نقاش في حلقة مفرغة حول توصيف التجارب الاشتراكية والمثقف الألماني والمعجن السوفيتي

نقاش في حلقة مفرغة حول توصيف التجارب الاشتراكية والمثقف الألماني والمعجن السوفيتي

سلامة كيلة

خاص الأفق الاشتراكي- ألاحظ منذ البدء بأن النقاش مع سامي العباس يدور في حلقة مفرغة، حيث يتكرر الموضوع ذاته بالفكرة ذاتها، ولا ينتقل إلى أبعد في نقاش يمكن أن يثمر. فالمسألة بالنسبة له هي توكيد رأسمالية التطور في البلدان الاشتراكية، وأنها التجلي الروسي لظاهرة المثقف الألماني.

هذا من حقه، لكنه لا يدفع النقاش إلى أمام. ولأنني حاولت أن اتقدم قليلاً من خلال نقاش ما أسماه “النقاط التي يستنبت على غموضها سوء فهم وربما سوء ظن”، يرد بتحديد أن ما يهمني هو فقط “تفحص سريرتي على طريقة تكفيريي هذه الأيام، ليعرف هل ينبع اعتراضي من موقع رأسمالي أم من تشدد اشتراكي”، ويطالبني بـ “ضرورة إظهار المزيد من التواضع” الذي خانني في تناولي لمسألتين في رده السابق هما فهم اللينينية وفهم مؤلفات عبدالله العروي. لهذا لا يجد سوى القول بأن ما وصله من “اسهاماتي الكتابية” “لم تبدد انطباعاً تشكل لدي أن خميرته الثقافية لم تتعدى المعجن السوفيتي ولا يبدو أنها على صلة بالثراء المعرفي الذي راكمته المدارس الماركسية… التي استعرض شروط تمايزاتها بكثير من الدقة والفطنة المفكر عبدالله العروي في مؤلفه المهم –العرب والفكر التاريخي_ فصل: الماركسية ومثقف العالم الثالث”(على فكرة سوف نضع هذا الفصل تحديداً على الموقع من أجل استنارة من يريد).

بالنسبة لي ليس النقاش هو تكرار ذات الأفكار بل التوسع، و”تفكيك النص”، وصولاً إلى استنتاجات، لهذا حاولت تفكيك ما استند إليه، أولاً بالنسبة لرأي لينين حول ما أسماه “التحول الاشتراكي”، وثانياً بالنسبة لفكرة العروي حول “المثقف الألماني”. لكنه يكرر القول بأن الماركسية اللينينية هي تجلي لظاهرة المثقف الألماني، لكنني أوضحت خطأ ذلك ولا يفيد تكرار الموقف ذاته، المطلوب هو توضيح كيف توصل إلى هذا التجلي؟ وأوضحت “سوء فهم” فكرة العروي فلم يرد سوى بموعظة، والقول بأنني لست على صلة بالثراء المعرفي الذي قدمه عبدالله العروي. شكراً، لكن لا يفيد التنكيش على “المعجن السوفيتي”، ولا الهرب من نقاش الأفكار. وإذا كنت قد أصبحت “تكفيرياً” لأنني سألت عن الأساس الذي ينطلق منه فماذا نسمي الأحكام هذه؟ ولقد سألت في الرد السابق من أجل “انتشال” النقاش من مأزقه، حيث أن تحديد الأساس في الدعوة إلى دفن اللينينية: هل هو من منطلق “اشتراكي” أو رأسمالي؟ يفرض إجابة مختلفة، وتحليلاً مغايراً. فمثلاً إذا كان ينطلق من رفض دور الماركسية كما صاغها لينين والقول بالتطور الرأسمالي، يكون مستغرباً تشميل لينين بالدفن (كما طالبني في رده الأول) مادامت روسيا قد “سلكت طريق التحول الرأسمالي في المرحلة الإمبريالية”، ولم أسأل من أجل “الوصم”، لأنني لا أنطلق من تحديد أخلاقي للمسائل، بل من أن المسألة تتعلق برؤى مختلفة، وعليّ أن أظهر إشكالية الرأي الآخر. ليست المسألة بالنسبة لي هي مسألة إصدار أحكام كما يفعل، بل مسألة آراء متعارضة، لهذا لا أعتبر أن تبني موقفاً رأسمالياً هو “وصمة” لكي أكفر معتنقها، بل أعتبر أنها مسألة صراع طبقي تفرض النقاش والتفكيك والصراع.

