معارك الحركة البيئوية الجذرية

معارك الحركة البيئوية الجذرية

 

 

تشرين الأول (أكتوبر) 2006

المناضل-ة عدد: 13

بيير روسيه

 

كيف يمكن اليوم تمفصل البيئوية ومناهضة الرأسمالية؟

 

بيار روسيه : على غرار النسوانية، يفتح الفكر البيئوي السياسي مجال نقد لا يقتصر على الراسمالية. فقد تشابكت الازمة البيئية والازمة الاجتماعية منذ ماض سحيق. اما التخطيط البيروقراطي الستاليني فقد ادى الى مأزق بهذا الصدد ايضا. هكذا يجب الا تغذي مسألة البيئة مناهضة الراسمالية وحسب، بل الفكر التاريخي بوجه عام( لا سيما التفكير المستقبلي حول البدائل، والانتقال الى الاشتراكية). وجلية جدا اهمية استحضار ذلك.

 

بعد قول هذا، ترتبط الاشكاليتان البيئوية والمناوئة للراسمالية احداهما بالاخرى. هذا لسبب جلي،اولا: كون الازمة البيئية الراهنة ذات منشا بشري يجعل معالجتها تستدعي تغيير نمط اشتغال مجتمعاتنا- وهذه المجتمعات رأسمالية. وثمة ايضا سبب اساسي: نمط الانتاج الراسمالي يتجاهل ربما اكثر من غيره، في صميم منطقه، وديناميته التلقائية، الاكراهات البيئية، إذ محرك الربح والافق المحدود للسوق( بقدر ما يمكن بالاقل تحقيق فائض القيمة) يستتبعان”الانتاج من اجل الانتاج”، هذه النزعة الانتاجوية الملازمة للرأسمالية. وثمة اخيرا أسباب أخرى معاصرة جدا جديرة بالاشارة.

 

خلال العقود الاخيرة تغير نطاق الرهان البيئي. كانت الازمات البيئية السابقة تبقى ذات طابع محلي، حتى ان كانت كارثية. لكنها اليوم تكتسي، على نحو متزايد الوضوح، دينامية اجمالية، على نطاق الكوكب، ليست التحولات المناخية غير احدى اعراضها. التغير هنا نوعي. غالبا ما تثار بهذا الصدد عواقب النمو السكاني العالمي. لكن هذا لا يفسر لماذا ُتغذي الازمة البيئية من طرف بلدان ذات كثافة سكانية متوسطة وديمغرافية مستقرة كالولايات المتحدة الامريكية وفرنسا. لا يمكن في الواقع تناول المعطيات السكانية بمعزل عما تندرج فيه من علاقات اجتماعية.

 

كيف يمكن، من جهة اخرى، عدم ادراك الارتباط الوثيق بين الدينامية الشمولية التي اكتستها تدريجيا الازمة البيئية و تطور الراسمالية الحديث؟ أي توسع تهيكل وتكثف السوق العالمية، ونمو المبادلات الدولية، و تضخم اشكال النقل الهائل، وتطور الصناعة البتروكيماوية، والتفوق الجديد للصناعة الزراعية او قطاع الطرق السيارة، وما يرافق كل ذلك من تبدل انماط الاستهلاك،الخ. منذ امد بعيد يسهم تاريخ المجتمعات البشرية في تكييف مسار تاريخ الطبيعة. وقد اصبح هذا التاثير حاليا اكبر مما كان، مؤديا الى تغيرات اكثر حدة ( تقليص التنوع الاحيائي، افقار المنظومات البيئية، ميل التوازنات الاجمالية الى التغير…) يتضح انها سلبية اكثر من السابق من زاوية نظر شروط المحيط الحيوي لوجود النوع البشري.

 

هكذا يندرج نقد الراسمالية بالضرورة في تفكير بيئوي نقدي- وهذا من زاوية نظر مزدوجة. هذا أولا من اجل ادراك الاسباب الاساسية للازمة المعاصرة( مع بعدها الجوهري: التغير النوعي الجاري). وكذا من اجل استخلاص الحلول الممكنة. وهذا لأن الحركة البئوية مطالبة بالاجابة على سؤال اساسي: كيف يمكن تغيير نمط اشتغال مجتمعاتنا؟ يعلم الجميع ان العقل الببئوي غير كاف بوجه القوى القائمة ودينامية النظام السائد! لا بد من ميزان قوى. هذا ما يوجب تجسد المتطلب البيئوي في حركة”جماهيرية” حقيقية. وذلك ما لن تبلغه دون تبني المطلب الديمقراطي، المواطن، وكذا المتطلب الاجتماعي، ودون تبني التطلع الى المساواة.

