الأزمة الدورية للرأسمالية

 

الأزمة الدورية للرأسمالية

 

 

عمار بكداش

 

 

يبيّن ماركس في «الرأسمال» مفهوم الدورة الرأسمالية والتي هي عبارة عن التكرار الدائم لحركة الإنتاج الرأسمالي من أزمة إلى أخرى. وبيّن أن مراحل الدورة الرأسمالية هي كالتالي:

الأزمة ـــ الركود ـــ الانتعاش ـــ الصعود ـــ أزمة جديدة.

وأكد أن المرحلة الأساسية في الدورة الرأسمالية هي الأزمة. وبرهن بجلاء أن سبب الدورية في حركة الإنتاج الرأسمالي يكمن في التناقض الأساسي للرأسمالية.

مع ظهور بوادر الأزمة الاقتصادية الراهنة، حاول المحللون البرجوازيون أن يعزوها إلى المضاربات التي جرت في أسواق الرهن العقاري، ساعين بذلك إلى ربطها بظاهرة طارئة وليس بطبيعة النظام الرأسمالي. وقد أجاب ماركس و أنجلس على مثل هذه الإدعاءات قبل مئة وثمانية وخمسين عاماً، مشيرين إلى أنه «يكون دائماً هناك مكان للمضاربة في تلك الفترات عندما يكون فيها فائض الإنتاج في أوجه. تخدم المضاربة في تلك الحالة فائض الإنتاج بصفتها متنفس مؤقت، ولكن بصفتها هذه بالذات فالمضاربة تعجل قدوم الأزمة وتزيد من قوتها. والأزمة بذاتها تبدأ أولاً في مجال المضاربات وبعد فترة زمنية فقط تشمل الإنتاج. لذلك من خلال النظرة السطحية يبدو أن ليس فائض الإنتاج هو سبب الأزمة، بل المضاربة غير المقيدة، ولكن هذه المضاربة هي فقط دلالة على فائض الإنتاج. لذلك يظهر ما يتبع ذلك من خلل في الصناعة ليس كنتيجة حتمية لتطورها العاصف، بل كانعكاس بسيط الذي يحدث في مجال المضاربات. (ماركس وأنجلس المتابعة الدولية الثالثة عام /1851

وحول أساليب العلاج التي يحاول من خلالها القائمون على النظام الرأسمالي أن يتجاوزوا الأزمة، بواسطة ضخ أموال كبيرة إلى المصارف وكذلك إجراء الإصلاحات على النظام المالي، يشير ماركس في مكان آخر إلى أن الاقتصاديين البرجوازيين «يبحثون عن منشأ هذه العواصف وسبل الوقاية منها في المجال الأكثر تجريدية من العملية، في مجال التداول المالي ــ النقدي.«

ولكن الوقائع تدل على أن حلول الأزمات مكان الازدهار الصناعي هو قانون شامل للرأسمالية مهما كان شكل النظام النقدي ــ التسليفي وأن «علة المجتمع البرجوازي لا يمكن شفاؤها من خلال إعادة هيكلة البنوك أو إقامة «نظام نقدي» عقلاني. (كارل ماركس، حول نقض الاقتصاد السياسي«.

فإذن .. حسب الرؤية الماركسية، الأزمة الاقتصادية هي عبارة عن هبوط مؤقت في الإنتاج يتكرر بشكل أكثر أو أقل انتظاماً والذي ينشأ في الاقتصاد الرأسمالي، ويعود السبب العميق للأزمات إلى التناقض الأساسي بين الطابع الاجتماعي للإنتاج والتملك الرأسمالي الخاص، وكذلك نتيجة عفوية وفوضوية عملية إعادة الإنتاج الرأسمالي.

إن الأزمات الاقتصادية هي المرحلة الأساسية في الدورة الرأسمالية، والتي من خلالها تعاد بشكل قسري التوازنات المختلة في عملية إعادة الإنتاج الرأسمالي.

