تطور الرأسمالية في سورية

 

تطور الرأسمالية في سورية- د. نبيل مرزوق

 

خاص الأفق الاشتراكي- السيرة الذاتية لمحمد سعيد الزعيم نموذجا

تقدم السيرة الذاتية لمحمد سعيد الزعيم مؤشرات واضحة، عن التحولات الإقتصادية والإجتماعية التي بدأت بالتشكل منذ أواسط القرن التاسع عشر، في الولايات العثمانية العربية، وخاصة بلاد الشام.

وتضفي شخصية سعيد الزعيم الديناميكية والمنفتحة، والمنغمسة بالشأن العام والوطني، بعدا ثقافيا وقيميا لتلك الفئة الآخذة في التبلور ذلك الوقت، كثقافة وقيم طبقة شاركه في صنعها عدد من رجالات عصره. كان الاستقلال لحظة تاريخية لتلك الفئة انطلقت منها في مسيرة مزدهرة، ومتنامية باستمرار اختلطت فيها نوازعها التوسعية الذاتية، بمفاهيمها الوطنية والقومية، مما قادها إلى التخبط وعدم وضوح الرؤية، فكانت أحداث 1961- 1965 مدمرة لها، دون أن تكون قد تحولت إلى طبقة بذاتها، وطبقة سائدة، ويتضح من التطور الرأسمالي الحالي الذي تعيشه سورية الآن، انقطاع مع تلك البرجوازية التاريخية التي نشأت في ظروف محلية وإقليمية ودولية مغايرة تماما للظروف الجديدة، والتي تتبلور من خلالها برجوازية جديدة غير منتمية، خرجت من رحم القطاع العام والنظام، مفتقدة للرؤية والقيم والمثل التي حملتها برجوازية سعيد الزعيم ذلك الوقت. حتى الآن تتعايش بقايا البرجوازية القديمة مع البرجوازية الجديدة الناشئة، إلا أن هذا التعايش لم يتحول إلى تحالف على غرار ما حدث في مصر مثلا، هل سنشهد تحالفا بينهما يمهد لتطور رأسمالية محلية؟ أم أن بقايا تلك البرجوازية ستتحول إلى برجوازية صغيرة تنتمي إلى مشروع وطني بديل؟ تلك تساؤلات يحمل الإجابة عنها، مستوى تطور وفعالية الحراك الإجتماعي والصراع الطبقي في المستقبل القريب.

يحتاج البحث في تطور الرأسمالية في سورية، وقتا وجهدا كبيرين. إنه جهد بحثي مطلوب تفتقر إليه المكتبة الإقتصادية السورية، كما تفتقد إليه الدراسات الاستشرافية لمستقبل سورية. ما تحاول هذه الورقة تقديمه هو خطوط عريضة وملامح لبعض جوانب التطور الإقتصادي والإجتماعي لسورية منذ أواخر القرن التاسع عشر مع صعود نجم الشيخ خالد الزعيم الذي طور تجارته في ذلك الوقت لتصبح تجارة دولية، والذي أطلق عام 1924 ولده محمد سعيد، الشاب صغير السن بعمر 20 عاما ذلك الوقت في حلب مركز النشاط والأعمال شمال سورية . منذ 1925 وحتى 1962 قاد سعيد الزعيم الأعمال التجارية للعائلة، وتحول من التجارة إلى الصناعة فالخدمات المالية والمصرفية، محققا نجاحات ومكاسب مادية واجتماعية جعلته واحدا من أبرز البرجوازيين الذين يقودون التطور الرأسمالي في البلاد ذلك الوقت، لم تكن المسيرة سهلة ولم تكن تخلو من كبوات، مع ذلك لا تهدف الورقة إلى إعادة قراءة السيرة الذاتية لمحمد سعيد الزعيم، وإنما وضع البرجوازي محمد سعيد الزعيم في سياق التطور الرأسمالي الذي كان جاريا ذلك الوقت في سورية، والذي من خلال نشاطه المتعدد الجوانب يعبر عن قيم وثقافة طبقة صاعدة، وليس بالضرورة قيم وثقافة المجتمع الحلبي أو السوري السائدة ذلك الوقت، تستعرض الورقة بعض الأحداث والمواقف الأكثر بروزا، في حياة سعيد الزعيم وتحاول تفسير دلالاتها، باعتماد منهج تاريخي تحليلي اقتصادي اجتماعي انتقائي، نتيجة عدم القدرة حاليا على إجراء تحليل تاريخي اقتصادي اجتماعي شامل لتلك الفترة التاريخية الهامة بالنسبة لسورية. لقد تم الاعتماد في إعداد هذه الورقة على السيرة الذاتية لمحمد سعيد الزعيم كما قدمتها ابنته السيدة أمية في كتابها عنه، والذي احتوى شهادات مميزة، كان أبرزها الشهادة الصادقة المنصفة للصديق العزيز الراحل عصام الزعيم، بالإضافة إلى ما كتبه سعيد الزعيم نفسه من دراسات ومقالات، أما بالنسبة للمراجع الأخرى فهي عديدة سيتم الاستشهاد بها عند الحاجة.