 

هل يمكن هذا التلاقي الذي لا غنى عنه بين الشأن البيئوي والديمقراطي والاجتماعي ؟ نعم لأن الازمتان البيئية والاجتماعية المعاصرتان لهما نفس المنشأ، أي الراسمالية بوجه التحديد. الاسباب المشتركة تستتبع حلولا مشتركة. ان مناهضة الراسمالية تتيح هنا، دون ملازمة الطابع “السلبي” لها، ادراك مجال التقاء المعركتين البيئية والاجتماعية. كما تساعد على تحديد بدائل مشتركة، ايجابية وتضامنية. انها تلقي الضوء في الآن ذاته على الاسباب والحلول. وبالعكس اذا امتنعت الحركة البيئوية السياسية عن دمج نقد الراسمالية، تغدو مهددة بفقد أي طابع جذري والانطواء على مواقف نخبوية، معادية للديمقراطية في آخر المطاف، ومنافية للمساواة الاجتماعية، مواقف كسيحة وغير عادلة في الآن ذاته.

 

ليست العلاقة بين الشانين البيئي والاجتماعي مجرد علاقة نظرية. وتتجلى اليوم بالف طريقة. فاشكال التلوث تعتبر مباشرة مشكل صحة عمومية خطير، ويُنظر الى ارتفاع سعر ماء الشرب- المادة الاساسية للغاية- بما هو عامل فقر واقصاء مرعب، وعامل تفاقم التفاوت سواء على صعيد العالم او فرنسا ذاتها.

يتعلق الامر فعلا بعلاقة لا بمجرد مماثلة البيئوية مع اهميتها الاجتماعية. فالفكر البيئوي يدخل بعدا كبيرا لا نجده، كما هو، في الفكر الاجتماعي: تحليل العلاقات بين المجتمعات البشرية والطبيعة. ذلك اسهامها الاصيل وحقلها الخاص. نقول إذن انه يجب تفادي “اختزال” المسالة البيئية في المستوى الاجتماعي وحده، كذا تجاهل التناقض الاجتماعي باسم الرهانات البيئية العالمية. هذا لتجنب الوقوع في شرك” نزعة الاختزال” ( التي اضرت كثيرا باغلبية التيارات المنتسبة الى الماركسية) وكذا في شرك ” نزعة الاجماع” ( التي تبرر انتهازية تيارات بيئوية عديدة). الاهم اليوم هو ” تعقيد المرقة” بين الشانين البيئي والاجتماعي، بين المنهجين المحتفظين بخصوصياتهما لكن المترابطين دوما، والمغذيين لمعارك متساتلة.

 

ما هي ، في هذه الميادين، النضالات والتعبئات ذات الاسبقية؟

 

بيار روسيه: الاولوية من أي زاوية نظر؟ اتردد في الاجابة على هكذا سؤال قد يقود الى ترتيب جبهات النضال على نحو مصطنع. إذ يتعين في المقام الاول دمج الاشكالية البيئية في المعركة الاجتماعية بمجملها – وكذا الاشكالية الاجتماعية في المعركة البيئوية بمجملها. تقتضي هذه الاولوية عملا دائما، متعدد القطاعات تضطلع به جملة واسعة من منظمات متخصصة الى هذا الحد او ذاك. وتتطلب تعاون النقابي مع البيئوي, واكثار المعابر بين الحركات.

 

بعد قول هذا، يمكن طبعا الاشارة الى بعض محاور النضال المكتسية اليوم راهنية خاصة. هذا بدءا بالمسألة النووية، في جانبها السلمي كما العسكري. ان لها راهنية ناتجة في كلتا الحالتين عن”انفتاح” عالمي ( نهاية الحر ب الباردة، أفول مؤكد للطاقة الذرية، لا سيما باوربا)، مصحوب ببروز مخاطر جديدة ( انتشار القنبلة التقليدية، والابحاث الامركية –الفرنسية حول سلاح المستقبل، وسعي فرنسا الى انتاج جيل جديد من المحطات النووية واقبار النفايات). ان القرن العشرين في الرهان. الآن يجب اتخاذ القرار السياسي: التخلي عن النووي.