أما عن التواضع فلم أفهم أساس طرح هذا الأمر، هل لأنني اعتبرت أنه طرح تصوراً للينينية مغايراً لما طرحه لينين؟ المسألة تتعلق بتصور لينين غير لينين الحقيقي، هل في قولي هذا إدعاء؟ هنا يمكن أن أورد نصاً للينين يوضح ما أقول، يقول لينين في نيسان 1917 “مهمتنا المباشرة لا –تطبيق- الاشتراكية، بل الانتقال فوراً وفقط إلى مراقبة الإنتاج الاجتماعي وتوزيع المنتجات من قبل سوفييتات العمال” (موضوعات نيسان ص 7)، ويكمل في خضم النقاشات حول مهمة البلاشفة حيث يرفض اتهام كامينيف له بأنه يحول الثورة البرجوازية الديمقراطية فوراً إلى ثورة اشتراكية” (ص25)، حيث يرفض تحويل الثورة إلى ثورة اشتراكية فوراً، بل يحذر من خطورة ذلك. إذن، هل دمج لينين الثورتين الديمقراطية والاشتراكية كما قال سامي في رده الأول؟ وهل يحتاج الأمر إلى تواضع لكي لا يكتشف هذا التلبيس للينين؟ طبعاً إن الهدف من هذا “التلبيس” هو القول بأن لينين كان يعتقد بأنه يحقق الاشتراكية لكنه فشل، حيث تحققت الرأسمالية. وهو يعتبر [ان منطق لينين في الدمج بين ثورتين هو “فهلوة” كما أشار في الرد الأول، وبالتالي كان عليه أن يؤكد على هذه الفكرة ويعتبر أن تفكيك ما يقول هو عدم تواضع.

وأما عن العروي فإن ما أوضحته هو أن سامي يستخدمه في المكان الخطأ، حيث أن العروي يستخدم تعبير المثقف الألماني الذي كان يحلم بالتغيير من خلال “اللغو” بينما كان التغيير يحتاج إلى الفعل. والعروي كما أوضحت يعتبر بأن لينين أكمل ما بدأه ماركس ولم يعطي الانطباع بأن لينين هو كمثل المثقف الألماني. هل هذا يحتاج إلى تواضع كذلك؟

ولكي يخرج النقاش من توهانه لا بد من أن اتناول بعض المسائل،

1) عن الماركسية اللينينية، يمكن أن أقول باختصار أن سامي يخلط بين الماركسية اللينينية التي تبلورت في الاتحاد السوفيتي والتي أسماها الياس مرقص الماركسية السوفيتية، واللينينية التي دافع عنها الياس وياسين وعبدالله العروي. فالأولى هي التي “وضعت في الاستعمال الأيديولوجي من قبل الأحزاب الشيوعية العربية”، ولاشك في أن الخلط هو نتاج “وعي” الماركسية عبر الماركسية السوفيتية فقط، وبالتالي توهم أنها اللينينية. وجذر الخلاف بيننا ربما يتوضع هنا، حيث أن الماركسية السوفيتية التي وضعت في الاستعمال الأيديولوجي من قبل الأحزاب الشيوعية (والتي ناقشتها في مقال علينا أن ندفن موتانا) طرحت ليس الدمج بين الثورتين البرجوازية والاشتراكية بل التطور الرأسمالي فقط وحصراً، على أمل أن يكون ممكناً الانتقال إلى الاشتراكية بعد ذلك. أما لينين فيميل إلى وجهة أخرى كانت الماركسية السوفيتية قد تجاوزتها، وهي دور الحزب الشيوعي في تحقيق المهمات الديمقراطية كضرورة من أجل الانتقال إلى الاشتراكية، وهي هنا لا تدمج الثورتين بل تقيم فاصلاً بينهما (كما في نص لينين سابق الذكر). ولهذا قلت في ردي الأول بأن سامي يكرر ما فشل في سياسات الأحزاب الشيوعية، التي فشلت في تحقيق التطور الرأسمالي، بالضبط لأنها راهنت على برجوازية هشة (أو وهمية)، ورفضت في الواقع فكرة لينين التي طالها “الإخفاء” والتناسي.