سيتم تناول الأفكار المنوه عنها أعلاه من خلال الفقرات التالية:

1- سورية وبلاد الشام أواسط القرن التاسع عشر

2- سورية وبلاد الشام أوائل القرن العشرين

3- سورية منذ الاستقلال وحتى عام 1962

4- أحداث وعلامات بارزة

1- سورية وبلاد الشام أواسط القرن التاسع عشر

كانت أسرة الزعيم من أسر حماة الموسرة، والتي تعمل في التجارة والتجارة الإقليمية على نحو خاص، وكان خالد الزعيم المولود عام 1289هجرية، نحو 1880 ميلادية، والد محمد سعيد، قد تزوج من سيدة من آل سلطان من حماة أيضا، أسرة تعمل في التجارة البعيدة أي مع أوروبا وآسيا، وقد اكتسب من هذه القرابة، التجارة البعيدة أيضا. بالعودة إلى تاريخ سورية في تلك الحقبة، يتبين أن من كان يعمل في التجارة البعيدة قلة من السوريين، حيث كانت الوكالات الأجنبية “comptoirs” الفرنسية والبريطانية وغيرها تسيطر على تلك التجارة. إذ كانت اتفاقية ( الامتيازات الأجنبية ) المفروضة على الإمبراطورية العثمانية عام 1535 قد مهدت الطريق لفتح أسواق الدول الخاضعة للإمبراطورية العثمانية، وانتزاع التجارة الخارجية من تجارها، يورد الدكتور بدر الدين السباعي في كتابه ” أضواء على رأس المال الأجنبي في سورية 1850- 1958″ ما قاله قسطنطين فرانسوا الذي أمضى عددا من السنوات في سورية ومصر أواخر القرن الثامن عشر ” إن تجارة سورية كلها تقريبا في يد الفرنك واليونانيين أو الأرمن” ، ولم يكن ذلك نتيجة قلة خبرة ونشاط التجار المحليين، فالامتيازات الأجنبية، وضعت تعرفة جمركية متدنية للتاجر الأوروبي لا تزيد عن 3% في حين كان على التاجر العثماني دفع 10% أو أكثر، وكان التاجر الأوروبي يدفع الرسم لمرة واحدة في أي ميناء للوصول في الإمبراطورية العثمانية، وتعفى بضاعته من رسوم الولايات التي تعبرها، في حين كان على التاجر العثماني أن يسدد الضريبة في كل ولاية سواء على الصادرات أو الواردات، هذا ناهيك عن القوانين والتدخلات التي يقوم بها السلاطين والحكام المحليون، في الوقت الذي كان الأجانب يخضعون إلى قوانين بلادهم ومحاكم قنصلياتهم.

أهملت البنية التحتية في مختلف الولايات العثمانية ولفترة طويلة، وكانت حالة الطرق سيئة، مما كرس النقل بواسطة الحيوانات، وكانت هذه الحيوانات في سورية هزيلة وضعيفة وفي نفس الوقت قليلة ونادرة، مما كان يتسبب بارتفاع تكاليف الصادرات السورية ” وفي علم 1871 كان نفل القمح من حلب إلى اسكندرونة 25 قرشا للشمبل وقد يكلف الضعف في القرى القريبة من أورفة ( على بعد نحو 230 كيلو مترا) للوصول إلى حلب، وفي ذلك الوقت كان سعر القمح في حلب عادة خمسين قرشا للشمبل. وعلى المنوال نفسه، كان النقل إلى الاسكندرونة عام 1888 يعادل 50 بالمائة من سعر القمح في حلب، أما قيمة النولون من لندن إلى اسكندرونة فكانت نصف قيمته من الاسكندرونة إلى حلب” ، بالإضافة إلى إعاقة التصدير فقد كان من شأن ارتفاع تكاليف النقل تقليص العائد من المبيعات بالنسبة للمزارع والفلاح، وانخفاض دخله واستمرار رزوحه في الفقر.

شكل نمط الملكية عائقا كبيرا أمام التراكم وتطور الزراعة بشكل عام، فنمط حيازة الأرض القائم على ملكية الدولة أو الحاكم والذي أخرج قسما كبيرا من الأراضي الزراعية وغير الزراعية من ملكية الأفراد والمجتمعات الريفية، وكانت الأراضي الأميرية أو الميري، خلال القرنين السابع عشر و الثامن عشر موزعة إلى أملاك خاصة، ويقصد بها خاصة بالسلطان وأفراد أسرته، أو الأراضي التي تخصص مواردها لشاغلي وظائف بعينها، وأراضي مخصصة للسباهية، وهم الذين تولوا جباية الريوع والضرائب من الفلاحين، حيث خصص لهم قسم من الأراضي يزرعه لهم الفلاحون كجزء من التزامات العمل الذي يقع على عاتقهم . إلى جانب ذلك كان ” المشاع” سائدا في العديد من المناطق، هذه الأنماط من الملكية لم تساعد على تطوير الزراعة وتحسين إنتاجيتها، فظلت الأساليب التقليدية في الزراعة هي السائدة مع تبوير الأراضي، ونتيجة فقر الفلاحين فإنهم كانوا روث الحيوانات في التدفئة والطهي، عوضا عن استخدامه كسماد عضوي لزيادة خصوبة التربة، وقد زاد نظام الإلتزام، والمقصود به تلزيم جمع الضرائب والذي كان يقوم به الوجهاء والأعيان، من فقر الفلاحين وعوزهم، وأهم الضرائب كانت العشر والذي يجبى عينا ” وفي عام 1845، كان الملتزم يأخذ ربع محصول الفلاحين إذا قاموا بدفع العشر مباشرة إلى الحكومة ، أما إذا قام هو بدفع العشر ، فإنه يحصل عندئذ على ثلث المحصول” . صدر في عام 1858 قانون الأراضي الذي ألغى المشاع، وأتاح فرصة تسجيل الملكيات وفق سندات ” طابو”، كان قسم كبير من الفلاحين عاجزون عن إثبات شغلهم للأرض، فانتقلت ملكيات أراض وقرى إلى الوجهاء والأعيان، وتكرس نمط جديد من الإقطاع في مختلف مناطق سورية وخاصة حلب ودمشق و الجزيرة وحمص واللاذقية، ” يشير تقدير أولي لعام 1913 إلى أن 25بالمائة من إجمالي مساحة أراضي سورية كان من الحيازات الصغيرة ( أقل من عشرة هكتارات)، و15 بالمائة من الحيازات المتوسطة (10هكتاراتإلى 100 هكتار)، و60 بالمائة من الحيازات الكبيرة ( فوق 100 هكتار)”