 

ما بين الاشعاع النووي وارتفاع سخونة الارض… يجب في مجال الطاقة عدم تجاهل جماعات الضغط البترولية باسم المعركة ضد النووي ( او العكس). يتعين علينا، في هذا المضمار كما في اخرى عديدة، معارضة النظام السائد ببديل اجمالي( يتضمن اقتصاد الطاقة على نطاق واسع، واحداث تركيبات مناسبة بين موارد الطاقة، واعادة بناء نظام النقل وتنظيم المدن).

 

ويتمثل مجال آخر من المجالات الملحة في ازمة الماء المتجلية بالجنوب ( حيث يتزايد عدد السكان المحرومين من ماء الشرب) وبالشمال على السواء، كما بفرنسا حيث تفاقم التلويث (الناتج اساسا عن الزراعة-الصناعية)، وخصخصة هذا القطاع الاقتصادي وارتفاع الاكلاف غير المحتمل اجتماعيا. ويمثل تدبير الماء، هذا الملك العمومي المشوه، نموذجا حقيقيا في هذا المجال. فمن جهة يصبح الحصول على ماء الشرب، حتى ببلد معتدل ومطير كفرنسا، مشكلا اجتماعيا، مؤساويا احيانا. ومن جهة اخرى تشكلت قوى خاصة عملاقة تفرض علينا حاليا شريعتها وانجبت شركات متعددة الجنسية متغلغلة في القطاع المالي والاتصالات: جنرال دي زو التي اصبحتت فيفاندي، وشقيقتها الخصم التي اصبحت سويس- ليونيز. يتطلب الحق في الماء (مثل الحق في النقل والطاقة) وضع سياسة عمومية حقيقية. و ُيبرز درجة وجوب اعادة تثمين مفهوم الخدمة العمومية وتوسيعه ( مع تجديدها ودمقرطتها)، ضدا على المنطق النيوليبرالي المجسد في المنظمة العالمية للتجارة او في اتفاق امستردام في اوربا.

 

ودائما بفرنسا، ُيبرز المصير التعس الذي لقيته خطة ناتورا 2000 ، وخمول النواب بوجه لوبي فرط الصيد( اثناء التصويت على قانون حول صيد طيور الماء)، الى أي حد تظل حماية الانواع وتنشيط المنظومات البيئية رهان معركة ضارية. هذا بينما تتجلى اهمية هذه المسائل على الصعيد الثقافي (في علاقات المجتمعات البشرية بالطبيعة)، كما على الصعيد العلمي (في تقدم المعارف) او الشمولي( حفظ توازنات مفيدة لنا بالمجال الحيوي).

 

ما ابعدنا عن إحاطة كاملة بميادين النضال، لكن نختم بالاشارة الى موضوع ذي حالية ملحة، مسالة الاجسام معدلة الجينات. يعطي ظهور براءة اختراع “القاتل” تيرمناتور، الذي يعقم الحبوب، مع اتاحة جني محصول، صورة كاريكاتورية عن المنطق المميز لشركات الصناعة الزراعية: فرض شريعتها على المنتجين والمستهلكين بهدف الربح الرأسمالي( والسلطة). وقد باتت العواقب الاجتماعية، اللاديمقراطية للغاية، لنمط ” التنمية” هذا معروفة جيدا، وقد تُخشى، عن حق، عواقبه على البيئة. فهنا ايضا يجري تجاوز عتبة نوعية في التحويل الاقصى الى سلعة من قبل مطلقي الجن هؤلاء الذين يحكموننا.

