التفاوت المادي والارتقاء الطبقي

 

التفاوت المادي والارتقاء الطبقي

 

 

الياس حريفي

 

 

انه من الأصوب لنا أن نميز بين نوعين من التفاوتات المادية (الفوارق الاجتماعية-الطبقية) بين الأفراد: الأول هو مايمكن أن نسميه تفاوتا مطلقا٬ وهو التفاوت بين أفراد المجتمع من حيث انتمائهم لطبقات اجتماعية مختلفة٬ واختلاف مصادر دخلهم ومواقعهم في علاقات الإنتاج٬ وكذلك تباين مصالحهم وإيديولوجياتهم وتعارضها من فوق ذلك٬ أما التفاوت الثاني٬ فهو نسبي٬ بين أفراد ينتمون لنفس الطبقة الاجتماعية٬ والاختلاف الذي بينهم٬ هو اختلاف في الدرجة فقط٬ والصراع اليومي بينهم هو صراع على مستوى الشكليات لا يغير شيئا بالنسبة لموقعهم الطبقي ولا يمنحهم أي امتياز فعلي.

إننا نعلم الآن٬ من خلال معايشتنا لأنماط التباهي٬ والتلون الإيديولوجي٬ والشراء التفاخري… أن الأشخاص يحاولون بصفة ملحوظة وبطرق متجددة تحقيق الارتقاء الطبقي (الانتقال من طبقة إلى أخرى أعلى منها) سواء كان هذا الارتقاء وهميا عبر تصورات وتمثلات خاصة توجد في أذهان هؤلاء (ونعني هنا بالضبط أفراد الطبقات الكادحة عموما والبروليتاريا بوجه خاص) وذلك على أنهم لا ينتمون لهذا الموقع الطبقي ولا يقفون عليه٬ أو تحقيق الارتقاء عمليا٬ عبر التفكير في إنشاء مشاريع رأسمالية برجوازية صغيرة أو حتى ضخمة٬ ولم لا حين يتوفر الرأسمال٬ وهو منشأ كل تخطيط اقتصادي رأسمالي؟

لكن الخلط يحدث٬وهو يحدث دوما٬ حين يعتقد أن الارتقاء في الدرجة على مستوى الطبقة٬ هو ارتقاء من طبقة إلى أخرى٬ وذلك حين يظن الشخص٬ أنه بتغيير طفيف في دخله٬ أو مظهره٬ أو أثاث منزله٬ قد حقق تطلعاته البرجوازية وتبرأ من انتمائه الطبقي البروليتاري٬ وهذا بوضوح سببه عدم استيعاب الفرق بين التفاوت في الطبقة على مستوى المجتمع (الفارق الاجتماعي المطلق إن جاز التعبير) والتفاوت في الدرجة على مستوى الطبقة٬ فهو والحال هذه٬ غير قادر على إقناع نفسه وغيره بأنه برجوازي٬ إلا انه يقدر بسهولة أن يضع عبارة “أنا لست بروليتاريا” بين عينيه ليظهرها لنفسه٬ وللآخرين٬ فهو حسب منطق فكره٬ يحتل موقعا في المجتمع ليس هو موقع البرجوازية المسيطرة٬ إلا أنه٬ بوهمه الطبقي٬ يضع البروليتاريا في خانة النقيض له٬ وهذا مقصده التبرؤ من الطبقة العاملة فهي بائسة٬ فقيرة٬ جاهلة٬ بقدر ما هو طموح وتطلع جامح للانتماء للبرجوازية الغنية٬ المترفة٬ والعالمة٬ المثقفة..

إن هذا التنافس نحو الارتقاء الطبقي٬ هو تنافس يومي٬ في مجالات الصراع اليومية٬ في المقهى٬ المحل التجاري ٬شاطئ البحر٬ القطار٬ الحافلة …وهذا الصراع٬ من السهل ملاحظته ولمسه٬ من خلال معاينة أساليب التفاخر بأنواع اللباس٬ والأحذية٬ والساعات٬ وطريقة الكلام٬ واللغة واللهجة المستعملتين (غالبا ما تكون هاته اللغة هي لغة الامبريالية في كل بلد ذي نمط إنتاج كولونيالي رأسمالي تبعي فنحد الفرنسية في المغرب والجزائر٬ الانجليزية في مصر٬ وهلم جرا…) وكذلك المواضيع التي يتم مناقشتها أمام الناس٬ والتي هي غالبا عبارة عن نشاطات برجوازية كاذبة٬ وكثيرا ما نلحظ هذا النوع حينما تسهب أسرة ما٬ أمام أسر أخرى٬ عن أثمنة مشترياتها٬ والإصلاحات التي تنوي القيام بها في منزلها الواسع الذي يحتوي على حديقة٬ قد تكون مجرد أصيص من النبات لطرد البعوض! ونجد هذه التمثيليات في القطارات٬ وغرف انتظار الأطباء٬ هذا بالإضافة إلى نوع خاص من التباهي٬ يتم في المقاهي خصوصا٬ بواسطة الهاتف المحمول عبر اصطناع مكالمات وهمية٬ يتم فيها الإعداد لمشاريع عظمى…