أدى قانون الأراضي بالإضافة إلى زيادة الطابع السلعي للإنتاج الزراعي إلى ارتفاع أثمان الأراضي، وهذا ما جعل كبار الملاك أكثر غنى وثروة، ولكن هذه الثروة مجمدة وغير قابلة للتسييل بسهولة، ويقول شارل عيساوي ” وعند نهاية القرن التاسع عشر ظهرت في سوريا بعض العائلات من أصحاب الملكيات الزراعية الواسعة، كانت كل واحدة منها تمتلك بضع قرى. وكما يقول فيليب خوري، حل هؤلاء محل الجماعتين البارزتين: العلماء الذين يستمدون مكانتهم من أسس دينية، والأغوات الذين ويستمدونها من أسس عسكرية، وغالبا ما كان هؤلاء ثمرة اندماج المجموعتين. ” وفي تعداده لتلك العائلات لا تظهر عائلة الزعيم بينها، وهو ما تؤكده السيرة الذاتي لسعيد الزعيم والنشاط التجاري البحت للعائلة.

كانت حلب في القرنين السابع عشر والثامن عشر أهم مدينة في سورية فهي ثالث أكبر مدينة في الإمبراطورية العثمانية بعد اسطنبول والقاهرة، بفضل مركزها التجاري الهام، وصناعاتها وإنتاجها الحرفي، ولكن عوامل عدة مثل زلزال عام 1822 الذي دمر جزءا كبيرا من المدينة، والحروب وسوء المواسم الزراعية وتأخر البنية التحتية، قد سهلت غزو المنتجات المصنعة في فرنسا وبريطانيا، كما كان لفتح قناة السويس آثارا مدمرة على صناعة وتجارة سورية بعامة وحلب على نحو خاص، تراجعت التجارة بين دمشق وحلب والموصل نتيجة التحول في طريق التجارة الدولية بما يقارب 80% بين عامي 1869- 1871وتراجع إنتاج القطن والحرير، ونحو 1870 لم يكن في حلب يعمل أي نول من أنوال الحرير التي كانت تستخدم قبل أربعين عاما بين 3000 و4000 نساج ، أما بالنسبة للمنسوجات القطنية فقد تراجع عدد الأنوال المصنعة لها إلى الثلث تقريبا, ” ومنذ نحو عشر سنوات ( حوالي عام 1860)، كان هناك نحو عشرة آلاف نول في حلب تصنع القماش الذي تحدثت عنه، والآن لا تكاد توجد أربعة آلاف نول ما زالت مستمرة في الإنتاج” وفي عام 1890 لم يبق يعمل من أنوال النسيج في حلب سوى بين 70 و80 نولا بعد أن كان عددها قبل ثلاثين عاما يتراوح بين 700 و800 نول . قدرت القيمة الإجمالية لإنتاج أنوال حلب عام 1856 بنحو 69 مليون قرش أو 600 ألف جنيه إسترليني وقدرت عام 1872 بما لا يزيد عن 360ألف جنيه، وفي عام 1901 قدر القنصل البريطاني في حلب إجمالي قيمة الصناعة اليدوية من مختلف الأنواع في حلب ب400ألف جنيه

لقد انعكست هذه الأوضاع بتدهور أوضاع المنتجين الزراعيين، والعمال الصناعيين والحرفيين، وتراجع مستوى معيشتهم وقدرتهم الشرائية، بل ازداد فقر فئات واسعة من المواطنين، مما انعكس أيضا بتراجع الطلب المحلي وركود في الإنتاج الصناعي والحرفي والزراعي أيضا، نتيجة انعدام الثقة وتراجع حركة الإقراض للمزارعين الصغار والفقراء منهم.