وهنا يمكن له أن يوصمني بأن خميرتي الثقافية لم تتعدَّ “المعجن اللينيني” ربما، وليس المعجن السوفيتي الذي لا يعرفه كما لا يعرف اللينينية (مع اعتذاري لـ “عدم تواضعي” هنا).

2) يشير إلى أنني ربما أتفق معه على أن الماركسية اللينينية “سلكت طريق التحول الرأسمالي في المرحلة الإمبريالية”، وهو هنا لا يميز في النقاش بين السياسات والأهداف وبين النتائج، لهذا يقوّلني ما لا أقوله. نحن نختلف هنا، وهنا بالضبط، فما أقوله أن نهاية التجربة الاشتراكية كانت في تحقق التطور الذي كان على البرجوازية أن تحققه، أو الذي كان “من صلب عمل البرجوازية” كما يقول، وبالتالي فقد حققت ما باتت الرأسمالية عاجزة عن أو غير معنية بـِ تحقيقه. هنا بات دور البرجوازية من الماضي، وبات الحمل على العمال والفلاحين الفقراء، وبالتالي الماركسية. أما أن التجربة يمكن أن لا تتقدم، ويجري التحول نحو الرأسمالية فهذا أمر ممكن، وليس حتمياً في المستقبل. والفارق هو أن التجربة يمكن أن تساعد في تأسيس آليات جديدة تسمح بتحقيق الانتقال إلى اشتراكية أرقى بعد تحقق المهمات الديمقراطية وليس الانتكاس نحو الرسملة كما جرى في التجارب الأولى.

وهنا من التبسيط الفظ اعتبار هذه التجربة هي تجربة تحول رأسمالي في مرحلة الإمبريالية، إنها “محاولة لحل معضلة –التحول المتأخر في ظل الإمبريالية-” لكن في ظل قيادة طبقية أخرى، وفي أفق الانتقال إلى نمط أرقى: هو الاشتراكية.

3) إن مصطلح “المثقف الألماني” يمسك بتلباب دماغ سامي، لهذا لا يستطيع مفارقته، الأمر الذي يجعله يجهد من أجل اثبات أن لينين هو المثقف الألماني، وأن التجربة الاشتراكية قامت على هذا “النزوع الرسولي” لديه.

على كل لن أعود إلى نقاش المصطلح وعلاقته بعبدالله العروي، سوف أناقش كيف فهم سامي معنى المثقف الألماني. يقول سامي وهو يوصف الماركسية –اللينينية التي تصبح “ماركسية أرثوذكسية تسلط ضوءاً شحيحاً على طريق جانبي يسلكه التحول المتأخر إلى الرأسمالية، تحل فيه الدولة المستولى عليها من قبل نخبة مثقفة ذات نزوع رسولي – يلتف حول خطابها الأيديولوجي حامل اجتماعي يجد في هذا الخطاب آماله وأحلامه بالخروج من شرطه الاقتصادي/ الاجتماعي- محل برجوازيتها المحلية الراضخة لشروط التبادل اللامتكافئ في عصر الإمبريالية”. إذن، نخبة يلتف حولها حامل اجتماعي تحل محل برجوازية لم تعد في وارد هذا الدور، وهنا ليست النخبة منعزلة عن قاعدة اجتماعية (هي واسعة على كل حال). ويكمل وهو ينفي أن ما تم تنفيذه هو انتقال إلى نمط الإنتاج الاشتراكي، بأن هذا التحول “كان محاولة لحل معضلة –التحول المتأخر في ظل الإمبريالية- باحلال الدولة محل الطبقة في قيادة عملية التحول الرأسمالي مع ما يلزم لهذا المشروع من تضخيم لدور الإرادة الثورية يصل في بعض الحالات إلى طلاق عقلي مع الشرط الموضوعي، وتالياً مع سياقات العقل المعرفية”، ويشير إلى حرق المراحل في تجارب كامبوديا والقرن الأفريقي على خلفية “التورم الشديد للإرادة الذي أصاب النخب المثقفة الثورية المزودة بالماركسية اللينينية”، ليكمل “ولم يكن ذلك سوى تجليات قصوى لمرض المثقف الألماني”.