 

كيف ترى مستقبل البيئوية الجذرية؟

 

بيار روسيه: اعتقد ان ثمة الكثير مما يتعين القيام به لتأمين تلاقي الشأنين البيئي والاجتماعي في الوعي، والنضالات، والبرامج، والمنظمات، و لتدمج الحركات المنتسبة الى الماركسية، والى الاشتراكية، والى المعركة الاجتماعية، الاشكالية البيئية دمجا حقيقيا. وكذلك كي تدمج الحركات اليبئية، عديمة التقاليد الماركسية، اشكالية التغيير الاجتماعي دمجا فعليا. حاولت ادخال هذه المسالة في مقالي “الاخضر والاحمر بوجه الازمة الاجتماعية البيئية”، الذي صدر بمجلة ايكولوجيا وسياسة العدد 22 –خريف 1998.

 

العملية انطلقت لكنها بعيدة عن الاكتمال. وستغير خطوط الفصل ، كما هي مدركة حاليا، مثلا بين التيارات المسماة” متمركزة حول الانسان” والاخرى المسماة” متمركزة حول الاقتصاد”. اذ نجد لدى الاولى تصورات متناقضة للنزعة الانسانية ( غير مكترثة بالحياة وعاجزة عن دمج الاشكالية البيئية، او بالعكس محترمة للطبيعة ومنفتحة على البيئوية). كما نجد لدى الثانية، تيارات تقدمية وانسانية( لكنها تؤكد على تبعية الانسان للمنظومات البيئية) او رجعية ( بالقوة) ومعادية للنزعة الانسانية.

 

يتعين في المقام الاول، من وجهة نظر سياسية، تامين” الاستقلال الاجتماعي” للحركة البيئية، كما يجب الحفاظ على” الاستقلال الطبقي” للحركة النقابية والاجتماعية. والحال ان هذا الاستقلال مهدد بكيفيات عديدة، بفعل الضعف الداخلي للتيارات البيئوية اولا(أي نقص التوضيح البرنامجي، وانغراس اجتماعي سطحي، وتقاليد انطواء …)، او على نحو مباشر لأن الصناعة الكبيرة، او مؤسسات من قبيل البنك العالمي، تعمل على ايجاد وسائل مالية ضخمة لاستقطاب وتحييد المنظمات غير الحكومية بوجه عام والبيئوية بوجه خاص. وكان معبرا بهذا الصدد ان القرار الملموس الوحيد المتخذ في ريو، اثناء قمة الارض في العام 1992، كان اسناد ادارة صندوق البيئة الى البنك العالمي!

 

وفي هذه المسالة الاساسية المتعلقة باستقلال المعركة البيئوية، طرح طبعا دمج عدد من الاحزاب” الخضراء” باوربا في حكومات مشكلا ، بالنظر الى أن تلك الحكومات تواصل تحديد توجهاتها في اطار النيوليبرالية في الميدان الاجتماعي والبيئي على السواء. كيف سيكون بوسع تلك الاحزاب ان تعيد تاكيد عزمها على القطع مع المنطق السياسي والاقتصادي السائد ، وفي الآن ذاته ممارسة التضامن الحكومي؟ ان تجربة الاشتراكية الديمقراطية السابقة، و اليسار الاشتراكي الديمقراطي، ثم حاليا الاحزاب الشيوعية المدمجة باليسار الحكومي، لا تحمل على التفاؤل بهذا الصدد.

 

يقتضي المضي قدما أن نواصل التفكير العميق لتشجيع تشريك التجارب واستيعاب المعارف التي لا غنى للمعركة البيئوية عنها. لكن الارجح ان تشجيع تساتل النضالات الاجتماعية والبيئوية هو سبيل التقدم في البداية. وقد جرى تنظيم لقاءات بين شبكة “مغادرة النووي” ونقابات منشأتي كهرباء فرنسا وغاز فرنسا. لكننا تأخرنا كثيرا بهذا الصدد قياسا على بلدان مثل البرازيل (وطن البيئوية الشعبية) واسبانيا( حيث تتعاون النقابات والجمعيات البيئوية اكثر وعلى نحو فعال مما عندنا). انه الوجه المظلم لواقعنا بفرنسا. لكن هذا يعني ايضا – وهنا الوجه المشرق- انه يكفينا لتحقيق تقدم كبير ان نسد هذه الثغرة!

 

بيار روسيه

مقابلة مع « Argument pour une écologie solidaire »

ديسمبر1998

تعريب المناضل-ة

Advertisements

About منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني

موقع منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني
هذا المنشور نشر في نظريات وحركات يسارية وثورية وكلماته الدلالية . حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s