إذن رغم الأهمية النسبية لموقع سورية التجاري الإقليمي والدولي، وتطور الصناعات والحرف فيها والأراضي الخصبة الواسعة، فإن سوء الإدارة العثمانية واستهتارها بمصالحها ومصالح الدول الخاضعة لها بعيدة الأمد، بالإضافة إلى عدم الاستقرار وانعدام الثقة بالدولة والمستقبل، قد أدى إلى إفقار عام للبلاد وخاصة الأقسام الداخلية منها، وحال دون تراكم رأس المال، ونشوء فئة من الرأسماليين المبادرين، وحسب القنصل البريطاني في دمشق عام 1879 فإن ” ثروات المدينة والريف المحيط بها التي كان يملكها من قبل نحو خمسين شخصا أو ستين من المسلمين والمسيحيين واليهود، أصبحت الآن تتركز أساسا في أيدي اثني عشر شخصا من المسلمين، غالبيتهم ينتمون إلى جهاز الحكم المحلي أو يرتبطون به” ورغم التباين في التقديرات فإن الاتجاه العام كان واضحا نحو تمركز الثروة في أيد قليلة مع فقر مدقع في الريف خاصة والذي يشكل النسبة العظمى من السكان، مع ذلك فإن حجم هذه الثروات قد كان نسبيا ضئيلا، يقول المفوض العثماني في اللجنة السورية ( لتقدير التعويضات عن خسائر الصراعات الأهلية الطائفية 1860)، المنعقدة في بيروت 21 تشرين ثاني 1860 ” إن الثراء المتواضع لسكان دمشق قد يدهش سعادتكم، ولكن باستثناء خمسة أو ستة أفراد، فإن معظم السكان الأكثر ثراء لا يحققون دخلا سنويا ما بين 700- 1000 جنيه إسترليني” ، وتشير تقارير الخارجية البريطانية لعام 1878، إلى أن ” وعلى الرغم من أن الممولين والتجار في بيروت أكثر نظرائهم ثراء وعددا في سورية كلها، إلا أن ثروتهم ليست كبيرة ، فيما بين 10-15 فرد منهم يملك كل منهم رأس مال قدره عشرة آلاف ليرة، ويملك ما بين 7 إلى 8 أفراد ما يقل عن ذلك.”

اتجه قسم كبير من أثرياء المدن السورية، إلى الإستثمار العقاري والإستثمار في السندات الحكومية، نتيجة الأرباح التي يوفرها القطاع العقاري، مع زيادة الطلب على السكن والأعمال، في المدن نتيجة توسعها السريع، وكذلك الأرباح المضمونة في السندات الحكومية، ولكن ملكية العقارات كانت تعيق التمويل الإستثماري والتجاري، نتيجة صعوبة تسييلها، كما فقدت السندات الحكومية ما يقارب 50% من قيمتها في ذلك الوقت، ويقدم التدهور الذي أصاب تجارة وأعمال الحاج أحمد سلطان ( أحمد سلطان والد زوجة خالد الزعيم وعميد أسرة آل سلطان المتخصص في التجارة الدولية البعيدة، أوروبا وآسيا الصين) أثناء الحرب العالمية الأولى، نتيجة غرق سفينته المحملة بالصوف في مرسيليا ، تأكيدا على هذه التقديرات، ولقد كان ذلك طبيعيا نتيجة سوء الإدارة العثمانية وقصور نظرها، ونهب الحكام والمتنفذين المحليين، وما استتبعه من نهب تجاري قامت به الوكالات الأوروبية وخاصة الفرنسية والبريطانية منها، يقول بازيلي ” بيد أن النزاع الدولي الحاد عامي 1839-1840، الذي كانت مسألة سورية تشكل مركز الصدارة فيه، كان يشهد على اهتمام الدول الأوروبية المتعاظم بهذا الجزء من الإمبراطورية العثمانية، فقد جرى منذ القرن الثامن عشر صراع بين إنكلترا وفرنسا من أجل السيطرة على السوق السورية، …..، وظهرت في إنكلترا منذ النصف الأول من القرن التاسع عشر خطط لاستخدام أراضي سورية من أجل إقامة طريق مائي أو خط حديدي إلى الخليج العربي.” لقد أسهمت جملة هذه العوامل في إبطاء عملية التطور الرأسمالي في البلاد، بمعنى نشوء فئة رأسمالية محلية صناعية حديثة ، رغم وجود فئة من البرجوازية التجارية والملاكين العقاريين والإقطاعيين، إلا أن ثرواتهم ورؤوس أموالهم لم تشكل تراكما كافيا للتحول إلى طبقة رأسمالية، وهكذا لم يتحول خالد الزعيم أبوسعيد الملاك العقاري و التاجر الناجح إلى رأسمالي، كما لم يتحول كثيرون من أمثاله، وشكلوا فئة برجوازية متنورة وديناميكية، مؤهلة للتحول ولكن ظروفها الموضوعية، والتي هي ظروف عامة للبلاد لم تسمح بهذا التحول.

