاء لغوية وتاريخية، اكد عبد المطلب، بالأستناد الى وثائق امينة، كل كلمة قلتها انا عن “اختراعات” فؤاد النمري، لكي ينتهي به الأمر، للعجب الشديد، لا الى توجيه تهمة الأختلاق وتشويه الحقائق الى فؤاد النمري بل الى اتهامي انا بالذات ب”السعي لتشويه صورة الثورة ومرحلة البناء الاشتراكي” وب”العداء المستفحل للبلاشفة” (وكل ذلك في منطق ديالكتي عجيب لم استطع ان اسبر غوره).

 

لم اغضب. انا اتقن هذه اللغة. تكلمتها في فترة من حياتي ثم تعرفت عليها بعد ذلك عند جورج اورويل:

البحث عن الحقيقة = تشويه صورة الثورة

مجاعة تشريد اعتقال وقتل = مرحلة البناء الأشتراكي

الدفاع عن كرامة الأنسان = عداء مستفحل للبلاشفة

 

لم اكن لأغضب لو ان عبد المطلب اكتفى بذلك. لكن عبد المطلب لم يكتف بذلك بل اضاف اليه غلطة فظيعة: اتهمني بعدم الدقة، بسرد انصاف الحقائق وبتزييف النصف الآخر. وهذا كان اكثر مما استطيع ان اتحمله.

هنا يجب ان اكشف عن هوسي (جنوني) الثاني: الدقة ثم الدقة ثم الدقة. (هذا لا يعني ابداً انني لا ارتكب اخطاءً)

رأيت في كلام عبد المطلب طعنة في الصميم واهانة لا تغتفر، ولكنني بدل ان ادعوه الى مبارزة يكون فيها السيف حكماً بيننا (كما كان يليق بفرسان القرون الوسطى، أو كما كان قد يفعل صاحب “السيف والليل والبيداء تعرفني”) قدمت له الأنذار التالي من على صفحات “الحوار المتمدن”، كما يليق بمثقفين يساريين: إما ان تقول لي اين هو عدم الدقة أو ان تعتذر.

غني عن البيان ان عبد المطلب لم يفعل لا هذا ولا ذاك: لم يقل لي اين هو”عدم الدقة” في ما كتبته ولم يعتذر. ومن هنا ولد هذا المقال، إنذاراً رهيباً لمن لا يحترم الكلمة المكتوبة.

 

حسقيل قوجمان يطور الماركسية:

بعد قانون “فناء الضدين” في الفلسفة، وقانون “اجتثات البعث هو جريمة ضد الأنسانية” في التشريع، كان واضحاً ان دور “اقتصاد المكتب السياسي” آت لا محالة (من صديقي صادق الفلاحي تعلمت التمييز بين “الأقتصاد السياسي” و”اقتصاد المكتب السياسي”).

 

” ان سلعة الارض تشكل اكثر من نصف حياة الطبقة الراسمالية” – يقول حسقيل قوجمان في مقاله عن “البيضة” و”الدجاجة”.

كان واضحاً منذ البداية، وضوح الشمس في رابعة النهار، اننا امام قانون هام في الأقتصاد الماركسي فهو يحوي كل الكلمات الصحيحة الذي يجب ان يحتويها قانون هام في الأقتصاد : سلعة، ارض، طبقة ورأسمالية.

سؤال واحد فقط بقى عالقاً وهو: لماذا؟

لماذا “نصف حياة الطبقة الراسمالية” وليس ربعاً أو ثلاثة ارباع؟

ولماذا “سلعة الارض تشكل اكثر من نصف حياة الطبقة الراسمالية” وليس بالعكس: “حياة الطبقة الراسمالية تشكل اكثر من نصف سلعة الارض”؟ او ما هو احسن: “الطبقة الراسمالية تشكل اكثر من نصف حياة ارض السلعة”؟

هذه اسئله لم استطع الأجابة عليها لذلك وجهت نداء الأستغاثة التالي من على صفحات “الحوار”:

“هل هناك احد في كل انحاء العالم يستطيع ان يشرح لي ماذا تعني هذه الجملة؟”

 

ولما لم اتلق جواباً من احد (حتى ولا من ابي ذر الفلسطيني الذي ابدى اعجابه الكبير بمقال حسقيل قوجمان متمنياً له “الراي السديد والى الامام”، وقوجمان حقاً بحاجة الى “الراي السديد” ) ارسلت الأنذار التالي:

“إذا لم اتلق الجواب خلال العشرين واربع الساعات القادمة (وقد اعذر من انذر) فقد أضطر الى الأستنتاج مكرهاً ان هذه الجملة ما هي في الواقع إلا خليط عجيب من الكلمات، لا رابط بينها ولا تؤلف ما يدعى في قواعد اللغة جملة مفيدة يمكن لأنسان عاقل ان يفهمها.”