بالتالي فإن “مرض المثقف الألماني” هو “النزوع الرسولي”، و”الإرادة الثورية”، و”حرق المراحل”. لكن،أولاً، هل من خيار آخر ممكن؟ هذا ما لا يجيب عليه. وثانياً سواء أسميته رأسمالي أو غير رأسمالي ألم يحقق التطور؟ سامي يتحدث عن الفشل. طبعاً أوضحت بأنه رغم كل ما يمكن أن تكون الأوهام حول الانتقال إلى الاشتراكية فما تحقق هو المهمات الديمقراطية التي هي من صلب عمل البرجوازية. لكنها تحققت في شكل مختلف ليس من الممكن ابتساره كما أشرت قبلاً. وبالتالي فإن المسألة هنا هي أن هذا “النزوع الرسولي” هو الذي حقق التطور الضروري. هل يتحدث سامي عن الأوهام التي تحملها التجربة؟ الأوهام جزء من صيرورة التطور، ولا ننسى “مكر التاريخ” الذي تحدث عنه هيغل. لكن هذه “الأوهام” هي التي صنعت التطور الضروري فهل تلقي بها في سلة المهملات لأننا اكتشفنا بأن ما تحقق هو ليس نمط الإنتاج الاشتراكي بل المهمات التي كانت في صلب عمل البرجوازية؟

إن الإشكالية في النظر هنا هي – إضافة إلى أن المهمة قد أنجزت – أن اختلاف الطبقة التي لعبت دوراً قيادياً، والماركسية التي مثلت رؤية عميقة للواقع لم يعنيا شيئاً بالنسبة لصديقنا. وبجرة قلم يشطبها، ويعتبر بأن المسألة تتعلق بتطور رأسمالي. فهذا الوعي الذي تقدمه الماركسية هو الذي أوصل إلى رؤية تكوين العالم وانسداد الأفق في الأطراف لجهة التطور الرأسمالي. وكانت الطبقة العاملة والفلاحين من يحمل هذا المشروع وليس البرجوازية. ولقد كانت المهمة الجوهرية هي تحقيق التطور الصناعي والمجتمعي والحداثة. الآن، بعد أن تحقق هذا التطور جرت العودة إلى الرأسمالية، وهذا ما يفرض البحث والدراسة والتحليل من أجل ألا يحدث ذلك مرة أخرى. بمعنى أن التجربة لم تكن رأسمالية إلا إذا اعتبرنا أن المهمات المتحققة هي ملك البرجوازية وأن من يحققها يكون قد حقق التطور الرأسمالي بغض النظر عن طبيعته الطبقية. ولا شك في أن الطابع الاشتراكي للتجربة نبع من إلغاء الملكية الخاصة رغم أن ما كان يتحقق هو التطور الصناعي والمجتمعي وليس الاشتراكية كما وصفها ماركس. ورغم أن هذا التطور قد أفضى إلى التحول الرأسمالي، أو أنه بسبب هذا التطور تحقق التطور الرأسمالي، الذي لم يكن ممكناً دون ذلك.