كما نجد نوعا فريدا من التفاخر الطبقي هو ما يمكن أن نسميه٬ النفاخر الجنس طبقي٬ أي الجنسي الطبقي فالألبسة القصيرة التي ترتديها معظم الفتيات٬ والشعر المصبوغ٬ وهلم جرا بشتى أشكال الإثارة الجنسية التي ليست في حقيقة الأمر إثارة جنسية بحتة٬ وإنما ما هي إلا شكل جنسي للإثارة٬ إنها٬ بالدرجة الأولى٬ إثارة طبقية٬ واستفزاز اقتصادي طبقي٬ يأتي على شكل تمرد صريح على أنماط التربية المحافظة لأبناء الطبقة العاملة٬ وخصوصا في مجتمعاتنا العربية الاسلامية٬ وانزلاق نحو مواقع التربية البرجوازية “المنفتحة”٬ فكأن بالفتاة٬ تروم تغيير انتمائها الطبقي٬ بالتبرؤ من مظهر انتمائها الطبقي الفعلي٬ وهذا المظهر بالذات٬ هو ٬الثقافة اللباسية المحافظة.

وبين جميع هذه الأشكال من الصراع اليومي٬ قاسم مشترك رئيسي٬ وهو جهل الأفراد٬ بأن الأشخاص الذين يرتادون نفس المكان ينتمون لنفس الطبقة الاجتماعية٬ و الاختلاف الذي بينهم٬ هو اختلاف في الدرجة فقط٬ إذ أنهم اثر اجتماعهم في المكان الواحد٬ يستهلكون منتجات لها قيم تبادلية جد متقاربة ٬فالذين يجلسون٬ مثلا٬ في مقهى واحد٬ يستهلكون مشروبات متقاربة السعر وأيضا يشترون الشكل الجمالي للمقهى بسعر واحد.

وهنالك بعض الحذاق٬ الذين لهم معرفة مسبقة بهذا القانون٬ يرتادون مقاه توجد في الأحياء البرجوازية تبعد عن مقر سكناهم بعشرات الكيلومترات٬ كالذي يرتاد مثلا مقهى في أحد الأحياء البرجوازية في الدار البيضاء كحي “عين الذياب”٬ مثلا٬ في حين انه يقطن بحي يبعد عنه بعشرين كيلومترا٬ هو حي “سيدي مومن” البروليتاري الهامشي٬ فهذا الشخص إن شرب قهوة في ذلك المقهى٬ لا يشرب مثلها حتى تمر شهور عدة٬ فهو٬ من جهة٬ لا يستطيع الجلوس فيه كل يوم٬ لتعريفته الباهظة٬ وبعده عن مقر سكناه٬ ومن جهة أخرى٬ يشعر بأنه قد تم خداعه٬ علنا٬ كلما أدى ثمن قهوة في ذلك المقهى٬ وهو ثمن بخس ٬إذا ما قيس بالقدرة الشرائية لبرجوازي حقيقي٬ فقيمة ما يستهلكه٬ إذن ٬ليس القهوة فقط وإنما أيضا ٬الشكل المزوق للمقهى٬ ومحيطه٬ والذي يعطيه إحساسا مؤقتا- ولو وهميا -بالانتماء الطبقي البرجوازي٬

إن هذا الفعل٬ الذي هو الجلوس في مقهى بمنطقة سكنية أو سياحية برجوازية٬ لا يحقق تطلع الشخص الطبقي٬ بل فقط يتبثه ويكرسه٬ وذلك عبر إحباطه في كل مرة٬ فهو لا يصير بذلك برجوازيا٬ وإنما فقط٬ يتسبب لعبارة “أريد أن أكون برجوازيا”٬ لمزيد من الإلحاح في ذهنه.