 

الجواب جاء متأخراً، في 1/12/2010، من حسقيل قوجمان نفسه ومنه تبين ان الذنب ليس في هذا الخليط من الكلمات التي لم ينجح احد في حل شفرتها حتى الآن، بل (لا تضحكوا!) في جهلنا نحن القراء بأوليات الماركسية. وهكذا كتب حسقيل قوجمان: “لم يفهم احدهم (“احدهم” هو يعقوب ابراهامي، اما الآخرون فقد فهموا) ما معنى عبارة ان الارض تشكل نصف حياة الراسمالية. وسبب ذلك هو انه لا يعلم ان حياة الراسمالية هي الربح اذ بدونه لا تستطيع الراسمالية ان تبقى على قيد الحياة. وسلعة الارض هي اهم مصدر من مصادر ارباح الراسمالية اذ يبيعونها ويشترونها ويبنون عليها العمارات والمصانع والسكك ويزرعونها ويستخرجون الكنوز من باطنها ويستغلون ويستعبدون العمال والكادحين العاملين عليها. وان الغاء سلعة الارض يحرم الراسماليين من اكثر من نصف حياتهم اي ارباحهم.”

وهذا ما يسمى في ايامنا: ابتذال الماركسية.

إذ كيف لم نفهم ذلك حتى الآن؟ كم هي واضحة وبسيطة هذه الجملة، وكم هي مفهومة لكل من يعرف القراءة والكتابة. ماذا يمكن ان يكون اوضح وابسط واصح من: “ان سلعة الارض تشكل اكثر من نصف حياة الطبقة الراسمالية”؟ وإذا لم يفهمها “احدهم” (!!!) فهذا ذنبه.

هل فهمتم الآن لماذا لا توزع الثورة البرجوازية الأرض على الفلاحين؟ من يحتاج الى كارل ماركس والى كتاب “رأس المال” ازاء هذا التحليل لمصدر ارباح الراسمالية؟ وازاء هذه الماركسية الجديدة؟

 

هذا ليس “التطوير” الوحيد للماركسية الذي انجزه حسقيل قوجمان. كل كتابات قوجمان هي “تطوير” للماركسية.

اقرأوا على سبيل المثال الجملة التالية: “مادة صيانة الملكية الخاصة متوفرة لدى البرجوازية ولا وجود لها لدى العمال والفلاحين”.

نعم، قرأتم جيداً: صيانة الملكية الخاصة لا وجود لها لدى الفلاحين.

 

آفة “الترجمة الخاطئة”، التي اصابت فجأة عدداً من كتابنا الستالينيين، لم تتجاوز حسقيل قوجمان.

عند حديثه عن سياسة مصادرة فائض انتاج الفلاحين بدون تعويض، التي انتهجها لينين في فترة “شيوعية الحرب”، يقول قوجمان: ” كان لينين يسمي هذه السياسة استعارة من الفلاحين . . .الى ان تتاح الفرصة لدكتاتورية البروليتاريا ان تعوضهم عما لحقهم من ظلم بسبب سياسة شيوعية الحرب”.

لا دب ولا غابة، كما نقول في اللغة العبرية.

الكلمة الأنجليزية المستخدمة في كل ما قرأته انا عن السياسة تجاه الفلاحين في فترة “شيوعية الحرب” هي: Procurement ومعناها (الحصول على) او (الأستيلاء على). من اين اتى حسقيل قوجمان ب(الأستعارة)؟

إذا كان حسقيل قوجمان يستند الى كلمة اخرى، او إذا كان يعرف معنى آخر لكلمة Procurement، ليقل ذلك وانا سأكون اول من يعتذر له.

 

سؤال: لماذا كان حسقيل قوجمان بحاجة الى هذه الترجمة الخاطئة؟

جواب: لكي يقول ان الفلاحين “قبلوا هذه السياسة المجحفة ووافقوا عليها”.