وتبين الأزمات الرأسمالية بشكل الأكثر حدة التناقض العميق للإنتاج الرأسمالية. فهذا الإنتاج كما يبيّن ماركس: «مضطر من جهة أن يطور القوى المنتجة وكأنها ليست عبارة عن إنتاج غير مقيد بقاعدته الاجتماعية، ومن ناحية ثانية لا يمكنه أن يطورها إلا ضمن هذه القيود. إن هذا الواقع هو عبارة عن السبب الأعمق والجوهري للأزمات، للتناقضات التي تظهر في الإنتاج البرجوازي، والتي يسير هذا الإنتاج ضمنها، وهذه التناقضات، حتى من خلال نظرة سطحية غير معمقة، توصفه كشكل زائل تاريخياً». نعم هنا وصف ماركس الأزمات من وجهة النظر الأكثر تجريداً، ومن وجهة النظر الفلسفية ــ المادية التاريخية. أما ترجمة هذه المقولة اقتصادياً ــ سياسياً فنجده في أنتي دوهرنغ الذي ساهم ماركس في كتابة قسمه الاقتصادي. وهنا يأتي التفسير التالي للأزمة: «توسع الأسواق غير قادر على اللحاق بتوسع الإنتاج. يصبح التصادم حتمياً، وبما أنه لا يستطيع أن يحل التناقض لذلك الحين، عندما سيفجر أسلوب الإنتاج الرأسمالي ذاته، فإنه يأخذ شكل الدورية. ومن خلال الأزمات يظهر بقوة لا يمكن كبحها التناقض بين الإنتاج الاجتماعي والتملك الرأسمالي. وأسلوب الإنتاج يثور ضد أسلوب التبادل، وتثور القوى المنتجة ضد أسلوب الإنتاج، الذي تجاوزته». كما جاء في أنتي دوهرنغ «يظهر التناقض بين أسلوب الإنتاج الاجتماعي والشكل الخاص للتملك على شكل التناقض بين التنظيم في منشأة معينة والفوضى في الإنتاج الاجتماعي، وكتناقض بين البرجوازية والبروليتاريا». ويضيف: «إن التنظيم الحكومي لا يقضي على الرأسمالية، بل على العكس يوصلها إلى ذروتها». أي إذا استعملنا الكلام المعاصر فإن التدخل الحكومي في الإنتاج الرأسمالي، بكافة أشكال هذا التدخل، من أساليب غير مباشرة إلى التأميم الرأسمالي، لا يُحجم الرأسمالية، بل يوصلها إلى مراحل أعلى لا يكون بينها وبين الاشتراكية فيها إلا خطوة واحدة، ألا وهي مسألة السلطة السياسية.

 

يشير ماركس: «إذا نظرنا للمجتمع ككل، فالأزمة تنشئ بشكل أكبر أو أقل الأساس المادي للدورة القادمة». وهذا يعني بكلام آخر أن الرأسمالية تستطيع أن تخرج من أزماتها الدورية الاقتصادية، إذا لم تنوجد تلك القوة التي ستسقطها مستفيدة من الظروف المواتية التي تخلقها الأزمة الرأسمالية هذه.

ويبيّن ماركس أنه «كلما تطورت القوى المنتجة، كلما ازداد تناقضها مع ذلك الأساس الضيق، الذي تبنى عليه علاقات الاستهلاك«

فإذن .. نظام الملكية الرأسمالية الخاصة لوسائل الإنتاج، وفوضى الإنتاج الناتجة عنه، وكذلك التنافس واستغلال العمل المأجور بدون رحمة، هذه العوامل مجتمعة تؤدي إلى الإخلال المستمر في التناسبات المتكونة لعملية إعادة الإنتاج الرأسمالي. وهذا الخلل يتراكم ويتفاقم وبنهاية المطاف يؤدي إلى انفجار التناقضات المتراكمة، آخذاً شكل أزمة فيض الإنتاج الاقتصادية.

ومن أحد التناقضات الأساسية لأسلوب الإنتاج الرأسمالي، الذي يؤدي إلى حتمية الأزمات الاقتصادية التناقض بين الإنتاج والاستهلاك. فمن سعي الرأسمال إلى زيادته الذاتية المترافق مع تباطؤ نمو الرأسمال المتغير، أي دخل الكادحين، ينشأ التناقض بين الإنتاج والاستهلاك. أي تنشأ الأزمة الاقتصادية التي تأخذ طابع فيض في إنتاج السلع والزيادة النسبية لتراكم الرأسمال على شاكلة عدم الاستخدام الكامل للقدرات الإنتاجية.

كذلك فإن التقدم التقني وزيادة إنتاجية العمل على نطاق المجتمع ككل، يؤديان إلى زيادة التركيب العضوي للرأسمال الاجتماعي، أي إلى النقص النسبي لحصة الرأسمال المتغير، ويوجدان الميل إلى انخفاض وتائر نمو نسبة الربح (مع زيادة حجمه المطلق.