2- سورية وبلاد الشام أوائل القرن العشرين

كان القرن التاسع عشر، قرن صراع وحراك إجتماعي في الإمبراطورية العثمانية، بين القوى الصاعدة من البرجوازية العثمانية التركية والعربية، وتم التآمر بين البريطانيين والباب العالي على محاولة محمد علي الكبير في ضم سورية إلى مصر، والسير في اتجاه التحديث والتطوير، وتم إفشال تلك المحاولة بإعادة السيطرة على بلاد الشام، وتم خنق محاولات الإصلاح في الإمبراطورية ووأدها، وكان لابد من انتظار أوائل القرن العشرين 1908 لحدوث الثورة ضد الاستبداد الحميدي، وإعادة الدستور ولكن الاتحاديين الذين استلموا السلطة بعد الثورة تغلبت عليهم النزعة القومية التركية الطورانية، المعادية لبقية القوميات التي تكونت منها الإمبراطورية، مما أدى إلى تنامي النزعة القومية العربية دفاعا عن ثقافة وحقوق الدول العربية الخاضعة للعثمانيين، والتي عملت على تحقيق الإستقلال التام عن الإمبراطورية العثمانية، وهذا ما استطاعت تحقيقه في ثورتها ” الثورة العربية الكبرى” 1916 وإخراج القوات التركية من بلادها 1918. لم تدم فرحة السوريين كثيرا بتحقيق الإستقلال، حيث فاجأتهم اتفاقيات سايكس- بيكو ، وتقاسم بلادهم بين الفرنسيين والإنجليز وتقسيمها إلى دويلات، ولكن السوريين كانوا هذه المرة مصممون على الإستقلال والتحرر، فاستمرت ثورتهم إلى أن تحقق لهم الإستقلال عام 1946 في إطار التقسيمات الإدارية في العهد العثماني ووفق تقسيمات سايكس – بيكو.

كان التطور المتحقق في سورية خلال القرن التاسع عشر بطيئا، ترافق بدمار الصناعات والحرف التقليدية، وبزيادة تراجع الدور التجاري الإقليمي للمدن الداخلية الرئيسية دمشق وحلب والموصل، ولكن بالمقابل كانت المناطق الساحلية اللاذقية ولبنان وفلسطين، تشهد نموا وتطورا متسارعا، واستطاع الحرفيون السوريون التأقلم مع التطور الجديد في صناعة الغزل والنسيج، فتوجهوا للغزول المستوردة وخاصة الإنجليزية منها، وقلدوا المنسوجات الأوروبية وفي عام 1901 كتب القنصل البريطاني في دمشق ” تجارة المنسوجات الحريرية والقطنية مع مصر تتحسن… والصادرات إلى أسواق أوروبا وتركيا الآسيوية … تسير أيضا على نحو طيب” ، وفي عام 1901 تم تصدير نصف إنتاج حلب، وفي عام 1911 كان هناك بين 30و40 من أنوال الأقمشة المنقوشة، وبعضها من طراز معدل في دمشق وحلب وفي عام 1909 قدرت قيمة الحرير والقطن والمنسوجات المخلوطة في سورية بما بين 30 و40 مليون فرنك كان منها 10-15 مليون أنتجت في حلب وفي عام 1913 قدر الإنتاج الإجمالي في سورية ( الطبيعية) ب 882 مليون فرنك، وكان إنتاج ولاية حلب 222 مليونا . بدأت في سورية مع القرن الجديد تطورات تقنية هامة، خطوط السكك الحديدية وإنتاج الكهرباء والنقل الميكانيكي وربط المساكن بشبكة مياه للشرب، ولكن هذه التطورات قد كانت أبطأ في حلب والداخل عموما، مع ذلك بدأت تظهر منذ 1902 في حلب ومناطق أخرى مطاحن الدقيق الآلية الحديثة وصناعة الحرير والسجاد الآلي ( بلغ عدد المشتغلات في السجاد في حلب نحو ألف إمرأة عام 1911 ).

لقد أعاق تغلغل رأس المال الأجنبي في سورية، تطور برجوازية محلية ذات إمكانات كافية، نتيجة سيطرتها على التجارة الخارجية والبعيدة، والنظام المصرفي والمالي الناشئ، وقد دعم الاستعمار الفرنسي هذه الاتجاهات وكرسها، مع ذلك استمرت عملية تحديث بنى الإنتاج بوتائر ضعيفة نسبيا، وقد استفادت البرجوازية السورية من الأزمة الإقتصادية العالمية الكبرى لتطوير المنشآت القائمة وإقامة صناعات جديدة ” تأسست خلال الأعوام 1928- 1933 أي خلال فترة تصاعد الأزمة الرأسمالية 185منشأة صناعية جديدة، كما جرى تحديث وتوسيع 219 منشأة أخرى. وقد استفادت الصناعة السورية من إنفاق الحلفاء والطلبيات العسكرية للقوات المتواجدة في المنطقة، وزودت المصانع السورية واللبنانية الجيش الفرنسي أعوام 1939-1940 بملايين أمتار الأقمشة وآلاف الخيم، وحسب تقديرات آي. آسفور ” فقد تراكم في سورية حتى نهاية الحرب العالمية الثانية حوالي 500 مليون ليرة سورية، معظمها بالجنيهات الإسترلينية والفرنكات الفرنسية. وجاء في تقرير بعثة المصرف الدولي للإعمار والتنمية أن ” المصدر الأساسي لرؤوس الأموال التي أوجدت مشروعات جديدة كان من الأرباح التجارية التي جمعها السوريون داخل البلاد وخارجها في سنوات الحرب”.” لقد تحول سعيد الزعيم من التجارة إلى صناعة الحرير وساهم في إقامة معمل “إسمنت الشهباء” ، وفي صناعة السكر والزجاج وحلج الأقطان، وانتقل لاحقا إلى المساهمة في إقامة فرع ” للبنك العربي” وإلى التأمين وإعادة التأمين. ” أخذت تتكون أولا، طبقة بورجوازية من أصحاب الصناعات والمشاغل، ومن التجار وبخاصة تجار الاستيراد والتصدير، والوسطاء وأصحاب منشآت الخدمات والمتعهدين وغيرهم. لقد جاء عناصر هذه الطبقة من كبار الحرفيين والتجار السابقين، ومن أبناء بعض الإقطاعيين، ومن المهاجرين العائدين بعد تجميعهم الثروة في بلاد المهجر، هؤلاء جميعا وظفوا بعض أموالهم وخبرتهم في الفعاليات الجديدة المدرة للربح.” لقد اتسعت قاعدة البورجوازية وازدادت إمكاناتها وقدراتها المالية، وأسهم توسع التعليم منذ منصف القرن التاسع عشر وحتى الاستقلال بتوفر كادر متعلم ومطلع على التجارب العالمية، في تحديث الإدارة العامة، وتطوير برجوازية متعلمة ومتنورة، منفتحة على التجارب العالمية، وقادرة على إنشاء الأعمال والتعامل مع الخارج.