وإذا كان يشير إلى “نزوع رسولي” و”إرادة”، فإن هذا ما بات ضرورياً بعد أن أنجزت الرأسمالية تطورها، وأكملت هيمنتها على العالم. حيث لم يعد التطور “الموضوعي”، و”الطبيعي”، والعفوي، ممكناً ما دام الرأسمال قد بات عنصر تأثير حاسم في كل العالم، وفي الأمم التي لم تتطور خصوصاً. وإذا عدنا إلى العروي نجد أن الفارق بين الأيديولوجية الألمانية و”وريثها” ماركس والفكر الليبرالي تتموضع هنا. فالعروي يحدد مقومات تلك الأيديولوجية بـ”-الصيغة المثالية. – النزعة التاريخانية. – المنطق الجدلي” (العرب والفكر التاريخي، ص155)، وحيث قام ماركس بالتحول المادي انطلاقاً من التشكيلة الاقتصادية الاجتماعية (ص157)، بينما يشير إلى تعارض ذلك “على خط مستقيم” مع “أسس الفكر الليبرالي المترتب على فلسفة الأنوار: الصبغة المادية، التاريخ كتطور مستقيم، المنطق الوضعي” (ص155 -156). لهذا كان المنطق الجدلي يفرض على ماركس أن يدخل الطبقة العاملة كقوة تغيير لتحقيق ما يبدو أن البرجوازية الألمانية عاجزة عن تحقيقه، وجعل لينين يدخل “النزوع الرسولي” و”الإرادة” كذلك، اعتماداً على العمال والفلاحين الفقراء.

هنا ماركس ولينين والعروي في خط واحد ضد أسس الفكر الليبرالي. لهذا نجد العروي مع لينين فيما أكمل تصوره وهو ينقض الميل الليبرالي في الماركسية كما أشرت في الرد السابق.

وهنا من الضروري تلمس العلاقة بين الوعي والإرادة من جهة، والتطور الموضوعي من جهة أخرى كما تطرحها الماركسية، لأن كل الرفض للينين يقوم على “إرادويته” وحرقه المراحل، أي رفضه لأسس الفكر الليبرالي بالذات وتعلقه بالجدل المادي في فهم الصيرورة الواقعية. هذه الصيرورة التي باتت تفرض أن تلعب الماركسية كفكر ووعي يهدف إلى فهم الواقع ووعي آليات تغييره، بالاستناد إلى العمال والفلاحين الفقراء، ومن خلال دور الدولة، دور المحقق للتطور الصناعي والمجتمعي. طبعاً نتيجة انسداد الأفق.

“المثقف الألماني” هنا هو ماركس وليس أي أحد آخر، وبالتالي يستقيم وضع سامي للينين في خانته.

4) يعطي سامي “موعظة” في ضرورة النقد، وأهميته من أجل “فهم الشروط التي أحاطت بعملية ولادة هذا المعنى أو ذاك”، لتوطين المعرفة، والانتقال من خانة المستهلك للمعرفة إلى خانة المشارك في إنتاج المعرفة. ليصل إلى أن “النقد الموجه إلى اللينينية ليس إلا في إطار تملك لها كقراءة مميزة في دفاتر الماركسية، وهي لأهميتها فقط تستحق النقد”.

وأشير إلى أنني لست ممن يرفضون النقد والتخطيء إذا كانت الفكرة التي يطرحها سواء ماركس أو لينين أو غيرهما خاطئة، وكل النقاش الذي يجري هنا هو دفاع عن فكرة صحيحة، ليس لأن لينين قالها بل لأن التطور العالمي قد أوضح أهميتها. لهذا عمدت في ردي السابق إلى البدء في البحث في الواقع قبل تناول ما قال لينين، أو الدفاع عن صحة فكرته حول أفق التطور.