إن تاريخ الإنتاج الرأسمالي يبين، أنه في كل مراحل تطوره، يفوق نمو إنتاجية العمل نمو رواتب الكادحين. وإن تخلف نمو كتلة رواتب الكادحين وكذلك عدد العاملين عن نمو الإنتاجية، والذي يمتد في بعض المراحل، يؤدي منطقياً إلى تقلص قاعدة الطلب الاجتماعي وبذلك يؤدي إلى خلل في عملية إعادة الإنتاج الاجتماعي.

وهنا لاستيعاب أكبر لهذه المسألة لابد من التوقف عند مفهوم الطلب القادر على الدفع أو كما هو متعارف عليه تسميته بالقدرة الشرائية للسكان. ويبين أنجلس أنه في ظل الرأسمالية «إن الممثل الحقيقي للطلب، أي المستهلك الحقيقي هو فقط ذلك الإنسان الذي بمقدوره أن يعرض شيء مساو للذي يحصل عليه».

فإذن .. الرأسمالية لا تنظر إلى حاجة البطون بل إلى حال الجيوب. هذا مجازاً. أما حسب التعبير الاقتصادي فالطلب يحدد، من جانب الاستهلاك، بالقدرة على الدفع للذين يستهلكون (القدرة الشرائية)، أي بكتلة معينة من المال، التي يمكن أن توجه لشراء البضائع. يشير ماركس بهذا الصدد إلى «أن الحاجة الاجتماعية، أي ذلك الشيء الذي ينظم مبدأ الطلب، يحدد بالشكل الأساسي من خلال العلاقة المتبادلة بين الطبقات وبوضعهم الاقتصادي النسبي».

إن إمكانية توسع القدرة الشرائية للجماهير الكادحة تـُكبح من قبل الارتفاع الدائم للأسعار وللضرائب، أي بانخفاض دخلهم الفعلي. إن محدودية إمكانية القدرة الشرائية للكادحين في ظروف الرأسمالية تقع في تناقض مع الميل إلى التوسع بدون حدود للإنتاج الرأسمالي، بدافع السعي نحو الربح الأقصى.

ويظهر التناقض بين الإنتاج والاستهلاك، والخلل الذي يصيب تسويق المنتوج الاجتماعي العام في المجتمع، كتناقض بين الإنتاج والتداول. ويشير أنجلس في شرحه للأزمة الاقتصادية إلى أن تسويق البضائع في ظل الرأسمالية يصيبه الخلل الدوري بسبب التناقض بين «تنظيم الإنتاج في معامل بذاتها وفوضى الإنتاج على نطاق المجتمع بأكمله».

وتقف سيادة الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج كحاجز منيع أمام التنظيم المخطط للإنتاج على نطاق المجتمع بأكمله. وبسبب ذلك ففي الرأسمالية لا يتوافق إنتاج أنواع البضائع مع الحاجة الاجتماعية إليها إلا في حالات نادرة.

ومن خلال إفلاس الكثير من المنشآت وتحطيم جزء من القوى المنتجة تعيد الأزمة الاقتصادية وبشكل قسري تلاؤم حجم الإنتاج مع حجم الطلب النقدي، وتعيد لفترة معينة التناسب الذي كان قد أصابه الخلل لعملية إعادة الإنتاج الرأسمالي.

إن الرأسمالية هي التشكيلة الاجتماعية ــ الاقتصادية الأولى والوحيدة في تاريخ البشرية، تنشأ فيها مشكلة فائض إنتاج الثروات المادية. فالتشكيلات التي سبقتها عانت فقط من أزمات نقص الإنتاج وقلته.

 

بعض سمات الأزمـات الاقتصادية المعاصرة

 

منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية كانت ظروف إعادة الإنتاج في الفروع المنتجة للمواد الخام و لحوامل الطاقة الأولية، وكذلك في إنتاج الطاقة الكهربائية غير مشجعة في الدول الرأسمالية المتطورة. فمعدل الربح على الرأسمال المستثمر في تلك الفروع كان أقل بكثير من أمثاله في أكثرية فروع الصناعات التحويلية.وحاولت الدول الرأسمالية أن تخفف من هذا التشوه الهيكلي بين فروع الإنتاج، إما من خلال تقديم التسهيلات الضريبية للصناعات الإستخراجية (كما حصل في الولايات المتحدة الأمريكية وكندا)أو من خلال تأميم هذه الفروع وتطوير قطاع الدولة فيها (كما حدث في بريطانيا وفرنسا وإيطاليا).ويجب القول أن التطور السريع نسبياً للرأسمالية الاحتكارية منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية ولغاية السبعينيات من القرن العشرين كان مؤسس بدرجة كبيرة على الأسعار المنخفضة للمواد الخام وللبترول وبالتالي هذا التطور كان يستند إلى الأشكال الكولونيالية الجديدة لاستنزاف الأرباح من الدول النامية.