شجع الاستعمار الفرنسي الملكية الإقطاعية، لأهداف سياسية من خلال قرار إلغاء المشاع في 10آذار 1926 والقرار رقم 275″ بشأن إدارة وبيع أملاك الدولة الخصوصية غير المنقولة” وبنتيجة ذلك توسع الإقطاع خلال سنوات الاحتلال، وفي أواخر عهد الانتداب كانت ملكية الأراضي موزعة وفق النسب التالية:

المحافظة ملكية صغيرة دون 10 هكتار ملكية متوسطة 10-100 هكتار ملكية كبيرة أكثر من 100 هكتار ملكية الدولة المساحة العامة ألف هكتار

حلب 13% 30% 35% 22% 2117

مجموع سورية 15% 33% 29% 23% 7906

مصدر: حنا عبد الله القضية الزراعية والحركات الفلاحية في سورية ولبنان ( 1920- 1945) القسم الثاني ص 44- 45

و يتضح أن حلب قد حافظت على معدل للملكية الصغير قريب من المعدل الوسطي العام، ولكن كانت نسبة هذه الملكيات في حماة 1% وفي حمص 4% وفي الجزيرة 5%. لقد أصبحت ملكية الأراضي الزراعية تدر ريعا أفضل من السابق مع زيادة التبادل النقدي وتسليع الإنتاج، وتحسين حالة الطرق ووسائط النقل، بالإضافة إلى استخدام الآليات الحديثة في الزراعة، وقد عزز كل ذلك من ثروة ونفوذ هذه الفئة، وأتاح لبعض أبنائها التحول إلى برجوازية تجارية وصناعية.

3- سورية منذ الاستقلال وحتى عام 1962

فتح الاستقلال فرصا وإمكانات جديدة للبورجوازية المحلية، فانطلقت بحماسة في السنوات الأولى للاستقلال ووسعت أعمالها ” وزاد عدد الشركات الصناعية من خمس شركات عام 1945 إلى 24 شركة عام 1950، ثم إلى 46 شركة عام 1956، وزادت رؤوس أموالها المدفوعة في هذه الفترات على التوالي من 22.1 مليون ل.س إلى 100.3 مليون ل.س ثم إلى 170.7 مليون ل.س”

كما شجعت الأسعار العالمية المرتفعة لبعض المنتجات الزراعية وخاصة الحبوب، على زيادة الإستثمار في الزراعة، واستصلاح الأراضي واتسعت مساحة الأراضي المستصلحة من 2.5 مليون هكتار عام 1946 إلى 4.1 مليون هكتار عام 1956، وبلغ عدد الجرارات ذلك العام نحو 2000 جرار بعد أن كان لا يتجاوز 300 جرار عام 1949، وكان التوسع الزراعي الأهم في المنطقة الشمالية الشرقية من البلاد حيث أقيمت مزارع ممكنة وبتقنيات زراعية متطورة، يمكن وصفها بالمزارع الرأسمالية.

وبتحليل مستند إلى التعداد العام للسكان لعام 1960 يقدر د. هيلان توزيع الدخل الوطني على النحو التالي: 75% من السكان ( 50% ريفيون+ 25% حضريون) يحصلون على 25% من الناتج المحلي، و22% من السكان ( نصفها من الريف والنصف الآخر من الحضر) تحصل على 33% من الدخل، والنسبة المتبقية والتي لا تتجاوز 3% من السكان تحصل على ما يزيد عن 40% من الناتج تشير دراسة إحصائية مقارنة للأمم المتحدة عن توزيع الدخل الوطني بتكلفة عوامل الإنتاج 1949، لعدد من الدول، منها سورية ( بيانات سورية لعام 1963)، أن حصة دخل العمل تبلغ 43.1 % من الناتج المحلي وبلغت حصة دخل الملكية والأرباح 56.9% ، هذا التباين الكبير في توزيع الدخل والحصة الكبيرة لعوائد الملكية والأرباح لم تنعكس بشكل كاف في تسارع نمو وتطور الرأسمالية في سورية كطبقة، وجاءت أحداث 8 آذار 1963 وما بعدها لتوقف هذا التطور إلى حين، ومن ثم لتستأنف البورجوازية السورية عملية التحول الرأسمالي من جديد ولكن هذه المرة حتما ليس بينها محمد سعيد الزعيم.