لكن أول ما يجب أن يتوضح هو عدم الخلط بين اللينينية (كما طرحها لينين وليس كما صيغت بعده) وبين “أيديولوجية الأحزاب الشيوعية” كما أشرت قبلاً، فهذه غير تلك، ومن لا يستطيع تحديد الفارق لن يكون قادراً على فهم كل تجربة القرن العشرين، وسوف يطرح ما تطرحه الأحزاب الشيوعية وهو ينقد لينين بدل أن يتجاوز ما تطرحه هذه الأحزاب. لقد طرح حزب العمل الشيوعي في سورية مفهوم الثورة الاشتراكية في مقابل مفهوم الثورة الديمقراطية البرجوازية الذي كانت تطرحه الأحزاب الشيوعية. وكان خلاف الحزب الشيوعي السوري – المكتب السياسي نهاية الستينات نابع من القول بضرورة قيادة الحزب الشيوعي للتغيير في مقابل فكرة الحزب التقليدية التي تقول بقيادة البرجوازية. وبالتالي لا بد من أن يكون النقد لفكرة يقولها لينين أو الأحزاب الشيوعية وليس لما نتوهم بأنه يقولها لأننا أصلاً ضد الفكرة. لينين قال بقيادة العمال والفلاحين الفقراء لثورة هي ديمقراطية الطابع، والأحزاب الشيوعية قالت بأن الثورة ديمقراطية الطابع يجب أن تقاد من قبل البرجوازية. هل هناك نقد لفكرة لينين؟ يمكن أن تطرح كفكرة للينين. وهل الخلاف مع فكرة الأحزاب الشيوعية؟ يمكن أن يناقش ذلك. أما الخلط فليس مستحباً أو صحيحاً.

5) يطرح سامي أن اللينينية “تستحق التقليب النقدي” على ضوء الأزمة الفكرية والسياسية الراهنة التي تعصف بالأحزاب الشيوعية، ويكمل أن ذلك ضروري “لإضاءة تخوم قدرتها على الاستجابة للأسئلة المستجدة”. وإذا كنت لا أربط بين اللينينية والأحزاب الشيوعية كما أشرت إلا أنني مع تقليبها، وتمحيصها، لكن ليس من أجل معرفة مدى استجابتها للأسئلة المستجدة، لأن الأسئلة المستجدة تفترض العودة إلى الجدل المادي، منطق الماركسية، من أجل فهم الواقع الراهن بغض النظر عن إجابات اللينينية، ومدى استجابتها لهذه الأسئلة التي يطرحها الواقع الراهن.

النقاش حول اللينينية يتعلق بتمحيص إجاباتها في لحظتها، وهل كانت خياراتها صحيحة أو لم تكن. وربما يضيء بعضها رؤيتنا ونحن نبحث في الواقع انطلاقاً من المنهجية الماركسية (وربما لا يضيء كذلك). لكن ما توضح هو أن تحليل الوضع العالمي، ودراسة وضع النمط الرأسمالي، يوصلان إلى أن أفق التطور الرأسمالي مسدود، وأن التطور مرتبط بالعمال والفلاحين الفقراء وبدور الماركسية.