ولكن منذ أواسط السبعينيات من القرن الماضي تغيرت الصورة، وذلك نتيجة الارتفاع الكبير في أسعار النفط الذي شهده العالم، والذي كان المستفيد الأساسي منه الاحتكارات البترولية العملاقة، إلى جانب زيادة المداخيل للدول المنتجة للنفط، والتي صبت عائداتها في نهاية المطاف في فروع اقتصاد الدول الرأسمالية المتطورة إن كان من خلال البنوك أو الصناعات العسكرية أو إقامة المشاريع غير الحيوية وغيرها. إن هذا التحول في هيكلية الأرباح الرأسمالية كان أحد الدوافع في إعادة قوة الاتجاه الليبرالي الاقتصادي في المراكز الإمبريالية العالمية والذي أصبح سائداً في بريطانيا ومن ثم في الولايات المتحدة الأمريكية، والذي تحول إلى موجة عارمة بعد انهيار المنظومة الاشتراكية في الاتحاد السوفييتي ودول أوروبا الشرقية والوسطى. إذ كان النجاح النسبي والمؤقت لليبرالية الاقتصادية مؤسسا على النهب الشامل للثروات التي بنتها الاشتراكية في تلك البلدان، إلى جانب تشديد النهب على الدول النامية«دول الأطراف» ضمن الظروف الدولية الجديدة.

فالليبرالية الاقتصادية هي مجموعة الرؤى حول عمل الاقتصاد الرأسمالي ومبادئ السياسة الاقتصادية التي ترفض تدخل الدولة في الحياة الاقتصادية. ينظر ممثلو الليبرالية الاقتصادية إلى نظام الاستثمار «الحر» كشكل«طبيعي» للنشاط الاقتصادي العقلاني. ويعلن ممثلو الليبرالية الاقتصادية أن آلية السوق الرأسمالي العفوي هي المنظم الفعال الوحيد للعمليات الاقتصادية، والذي يؤمن التوزيع والاستخدام الأمثل للقدرات الاقتصادية، أما دور الدولة بالنسبة لهؤلاء فيقتصر على وظيفة«الحارس الليلي» الذي من شأنه أن يحمي أسس النظام الرأسمالي.

إن منطلقات الليبرالية الاقتصادية تبلورت فيما أطلق عليه تسمية « وفاق واشنطن» أو «إجماع واشنطن» في عام 1989، حين اتخذ اجتماع الدول السبعة الكبار وبناءً على توصية الطغم المالية، توجهات عامة للتطور الاقتصادي لفرضها على الدول الأخرى عبر عدة قنوات يأتي في مقدمتها صندوق النقد الدولي والبنك العالمي. وتتلخص النقاط الأساسية ل«وفاق واشنطن» بما يلي:

1ــ اعتماد موازنات دولة تقشفية من خلال تخفيض الاعتمادات الاجتماعية فيها، بحجة التخلص من عجز الموازنة وتخفيف وتيرة التضخم.

2 ــ تقديم تسهيلات ضريبية كبيرة للأغنياء بحجة أنهم الأكثر ميلاً للادخار وللاستثمار.

3 ــ اعتماد فائدة مصرفية عالية من أجل تشجيع الادخار.

4 ــ اعتماد سعر صرف متدن للعملة المحلية بحجة تشجيع التصدير.

5 ــ حرية التجارة وحرية انتقال الرساميل في كل أرجاء العالم.

6 ــ السعي إلى جلب أكثر ما يمكن من الرساميل الأجنبية.

7 ــ الخصخصة.

8 ــ إلغاء دعم الدولة وخاصة للإنتاج الزراعي.

9 ــ إلغاء أي تقييد لحرية المنافسة.

10 ــ الضمان القانوني للملكية الخاصة ولتكوين الثروات الشخصية الكبيرة.