واجهت سورية ومنذ استقلالها توترات واضطرابات هددت استقرارها، المواجهة مع العدو الصهيوني منذ 1947 والانقلابات العسكرية منذ 1949 وحتى 1954 وتهديدات وضغوط خارجية حتى قيام الوحدة مع مصر عام 1958 والتي تم فيها الإصلاح الزراعي فالتأميمات عام 1961 ثم انقلابات عسكرية منذ 1961 حتى 1963 ، أدت هذه الوضعية من عدم الاستقرار إلى تريث رأس المال في الاستثمار وفي توسيع الأعمال، رغم الأرباح الكبيرة التي كانت تحققها الصناعة الحديثة والوضع شبه الاحتكاري الذي كانت تتمتع به نتيجة الحماية للصناعة، ولذلك لم نشهد توسعا ملموسا في الاستثمار وفي تطوير بنى الإنتاج منذ أواسط الخمسينات من القرن العشرين، وبالتالي لم نشهد تطورا فعليا في قاعدة الرأسمالية المحلية والتي بقيت محدودة، وغير قادرة على تكوين طبقة سائدة، بدورها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي، وجاءت التأميمات 1961 و1964و 1965 لوقف هذا الصعود للرأسمالية المحلية، ووضعها على هامش التطور الجاري في البلاد إلى الثمانينات من الفرن الماضي لتعاود المحاولة من جديد ولكن بوجوه وأساليب جديدة.

4- أحداث وعلامات بارزة

قد يكون من أولى العلامات البارزة في المسار نحو الرأسمالية في سيرة حياة محمد سعيد الزعيم، هي تأسيس خالد الزعيم الأب للعمل التجاري مع الخارج، ونقل نشاطه إلى حلب المركز التجاري والصناعي الأهم في ذلك الوقت، ومحاولته دعم ركائز تجارته من خلال توسيع ملكيته العقارية المدينية ( حمص وحماة وحلب) المدرة للدخل ( خانات) وذات القيمة العقارية والتجارية المتصاعدة ذلك الوقت. إلى جانب الأفق التجاري الواسع، كان يمتلك ثقافة وتنورا جعله في صفوف الإصلاح والمعارضة، مما يعني وعيا بمصالحه الطبقية التي كان تخلف الإدارة العثمانية واستبدادها يعيق تحققها، فهو لم يكن معاديا للسلطة العثمانية من منظور قومي، وكان يقف إلى جانب العثمانيين الإصلاحيين والأكثر تنورا، ويعكس ذلك وعيا لمصالحه كبورجوازية وليس كقومي معاد للسلطة العثمانية.

سعيد الزعيم الذي نشأ في بيئة تجارية مثقفة، ذهب أبعد من أبيه وهو ابن البيئة المحافظة والدين التقليدي، فهو يعلم بناته في المدارس الأجنبية، البنات الكبيرات تعلمن الإنجليزية والبنت الصغرى السيدة أمية تعلمت الفرنسية، والتي تقول ” أن كل بنت في العائلة تقريبا تابعت دراستها الجامعية وعملت بينما تابع القليل من الذكور دراستهم الجامعية.” في الوقت الذي اختار لنفسه تعلم الفرنسية التي لم تتح له ظروف نشأته التعليمية تعلمها، بالإضافة إلى ترسيخ هذا البعد البورجوازي في الإنفتاح وتعليم الإناث، فقد كان خيار تعليم الأبناء في مدارس تعلم الإنجليزية في زمن تسود فيه اللغة الفرنسية، رؤية مستقبلية على صعيد الأعمال والثقافة، حيث كان الرعيل الأول من أبناء البورجوازية ذلك الوقت ذو ثقافة فرنسية، وهو جيل أبناء سعيد الزعيم، في حين أن الجيل الثاني جيل الخمسينات توجه نحو الثقافة الانجلوساكسونية، ويظهر ذلك بعد نظر ورؤية مستقبلية لما ستكون عليه الأحوال في السنوات اللاحقة.

كان سعيد الزعيم محبا للأسفار، وقد زار عددا كبيرا من دول العالم، ويتضح من خلال كتاباته أنه كان ينظر بعين الفاحص والناقد لما يراه ويطلع عليه، وقد منحه ذلك سعة إطلاع ومعرفة بتجارب وأحوال العديد من الدول، وهذا ما أكسبه سمة رجل الدولة، ورجل الأعمال الطامح ( اهتمامه بالصناعة والمال والتأمين)، حيث لم يستكن لتجارته الرابحة.