– “ولكن الفلاحين لم يقبلوا هذه السياسة المجحفة ولم يوافقوا عليها”

– “هذا غير مهم. الحقيقة هي ما نحن نقول بانه الحقيقة”.

 

اليكم كيف تصف شيلا فيتسباتريك، استاذة التاريخ في جامعة شيكاغو، هذه “الأستعارة” في كتابها “الثورة الروسية”، وكيف قبلها الفلاحون ووافقوا عليها: “نظراً للحاجة الماسة لأطعام المدن والجيش الأحمر، لم يبق امام الدولة خيار آخر غير الأستيلاء على محاصيل الفلاحين الزراعية بالأقناع، بالحيلة، بالتهديد او بالقوة. وقد تبنى البلاشفة سياسة وضع اليد على محاصيل الحبوب ونفذوا هذه السياسة عن طريق ارسال وحدات مسلحة مؤلفة من عمال وجنود لأرغام الفلاحين على تسليم ما اختزنوه من الحبوب”.)

 

حسقيل قوجمان، الذي يعتقد ان تعليقات كارل ماركس على برنامج غوتا (!!!) في القرن التاسع عشر تصلح لمعالجة القضايا الأقتصادية في عصر العولمة في القرن الحادي والعشرين، لا يتردد في “تطوير” الماركسية في واحد من اهم انجازاتها الفكرية:

 

“في عملية الأنتاج الأجتماعي يدخل البشر في علاقات محددة فيما بينهم، علاقات لا بد منها وخارجة عن ارادتهم. علاقات الأنتاج هذه تلائم درجة معينة من تطور قوى الأنتاج في المجتمع. مجموع علاقات الأنتاج هذه هي التي تؤلف البنيان الأقتصادي للمجتمع، هي التي تؤلف بنيته التحتية الحقيقية. وعلى اساس هذه البنية التحتية يقوم بناء أعلى، قضائي وسياسي، وعلى اساسها تنمو صور محددة من الوعي الأجتماعي ملائمة لها. اسلوب انتاج وسائل الحياة المادية هو الذي يقرر المجرى العام للحياة الأجتماعية والسياسية والثقافية. ليس وعي الناس هو الذي يقرر وجودهم، بل على العكس من ذلك: وجودهم الأجتماعي هو الذي يقرر وعيهم.”

(كارل ماركس، مقدمة ل”مساهمة في نقد الأقتصاد السياسي”)

 

ليس وعي الناس (او ثقافتهم او اخلاقهم) هو الذي يقرر واقعهم ، بل على العكس من ذلك تماماً، واقعهم الأقتصادي والأجتماعي الحقيقي هو الذي يقرر، بوجه عام، وعيهم وثقافتهم. هذا ما يقوله كارل ماركس.

اما حسقيل قوجمان فيقول عكس ذلك:

“الحكومة الاشتراكية لا تستلم مجتمعا اشتراكيا جاهزا بل تستلم مجتمعا برجوازيا فيه بقايا علاقات الانتاج الاقطاعية بدرجات متفاوتة وعليها ان تحول هذا المجتمع الراسمالي اقتصاديا وفكريا وثقافيا واخلاقيا ونفسيا الى مجتمع اشتراكي وهذا يتطلب فترة هي فترة التحضير للمجتمع الاشتراكي.”

لا علاقات الأنتاج الأشتراكية هي التي تقرر الوعي الأشتراكي،” فكريا وثقافيا واخلاقيا ونفسيا”، بل على العكس من ذلك تماماً: يجب تحضير المجتمع ورفعه الى مستوى الوعي الأشتراكي،” فكريا وثقافيا واخلاقيا ونفسيا”، لكي يتقبل علاقات الأنتاج الأشتراكية. هذا ما يقوله حسقيل قوجمان.

قد نوافق على هذا الرأي او لا نوافق، ولكننا لا يمكننا ان ننكر ان هذا تطوير كبير للماركسية. وما هو كارل ماركس بالقياس الى حسقيل قوجمان؟

وكل البشرية رأت كيف هيأ ستالين المجتمع السوفييتي، ” فكريا وثقافيا واخلاقيا ونفسيا”، لتقبل النظام الأشتراكي.

Advertisements

About منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني

موقع منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني
هذا المنشور نشر في فن/أدب/وجهة نظر وكلماته الدلالية . حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s