وبالنسبة للدول النامية «دول الأطراف» أخذت توجهات الليبرالية الجديدة شكل وصفات، وبالأحرى إملاءات صندوق النقد الدولي والبنك العالمي والتي يكون عادة أحد وسائل تمريرها ممثلو البورجوازية الكومبرادورية التي لهم مصلحة مباشرة في تطبيق هذه الوصفات الإملاءات، والتي يمكن تلخيصها بما يلي:

1 ــ زيادة دور الرأسمال الخاص المحلي وخاصة الأجنبي في اقتصاد الدول النامية.

2 ــ خفض الدعم عن السلع، وخاصة الطاقة والمنتجات الزراعية وصولاً إلى إزالته.

 

4 ــ خصخصة قطاع الدولة.

5 ــ فتح أبواب الاقتصاد لحركة الرساميل، من وإلى خارج البلاد.

6 ــ التوقف عن أية توظيفات حكومية في الاستثمارات الإنتاجية.

7ــ تجميد الأجور وعدم ربطها بالأسعار، وخفض النفقات الاجتماعية وتسريح عدد كبير من العاملين.

ومن الواضح أن تطبيق هذه الوصفات يعني فتح السوق المحلية على مصراعيها لدخول الرأسمال الاحتكاري الأجنبي وبالتالي القضاء على الإنتاج الوطني وإدخال اقتصاد الدول النامية في حلقة مفرغة تتحدد مسيرتها من قبل مصالح الاحتكارات الأجنبية.

والجوهري في الليبرالية الاقتصادية على مختلف لونياتها هو النبذ شبه الكامل لمفهوم دور الدولة التدخلي. وأعلنت القيم الليبرالية الاقتصادية كونها دافعاً أساسياً للتطور الاقتصادي ونموذجاً في كل الاقتصاديات العالمية.

ولكن، وكما تدل الوقائع، فإن كل دول الأطراف التي جرى فيها تطبيق الأفكار الليبرالية الجديدة في «شكلها الصافي» شهدت صورة متطابقة تقريبا لحال البلاد تجلت في:«استقطاب لا سابق له بين السكان، تكوُّن هوة سحيقة بين الأغنياء والفقراء، تحطم القسم الأكبر للبنى الاجتماعية التقليدية، التبعية للخارج وفي نهاية المطاف انحطاط اقتصادي واجتماعي حتمي.

نعم أن الأزمة الاقتصادية الدورية هي صفة مرافقة للإنتاج الرأسمالي ولكنها أتت بهذه الشدة حالياً بسبب إزالة كل الكوابح المخففة لها والتي كان يشكلها الدور التدخلي للدولة، وكذلك بسبب أن المضاربات المالية غير المقيدة أخذت مكان الصدارة متطفلة على الإنتاج المادي. وكمثال بارز على ذلك فإن إجمالي حجم العمليات اليومية المالية في الأسواق المالية الذي كان يشكل في عام 1983 ما يقارب 2.3 مليار دولار في اليوم ازداد في عام 2001 إلى 130 مليار دولار في اليوم، وهذا التضخم الطفيلي السرطاني كان لابد من معالجته بعملية جراحية مؤلمة وعميقة وهو ما نشهده من خلال الأزمة الدورية العاصفة الحالية. ولكن الوزر الأساسي لتوابع هذه العملية الأليمة وغير الرحيمة يقع على كاهل الجماهير الشعبية.

وخاصة أن ما يفرق الأزمات الدورية المعاصرة، التي تحدث في عصر الإمبريالية، عن مثيلاتها في عصر ما يسمى بالرأسمالية الحرة (أي الرأسمالية ما قبل الاحتكارية) أنه حالياً لا تترافق الأزمات الدورية بانخفاض في أسعار المفرق، كما كان يحدث سابقاً. وهذه الظاهرة المعاصرة أطلق عليها الاقتصاديون تسمية الركود التضخمي. إذ تتصف الممارسة الاحتكارية بتشكيل الأسعار وبشكل واضح، بكون الشركات الاحتكارية تكون نظاماً للأسعار الثابتة و الموحدة نسبياً على السلع المتشابهة. أما العامل الآخر في ارتفاع المستوى العام للأسعار، فيكمن في أنه ضمن ظروف انخفاض الطلب العام، تفضل الشركات في وقتنا الراهن، ومن أجل الحفاظ على أرباحها، تقليص الإنتاج وليس تخفيض أسعار البضائع، كما أن العجز الكبير لموازنات الدول يمول بالاعتماد على إصدار إضافي لوسائل الدفع« أي النقد الورقي»وهذا الشيء يعطي لإرتفاع الأسعار صفة الديمومة والاستمرار.