لحل هذا التناقض٬ يقترح الشخص لنفسه انتماء وسطيا٬ هو الانتماء لما يسمى٬ بالطبقة الوسطى٬ والتي هي طبقة لا وجود لها٬ وحتى ان اعترفنا لها بالوجود٬ فهي طبقة لا مستقبل لها٬ وقد قالها ماركس قبل أن نقولها نحن هنا٬ لأنها تستمر فترة وجيزة ثم تتلاشى وتختفي٬ فهذه الطبقة المكونة من الأطباء٬ والمهندسين ٬والأساتذة الجامعيين٬ لا يدوم أفرادها على حالهم٬ وفي موقعهم٬ حتى ينقسموا بين بروليتاريين وبرجوازيين٬ فالطبيب الذي يعمل في المستشفى العام هو وحده في الطبقى الوسطى( ونتمنى أن تتاح لنا فرصة مناقشة قضية رأس المال العمومي في دراسة لاحقة) أما الذي يعمل في المستشفى الخاص٬ فهو بروليتاري٬ بينما الذي يعمل في المستشفى الخاص والعمومي معا٬ فهو نصف بروليتاري٬ “راجع بهذا الصدد كتاب الطبقة العاملة الحديثة والنظرية الماركسية٬ لعبد السلام المودن” أما الطبيب الذي يعمل في عيادته الخاصة ٬ويستخدم ممرضات مساعدة٬ فهو برجوازي٬ وحتى إن كان هذا الأخير له دخل أقل من الأول٬ لأن الانتماء الطبقي لا يتحدد بالدخل٬ وإنما بالموقع الذي يحتله كل واحد في علاقات الإنتاج “هي في مثالنا علاقات الإنتاج الرأسمالية وبالضبط في شكلها الكولونيالي التبعي”.

وفي نفس السياق٬ نرى أن رجال التعليم مثلا٬ يحسون ببعض الامتياز٬ لعملهم في القطاع الحكومي٬ أي لأنهم ليسوا عمالا بل موظفين٬ وهذا التمايز الزائف بين الموظفين والعمال٬ يمكن أن نبرهن على عدمه بقول بسيط٬ وهو أنه حتى القطاع العمومي٬ في ظل نمط الإنتاج الرأسمالي٬ لا يتعدى كونه “الرأسمال العام” الذي لا تملكه البرجوازية٬ ورقيا٬ لكنها المستفيدة الأولى من عوائده.

أما الفرق بين أجرة الموظف٬ وأجرة العامل٬ فهو ليس فرقا نقديا كميا٬ وإنما هو فرق كيفي٬ نوعي٬ لأن الموظف على خلاف العامل٬ يتلقى أجرته بالدخل٬ وليس بالرأسمال المتحول “القيمة المنتجة وفائض القيمة” فالعامل٬ يعمل لخلق قيمة وفائض قيمة للرأسمالي٬ أما الموظف فهو لا ينتج شيئا ٬وحتى إذا أنتج٬ فهو لا ينتج قيما جديدة٬ وإنما يعمل من أجل قيمة وفائض قيمة موجودتين مسبقا٬ ويراد فقط تحقيقهما “انظر فصل الأشكال الاجتماعية الثلاثة للطبقة العاملة٬ في الكتاب المذكور سابقا”.

وإنتاج رجل التعليم٬ ليس إنتاجا سلعيا٬ ماديا٬ بل هو٬ بالدرجة الأولى٬ إنتاج إيديولوجي٬ وإنتاج رجل التعليم الإيديولوجي٬ هو مساهمته في انتقال الايديولوجيا البرجوازية المسيطرة٬ من قمة الهرم لقاعدته٬ وهو بهذا لا ينتج شبيبة بروليتارية بفكر برجوازي وحسب٬ بل٬ وأيضا٬ يكتسب صفة القدرة على التلون الإيديولوجي٬ وبلورة أشكال الوعي الطبقى المتعددة٬ فتراه٬ حينا ٬إلى جانب التغيير٬ وحينا آخر إلى جانب التأبيد٬ مع التعديل والإصلاح٬ لكنه اجتماعيا٬ أعني طبقيا٬ يشترك مع العامل في صفة جوهرية تعتبر شرطا حاسما٬ في تحديد الكادح “وليس البروليتاري بالضبط” وهي الحرمان من امتلاك وسائل الإنتاج وقد يصير رجل التعليم بروليتاريا أو نصف بروليتاري إذ خضع خضوعا كليا أو جزئيا للتعليم الخصوصي وهذا ما يقودنا٬ إلى استنتاج حاسم٬ وهو أنه لا بد من التفريق بين مصيرين٬ لأفراد هذه الفئة “الطبقة٬” الوسطى٬ فإما أن يستثمروا فائض دخلهم المتراكم والمرتفع نسبيا٬ فيصيروا بذلك برجوازيين٬ وإما أن يخضعوا للقطاع الخاص فيصيروا بذلك بروليتاريين.