سجن محمد سعيد الزعيم يافعا، بجريرة والده في العهد العثماني، مما أكسبه عداءا للسيطرة العثمانية، وميولا قومية تجلت في مواقفه اللاحقة من القضايا العربية، وسعيه إلى دعم المناضلين العرب في فلسطين والجزائر، كما كان معاديا للإستعمار الفرنسي، ومؤيدا للحركات الوطنية المناهضة للاحتلال وفي مقدمتها الثورة السورية الكبرى، وإجلاله لرجالاتها. لقد كانت البورجوازية المحلية تخوض نضالا مريرا ضد السيطرة الأجنبية التي تغلق عليها منافذ التطور وتوسيع النشاط وتعيق تقدمها، وهذا جعل موقفها الوطني منسجما مع مصالحها.

روج سعيد الزعيم من خلال بعض كتاباته، إلى القطيعة الجمركية مع لبنان، واستند في ذلك إلى تضارب المصالح والدفاع عن الصناعات الوطنية الناشئة، شأنه في ذلك شأن العديد من التجار السوريين، والمتنفذين الإقتصاديين أمثال خالد العظم. يبرز الموقف من الإتحاد الجمركي، المنافسة والصراع الدائر بين بورجوازية ناشئة تسعى لانتزاع مواقع حجبت عنها بفعل عوامل تاريخية وجغرافية، وبورجوازية مستقرة حققت مكاسب نتيجة صراع مرير مع السيطرة الأجنبية، وحصلت على امتياز التعليم والجغرافية ووحدة بلاد الشام. لقد كانت البورجوازية اللبنانية والبيروتية خاصة بفضل تعليمها الأفضل بين السوريين ذلك الوقت، وكون ميناء بيروت هو ميناء سورية الرئيسي، هي الأقدر على الحصول على الوكالات التجارية، والتعامل مع العالم الخارجي، وتنمية قطاع مالي ومصرفي متطور، ومع صعود البورجوازية السورية وتطلعها لتطوير أعمالها، اصطدمت بهيمنة البورجوازية اللبنانية على الوكالات التجارية وجزء من التجارة الخارجية لسورية، وفي هذا المجال لم تكن الصناعة السورية معنية بكل ذلك، وكان ممكنا الحفاظ على مصالحها في إطار الإتحاد الجمركي إذا توفرت النوايا الطيبة، ولكنه لم يكن ممكنا أن تتنازل البورجوازية اللبنانية عن مكاسبها التاريخية، لبورجوازية سورية عن دورها التجاري والوسيط المالي، فكان لابد من القطيعة. حاولت حكومة خالد العظم والبورجوازية السورية تصوير الأسباب في التباين في السياسات الإقتصادية بين البلدين، والحقيقة هي أن سورية ولبنان لم يتحولا إلى دولتين تقومان على المؤسسات، والمصلحة الوطنية العليا، هي التي تحكم سياساتهما وإجراءاتهما، وكانت مصالح الفئات النافذة في كل منهما هي المصالح الوطنية، ويتم اتخاذ المواقف وفقها. قدم عدد من الباحثين ذلك الوقت رؤيتهم واقتراحاتهم، المبنية على المصالح الوطنية والقومية للبلدين بعيدة الأمد، كانت تصلح لأن يعاد على ضوئها النظر في اتفاق الوحدة الجمركية، ووضع ترتيبات تناسب الطرفين وتضمن حقوقهما، ولكن كل ذلك لم يكن ليرضي البورجوازية ويحفظ مصالحها الآنية الضيقة.

احتل سعيد الزعيم مناصب هامة، نائب رئيس غرفة تجارة حلب وعضو مؤسس في اتحاد الغرف التجارية والصناعية والزراعية العربية، و وزيرا للمالية في الخمسينات، وتظهر إجراءاته وكتاباته ذلك الوقت، الرؤية الإصلاحية التي حملها، وسعيه إلى إرساء البعد المؤسسي في عمله في الغرفة، و في تطوير الجانب المؤسسي والعلمي في عمله الحكومي، والاستعانة بالخبرة الأجنبية لتطوير النظام النقدي والمالي، ودعوته للتخطيط ولتطوير وزارة الإقتصاد ودورها في الإقتصاد الوطني، وتأكيده على أهمية الرقم الإحصائي وضرورة تطوير الجهاز التخطيطي. تعكس جملة هذه الإجراءات والآراء رؤية متكاملة للإدارة العامة ودورها التنموي، والأكيد أن قلة قليلة من أقرانه كانت تمتلك مثل ذلك الوضوح والجرأة في الطرح والمعالجة.

إن البحث في تطور الرأسمالية في سورية، يحتاج إلى جهد ووقت كاف، لم يكن متاحا لهذه الورقة الإلمام بأبعاد هذا التطور والبحث المعمق في عوامله، وهي محاولة في تسليط الضوء على بعض العوامل التي أعاقت هذا التطور، والمراحل التي قطعها تطور البورجوازية في اتجاه تشكيل طبقة رأسمالية عضوية، ولم يتم التركيز على العديد من العوامل وخاصة في فترة الوحدة السورية المصرية، ووصول حزب البعث العربي الإشتراكي إلى الحكم، وتم التوقف عند أوائل الستينات عندما تبددت أحلام البرجوازية السورية في التحول إلى طبقة سائدة، والتي كانت وفاة سعيد الزعيم رمزية في التعبير عن تبدد هذا الحلم. د. نبيل مرزوق

دمشق في 27/11/2010

 

 

Advertisements

About منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني

موقع منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني
هذا المنشور نشر في حول العالم وكلماته الدلالية . حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s