هنا ألمس فهم سامي للوضع العالمي، حيث يشير إلى أن “سيرورة التحول الرأسمالي التي باشرت الدخول في مرحلة جديدة هي مرحلة التوسع في دائرة الإنتاج تحت إكراهات الشروط الجديدة التي تخلقت في المركز: التلوث و ارتفاع كلفة الإنتاج بفعل المكتسبات التي حققتها الطبقة العاملة على جبهتي الأجور وساعات العمل: تستحق هذه المستجدات التفكير بها لا رميها في خانة اللامفكر فيه على عادة الأنساق المعرفية التي تتحول إلى أيديولوجية”. لكن من قال أن هذا لا مفكر فيه؟ أو ليس مبحوثاً؟ ولقد بحثت فيه في مواضع متعددة، وأجبت على هذه المسألة في ردي الأول على قوله الفكرة ذاتها في رده الأول عليّ، لكنه كرر هنا ما قاله دون أن يفكك ما قلت. ولا يفيد هنا تكرار كلمات “إكراهات” و”الشروط الجديدة”، بل يجب أن تحدد الإكراهات وتتحدد الشروط الجديدة. أما حول الأجور وساعات العمل فلم تفرض سوى نقل هوامش صناعية إلى الأطراف. فدائرة الإنتاج لازالت متمركزة في المراكز، ولقد نقلت بعض الفروع من الدرجة الثالثة أو الرابعة (أي التجميع) إلى الأطراف (ربما سوى في الصين). وسنلمس هنا بأن الحديث عن الأجور ينطلق من منطق شكلي يلحظ الفارق الهائل بين الأجور في المراكز والأجور في الأطراف، دون أن يلحظ بأن المسألة لا تتعلق بهذا الفارق فقط بل تتعلق بالفارق التقني بين العامل في المراكز والعامل في الأطراف الذي يجعل فارق الأجور شكلياً لأن إنتاجية العامل في الأطراف وإتقانة يقلل من قيمة السلعة ذاتها، سواء نتيجة تدني الاتقان أو نتيجة ساعات العمل الزائدة في إنتاجها، وبالتالي يقلص فائض القيمة ربما أكثر من الأجور المرتفعة في المراكز. وهذا الأمر هو الذي جعل انتقال الصناعة يتجه إلى البلدان التي أصبحت صناعية أصلاً، مثل أوروبا الشرقية والصين (التي تتسم بأجور أقل ومستوى تقني عالٍ)، وربما بعض الدول الأقل تطوراً مثل البرازيل والهند، وليس إلى كل العالم كما يجري الإيهام. أما حول البيئة فإن صناعة البتروكيماويات والاسمنت هي التي جرى نقلها فقط، وهذه لا تؤسس لنشوء مجتمع صناعي (رغم أن صناعة الاسمنت كانت موجودة أصلاً في الأطراف، وبالتالي جرى تملكها من قبل الرأسمال الإمبريالي). وبالتالي فإن كل هذا “التوسيع الصناعي” لا يمكن أن يكون أساس تطور صناعي محلي، لا يمكن أن يشكل “نواة” توسع محلي يفرض الصناعة كوسيلة إنتاج أساسية، وبالتالي فهو لا يقود ولن يقود إلى تعميم الصناعة في الأطراف وتشكيل مجتمعات صناعية حديثة، بل يزيد في تبعيتها وتهميشها ونهبها.

بالتالي هذه الفكرة حول المستجدات ليست صحيحة، بل أن الاستقطاب لازال هو أساس النمط الرأسمالي. ولهذا ليس من خيار سوى لطبقة أخرى غير البرجوازية أن تحقق التطور.

6) أخيراً، بالنسبة لـ “المعجن السوفيتي” الذي يشكل خميرتي الثقافية، يبدو أن سامي لم يضطلع على ما أكتب، أو أنه يعتبر كل استخدام لمصطلحات ومفاهيم ومنهجية ماركسية هو جزء من “المعجن السوفيتي”، وهذا توصيف طالني بعد انهيار التجربة الاشتراكية نتيجة تمسكي بالماركسية، لأن كل ماركسية بالنسبة لرهط من الماركسيين القدامى هي الماركسية السوفيتية. واشير فقط إلى أنني لطالما اعتبرت ذاتي جزءاً من “الثراء المعرفي” ليس لعبدالله العروي فقط، بل كذلك لياسين الحافظ والياس مرقص وسمير أمين ورهط ممن فتح أفق ماركسية بديلة. لكنني رفضت فهم هؤلاء من منظور ليبرالي، والتزمت تصور العروي لماركسيي العالم الثالث الذي يرفض لبرلة الماركسية. رغم أنني أتعامل مع هؤلاء من منظور نقدي لكي اتملك جوهر ما يطرحون لا لكي أقوّلهم ما لا يقولون.

نقاش في حلقة مفرغة حول توصيف التجارب الاشتراكية والمثقف الألماني والمعجن السوفيتي- سلامة كيلة

 

Advertisements

About منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني

موقع منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني
هذا المنشور نشر في نظريات وحركات يسارية وثورية وكلماته الدلالية . حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s