وهذا٬ طبعا٬ من ناحية التفاوت المادي “المطلق” ٬أما من حيث التفاوت “النسبي”٬ فيجب أن ننتبه إلى شيء جوهري٬ وهو عملية الإسقاط٬ التي يقيمها أفراد بروليتاريون٬ على بروليتاريين آخرين٬ أعلى منهم درجة٬ أو معهم في نفس التحالف الطبقي المضاد للبرجوازية٬ ويتمثل هذا الإسقاط٬ في الاعتقاد بأنهم هم خالقو مشاكلهم٬ فهم الذين لا يتصدقون على الفقراء٬ إن هذا الإسقاط عائق رئيسي أمام نمو الوعي بالوحدة الطبقية والسياسية والإيديولوجية٬ بين جميع أفراد الطبقات الكادحة٬ رغم تفاوتهم النسبي…

ولفهم الاختلاف في الدرجة على مستوى الطبقة٬ يكفينا المثال الآتي :إذا اعتبرنا عمارة تتكون من عدة شقق٬ والعمارة٬ تمثل الطبقة٬ فنجد كل شخص فيها قد شكل شقته بشكل معين٬ قام بإصلاحات٬ أو غير الباب٬ أو النافذة٬ كما أثثها كل واحد٬ على هواه وقدرته٬ لكنهم٬ كلهم٬ اشتروا هاته الشقق بثمن واحد٬ أو بأثمان متقاربة٬ مما يحكم عليهم بالتالي الانتماء لنفس العمارة٬ وبالتالي٬ لنفس الطبقة الاجتماعية .وما نقوله عن الطبقات الكادحة٬ يصلح أيضا على الطبقات المسيطرة ٬فنجد ترواث٬ البرجوازيين متفاوتة تفاوتا نسبيا ٬لكنهم كلهم يشتركون في خاصية امتلاك الرأسمال ووسائل الإنتاج.

انه ليس ما في التفاوت المادي النسبي٬ ما يؤثر كثيرا على تاريخ الصراع الطبقي “ويجب أن نفرق هنا بين التفاوت النسبي الذي هو ذو طابع فردي والتناقض الثانوي الذي يكتسي طابعا طبقيا” لكنه يصور كتفاوت “مطلق”٬ يلغى به الفارق الاجتماعي الحقيقي٬ وأخطأ الظن٬ هو القول بأن القوانين التي تحكم التفاوت النسبي ٬هي٬ نفسها٬ التي تحكم التفاوت المطلق٬ فما يخلق الأول٬ يكون اختلاف المهنة٬ والتأهيل ٬والمهارة٬ أما الثاني٬ فأصله تركز وسائل الإنتاج في يد الأقلية.

ويزعم بعض المفكرين٬ المنزلقين نحو مواقع الفكر البرجوازي المسيطر٬ من معارضي الاشتراكية ٬بأن الفوارق الاجتماعية بين الناس٬ لا محيد لنا عنها٬ مغفلا٬ أو متغافلا٬ الشروط الموضوعية لوجود الطبقة البرجوازية٬ إذ هي قائم وجودها٬ على الاستغلال٬ والسرقة٬ المتجسدين في ذهاب الفرق بين القيمة المنتجة وقيمة قوة العمل الى جيوب طبقة بعينها٬ أعني٬ بالضبط٬ بهذا الصدد٬ فائض القيمة٬ وهذا مفاده أنه لا يجب الخلط أبدا بين نوعي الفارق الاجتماعي٬ فللأول أسبابه وللثاني أسبابه وقوانينه ٬والمجتمع الاشتراكي٬ لا يرمي الى الغاء التفاوت النسبي٬ بقدر ما يرمي٬ الى إزالة الشروط التاريخية لقيام التفاوت المطلق الطبقي الى أن يتم إلغاؤهما معا٬ في الطور الأخير من نمط الإنتاج الجديد٬ أي المجتمع الشيوعي ٬وذلك لا يتحقق طبعا٬ إلا بإزالة الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج٬ والاستعاضة عنها٬ بالملكية الاجتماعية.

Advertisements

About منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني

موقع منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني
هذا المنشور نشر في الماركسية وكلماته الدلالية . حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s