من أجل فهم وتحليل الانهيار الاقتصادي الحالي لابد من الانطلاق من مواقع الشيوعية العلمية. وهذا الانهيار هو دليل آخر على أن تعاليم ماركس وانجلس راهنة لن تشيخ. فما نشهده اليوم هو تلك الأزمة الكلاسيكية لفائض الإنتاج الرأسمالي، التي تبين أن القوى المنتجة المعاصرة لا تستطيع أن تتطور بشكل سليم في حدود علاقات الإنتاج الرأسمالية. إن الأزمة الحالية هي ليست نتيجة خطأ ما أو تطبيق لسياسة اقتصادية غير صحيحة، بل هي نتاج حتمي لأسلوب الإنتاج الرأسمالي.

إن تاريخ الأزمات الاقتصادية هو مثال ساطع ومقنع على أن الرأسمالية لا يمكن أن تتطور إلا من خلال التبذير المريع في القوى المنتجة وهدر الثروة العالمية. إن الأزمات الاقتصادية هي دليل على موضوعية مفهوم انهيار الرأسمالية، على كونها مرحلة تاريخية زائلة.

أثناء الأزمة الشديدة التي شهدها الاقتصاد العالمي كتب ماركس لأنجلس في رسالة مؤرخة بــ 13 تشرين الثاني عام 1857 ما يلي:«بالرغم من أني أعاني شخصياً من عوز مالي إلا أنه منذ عام 1849 (أي منذ الأيام الثورية) اشعر بالراحة، كما أثناء هذا الانهيار».

وفي رسالة انجلس الجوابية المؤرخة بـ15 تشرين الثاني 1857 نجد ما يلي (سأسمح بإيراد مقاطع كبيرة منها لأهميتها وكأن انجلس يوصف الأزمة الراهنة)..

إذ يشير انجلس إلى أن مركز المضاربة الأساسي بالأسهم يقع في نيويورك. أولئك الريعيون والموظفون في ألمانيا الذي اشتروا كل شيء يتعلق بأمريكا سينزفون بشكل معتبر,

 

هناك عوامل معينة ستؤخر التأثير المباشر لأوروبا بالمضاربات الأمريكية ولكن هذا التأثير سيظهر سريعاً.

إن المضاربات شملت إلى جانب الأسهم، كل المواد الخام وبضائع المستعمرات وبالتالي السلع الصناعية التي تتأثر بشكل كبير بسعر المواد الخام.

عندنا (أي في مدينة ما نشستر فقط) حوالي عشرين من الصناعيين أعلنوا إفلاسهم، سوف لا ينجو منهم أكثر من 35% إلى 40%.

إلى جانب ذلك هناك الكثير من المستثمرين المتوسطين والصغار نُسفوا ولكن مصيرهم لا يهم أحد. ويتابع انجلس رسالته بالوصف التالي:

«إن منظر البورصة المحلية كان مسلياً في الأسبوع الماضي. والسادة المحليون يزعلون بشكل كبير من الارتفاع الملحوظ في مزاجي .فعلاً أن البورصة هو المكان الوحيد الذي يحسن مزاجي. و طبعاً أنا دائماً أتنبأ بتطورات قاتمة، وهذا الشيء يزعل هؤلاء الحمير بشكل مضاعف.

ومن الواضح أنه ستكون الأزمة طويلة ومتسعة باضطراد لحد وقتنا الراهن لم تتوقف الأزمة بشكل سريع وفوري. وهذا الشيء لن يحدث مع الأزمة الحالية التي أتت بعد عشر أعوام من الازدهار والمضاربات».

ويشير انجلس بنظره الثاقب إلى أنه «بسبب فترة طويلة من الازدهار دخلت الجماهير إلى حالة الثبات ويلزمها ضغط متواصل مزمن من أجل تحريك عزيمتها» ويختم رسالته بالكلام التالي:«ستكون الأزمة مفيدة لجسمي كالسباحة في البحر».

ونحن تلاميذ ماركس وانجلس أيضاً لا نخفي شماتتنا من عواقب الأزمة الحالية التي تهز أركان الإمبريالية، ونرى أن الأساس يكمن في تحرك الجماهير، وفي إقدام تلك القوى التي تستطيع أن توقظ الجماهير وتوجهها في المسار القويم…

Advertisements

About منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني

موقع منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني
هذا المنشور نشر في نظريات وحركات يسارية وثورية وكلماته الدلالية . حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s